إكمال الدين

وإتمام النعمة في إثبات الرجعة

للشيخ الأقدم والمحدث الأكبر أبي جعفر الصدوق

محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى 381

 

قدم له

العلامة الجليل السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ترجمة المؤلّف والتعريف بالكتاب:

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد: فانّ من دواعي الغبطة أن أُلبي طلب الأخ الشيخ محمّد كاظم الكتبي سلمه الله في تقديم كتابين جليلين لمؤلف واحد هما: إكمال الدين، والأمالي إعتزمت المكتبة الحيدرية إعادة نشرهما تيسيراً لنسخهما.

ولمّا سبق لي ان قدمت لبعض منشورات المكتبة الحيدرية من آثار كريمة وأعلاق خطيرة، وكان من بينهما كتاب (التوحيد) وهو لنفس مؤلف هذين الكتابين الكريمين فقد يكون من المستهجن إعادة نفس التعريف بنصه، كما انّه من الصعب ان أُترجم المؤلف ترجمة ثانية لا تلتقي مع الاُولى حتّى في الخطوط العامة وكيف يتسنى لي ذلك وأنا ألتقي بالمصادر المعنية بالمؤلف للمرة الثالثة، أولاها قبل اثنى عشر عاماً يوم كنت أحظى بخدمة سماحة سيّدي الوالد دام ظلّه وكانت المصادر تحيط به فيراجعها، وكنت أنا أنسخ ما صدر به سماحته أهم كتب هذا العالم الفذ وأعلاها مكانة وأغلاها قيمة علمية وذلك هو كتاب (من لا يحضره الفقيه) فكانت تلك المقدّمة الضافية البالغة 80 صفحة بمثابة دراسة شاملة للمترجم له ولبيته وآثاره ومشايخه وتلاميذه، وبالتالي لما قيل عنه من جمل الثناء وآيات الاطراء فكانت أوفى ما كتب عنه، فرجع إليها من كتب بعده ممّن ترجم المؤلف في مقدّمات كتبه التي نشرت حديثاً سواء في النجف الأشرف أو ايران.

وكانت المرة الثانية قبل أربع سنين يوم أعادت المكتبة الحيدرية طبع كتاب (التوحيد) وطلبت مني تصديره بمقدمة عن المؤلِّف والمؤلَّف فقرأت تلك المصادر التي ترجمته، وفي مقدمتها مقدّمة (من لا يحضره الفقيه) فكانت نتيجتها ما طبعته المكتبة الحيدرية في مقدّمة التوحيد في 48 صفحة تناولت فيها تعريف المؤلف والكتاب وبعض آثاره الاُخرى.

وهذه هي المرة الثالثة التي أعود إلى حياة الرجل فأقرأ ما سبق من المصادر غير ما كتبته في مقدّمة التوحيد محاولا أن لا ألتقي بخطوطها من قريب أو بعيد فيصعب عليَّ ذلك إذ ليس من السهل أن يحاول الكاتب بحث موضوع واحد مرتين أو أكثر، ولا تتحد عنده الخطوط العريضة وإن حاول جاهداً في اختلاف صوغ التعبير والأداء.

لذلك فقد رأيت أن أبتعد عن هجنة التكرار والاعادة إلى الاقتصار على تعريف المؤلف في سطور مع الإشارة إلى المصادر التي تفي بحاجة من يروم التوسع والبسط، كما رأيت أن أُشارك بين الكتابين الجليلين في التصدير إلاّ ما يخص كلا منهما من تعريف نظراً لاشتراكهما في المؤلف والموضوع وقرب موعد الصدور، وبذلك نكون قد وفرنا على أنفسنا وعلى الناشر والقراء كثيراً من الوقت.

 

المؤلّف في سطور:

1 ـ هو محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي نسبة إلى قم، احدى مدن ايران الشهيرة، وكانت ولا تزال احدى الحواضر العلمية.

2 ـ يكنّى بأبي جعفر، ويلقّب بالصدوق، وبشيخ المحدّثين، واشتهر بالأوّل وبابن بابويه.

3 ـ ولد بعد سنة (306 هـ)، ولحديث ولادته طرافة ومتعة، كما لا يخلو من درس وعبرة، حقيق بالمراجعة ليقف القارئ على ما توفر من أسباب ودواع ساعدت في تكوين شخصية المؤلّف، وقد أشرنا إلى ذلك في مقدّمة التوحيد(1)، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مقدّمة كتاب (من لا يحضره الفقيه)(2).

4 ـ نشأ تحت رعاية أبيه الّذي كان يجمع بين فضيلتي العلم والعمل، فقد كان شيخ القميين في عصره وفقيههم المشار إليه بالبنان، اشتهر بعلمه وتمسكه بدينه، وعرف بورعه وتقواه، ورجعت إليه الشيعة في كثير من الأقطار وأخذوا عنه أحكامهم.

فأدرك المؤلّف من أيّام أبيه أكثر من عشرين سنة اقتبس خلالها من أخلاقه وآدابه ومعارفه وعلومه ما سما به على أقرانه، ولم تمض برهة حتّى أصبح الفتى الكامل(3)، فروى عن أبيه جميع مصنّفاته الّتي بلغت 200 كتاباً، وأجازها هو لغيره مع بعض مصنّفاته(4).

وإنّ من تلك المصنّفات ما كان يخص به الأب ولده كرسالته الّتي كتبها له فلخص له فيها كثيراً من الاُصول الحديثية، كما اختصر له الطريق بطرح الأسانيد والجمع بين النظائر والإتيان بالخبر مع قرينه، حتّى قيل: إنّ الأب كان بعمله هذا أوّل من ابتكر ذلك في رسالته إلى ابنه، وكثير ممّن تأخّر عنه يحمد طريقته فيها ويعوّل عليها في مسائل لا يجد النص عليها لثقته وأمانته وموضعه من الدين والعلم(5).

5 ـ سمع الكثير من مشايخ العلم في مختلف الحواضر العلمية العامرة يومذاك، إذ كان من الرحلة في طلب الحديث، فقد رحل إلى كثير من البلدان طلباً للحديث واستزادة في العلم، وربّما حدث هو في بعض تلك البلاد فسمع منه أشياخ البلد على حداثة سنه، وقد ذكر مشايخه سماحة سيّدي الوالد دام ظلّه فأنهى عددهم إلى أكثر من مائتي شيخ، إقتبسنا منهم العلويين فقط فذكرناهم في مقدّمة التوحيد مع بسط تراجمهم فراجع.

6 ـ أمّا البلاد الّتي رحل إليها من بلده قم فهي:

الري وخراسان وإستراباد وجرجان ونيسابور ومرو الروذ وسرخس وسمرقند وبلخ وإيلاق وفرغانة وهمدان وبغداد ـ وقد دخلها مرتين ـ والكوفة ـ وقد دخلها مرتين ـ ومكّة والمدينة وفيد.

هذه البلاد الّتي وصل إليها أثناء تطوافه في طلب الحديث ذكرناها حسب ترتيب وصوله إليها، وقد سمع في كلّ منها عدة من الشيوخ من الفريقين كما سمع منه كثير في بعض تلك البلاد.

7 ـ لا يمكنني حصر تلاميذه في عدد معين ولا تقديم فهرسة تامة بأسمائهم، إذ أنّ ذلك يتوقف على استقراء تام لكتب الرجال، وتصفح شامل لأسانيد الحديث، وإلمام بمتون الإجازات، إذ أ نّه شيخ المحدّثين، وقد ذكر مترجموه أ نّه سمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن(6).

وكان جليلا حافظاً للأحاديث بصيراً بالرجال ناقداً للأخبار، لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه(7)، فكيف يتسنّى لي تحديد الرواة عنه بعدد معين، ولكني أكتفي بإرشاد القارئ إلى أسماء اللامعين منهم ممّن تألق نجمهم في تاريخ المسلمين، كالشيخ المفيد، وعليّ بن أحمد النجاشي والد الرجالي الشهير، والشيخ الخزاز صاحب كفاية الأثر، والحسين بن عبيد الله الغضائري، والشيخ الدوريستي، وابن شاذان، والتلعكبري، والنعالي وهو من شيوخ الخطيب البغدادي، والشريف نعمة الّذي كتب له كتابه القيّم (من لا يحضره الفقيه) والشريف الموضح النسابة وأضرابهم من شيوخ المسلمين.

8 ـ قال الشيخ الطوسي في الفهرست: له نحو من ثلاثمائة مصنف وفهرست كتبه معروف(8)، وقال النجاشي في رجاله: وله كتب كثيرة(9). بهذا ونحوه تهتف كتب التراجم وتنبىء عن تلك الثروة العلمية الضخمة الّتي خلّفها المؤلّف(رحمه الله)، وإنّ في كثرتها ووفرتها ما ينم عن سمو مقامه العلمي، كما انّ تفاوتها وتنوعها كماً وكيفاً ليدلّ على جامعية متفوقة تضم مختلف الفنون، ففيها التفسير والحديث والفقه والرجال والتاريخ والنقد والرد، سوى أجوبة المسائل المختلفة وقد ذكرها بالتفصيل السيّد الوالد دام ظلّه في مقدّمة الفقيه(10).

 

التعريف بالكتاب:

إسمه، موضوعه، الغيبة ومن ألّف فيها، طبعاته.

أ ـ يسمّى هذا الكتاب باسم (إكمال الدين وإتمام النعمة) وقد يقال له (كمال الدين وتمام النعمة) وهو اسم مأخوذ من الآية الشريفة، وهي قوله تعالى: (اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)(11) نظراً لشأن نزولها حيث انّها نزلت يوم الغدير، وعلى ذلك إجماع الإمامية، ويؤيّدهم في ذلك كثير من علماء التفسير وأئمّة الحديث وحفظة الآثار من غيرهم(12).

وحيث انّ إكمال الدين وإتمام النعمة كان بتعيين منصب الإمامة الّتي هي تلو النبوة مقاماً، وصاحبها قائم مقام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنزلته في المسلمين كمنزلة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، له عليهم الولاية العامة والطاعة التامة، فكلّ ولاية وخطة دينية ودنيوية مستمدة منه ومتفرعة من منصبه، ولابدّ لكلّ مسلم من معرفة إمام زمانه فإنّ: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»(13).

ولمّا كان الكتاب يبحث عن آخر أئمّة المسلمين وخلفاء الله في العالمين، ومن وعد الله المسلمين بظهور الحقّ على يده بعد انطماسه وتجديد الإسلام بعد اندراسه بقوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)(14)، كان الكتاب حقيقاً بهذه التسمية الّتي تحكي الموضوع إجمالا، وكان المؤلّف موفقاً كلّ التوفيق في تسمية مؤلّفه بهذا الاسم الكريم.

ب ـ يبحث هذا الكتاب عن حقيقة (المهدي المنتظر) وغيبته، ولم تكن في يوم ما عقيدة (المهدي المنتظر) عقيدة شيعية خاصة كما يتخيل ذلك، بل هي عقيدة إسلامية بحتة، يلي الإعتقاد بها الإعتقاد بالنبوة باعتبار إمامة المهدي(عليه السلام)، فإنّ بعض المسلمين الّذين يؤمنون بالله وبرسوله، وصدّقوا النبيّ بجميع ما جاء به من عند ربّه يعتقدون بالمهدي المنتظر كجزء من عقيدتهم بالإسلام نتيجة اعترافهم بصدق النبيّ، ووجوب اتباعه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(15).

وذلك أنّ الإعتقاد بنبوته يعني قبول جميع أحكامه وتصرفاته، وتصديقه في جميع ما أمر به ونهى عنه، ولمّا كان(صلى الله عليه وآله وسلم) في حكومته مصدر التشريع والتنفيذ ويستند في جميع ذلك إلى وحي الله تعالى وأمره: (وَمَا يَـنْطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى)(16).

فقد أثبت صلاحية الإسلام لأن يكون ديناً ودولة، كما أبان أ نّه الدين الخالد الّذي لا يأتي بعده دين، وأنّ شريعته هي الباقية وخاتمة الشرائع السماوية بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا نبيّ بعدي»(17).

ولابدّ لدين خالد إلى يوم القيامة من وجود قيّم يحكم المسلمين بعد التحاق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى يقوم مقامه، ويخلفه في اُمّته، ويجب على أفراد الاُمّة معرفته والإعتقاد بإمامته، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية».

وحيث أنّ السلطة والزعامة مدعاة للمشاحة والتنافس، وربّما أدّت إلى التدافع والتناحر، فقد أحكم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الخلافة من بعده، وبعمله ذلك فقد حذّر المسلمين من خطر الإنزلاق في مهواة المطامع، فحصر الخلافة في نفر مخصوص سمّاهم بأعيانهم حيناً، وأشار إليهم أحياناً كثيرة.

فقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) الثابت تواتره عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): الأئمّة من قريش، قطع دابر الطامعين في المنصب من غيرهم.

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) الآخر الثابت عند تواتره أيضاً بألفاظ متفاوتة: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثنى عشر خليفة كلّهم من قريش، وفي لفظ لا يزال الدين قائماً... الخ.

وبهذا حصر عدد الخلفاء كما أبان أ نّهم من قريش أيضاً، وهذه حواجز منيعة تصد من لا ورع له من تخطيها طمعاً في ملك أو حبّاً لإمرة أو أثرة، ولكنها لم تحدد طبيعة الخلفاء ومن أيّ أفخاذ قريش وفيها بطون وأفخاذ.

لكن قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث جابر بن سمرة، وحديث سمّاك بن حرب فقد أبان فيه الحقّ وأ نّهم من بني هاشم، قال جابر: كنت مع أبي عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فسمعته يقول: بعدي اثنى عشر خليفة، ثمّ أخفى صوته فقلت لأبي: ما الّذي أخفى صوته؟ قال: قال: كلّهم من بني هاشم(18).

وبعد هذا التحديد والتعيين الإجمالي لابدّ من نصّ يعيّن أشخاصهم ليحيى من حي عن بيّنة، ويهلك من هلك عن بيّنة، ولو التمسنا ذلك في أحاديثه(صلى الله عليه وآله وسلم)لوجدناها كثيرة كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث سلمان قال: دخلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فإذا الحسين على فخذيه وهو يقبّل خديه ويلثم فاه ويقول: أنت سيّد، ابن سيّد، أخو سيّد، وأنت إمام، ابن إمام، أخو إمام، وأنت حجّة، ابن حجّة، أخو حجّة، أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم المهدي(19).

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث ابن عباس قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الإثنا عشر أوّلهم عليّ وآخرهم المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلف المهدي وتشرق الأرض بنور ربّها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب(20).

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث جابر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنا سيّد النبيّين وعليّ سيّد الوصيين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنى عشر أوّلهم عليّ، وآخرهم القائم المهدي(21).

إلى غير ذلك من أقواله(صلى الله عليه وآله وسلم) الّتي وردت بهذا المضمون، وهي صحيحة صريحة لا يسع المسلم إنكارها لأ نّها جازت حدّ التواتر.

وإذ تم ذلك لابدّ أن نخرج بالنتيجة التالية وهي:

إنّ المهدي المنتظر هو آخر أوصياء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلفائه من بعده وحجج الله على خلقه، كما نلمس نتيجة اُخرى وهي القول بوجوده وبقائه، وإلاّ لزم تخلف قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يزال هذا الدين قائماً وأمثاله، خصوصاً إذا لاحظنا حديث الثقلين القاضي بعدم إفتراق العترة عن الكتاب حتّى يردا على النبيّ الحوض، وقد أمر(صلى الله عليه وآله وسلم) بوجوب اتباعهما معاً(22).

كما أكد على لزوم متابعة العترة في أحاديث تخصهم كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث ابن عباس(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): من سره أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن الّتي غرس الله تعالى أشجارها بيده، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليه، وليقتدي بالأئمّة من بعدي، فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهماً وعلماً، ويل للمكذّبين لفضلهم من اُمّتي القاطعين صلتهم لا أنالهم الله شفاعتي(23).

وفي لفظ الطبراني والمحب الطبري: فانّهم عترتي خلقوا من طينتي، ورزقوا فهماً وعلماً.

وتكون النتيجة من جميع ما تقدم انّ عقيدة (المهدي المنتظر) جزء من العقيدة الإسلامية، إذ القول بالإمامة فرع التصديق بالنبوة، والإعتقاد بالمهدي المنتظر لازم للإعتقاد بصحّة الرسالة، وعلى ذلك يحمل خبر محمّد بن المنكدر عن جابر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «من كذّب بالمهدي فقد كفر»(24).

وفي لفظ الحمويني: «من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما اُنزل على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)»(25).

والباحث عن المهدي المنتظر في السنّة النبوية يجد الأحاديث فيه متواترة معنى وتكاد أن تكون كذلك لفظاً لا يسع المنكر ردّها، ولا يحتاج المؤمن إلى بحث أسانيدها وتصحيحها لتواترها.

وتلك الأحاديث النبوية لو نظرناها من ناحية السند والدلالة لأمكن القول بأ نّها ثلاث طوائف:

1 ـ أحاديث صحيحة السند ظاهرة الدلالة خالية من كلّ ريب، قد نصّ أئمّة الحديث وأكابر الحفّاظ على صحتها أو حسنها، وشهد الحاكم في المستدرك وغيره على صحّة بعضها على شرط الشيخين البخاري ومسلم، ولا شك وجوب الأخذ بهذه الطائفة والعمل بها والإعتقاد بما دلّت عليه.

2 ـ أحاديث غير صحيحة من حيث السند، وإن كانت ظاهرة الدلالة والقواعد المقررة توجب الأخذ بها أيضاً على أ نّها مؤيّدة، ولاعتضادها وانجبارها بالطائفة الاُولى وأخذ المشهور بها بل الإجماع على مضمونها.

3 ـ أحاديث فيها الصحيح والضعيف ولكنّها مخالفة لعامة الأحاديث المستفيضة المتواترة، واللازم طرحها والإعراض عنها إن لم يمكن تأويلها(26).

وقد أحصيت في مقدّمة كتاب البيان للحافظ الكنجي الشافعي ما يقرب من ثلاثين صحابياً رووا تلك الأحاديث عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم خليفة واحد وهو أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وثلاث من اُمّهات المؤمنين وهن اُمّ سلمة، وعائشة واُمّ حبيبة، وفيهم حبر الاُمّة عبدالله بن عباس وابن مسعود وسلمان وجابر بن عبدالله وأبي أيّوب الأنصاري وطلحة وعبدالرحمن بن عوف وأضرابهم.

وروى التابعون عنهم تلك الأحاديث، وأخرجها الحفّاظ في مسانيدهم فصححوا إسناد بعضها وناقشوا في إسناد بعضها مع تسليمهم بصحّة أمر المهدي المنتظر، وأ نّه عقيدة إسلامية بحتة صرّح بها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لكن تفاوتوا في مدى إدراكهم لأمرها مع إيمانهم بحقيقتها، شأنهم في سائر عقائدهم الاُخرى.

ويحسن بنا ونحن في هذا المقام تنبيه القارئ على قائمة من تآليف خصت حديث المهدي المنتظر اقتبسناها ممّا صدّرنا به كتاب (ينابيع المودّة) الطبعة الحيدرية، وكتاب (البيان) مع إضافة ما جدّ لنا العثور عليه، وهي:

1 ـ أخبار المهدي: لحمّاد بن يعقوب الرواجني.

2 ـ الأربعون حديثاً في المهدي: لأبي نعيم الاصبهاني.

3 ـ البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: لعليّ بن حسام الدين المتقي الهندي(27).

4 ـ البيان في أخبار صاحب الزمان: للحافظ الكنجي الشافعي وقد طبع مكرراً، وآخر طبعاته في النجف الأشرف وبيروت وطهران مصدّراً بمقدّمة ضافية لنا تعرضنا فيها للمهدية في الإسلام وموقف الشيعة منها.

5 ـ تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان: لابن كمال باشا الحنفي.

6 ـ تلخيص البيان في أخبار مهدي آخر الزمان: للمتقي الهندي.

7 ـ الرد على من حكم وقضى أنّ المهدي الموعود جاء ومضى: للملاّ عليّ القاري.

8 ـ رسالة في المهدي: ضمن مجموعة برقم 3758 بمكتبة أسعد أفندي سليمانية بتركيا.

9 ـ العرف الوردي في شرح القطر الشهدي في أوصاف المهدي: لمحمّد بن محمّد بن أحمد الحسيني البلبيسي.

10 ـ العرف الوردي في أخبار المهدي: لجلال السيوطي.

11 ـ عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر: ليوسف بن يحيى المقدسي السلمي الشافعي.

12 ـ علامات المهدي: لجلال السيوطي.

13 ـ فرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر: لمرعى المقدسي.

14 ـ فوائد الفكر في المهدي المنتظر: لمرعى المقدسي أيضاً.

15 ـ القطر الشهدي في أوصاف المهدي: لشهاب الدين الحلواني.

16 ـ القول المختصر في علامات المهدي المنتظر: لأحمد بن عليّ بن حجر الهيثمي.

17 ـ المشرب الوردي في أخبار المهدي: لملاّ عليّ بن سلطان القاري.

18 ـ مناقب المهدي: لأبي نعيم الاصبهاني.

19 ـ المهدي: لشمس الدين بن قيم الجوزية.

20 ـ النجم الثاقب في ان المهدي من أولاد عليّ بن أبي طالب: في 78 صفحة بمكتبة لاله لي سليمانية.

21 ـ نعت المهدي: لأبي نعيم الاصبهاني.

22 ـ الوعاء المختوم في السر المكتوم في أخبار المهدي: لابن عربي الحاتمي.

إلى غير ذلك من تآليف خصته بباب أو أكثر (كالأوج الأخضر في مناقب الأئمّة الاثنى عشر)، و (الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة)، و (مطالب السؤول)، و (تذكرة الخواص)، و (الفرائد الجوهرية)، و (ينابيع المودّة)، و (الأئمّة الاثنى عشر) لابن طولون وغيرها ممّا لم يخطر ببالي فعلا.

 

ج ـ الغيبة ومن ألّف فيها:

لمنكري المهدي المنتظر أساليب في إنكارهم لغيبته بل ولوجوده، وكلّها لم تنهض بها حجة، ولم يساعدهم إعتبار، فتارة يكذّبون أخبار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عنها إعتباطاً، واُخرى يختلفون على شاكلتها ممّا يوجب وهناً فيها كأخبار مهدي عباسي ومهدي حسني ولا مهدي إلاّ عيسى، وزيادة (واسم أبيه اسم أبي) ونحو ذلك ممّا لم يفلحوا في مسعاهم نحوه.

ولمّا رأوا انّ كلّ تلك الأساليب لم تنجح أصروا على العناد وإنكار وجوده باستبعاد غيبته، ومن العجيب المضحك انّ هذه النغمة البالية لا تزال حتّى اليوم مع تقدم العلم واكتشافاته، وحتّى لو لم يكن للعلم الحديث فتح يكمّ أفواه المنكرين لبقاء الإمام، المدّعين استحالة وجوده طيلة هذه المدة، فإنّ المؤمنين بالله ورسوله لا يضرهم تشكيك اُولئك بعد ما صح عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)كما في حديث ابن عباس المروي في فرائد السمطين قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ عليّاً وصيي، ومن ولده القائم المنتظر المهدي الّذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً، والّذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً إنّ الثابتين على القول بإمامته في زمان غيبته لأعز من الكبريت الأحمر(28).

فقام إليه جابر بن عبدالله فقال: يا رسول الله وللقائم من ولدك غيبة؟

قال: إي وربّي ليمحص الله الّذين آمنوا ويمحق الكافرين(29).

وفي حديث عليّ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: المهدي من ولدي تكون له غيبة إذا ظهر يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً(30).

وفي حديث كميل عن عليّ(عليه السلام) كما في المناقب للخوارزمي أ نّه قال في حديث طويل: اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجّة كيلا تبطل حجج الله وبيّناته اُولئك الأقلون عدداً والأعظمون عند الله قدراً(31).

وقد أشار الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) إلى غيبة المهدي بقوله في خطبة له في الملاحم: «وَأَخَذُوا يَمِيناً وَشِمَالا ظَعْنَاً فِي مَسَالِكَ الْغَيِّ، وَتَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ، فَلاَ تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ، وَلاَ تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ، فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِل بِمَا إِنْ أَدْركَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَمَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَد!

يَاقَوْمِ، هذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُود، وَدُنُوٍّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لاَ تَعْرِفُونَ، أَلاَ وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاج مُنِير، وَيَحْذُوفِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً ، وَيُعْتِقَ رِقّاً، وَيَصْدَعَ شَعْباً، وَيَشْعَبَ صَدْعاً، فِي سُتْرَة عَنِ النَّاسِ لاَ يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَلَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ»(32).

وروى الأعمش عن الصادق(عليه السلام) عن أبيه عن جدّه عليّ بن الحسين(عليه السلام) انّه قال: «ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم(عليه السلام) من حجة لله فيها إمّا ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو الأرض إلى أن تقوم الساعة من حجة فيها ولولا ذلك لم يعبد الله».

قال سليمان الأعمش: فقلت لجعفر الصادق(رضي الله عنه): كيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب(33).

وعن عمّار الساباطي عن الصادق(عليه السلام) أ نّه قال: لا تترك الأرض بغير إمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله، وهو قوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ اُنَاس بِإمَامِهِمْ)، ثمّ قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، ثمّ قال الصادق(عليه السلام): يا عمّار ليست جاهلية الجهلاء.

علة الغيبة:

ما العلّة في غيبته؟ وما الفائدة من وجود إمام غائب لا ينتفع به إذ لا يراه أحد؟

وبهذا ونحوه دخلت الحيرة على جماعة من الناس، فانبرى مشايخنا الأعلام وغيرهم من علماء الإسلام لرد تلك الشبهات ببيان يقرب وجه الحكمة في غيبته، لم يعلم علتها إلاّ الله تعالى كما في حديث عبدالله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد(عليه السلام) يقول: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابدّ منها يرتاب فيها كلّ مبطل.

فقلت له: ولِمَ جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن في كشفه لكم. قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟

قال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر(عليه السلام) من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى(عليه السلام) إلاّ وقت افتراقهما، يابن الفضل إنّ هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أ نّهU حكيم صدّقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف لنا(34).

فألّف جماعة في الغيبة تآليف خاصة عالجوا موضوعها ورد الشبهات حولها، فدوّنت أخبارها قبل وقوعها بمائتي سنة تقريباً(35)، قال المؤلّف في مقدّمة كتابه هذا: فليس أحد من أتباع الأئمّة(عليهم السلام) إلاّ وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه وروايته، ودوّنه في مصنّفاته، وهي الكتب الّتي تعرف بالاُصول مدوّنة مستحفظة عند شيعة آل محمّد من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين(36).

وإلى القارئ أسماء بعض ما ألّف في الغيبة للحجّة، وفيها من كان مؤلّفه قد مات قبل وقوع الغيبة الصغرى، وبعضهم فيها وقبل الغيبة الكبرى الّتي ابتدأت (329 هـ) بوفاة آخر السفراء الأربعة وهو عليّ بن محمّد السمري.

1 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الأحمري النهاوندي، يرويه عنه النجاشي بواسطتين، وسمع منه القاسم بن محمّد الهمداني في سنة تسع وستين ومائتين هجرية.

2 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي إسحاق إبراهيم بن صالح الأنماطي الكوفي الأسدي، يرويه عنه جعفر بن قولويه بواسطة واحدة.

3 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي الحسن المعروف بابن الجندي أحمد بن محمّد ابن عمران بن موسى اُستاذ النجاشي.

4 ـ كتاب الغيبة للحجة وما جاء فيها عن النبيّ والأئمّة(عليهم السلام) ووجوب الإيمان بها، للشريف النسّابة الحافظ الشاعر الأشرف بن الأغر بن هاشم المعروف بتاج العلا العلوي الحسيني المولود بالرملة سنة (482 هـ)، والمتوفى بحلب (610 هـ) عن 128 سنة، حكاه الصفدي في نكت الهميان، عن تاريخ تلميذ المصنّف ابن أبي طي.

5 ـ كتاب الغيبة للحجة: للسيّد الشريف أبي محمّد الطبري المعروف بالمرعش الحسن بن حمزة بن عبدالله بن محمّد بن الحسين بن عليّ زين العابدين (ت 358 هـ)، ذكره النجاشي.

6 ـ كتاب الغيبة للحجة: للحسن بن عليّ بن أبي حمزة سالم البطائني الكوفي، وكان من وجوه الواقفة في عصر الإمام الرضا(عليه السلام).

7 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي الحسن القزويني حنظلة بن زكريا بن حنظلة بن خالد بن العيار التميمي، يرويه عن ابن الغضائري بواسطة واحدة.

8 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي الفضل العباس بن هشام الناشري (ت 220 هـ) أو قبلها بسنة كما ذكره النجاشي.

9 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي محمّد عبدالوهاب المادراني ذكره النجاشي.

10 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي الحسن الشاطري عليّ بن الحسن بن محمّد الطائي الجرمي، وكان اُستاذ الحسن بن محمّد بن سماعة، وهو من وجوه الواقفة، ذكره النجاشي.

11 ـ كتاب الغيبة للحجة:لعلم الهدى عليّ بن الحسين الشريف المرتضى (ت 436 هـ) وقد طبع في حاشية تعليقات الخراساني(37)، وله رسالة وجيزة في الغيبة أيضاً طبعت ضمن نفائس المخطوطات في المجموعة الرابعة من ص 9 ـ 13.

12 ـ كتاب الغيبة للحجة: للسيّد النسّابة بهاء الدين عليّ بن غياث الدين النيلي النجفي الحسيني وهو اُستاذ ابن فهد الحلي (ت 841 هـ) ونسخته موجودة(38).

13 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي الحسن عليّ بن عمر الأعرج الكوفي ذكره النجاشي.

14 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي الحسن عليّ بن محمّد بن عليّ بن عمر بن رباح السواق القلا، يرويه النجاشي بواسطتين.

15 ـ كتاب الغيبة للحجة: للشيخ الجليل أبي محمّد الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري الراوي عن الإمام الجواد(عليه السلام)، وقيل عن الإمام الرضا(عليه السلام) أيضاً المتوفى سنة (260 هـ).

16 ـ كتاب الغيبة للحجة: للشيخ الجليل أبي عبدالله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني المعروف بابن زينب الكاتب وهو مطبوع.

17 ـ كتاب الغيبة للحجة: لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ) وهو مطبوع مكرراً.

18 ـ كتاب الغيبة للحجة: كتاب كبير للشيخ أبي جعفر محمّد بن عليّ الصدوق وهو كتابنا هذا.

19 ـ 20 ـ 21 ـ رسائل ثلاث في الغيبة : كتب أوّلاها إلى أهل الري والمقيمين بها، ذكر الثلاث الشيخ في الفهرست، والنجاشي، وذكر الاُولى فقط ابن شهرآشوب.

22 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي جعفر محمّد بن عليّ الشلمغاني، حكى بعض فصوله الشيخ الطوسي في غيبته.

23 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي بكر محمّد بن القاسم البغدادي من مشاهير متكلّمي الشيعة وهو معاصر لابن همام المتوفى سنة (332 هـ)

24 ـ كتاب الغيبة للحجة: كبير، للشيخ أبي عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد (ت 413 هـ).

25 ـ كتاب الغيبة للحجة: مختصر، للشيخ المفيد.

26 ـ المسائل العشرة في الغيبة: له أيضاً.

27 ـ كتاب النقض على الطلحي في الغيبة: له أيضاً.

28 ـ جواب الميافارقيين في الغيبة: له أيضاً.

29 ـ 30 ـ 31 ـ ثلاث رسائل في الغيبة: له أيضاً(39).

32 ـ كتاب الغيبة للحجة: لأبي الفرج المظفّر بن عليّ بن الحسين الحمداني، قرأ على الشيخ المفيد وحضر درس المرتضى والشيخ الطوسي(رحمهما الله)

33 ـ كتاب الغيبة والحيرة: لأبي العباس عبدالله بن جعفر الحميري صاحب (قرب الإسناد).

34 ـ كتاب الغيبة وذكر القائم(عليه السلام): للشريف النسّابة أبي محمّد الحسن بن محمّد بن يحيى العلوي المعروف بابن أخي طاهر (ت 358 هـ).

35 ـ كتاب الغيبة وكشف الحيرة: لأبي الحسن سلامة بن محمّد بن إسماعيل ابن عبدالله الأزوني (ت 339 هـ).

36 ـ كتاب الغيبة وكشف الحيرة: للشيخ أبي عبدالله الصفواني شريك النعماني الكاتب في القراءة على الشيخ الكليني (ت 329 هـ).

إلى غير هؤلاء ممّن خص موضوع الغيبة بتأليف خاص، وعالج الشبهات الّتي تحوم حوله من المتأخّرين ممّن لا نطيل المقام بذكرهم.

أمّا اُولئك الّذين بحثوا الموضوع ضمن تآليفهم فلا يسعني تعدادهم، وأنا بين يدي كتاب انتهى طبعه وحتّى طبع فهرسته.

ولنختم الكلام بنقل ما قاله بعض الأعلام من شيوخ الحفّاظ من غير الشيعة إتماماً للفائدة.

قال الحافظ الكنجي الشافعي في كتابه البيان وهو آخر أبوابه:

الباب الخامس والعشرين في الدلالة على كون المهدي(عليه السلام) حياً باقياً مذ غيبته إلى الآن:

ولا امتناع في بقائه ـ يعني الإمام المهدي(عليه السلام) ـ بدليل بقاء عيسى والياس والخضر من أولياء الله تعالى، وبقاء الدجّال وإبليس الملعونين أعداء الله تعالى، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنّة، وقد اتفقوا عليه ثمّ أنكروا جواز بقاء المهدي، وها أنا اُبيّن بقاء كلّ واحد منهم، فلا يسع بعد هذا لعاقل إنكار جواز بقاء المهدي(عليه السلام).

ثمّ شرع في بيان ذلك إلى أن أجاب بما ملخصه:

وأمّا الجواب عن طول الزمان فمن حيث النص والمعنى:

أمّا النص ممّا تقدّم من الأخبار على انّه لابدّ من وجود الثلاثة ـ المهدي وعيسى والدجّال ـ في آخر الزمان، وانّه ليس فيهم متبوع غير المهدي... الخ.

وأمّا المعنى في بقائه لا يخلو من أحد قسمين: إمّا أن يكون في مقدور الله أو لا يكون، ومستحيل أن يخرج عن مقدور الله، لأنّ من بدأ الخلق من غير شيء، وأفناه ثمّ يعيده بعد الفناء لابدّ وأن يكون البقاء في مقدوره، وإذا ثبت ذلك فلا يخلو إمّا أن يكون راجعاً إلى إختيار الله أو إلى اختيار الاُمّة، ولا يجوز الثاني لأ نّه لو صح ذلك منهم لصح منّا أن نختار البقاء لأنفسنا ولولدنا وذلك غير حاصل لنا، فلابدّ أن يكون راجعاً إلى اختيار الله تعالى.

ثمّ لا يخلو بقاؤه أيضاً إمّا أن يكون لسبب أو لا يكون لسبب، والثاني باطل لخروجه عن وجه الحكمة، وما خرج عن وجه الحكمة لا يدخل في أفعال الله تعالى، فلابدّ من أن يكون لسبب تقتضيه حكمة الله تعالى.

وقد أطال الحافظ كمال الدين محمّد بن طلحة الشافعي في خاتمة كتابه مطالب السؤول، الكلام في أنّ المهدي هو ابن الإمام الحسن العسكري، وانّه حي موجود، وانّه الّذي سيظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلا بعد ما ملئت جوراً وظلماً.

وعلى مثل هذا سار ابن الصبّاغ المالكي في خاتمة كتابه الفصول المهمّة، وسبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الاُمة، وحري بالقرّاء مراجعتها جميعاً.

 

د ـ سبب تأليف الكتاب:

ذكر المؤلّف(رحمه الله) في مقدّمة كتابه السبب الّذي دعاه إلى تأليف كتابه هذا، وهو ما رآه في نيسابور من حيرة أكثر الشيعة الّذين كانوا يختلفون إليه في أمر الغيبة، وأ نّه لم يزل يبذل جهوداً كبيرة في إرشادهم إلى الحقّ وردّهم إلى الصواب، وكأنّ أمر النيسابوريين كان بداية الفكرة في تأليف كتابه هذا، إذ أ نّه ما برح يفكر في شأنهم حتّى ورد عليه الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن الصلت القمي، وهو ممّن يمتاز بسداد الرأي واستقامة الطريقة لتدينه وورعه.

وكانت تشدّه والمؤلّف أواصر المحبة، وروابط البلد، مضافاً إلى رواية والد المؤلّف عن جدّ الشيخ نجم الدين الّذي كان يمتاز بعلمه وعمله وزهده وفضله وعبادته.

فحدّثه الشيخ نجم الدين عن رجل من كبار الفلاسفة المنطقيين ـ وهم أكثر الناس جدلا ـ أ نّه لقيه ببخارا، وذكر عنه كلاماً في الإمام الحجة(عليه السلام) قد حيّره وشكّكه في أمره لطول غيبته وانقطاع أخباره، فذكر له فصولا في اثبات وجوده، كما روى له أخباراً في غيبته سكنت إليها نفس الشيخ نجم الدين، وزال عنه ما كان دخل عليه من الشك والإرتياب والشبهة، فما كان من الشيخ نجم الدين إلاّ وتقدم إلى المؤلّف بسؤاله تصنيف كتاب في الموضوع.

فأجاب ملتمسه ووعده بجمع ما يبتغي إذا سهّل الله له العود إلى مستقره ووطنه بالري، وصمم أخيراً على التأليف لما رآه في منامه حيث أمره صاحب الأمر(عليه السلام) أن يؤلّف في الغيبة كتاباً، فقدّم اعتذاره بما صنّف قبل ذلك فيها ويشير إلى رسائله الثلاث، ولكن صاحب الأمر(عليه السلام) يأمره بالتصنيف ويصف له الخط العام الّذي ينتهجه في كتابه فيقول له:

ولكن صنّف الآن كتاباً في الغيبة، واذكر فيه غيبات الأنبياء(عليهم السلام)، فأصبح وقد صح عزمه على التصنيف، وكان ذلك في سنة (354 هـ)، أي بعد مضي 25 سنة من أوّل الغيبة الكبرى فألّف هذا الكتاب.

بقي علينا تنبيه القارئ إلى حكمة تصنيف كتاب يذكر فيه غيبات الأنبياء(عليهم السلام) فنقول: إنّ اختيار هذا الأسلوب في الكتاب إنّما هو لرفع الاستغراب في طول غيبة صاحب الأمر(عليه السلام)، فإنّ جميع ما يقال في وجه الحكمة في غيبة الأنبياء السابقين بعد التسليم بوقوعها يقال في غيبة صاحب الأمر(عليه السلام)، ويحسن بنا نقل جواب طريف للنقيب السيّد رضي الدين ابن طاووس(رحمه الله) في رد بعض ما أخذ المخالفون على الشيعة في عقيدة المهدي(عليه السلام) وطول غيبته، قال(رحمه الله) وهو يضرب لهم مثلا بأمر يحسه كلّ ذي شعور:

وأمّا ما أخذتم عليهم ـ على الشيعة ـ من طول غيبة المهدي(عليه السلام) فأنتم تعلمون أ نّه لو حضر رجل وقال: أنا أمشي على الماء ببغداد فانّه يجتمع لمشاهدته كلّ من يقدر على ذلك منهم، فإذا مشى على الماء وتعجب الناس منه فجاء رجل آخر قبل أن يتفرقوا، وقال أيضاً: أنا أمشي على الماء، فانّ التعجب منه يكون أقلّ من ذلك، فمشى على الماء فانّ بعض الحاضرين ربّما يتفرقون ويقل تعجبهم، فإذا جاء ثالث وقال أنا أيضاً أمشي على الماء فربّما لا يقف للنظر إليه إلاّ قليل، فإذا مشى على الماء سقط التعجب من ذلك، فإن جاء رابع وذكر أ نّه يمشي أيضاً على الماء فربّما لا يبقى أحد ينظر إليه ولا يتعجب منه.

وهذه حالة المهدي(عليه السلام) لأ نّكم رويتم أنّ إدريس حي موجود في السماء منذ زمانه إلى الآن، ورويتم أنّ الخضر حي موجود منذ زمان موسى(عليه السلام) أو قبله إلى الآن، ورويتم أنّ عيسى حي موجود في السماء وأ نّه يرجع إلى الأرض مع المهدي(عليه السلام)، فهؤلاء ثلاثة نفر من البشر قد طالت أعمارهم وسقط التعجب بهم من طول أعمارهم، فهلا كان لمحمّد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه وآله اُسوة بواحد منهم، أن يكون في عترته آية لله Yفي اُمته بطول عمر واحد من ذرّيته، فقد ذكرتم ورويتم في صفته انّه يملأ الأرض قسطاً وعدلا بعدما ملئت جوراً وظلماً.

ولو فكرتم لعرفتم أنّ تصديقكم وشهادتكم أ نّه يملأ الأرض بالعدل شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً أعجب من طول بقائه، وأقرب إلى أن يكون ملحوظاً بكرامات الله عز وجل لأوليائه.

وقد شهدتم أيضاً له أنّ عيسى بن مريم النبيّ المعظّم(عليه السلام) يصلّي خلفه مقتدياً به في صلاته وتبعاً له ومنصوراً به في حروبه وغزواته، وهذا أيضاً أعظم مقاماً ممّا استبعدتموه من طول حياته(40).

وقد طبع هذا الكتاب مكرراً في ايران، أقدم طبعاته سنة (1301 هـ)، وفي سنة (1378 هـ) طبع مع ترجمة فارسية في مجلدين نشرتهما المكتبة الإسلامية بطهران، كما طبع في بيروت (1374 هـ) ولم يكمل.

وكما سبق في سنة 1901 م طبع المستشرق مولر الألماني قطعة منه مع مقدّمة بالألمانية في بحثه عن المهدي، وكان ذلك في هيدلبرج(41)، وهذه هي الطبعة الاُولى في المطبعة الحيدرية.

وترجم الكتاب إلى الفارسية السيّد عليّ بن محمّد بن أسد الله الإمامي المعاصر لصاحب الرياض، كما ترجمه بعض فضلاء معاصري المحدّث النوري من سادات شمس آباد إصفهان(42).

وبهذا نكتفي ونختم الحديث بما ينفعنا عند الله سبحانه وهو دعاء رواه المؤلّف في كتابه هذا:

(اللّهمّ ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته، وانقطاع خبره عنّا، ولا تنسنا ذكره وانتظاره، والإيمان به، وقوّة اليقين في ظهوره، والدعاء له والصلاة عليه، حتّى لا يقنّطنا طول غيبته من ظهوره وقيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسول الله(عليه السلام) وما جاء به من وحيك وتنزيلك، قوّ قلوبنا على الإيمان به حتّى تسلك بنا على يده منهاج الهدى والمحجة العظمى، والطريقة الوسطى، وقوّنا على طاعته، وثبتنا على مشايعته، واجعلنا من حزبه وأعوانه وأنصاره، والراغبين بفعله، ولا تسلبنا ذلك في حياتنا ولا عند وفاتنا حتّى توفانا ونحن على ذلك غير شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذّبين).

(وَآخِرُ دَعْوَانا أنِ الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ)

محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان

النجف الأشرف

24 رجب المرجب سنة 1389 هـ

(1) التوحيد: 9 ـ 11.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 9 ـ 11.

(3) مقدّمة الفقيه 1: 12 ـ 13.

(4) الفهرست لابن النديم: 277.

(5) مقدّمة التوحيد: 13 ط النجف الأشرف.

(6) رجال النجاشي: 276.

(7) الفهرست للطوسي: 185.

(8) الفهرست للطوسي: 185.

(9) رجال النجاشي: 276.

(10) من لا يحضره الفقيه: 35 ـ 60.

(11) المائدة: 3.

(12) راجع في شأن نزولها تفسير الرازي 3: 529، وتفسير أبي السعود بهامش الأوّل 3: 523، وتفسير الدر المنثور 2: 259، والاتقان 1: 31 طبع سنة (1360 هـ)، ومناقب الخوارزمي: 80 طبع المطبعة الحيدرية وايران، وتذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي: 18، وتفسير ابن كثير 2: 14 وغيرها.

(13) الجمع بين الصحيحين للحميدي، وفي الدر المنثور للسيوطي 4: 194 عن ابن مردويه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في قول الله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ اُنَاس بِإمَامِهِمْ) قال: يدعى كلّ قوم بإمام زمانهم، وكتاب ربّهم، وسنّة نبيّهم، انتهى.

وحكي عن الثعلبي رواية ذلك في تفسير الآية، وذكر الحديث الشهرستاني في الملل والنحل، وصححه الحاكم في مستدركه.

(14) التوبة: 33. ينابيع المودّة: 508، وفي البيان للكنجي: 109 عن سعيد بن جبير في تفسير الآية قال: هو المهدي من عترة فاطمة(عليها السلام).

(15) الحشر: 7.

(16) النجم: 3 ـ 5.

(17) راجع حديث المنزلة: «يا عليّ أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أ نّه لا نبي بعدي» ومصادره في كتاب عليّ إمام البررة 1: 253 ـ 286 ط دار الهادي بيروت.

(18) ينابيع المودّة: 308 و533 ـ 534.

(19) فرائد السمطين مخطوط، وكتاب مودّة القربى للهمداني في المودّة العاشرة منه، وعنهما ينابيع المودّة: 534.

(20) فرائد السمطين لشيخ الإسلام الحمويني 2: 312 ط تحقيق المحمودي.

(21) ينابيع المودّة: 534، نقلا عن كتاب مودّة القربى، وهو في المودّة العاشرة منه.

(22) حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة بين المسلمين، أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر والترمذي وأحمد عن زيد بن أرقم، والطبراني في معجمه الكبير والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين والذهبي عن زيد وأحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن سعد عن أبي سعيد الخدري، والحديث مروي عن نيف وعشرين صحابياً، لاحظ كنز العمّال 1: 44 ـ 47، ومسند أحمد 3: 17 ،26 و5: 182، 189، ومستدرك الحاكم 3: 148، وينابيع المودّة: 30 ـ 39، ومناقب الخوارزمي، وابن المغازلي الشافعي وغيرهم ممّن لا يسع المجال لذكرهم، وقد خص الحديث بتآليف خاصة.

(23) أخرجه أبو نعيم وأحمد والسيوطي في جمع الجوامع والمتقي الهندي في كنز العمّال، والحمويني في فرائده وغيرهم.

(24) تحفة الأحوذي 6: 484.

(25) ينابيع المودّة: 584.

(26) لاحظ مقدّمة البيان: 42 ـ 43.

(27) كلّ كتاب لم نذكر وجود نسخته يراجع بشأنه مقدّمة الينابيع فانّه مقتبس منها.

(28 و 29) فرائد السمطين 2: 336.

(30) نفس المصدر: 335.

(31) المناقب للخوارزمي.

(32) نهج البلاغة شرح محمّد عبده 2: 47.

(33) ينابيع المودّة: 579 ـ 580.

(34) أخرجه المؤلّف في كتابيه علل الشرائع: 245 ـ 246 الطبعة الحيدرية، وكتابه هذا في باب علّة الغيبة.

(35 و 36) مقدّمة المؤلّف في هذا الكتاب لاحظ ص 13 الطبعة الايرانية القديمة.

(37) كما في الذريعة.

(38) الذريعة 16: 78.

(39) الذريعة 16: 81 .

(40) كشف المحجة: 55 ـ 56.

(41) تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، الترجمة العربية للنجّار 3: 347، ومعجم المطبوعات 1:44، وترجمة دائرة المعارف الإسلامية 1: 94، وفرهنك خاور شناسان: 239.

(42) الذريعة 4: 80.