النجف اسم عربي وهو أشهر أسمائها والغالب عليها كلها، قال الفيروز آبادي في القاموس: (النجف محرَّكة، وبهاء، (النجفة): مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، ويكون في بطن الوادي، وقد يكون ببطن من الأرض، جمعه نجاف، أو هي أرض مستديرة مشرفة على ما حولها، والنجف محرَّكة: التَّلَّ.. والمسناة ومسناة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل أن يعلو مقابرها ومنازلها..)[1]، وقال الجوهري في الصحاح (النجف والنجــفة بالتحريك: مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد والجمع نجاف..)[2]، وقال الزمخشري في أساس البلاغة: (وفي بطن الوادي نجفة ونجاف وهي مكان مستطيل كالجدار لا يعلوه الماء)[3].
قال الدكتور مصطفى جواد رحمه الله: (وفذلكة الأقوال أن النجف إنما سمي بهذا الاسم لأنه يعني أرضا عالية معلومة تشبه المسناة تصد الماء عما جاورها وينجفها الماء من جوانبها أيام السيول ولكنه لا يعلوها فهي كالنجد والسد[4].
يكاد أن لا تعرف تربة بقعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) باسم، من بين شتى أسماءها إلا بالنجف... منذ القدم إلى يومنا هذا، وإن اشتهارها به أظهر من بقية الأسماء السالفة، لذلك كان أكثر استعمالاً ووقوعاً في الأحاديث الدينية، وكلمات اللغويين، والمؤرخين، والرحالين، والشعراء، والأدباء، وعند سواد الناس من الرجال والنساء بصورة عامة، على اختلاف طبقاتهم، ونحلهم، ولغاتهم، وجنسياتهم. حتى أن أكثر المصنفات التي تناولت دراسة النجف، وتبيان تاريخها وجوانبها نجدها مشفعة عناوينها باسم النجف، مع ذكرهم لواحد من أسماءها، أمثال: كتاب شعراء الغري أو النجفيات... وفرحة الغري في تعيين قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف... ومشهد الإمام أو مدينة النجف... إلى غيره من المؤلفات التي يطول بنا الحديث إذا ما توخينا ذكرها ففي كتب الفهارس نماذج مفصلة منها.
وإليك بيان بعض الأحاديث الدينية التي جاءت فيها اسم النجف...
محمد بن علي بن الحسن العلوي في كتاب (فضل الكوفة) بإسناد رفعه إلى عقبة ابن علقمة أبي الجنوب، قال: اشترى أمير المؤمنين (عليه السلام) ما بين الخورنق إلى الحيرة إلى الكوفة. وفي حديث ما بين النجف إلى الحيرة إلى الكوفة، من الدهاقين بأربعين ألف درهم وأشهد على شرائه.
ابن أبي قرة عن محمد بن عبد الله عن إسحاق بن محمد بن مروان، عن أبيه عن علي بن سيف بن عميرة، عن أبين عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان أبي علي بن الحسين (عليه السلام) قد اتخذ منزله من بعد مقتل أبيه الحسين بن علي (عليه السلام) بيتاً من شعر، وأقام بالبادية فلبث بها عدة سنين كراهية لمخالطة الناس وملابستهم. وكان يصير من البادية بمقامه إلى العراق زائراً لأبيه وجده (ع). ولا يشعر بذلك من فعله. قال محمد بن علي: فخرج سلام الله عليه متوجهاً إلى العراق لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنا معه وليس معنا ذو روح إلا الناقتين. فلما انتهى إلى النجف من بلاد الكوفة، وصار إلى مكان منه فبكى حتى اخضلت لحيته بدموعه.
أبو القاسم بن سعيد، عن شمس الدين فخار الموسوي، عن شاذان بن جبرئيل، عن محمد بن القاسم، عن الحسن، عن أبيه محمد بن الحسن، عن المفيد، عن الصدوق، عن ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن صفوان عن الصادق (عليه السلام) قال: سار وأنا معه في القادسية حتى أشرف على النجف، فقال: هو الجبل الذي اعتصم به ابن جدي نوح (عليه السلام) فقال: (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) فأوحى الله (عز وجل) إليه، أيعتصم بك مني أحد؟ فغار في الأرض وتقطع إلى الشام. فقال (عليه السلام): اعدل بنا فعدلت به فلم يزل سائراً حتى أتى الغري، فوقف على القبر، وقال: هذا قبر جدي علي بن أبي طالب (عليه السلام).
حدثنا علي بن أحمد بن محمد (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسن بن يزيد النوفلي، عن علي ابن أبي حمزة، عن ابي النعمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إن النجف كان جبلاً، وهو الذي قال ابن نوح: (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) ولم يكن على وجه الأرض جبل أعظم منه، فأوحى الله (عز وجل) إليه، يا جبل أيعتصم بك مني؟ فتقطع قطعاً قطعاً إلى بلاد الشام، وصار رملاً دقيقاً وصار بعد ذلك بحراً عظيماً. وكان يسمى ذلك البحر (ني) ثم (جف) بعد ذلك، فقيل: ني جف فسمى بنجف. ثم صار الناس بعد ذلك يسمونه نجف، لأنه كان أخف على ألسنتهم.
هذا وإن أكثر الأحاديث الدينية التي وردت في اسم الغري، هي بعينها التي جاءت في اسم النجف... ننتقل إلى قواميس اللغة، لنقرأ كلمات اللغويين، والمؤرخين في هذا الاسم.
النجف اسم عربي، ومعناه (المنجوف) كالعدد بمعنى المعدود، قال ابن فارس، النون، والجيم، والفاء أصلان صحيحان، أحدهما يدل على تبسيط في شيء مكان أو غيره. والآخر يدل على استخراج شيء. فالأول، النجف مكان مستطيل منقاد، ولا يعلوه الماء، والجمع نجاف. ويقال: هي بطون من الأرض في أسافلها سهولة تنقاد في الأرض، لها أودية تنصب إلى لين من الأرض، ويقال لابط الكثيب نجفة الأرض. ومن الباب النجيف من السهام العريض، ونجفت السهم بريته. كذلك وأصلحته وسهم منجوف ونجيف وغار منجوف واسع.
قال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: النجف، والنجفة بالتحريك، مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، والجمع نجاف وأورد بعد ذلك كبعض ما نقلناه آنفاً.
وقال أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري: وفي بطن الوادي نجفة ونجف، وهي مكان مستطيل كالجدار لا يعلوه الماء وجاء في لسان العرب: النجفة أرض مستديرة مشرفة، والجمع نجف ونجاف.
ابن سيده: النجف، والنجاف شيء يكون في بطن الوادي، شبيه بنجاف الغبيط جنداً، وليس بجد عريض له طول منقاد من بين معوج ومستقيم الماء، وقد يكون في بطن الأرض... والنجفة شبه التل... وقال الليث: النجفة تكون في بطن الوادي، شبه جدار ليس بعريض... ابن الأعرابي: النجفة، المسناة، والنجف التل. قال الأزهري: والنجفة التي بظهر الكوفة، وهي كالمسناة تمنع ماء السيل أن يعلو منازل الكوفة ومقابرها.
وقال الفيروز آبادي: النجف، محركة وبهاء (النجفة) مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، وقد يكون في بطن الوادي، وقد يكون ببطن من الأرض، جمعه نجاف أو هي ارض مستديرة مشرفة على ما حولها، والنجف محركة، التل، والمسناة، ومسناة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل أن يعلو مقابرها ومنازلها.
وقال المطرزي في المغرب: النجف بفتحتين كالمسناة بظاهر الكوفة على فرسخين منها، يمنع ماء السيل أن يعلو منازلها ومقابرها، ومنه قول القدوري، كان الأسود إذا حج قصر من النجف وعلقمة من القادسية.
وقال ابن الأثير: وفي الحديث، أي رب قدمني إلى باب الجنة فأكون تحت نجاف الجنة... قيل: هو اسكفة الباب. وقال الأزهري: هو دروندة. يعني أعلاه. والنجفة: شبه التل. وفي حديث عمرو بن العاص، أنه جلس على منجاف السفينة، قيل: هو سكانها الذي تعدل به. سمي به لارتفاعه.
وقال الخوري الشرتوتي: النجاف بالكسر مصدر. وفي الأساس على بابه نجاف، وهو ما بنى فوق الباب مشرفاً عليه كنجاف الغار. ونجاف الغار، صخرة ناتئة تشرف عليه، النجف: محركة مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، ويكون في بطن الوادي، وقد يكون في بطن من الأرض. والنجفة: محركة النجف، للمكان المذكور والمسناة. ومسناة بظواهر الكوفة، تمنع ماء السيل أن يعلو مقابرها ومنازلها.
وقال ياقوت الحموي: النجف بالتحريك... وهو بظهر الكوفة كالمسناة، تمنع مسيل الماء أن يعلو الكوفة ومقابرها. وبالقرب من هذا الموضع قبر أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب(عليه السلام). وقد ذكرته الشعراء في أشعارها فأكثرت.
وقال أبو الفداء الملك المؤيد إسماعيل بن علي. في وصف الحيرة:- والحيرة مدينة جاهلية كثيرة الأنهار، وهي عن الكوفة على نحو فرسخ. والحيرة على موضع يقال له النجف، زعم الأوائل أن بحر فارس كان يتصل به وبينها اليوم مسافة بعيدة.
------------------------------------------------------------------------
[1]موسوعة العتبات المقدسة: قسم النجف: 1/ 9 ــ 10.
[2] المصدر السابق: 1 /9 ــ 10.
[3] المصدر السابق: 1/ 9 ــ 10.
[4] موسوعة العتبات المقدسة: قسم النجف: 1 ــ 9 ــ 10.