الفصل الخامس

البناء الفني في شعر أبي طالب

 

مفتتح الفصل

بناء القصيدة

 

بلغت القصيدة العربية نضجها في البناء الفني قبل الإسلام عبر الموروث الشعري الذي وصل الينا، فبنيت القصيدة على وفق نسق معين معروف تحدث عنه النقاد القدامى، فرسموا خطوطا لهيكل القصيدة يتألف من اجزاء بنائها، مبينين الدوافع التي من اجلها أنشئت القصيدة.

فقد أومأ ابن قتيبة (ت276هـ) (1) الى المنهج الفني لقصيدة المديح بصورة مفصلــة وبرؤيــة موضوعيـة في تحليل مكـوناتها وعناصرهــا ، وفي تبيين العلاقة بين اللوحات الثلاث وهي : المقدمة والـرحلــة والغرض ، وفي كل لـوحــة من هذه اللوحات ، او الاقسام اساليب متبعة ، «فالشاعر المجيد مَنْ سلك هذه الاساليب ، وعدَّلَ بين هذه الاقسام» (2) ، ومما لاشك فيه ان ترتيب اقسام القصيدة، وتناسق ابياتها، وحسن جوار الابيات مع بعضها، وملائمة ألفــاظها لمعانيها الى آخره(3)، يعدُّ مقياسا لجودة الشاعر؛ لان بناء نظام القصيدة «مثلها مثل خلق الانسان في اتِّصال بعض اعضائه. ببعض فمتى انفصل واحدٌ عن الاخر، او بايَنَهُ في صحّة التركيب، غادر بالجسم عاهة تتخوّن محاسِنَه وتعفّي معالم جماله» (4).

وتابع ابنَ قتيبـة في توضيح البنـاء الفني للقصيدة بعضُ النقاد مـوضحـين هذا الامر بشيء غير قليل من التفصيل، ومنهم: ابن طباطبا (ت322هـ) (5) ، والعسكري (ت395هـ)(6)، وابن رشيق(ت456هـ)(7)، وابـن الاثير (ت637هـ)(8)، والقرطاجني(ت684هـ)(9)، والعلوي(ت749هـ)(10)، مقررين القواعد والمعايير التي ينبغي للشاعر المجيد اتباعها.

وتبنَّى بعض الدارسين المحدثين(11) نص ابن قتيبة بوصفه مثالا فنيا للقصيدة العربية، بأن الشاعر يمهد للموضوع الذي يختاره بالمقدمة الطللية، فتتداعى له ذكرى الأحباب الظاعنين عن المنازل، ثم يستطرد الى الصحراء ورحلته التي تجشم فيها المهاول والاخطار، وهو يصحب ناقته فيصف هجير الصحراء ، وهطول الامطار، والليل والنجوم الدالة، والصراع العنيف بين الحيوانات، او بين الصياد والحيوان، فاذا فرغ الشاعر من الوصف يلج الى غرضه الذي من اجله انشئت القصيدة.

وفي حالات نفسية وموضوعية لا يلتزم الشاعر بهذه المعايير والمقاييس، فقد يختزل المقدمة، ويدخل الى موضوعه مباشرة.

وفي ضوء هذا المفهوم الذي قرره النقاد القدامى لبناء القصيدة العربية دأب النقاد المحدثون في وضع تعريفات لبناء القصيدة من شأنها تقويم العملية الابداعية في الشعر(12)، فهي «بناء علائقي يقوم على العلاقات بين العناصر كل منها حاكم للاخر ومحكوم به» (13)، فالعلاقات التي تحكم البناء الفني للقصيدة يراد بها العلاقات على المستويات المختلفة في بناء الهيكل واللغة والصورة، والافكار والموضوع، والحالة النفسية التي تعم اطار القصيدة ساعة ابداع الشاعر لعمله المُنجز، فهذه المكونات والعناصر كلها تدخل في بنية القصيدة لتشكل بناءً حيا متكاملا معبرا عن تجربة الشاعر.

سار أبو طالب على وفق منهج الشعراء العرب في بناء القصيدة في بعض قصائده وطوَّر وجدد في بعضها الاخر، ونتبين التطور والتجديد في بناء الوحدتين: المقدمة، والغرض، والموضوع.

وسنبحث في أجزاء بناء القصيدة كأنها وحدات منفصلة؛ لبيان قيمة الاثر الفني في بنائه العام، وفي بيان عناية الشاعر بتفاصيل الوحدات البنائية، وإلا فالقصيدة لا تتجزأ؛ لانها بناء حي متكامل.

 

أولاً: القصائد ذوات المقدمات:

ـ المقدمة:

عُنيَ النقاد العرب القدماء بالمقدمة في وصفهم منهج القصيدة العربية ـ كما ذكرنا آنفا ـ وتحدثوا عن تعدد اشكالها وانواعها على وفق مضامينها وتقاليدها الفنية.

واستأثرت مقدمات القصائد باهتمام أصحاب الدراسات النقدية الحديثة(14)، منطلقين في فهم النص وتفسيره في الاستقراء الموضوعي للشعر العربي الموروث القائم على دراسة الاثرين: بيئة الشاعر، ونفسيته واثرهما في ولادة الابداع الشعري، والاستقراء الموضوعي والتفسير الرمزي للشعر الموروث القائم على كشف جملة من الايحاءات التي تحرك انفعال الشاعر لحظة انجاز عمله الابداعي الفني في استهلاله للقصيدة، وتبقى مقدمة القصيدة ذات وشيجة بموضوعها الخاضع للدافعين النفسي والفني في قول الشعر. ومن اصناف المقدمات التي وردت في قصائد أبي طالب الطويلة بحسب أهميتها:

 

ـ وصف الهموم والشكوى:

إنَّ امرأ القيس(15)، والنابغة الذبياني(16) لهما السبق في هذا النمط من التقديم، فقد يلجأ الشاعر في ادائه الشعري الى هذا اللون من التقديم بحسب تجاربه الشعرية التي يمر بها، وفيه يجد متنفسا لبث همومه ومعاناته وحزنه وقلقه وحيرته التي استوعبتها تجربته الشعرية بهذا القالب الفني، فقدم أبو طالب خمس قصائد بها(17).

وصورة الليل احدى مقومات وصف الهموم، فهو يوحي بالهموم التي تعتصر النفس الانسانية، وفي مناجاته وبث الشكوى يجد الشاعر منفذا واسعا للتعبير عن ازمته النفسية التي تعتريه لحظة ابداعه الشعري، ويبقى الباعث الموضوعي للقصيدة الدافع الى اختيار هذا النمط الفني من التقديم الذي يتناسب مع تجربته الآنية، ويطالعنا أبو طالب الذي وجد في هذا التقليد الفني طابعا لبث شكواه ومعاناته وأرقه اكثر من أي ضرب اخر من المقدمات فافصح عن مشاعره، وصرح بآلامه وهمومه، مما جعل هذه المقدمات تتصف بالتفصيل في بيان سبب معاناته، لأنَّه فقد الاستكانة والراحة،بسبب همّ ذوي القربى من قريش الملازمين العداء لابن أخيه رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)، ولهذا لفت الشاعر الاحزان حتى اخر الليل، فقال في قصيدته الميمية وهو يسفه احلام قومه:

{من الطويل}

ألا مَنْ لهَمٍّ آخرَ اللِّيلِ مُعتمٍ طواني وقد نامتْ عيونٌ كثيرةٌ لأحلامِ أقوامٍ أرادوا محمداً

 

طواني وأُخرى النجم لَمَّا تقحَّمِ

 وسامرُ أُخرى قاعدٌ لم يُنوَّمِ بظُلْمٍ

 ومَنْ لا يَتَّقي البغيَ يَظلِمِ(18)

إنَّ الانفعال النفسي للشاعر من حزن وخوف وقلق على ابن أخيه دفعه الى التفصيل في ذكر مقومات هذا التقديم، فقد واكبت الشاعر الأحزان حتى اخر الليل المظلم، وحين ظل اخر نجم في السماء ولما يغب، وهو يرعاه حين كانت عيون الناس نائمة، وما يقض مضجع الشاعر ويقلقه ما يحلم به أناس من قتل محمد جهلا وظلما، وهكذا يتنامى الأداء في مقدمة وصف الهموم وبث الشكوى إلى بيان بواعثها حتى يصل الشاعر الى موضوعه في دفاعه وذوده عن رسول الله(19).

ويلحظ في المقدمة المضمون الإسلامي الجديد الذي يمتزج فيه معاني ما قبل الإسلام بالمعاني الإسلامية، وهكذا استوعبت هذه المقدمة تجربته الشعرية من همه وخوفه وقلقه على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من عيون الأعداء المتربصين لقتله، فارتبط الموقف النفسي المتعب بالليل ووصف الهموم والشكوى، وهذا ديدن أبي طالب، فهو دائم الخوف على ابن أخيه، فقال في قصيدته الميمية الأخرى التي يخاطب بها قريشاً ويذكر ظلمهم وعقوقهم وحصارهم له ولعشيرته الاقربين في الشِّعب:

{من الوافر}

أرقْتَ وقد تَصَوَّبَتِ النُّجومُ

لظُلْم عشيرةٍ ظَلَموا وعَقُّوا

هُمُ انتهكوا المحارمَ من أخيهم

 إلى الرّحمن والكَرَم استذمُّوا

 

وبتَّ وما تُسالِمكَ الهُمُومُ

وغبُّ عُقوِقهم كَلأٌ وَخِيْمُ

وليس لهم بغيرِ أخٍ حَريْمُ

وكلُّ فَعَالهم دَنِسٌ ذَمِيْمُ(20)

سيطر الهم على الشاعر؛ لأن من يظلمه قومه، ولو كانوا غرباء عنه لما سيطر عليه الهم؛ لان ذلك يعني الضعف، وهو لايريد ذلك، فكأنَّ عدم النوم يحفز في نفوس قومه روابط الاخوة، فلعلهم يكفون عنه ظلمهم وعقوقهم وعدوانهم.

إنَّ همَّ الشاعر ليس هما شخصيا، وانما همه هم قضية من اجل الدين الجديد، في الحفاظ على رسول الله ودعوته الإسلامية، وهذا من جديد مضمون هذه المقدمة، وان إشارة الشاعر الى سهره حتى أفول النجوم، وبقاء همومه تحاربه دلالة واضحة على التأمل والتفكير في معالجة موضوعة، معللا سهره بسبب اضطهاد قريش لصاحب الرسالة، فتتنامى المقدمة في التعريض ببعض بطون قريش لظلمهم وعقوقهم، لأنهم انتهكوا محارم الله وعقوا في تركهم صلة الرحم، وما فعلوه يذمهم عليه الرحمن وهذه المعاني أيضاً من المضامين الإسلامية الجديدة التي استوعبت أزمة الشاعر النفسية بهذا التقديم، فكان امتدادا لموضوعه. وتعددت هذه المقدمة في المضمون نفسه في قصائد أخرى(21)، جسد أبو طالب فيها حمايته لرسول الله ونشر الدعوة، ومما يعلل كثرتها ذلك بان من يعادي أبا طالب هم قومه وهذا يستدعي الهم الذي استوعبه هذا التقديم.

ويتخذ طابع بث الهموم سبيلا إلى الشكوى إلى الاخِلاء، وبما أنَّ أبا طالب المؤيد والناصر والحامي لدين الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)، فهو يشكو ظلم قريش في معاداتهم لنبي الله ولدينه الجديد، مخاطبا خليلين له، ليجد منفذا للترويح عن نفسه وتبديد معاناته، مبينا لصاحبيه بأنه لا يصغي لأقوال بعض قريش في محبته لرسول الله ونصرته له وتفاديه دونه، وانما يُحكِّم عقله ووجدانه، لان نفسه غير مستعدة لقبول العذل من أحد والإصغاء له، لأنه يعتقد بان الانسان الواحد ربما يكون له رأيٌ صحيح من غير مشاركة احد له، فصاحب الرأي أدرى من غيره، ومع مقاطعة قومه له، وعداوتهم ومخاصمتهم بالوسائل كلها، فقد حبس نفسه عن اذيتهم صبرا، واحضر أخوته وأبناء عشيرته حول البيت مستعيذا بجميع مقدسات قريش والعرب؛ لأنه معني ببيان موقف زعماء قريش الذين تحالفوا ضده ومن اتبعه من عشيرته الاقربين، فقطعوا عرى القرابة، فلابأس أن يتعوذ بألوان التعويذات التي عهدتها قريش والعرب، فقال:

{من الطويل}

خليليَّ ما أُذني لأوَّلِ عاذلِ

خليليَّ ان الرأي ليسَ بِشرْكَةٍ

 ولمَّا رأيتُ القوم لا وُدَّ فيهم

وقد صارحونا بالعَداوَةِ والأذى

 وقد حالَفوا قوماً علينا أظنَّةً

 صبرتُ لهم نفسي بصفراءَ سمحةٍ

وأحضرتُ عند البيتِ رهطي وأخوتي
قياماً معاً مُستَقبلينَ رتاجَهُ

وحيتُ يُنيخُ الأشعرونَ رِكابَهم

....

أعوذُ بربِّ الناسِ من كلِّ طاعنٍ

ومن كاشحٍ يسعى لنا بمعيبَةٍ

وثَورٍ ومَنْ أرسى ثَبيراً مكانَهُ

وبالبيتِ رُكنُ البيتِ من بطنِ مَكَّةٍ

 وبالحَجَرِ المُسوّدِّ إذ يمسحونهُ

 وموطىء إبراهيم في الصَّخر وَطأَةً

 وأشواطِ بينَ المروتينِ الى الصَّفا

 وما حجَّ بيتَ اللهِ من كلِّ راكبِ

 وبالمَشعَرِ الاقصى إذا عَمَدوا له

 وتَوقافِهم فوقَ الجبالِ عشيِّةً

وليلةِ جمعٍ والمنازلِ من مِنى

وجمعٍ إذا ما المُقرَباتُ أجزْنَهُ

 وبالجمرةِ الكبرى إذا صَمَدوا لها

 وكِنْدَةَ إذا ترمي الجمارَ عشيَّةَ

 حَليفانِ شدَّا عَقْدَ ما احْتَلَفا له

....

فهل فوق هذا من معاذٍ لعائذٍ

يُطاعُ بنا الأعداءُ وَدُّوا لو أنَّنا

 

بصغواء في حقٍّ ولاعندَ باطلِ

ولا نُهْبةٍ عند الأُمورِ التَّلاتِلِ

وقد قَطَعُوا كلَّ العُرى والوسائلِ

وقد طاوعوا أمرَ العُدوِّ المزايلِ

 يَعَضُّونَ غَيْظاً خلفنا بالأناملِ

وأبيضَ ماضٍ من تراثِ المقاوِلِ

 وأمسكتُ من أثوابِهِ بالوَصائلِ

لدى حيثُ يَقْضي نُسكَهُ كلُّ قافِلِ

بمُفضي السُّيولِ من أسافٍ ونائلِ

 ....

علينا بشرٍّ أو مُلحق باطلِ

ومن مُفتَرٍ في الدين ما لم نُحاولِ

وعَيْرٍ وراقٍ في حِراء ونازلِ

وباللهِ إنَّ الله ليس بغافلِ

إذا اكْتَنَفوه بالضُّحى والأصائلِ

على قَدَميْهِ حافياً غير ناعلِ

وما فيهما من صورةٍ وتَماثلِ

ومن كلِّ ذي نذرٍ ومن كلِّ راجِلِ

إلالاً الى مُفضى الشِّراج القوابلِ

 يُقيمونَ بالأيدي صُدورَ الرَّواحلِ

وما فوقَها من حُرمةٍ ومَنازلِ

سراعاً كما يَفزَعنَ من وقْعِ وابلِ

 يؤمُّون قذفاً رأسها بالجنادلِ

تُجيرُ بها حُجَّاجَ بكر بن وائلِ

ورّدَّا عليه عاطفاتِ الذّلايلِ

....

وهل من مُعيذٍ يَتَّقي الله عاذلِ

يُسَدُّ بنا أبوابُ تُركٍ وكابُلِ(22)

اخذ الشاعر حديث الشكوى عن العاذل والعذل سبيلا للولوج إلى هذا النمط من الأداء، ليدلف من خلاله إلى بيان معاناته تجاه زعماء قريش، وهو يعاتبهم لكف اذاهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (23).

بذل الشاعر في هذا الضرب من التقديم جهدا فنيا كبيرا بذكر تفاصيل المقدمة وأجزائها التي بلغت ثلاثين بيتاً وفيها مال الشاعر الى التأني في وصف جزيئاتها بعناية وإمعان شديدين، وامتزجت المعاني غير الإسلامية بالمعاني الإسلامية، فاقتبس من التعبير القرآني «أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ»(24) وجنح الى تعبيرات الحياة اليومية الإسلامية الجديدة: «أعوذ...من مفتر في الدين، وبالله ان الله ليس بغافل، مُعيذٍ يتقي الله»، التي تزاوجت مع المضمون الإسلامي الجديد للمقدمة، فمال الشاعر الى الحكمة؛ لانه يتروى في الامور ويتبع ما يرشده العقل والوجدان في محبته لرسول الله ونصرته، ومؤازرته، والدفاع عنه، والذود دونه، ولا تأخذه أهواء العصبية الجاهلية في محاربة أعداء الرسالة، وإنما حمل نفسه على التجمل بالصبر، فاستقطبت الشكوى الآثار النفسية لشاعر تجاه قريش المناهضين للدعوة الإسلامية وحاملها رسول الله(صلى الله عليه وآله).

وقد أفضى هذا التقديم ـ بعد أن تعوذ الشاعر بحرم مكة وبمكانه منها، تودد إلى أشراف قريش يخبرهم انه غير مسلِّم رسول الله ولا تاركه أبدا حتى يهلك دونه ومن قومه من بني هاشم وعبد المطلب ليمتد المضمون في تنمية القصيدة إلى الفخر بقومه، ومديح رسول الله إلى اخره(25).

وهذا اللون من التقديم تأصيل لمضمون المقدمات الإسلامية، بمعنى تأسيس لمضمون أدبي لاحق سار عليه شعراء الإسلام بعد أبي طالب، وهو التزام فني بالخط المناصر لرسالة الموسومة بالطابع الديني الجديد.

 

ـ الطلل:

تعد المقدمة الطللية من اشهر المقدمات شيوعا في الشعر العربي قبل الإسلام وفيها يجد الشاعر متنفسا لما يختلج في خلده وبما يدور في ذاكرته من ذكريات تحمل الاسى والشجن الماضيين، يحاول الشاعر استعادتها بهذا القالب الفني في عمله الابداعي، على ان هذا التقديم له وشيجة بموضوع القصيدة الذي يكون الشاعر في صدد الحديث عنه.

وقد أرسى شعراء قبل الإسلام أصول هذا التقديم ورسومه الفنية، وحرصوا على المحافظة على مقوماته في اقدم ما آثر في مطولاتهم، فألموا بمعظم تفصيلاته، وهكذا تباينت صورة الطلل في مقدمات الشاعر الواحد؛ لأن كل افتتاح له مزاياه الخاصة التي تخالف الافتتاح الآخر.

ثم جاء الشعراء المخضرمون من بعدهم فحرصوا على ما يحاكونه من الشعر العربي الموروث، فاحتذوا حذوه، فتصدرت قصائدهم بهذا التقديم(26)، ولا فرق بين شعــراء المـدن وشعراء البادية في استيفائهم لمقومات المقـدمة الطللية ، فشعــراء المدن لم يستطيعوا التحلل من التقاليد الفنية البدوية المرسومة ، ولم يخرجوا عليها بحيث يبتدعون نظاما جديدا لمقدمات قصائدهم تغــاير في نظـامها مقدمــات شعراء البادية(27).

ومن المعروف ان أبا طالب من شعراء المدن، فقد عاش في مكة التي تتسم حياتها بالاستقرار والثبات، وهذا الاطار الفني من التقديم المرتبط بحياة التنقل والترحال من مكان الى اخر سعيا وراء الكلأ والماء، لا يتناسب مع حياة مكة المرتبطة اجتماعيا بحياة الحاضرة العربية، وحياة التمدن والاستقرار، بيد أنَّ أبا طالب لم يعزف عن وصف الأطلال والديار تقليدا ومحاكاة لمقدمات غيره من شعراء البادية من باب المجاز؛ لأنَّه «لا معنى لذكر الحضري الديار إلا مجازا» (28).

وهذا الأمر يفسر قلة هذا الإطار من التقديم في قصائده الشعرية الذي كان الدافع الى هذا اللون من التقديم محاكاة الموروث الشعري الفني المرسوم، ولهذا جاز ان نقول ان هذا التقديم يتوافر فيه الصدق الفني، وليس الصدق الواقعي، فافتتح أبو طالب قصيدته الميمية الفريدة بوصف الاطلال، وهو يفتخر ويشكو ظلم قومه(29)، فقال:

{من الطويل}

لمن أرَّبُعٌ أقوينَ بين القَدائمِ

 فكلِّفتُ عينيَّ البُكاءِ وخِلتُني

 وكيفَ بُكائي في الطُّلولِ وقد أتَتْ

 غِفَارِيَّهٌ حَلَّت ببولان حُلَّةً

فدعْها فقد شطَّتْ بها غُربةُ النَّوى

 

أقَمْنَ بمدحاةِ الرياحِ الرّمائمِ

قد انزفتُ دمعي اليومَ بين الأصارِمِ

 لها حِقبٌ مُذ فارقَتْ أمَّ عاصمِ

فينبُعَ أو حلَّتْ بهضب الرَّجائمِ

وشَعْبٌ لشتَّ الحيِّ غير مُلائمِ(30)

رسم أبو طالب صورة الطلل التقليدية واخضعها لاثار حديث الذكرى، ووجه عنايته الفنية ـ التي دفعته الى الاطالة ـ الى الوصف الذي اتخذ اطار الاستفهام جزءا من طوابعه؛ لأن صيغ الاستفهام احدى مستلزمات المنهج الوصفي للطلل، وهو الاداة المحركة لتنشيط الذاكرة عند الشاعر، فحركت فيه الشجون والالم، ورأى الشاعر الرياح تعصف بالديار، فغيرت من معالم آثارها ومحتها،مما بعث في نفسه الشجن لفراق ام عاصم.

والمرأة هي البعد الثاني الذي يفضي اليه حديث الطلل، لقد فارقها الشاعر منذ حقبة من الزمن محددا اماكن اقامتها ابتداءً بموضع الطلل الذي كانت تسكن فيه ام عاصم، وهو «القوائم»، ويتدرج إلى أسماء الاماكن والمواضع التي حلت بها، فتخير منها «بولان، فخلَّة، فينبع»، او حلت بهضب الرجائم؛ لانه غير متيقن من مكان صاحبته الجديد، واكتفى الشاعر بهذا الحديث عن صاحبته من أنَّها من بني غفار، وحدد الأماكن التي نزل قومها بها، بيد ان ذكرها أجهد نفس الشاعر، ولكي يتخلص من معاناته ترك أمر ذكرها؛ لأنَّ البعد حال بينهما ليتخلص بعد ذلك الى عتاب قومه والشكوى منهم، والفخر بنفسه في نصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومديحه له(31).

إنَّ هذا اللون من التقديم استوعب تجربة الشاعر في حبه لعشيرته من بني غالب بن لؤي، وعزمه على مفارقته لهم، لأنهم اعلنوا عداءهم لرسول الله وتنحوا عن اتباعه(32) ففارقهم، وواصل مسيرته في نصرته ومؤازرته، وقد دفعته عنايته الفنية بهذا التقديم بالمامه بتفاصيل الطلل، وذكر اغلب مقوماته في الوقوف عليه، والاستفهام عن اهله الراحلين عنه، وتقادم عهد الطلل به، وتعاور الرياح عليه، وذكر صاحبته والمواضع التي كانت تسكنها مع قومها، والاماكن والمواضع التي حلت بها وانتقلت عنها؛ ليجد الشاعر متسعا من التنفيس عن معاناته التي ارتبطت بشكل وثيق مع قومه من بني غالب بن لؤي وعتابهم والشكوى منهم، وفي ذلك كله كان أبو طالب مستوعباً لتراث أسلافه.

ومن الجدير ذكره أنَّ قصائد أبي طالب ذوات المقدمات تخلو من لوحة الرحلة، وهذه الظاهرة الفنية لا يتميز بها شعر أبي طالب فحسب؛ وإنما شعر قريش(33)، ويبدو أنَّ هناك بعض العوامل تضافرت في عزوف أبي طالب عن ذكر لوحة الرحلة بعد التقديم، ومنها النفسية والبيئية والاجتماعية.

إنَّ إغفال الشاعر عن لوحة الرحلة والولوج إلى موضوعه بعد التقديم ناتج من الحالة النفسية التي يحياها الشاعر ساعة إبداعه الشعري التي جعلته يعزف عن ذكرها؛ لأنه ليس له حاجة بها، وان ذكر لوحة الرحلة تتناسب مع شعر شعراء البادية اكثر من شعر شعراء الحاضرة، ومن المعروف ان أباطالب زعيم قومه وحاكمهم في مكة، فهو ليس من المادحين الذين رحلوا بشعرهم، وانما مدح من ارتبط به بصلة النسب ابن أخيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومن ناصره ووقف الى جانبه وهم من أهل مكة ومن حق الشاعر ان يختار القالب الفني الذي يتناسب مع طبيعة انماط موضوعاته الشعرية المتطورة والجديدة التي هو في صدد الحديث عنها، فوجد في اختزال لوحة الناقة انجازا يخدم عمله الشعري، فلم يلتزم بهذه التقاليد الفنية المرسومة للوحة الناقة.

ـ الغرض:

يعد الغرض الركيزة الاساس لبنية القصيدة، فهو الجزء المهم من اجزائها التي استوعبت الحدث الباعث لفن قول الشعر، وفيه خلاصة تجربة الشاعر الآنية، وقد تتباين الموضوعات المطروقة في شعر الشاعر الواحد لتباين تجاربه وانفعالاته.

ان قصائد أبي طالب ذوات المقدمات نهضت بمهمة الغرض غير المباشر، وفي الوقت نفسه جاءت القصائد المباشرة تتويجاً للجهد الفني المبذول في عزوفه عن التقديم للقصيدة تبعا لبواعثه النفسية وتجاربه الشعرية الذي هو في صدد الحديث عنها.

ويسلك أبو طالب انواعا مختلفة في بناء قصائده منها ما يضم موضوعا واحدا في بنائها سواء أكان تقليديا ام متطورا أم متجدداً ينصرف فيه لوجه واحد من فن القول، ويدعى بالغرض البسيط(34)، ومنها ما يضم اكثر من موضوع في القصيدة الواحدة في بنائها، لانصراف الشاعر فيها لأكثر من وجه في فن القول ويُدعى بالغرض المركب(35)، وهاتان الظاهرتان الأدبيتان للبناء الفني نجدهما في القصائد ذوات المقدمات والقصائد المباشرة في آن معا.

وتدخل ضمن القصيدة المباشرة المقطعات المستقلة بذاتها، والاراجيز، فهما يندرجان ضمن هيكل بناء القصيدة المباشرة؛ لانهما يمثلان مظهرا من مظاهر وحدة الموضوع في الاداء للمزايا التي يقومان عليها، فكلاهما من نتاج لحظة الانفعال السريع، ولنزوعهما من التقديم.

 

ـ بناء تعدد الموضوعات في القصيدة الواحدة :

اقترنت قصيدة المديح بنصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعوته الإسلامية وموضوعها جزءٌ لا يتجزأ من بناء القصيدة العام بيد أنَّها ضمت في الوقت نفسه عددا من الموضوعات التقليدية المتباينة، فارتدت حلة جديدة ضمن التزام أبي طالب لنمط فني في بناء اطارها لم يكن معهودا قبله عند غيره من الشعراء.

إنَّ تعدّد الموضوعات الشعرية داخل بناء القصيدة التي اصابها التطوير والتحوير والتغيير تارة، والتجديد تارة اخرى، تشكلت في بناء القصائد ذوات المقدمات وعلى انماط مختلفة في الترتيب نتبين احدى هذه الانماط على سبيل التمثيل في إنموذج القصيدة اللامية التي تتدرج فيها الموضوعات الاتية: النصرة، والعتاب، والمديح، والفخر.

مهّد أبو طالب في قصيدته اللامية بثلاثين بيتا في الشكوى والاستعاذة بحرم بيت الله، وبمقدسات قريش والعرب جميعا، واحتلت لوحة الغرض واحدا وثمانين بيتا تقاسمتها فنون الشعر المختلفة من نصرة رسول الله والمديح، و الفخر، والعتاب.

إنَّ خشية أبي طالب من أن تعاضد العرب قريشا على قتل رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان السبب في انشاء القصيدة أيام حصار قريش لبني هاشم وعبد المطلب المؤيدين والمناصرين لرسول الله ودعوته في شِّعب أبي طالب، ويشمل بناء غرض القصيدة ما يأتي:

تصدرت القصيدة بعد التمهيد لها بنصرة أبي طالب وأهله وعشيرته المقربين والحماة لرسول الله ولرسالته، فهم سيبقون مقيمين في مكة يقاتلون دون نبي الله بسيوفهم ورماحهم مداومين على نصرته حتى فناء آخر فرد منهم ضد أعدائه ويتقدمهم فتى شريف وسخي وشجاع انه الأمين على الحريم والذمار محمد رسول الله(صلى الله عليه وآله) على أن الحرب لو بدأت ستدوم شهورا وأياما وسنين حتى تضع الحرب أوزارها ويفتح الله عليهم بالنصر، فقال:

{من الطويل}

كذبتم ـ وبيتِ اللهِ ـ نترك مكةً

 كذبتم ـ وبيتِ اللهِ ـ نبرا محمداً

 ونُسْلِمهُ حتّى نُصَرَّعَ حولهُ

 وينهض قومٌ في الحديد إليكم

 وحتّى يُرى ذو البغي يركبُ رَدْعَهُ

وإنا لَعَمرُ اللهِ إنْ جدَّ ما ارى

 بكفٍّ فتىً مثل الشِّهابِ سَمَيْدَعٍ

 شهورا واياماً وحولاً مُجَرَّماً

 وما تَركُ قومٍ ـ لا أبا لك ـ سيِّداً

 

ونظعنُ، الا أمُركم في بلابِلِ

ولمّا نُطاعِنْ دونَه ونُناصلِ

ونَذهَلُ عن أبنائنا والحلائلِ

 نهوض الرَّوايا تحتَ ذاتِ الصَّلاصِلِ

من الضِّغنِ فعل الأنْكَب المُتحامِلِ

 لَتَلْتَبسنْ أسيافُنا بالأماثلِ

أخي ثقةٍ حامي الحقيقةِ باسلِ

 علينا وثاني حجّةٍ بعد قابلِ

يحوطُ الذِّمارَ غيرَ ذَربٍ مُوَاكِلِ(36)

حشد أبو طالب كثيرا من التفصيلات التي سردها في اطار فني في حفاظه على رسول الله وتحديه لقريش، ومقاتلتهم فيما لو أُشعل فتيل الحرب بين عشيرة الرسول وبين اشراف مشركي قريش، وكان هذا التمهيد في فداء رسول الله والذود عنه سبيل أبي طالب الى بيان معجزته في مديحه ليبين صدق دعواها التي يعرفها مشركو قريش، فبوجه رسول الله يُستسقى الغمام، وهو ملاذ الفقراء والمساكين من بني هاشم فقال:

{من الطويل}

وابيضَ يُستَسْقَى الغَمامُ بوجههِ

 يلوذُ بهِ الهُلاكُ من آل هاشمٍ

 

رَبيع اليتامى عِصْمَة للأراملِ

فهم عنده في نعمةٍ وفواضلِ(37)

لم يطل أبو طالب في مديح رسول الله؛ لأنَّه في صدد بيان حجته على تأييده ونصرته؛ ولأنَّه مشدود بوعيه لمخاطبة اشراف قريش معاتبا لهم في استمرار عداوتهم له ولرسول الله، واصرارهم على هذا الامر، فقال :

{من الطويل}

لعمري لقد أجرى أُسيدٌ ورَهطُهُ

 جَزَتْ رَحِمٌ عنا أُسيْداً وخالداً

 وعثمان لم يربَعْ علينا وقُنْفُذٌ

 أطاعا بنا الغاوينَ في كلِّ وجهةٍ

 كما قد لَهبْنا من سُبَيْعٍ ونوفلٍ

 فإن يُقْتَلا أو يُمْكن اللهُ منهما

 وذاك ابو عمروٍ أُبي غير مغضبٍ

يناجي بنا في كلِّ ممسىً ومصبحِ

 ويُقسمُنا باللهِ ما إنْ يغشّنا

 أضاقَ عليهِ بُغضنا كلَّ تَلْعَةٍ

 وسائلْ أبا الوليد ماذا حَبَوْتَنا

 وكنتَ أمرءاً ممن يُعاش برأيه

 وعُتْبَةُ لا تسمعْ بنا قولَ كاشِحٍ

 وقد خِفْتُ إن لم تَزدَجِرْهم وتَرعوُوا

ومرَّ أبو سفيان عنِّي مُعرِضاً

....

أمُطعِمُ لم أخذُلكَ في يوم نجدةٍ

ولا يومَ قصمٍ إذ أتوكَ ألدَّةً

أمُطعِمُ أن القومَ سامُوكَ خُطَّةً

 جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً

بميزانِ قسطٍ لا يغيضُ شعيرةً

 

إلى بُغضنا وَجزاً بأكلة آكلِ

جزاءَ مسيءٍ لا يؤخَّرُ عاجلِ

ولكنْ أطاعا أمرَ تلك القبائلِ

ولم يَرقُبا فينا مقالةَ قائلِ

وكُلٌّ تولّى مُعرِضا لم يُمايلِ

نكِلْ لهما صاعا بكيلِ المُكايلِ

ليُظْعِننا في أهلِ شاءٍ وجاملِ

فناجِ أبا عَمْرٍو بنا ثم حاملِ

بلى قد نراهُ جهرةً غير خاتلِ

من الأرضِ بينَ أخْشَبٍ بالأجادِلِ

بسعيك فينا مُغرضاً كالمخاتلِ

ورحمته فينا ولستَ بجاهلِ

حَسودٍ كذُوبٍ مُبْغِضٍ ذي دَغَاوِلِ

نُلاقي ونلقى منكَ إحدى البلابلِ

كأنَّكَ قَيْلٌ في كبار الَمجَادِلِ

....

ولا عند تلك المُعظَماتِ الجلائلِ

الى جدلٍ من الخصومِ المساجِلِ

وإنّي متى أوكَلْ فلستُ بآيلِ

عقوبةَ شرٍّ عاجلٍ غير آجلِ

له شاهدٌ من نفسهِ حق عادِلِ(38)

اشبع ابو طالب موضوعه كثيرا من الجزئيات المفصلة لمواقف الاشخاص الفردية او الجماعية في تألبهم لعداء رسول الله، ودعوته الإسلامية في اطار فني محكم ومتسلسل، فوجه خطابه الى اشراف قريش بذكر اسمائهم واحدا واحدا، متوددا ومعاتبا تارة، وداعيا عليهم بشر اعمالهم وسوء افعالهم تارة اخرى، وكان من دواعي هذا الامر ان يلج الى موضوع الفخر لئلا يظن اشراف قريش ان أبا طالب في عتابه وتودده لهم انه في حال من الضعف والانكسار، ولا سيما ان مكوثهم في الشعب قد طال أمده؛ فكان الفخر والزهو بمثابة المعادل الموضوعي لذلك؛ ولكي يحقق سلسلة الاتصال في اندماج الموضوعات التي يفضي بعضها الى البعض الاخر ضمن البناء العام للقصيدة، فخر الشاعر بأصالة نسبه الهاشمي، وبمكانتهم الاجتماعية في توليهم الوظائف الادارية فقال:

{من الطويل}

ونحنُ الصَّميمُ من ذؤابة هاشمٍ

 وكان لنا حوضُ السِّقايةَ فيهم

 

وآل قُصَيٍّ في الخطوب الاوائلِ

ونحنُ الذُّرى منهم وفوق الكواهلِ(39)

كان أبو طالب ثقيل النفس على اشراف قريش الذين تألبوا في عدائهم لرسول الله ولناصره فبعد عتابه لاشراف قريش ومفاخرته بمكانة الهاشميين السامقة فيهم، وجد انه لم يستكمل عتابه مع بقية بطون قريش؛ ليحقق الصلة في تلاحم سلسلة موضوعات القصيدة(40)، فقال معاتبا إياهم:

{من الطويل}

وسهمٌ ومَخزومٌ تَمْالوا وألَّبُوا

 وشايظُ كانت في لؤيِّ بن غالبِ

 ورهطُ نُفيل شرُّ مَنْ وَطِىءَ الحصى

فَعَبْدَ مَنَاف أنتم خيرُ قومكم

 

علينا العِدا من كلِّ طفلٍ وحاملِ

 نفاهم إلينا كلُّ صقرٍ حُلاحِلِ

 وألأم حافٍ من مَعَدٍّ وناعلِ

فلا تشركوا في أمركم كلَّ واغلِ(41)

ويبدو ان القصيدة نظمت في وقت متأخر من حصار الشعب الذي امده ثلاث سنين(42)، والذي يعاضد رأينا أنَّ زهير بن أبي أمية أول من سعى الى نقض الصحيفة(43) قبل انتهاء مدة الحصار، فمدحه أبو طالب ثناءً لعمله، وليوازي بين فعل زهير الجليل وعمل بطون قريش حين اجتمعت على المقاطعة، وليحقق الصلة بين أجزاء بناء القصيدة العام، فمدحه شكرا وعرفانا لصنيعه، فقال:

{من الطويل}

فنَعم ابنُ أُخْت القومِ غيرَ مُكَذَّبِ

أشمّ من الشُّمِّ الطوال إذا انتمى

 

زهيرٌ حُسَام مُفردٌ من حمائلِ

ففي حَسَبٍ في حَومَة المجدِ فاضلِ(44)

ولم يستوفِ أبو طالب مديح رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ما مضى؛ لانه كان في معرض بيان معجزته لمشركي قريش، فوقف مادحا في بيان حبه وكلّفه ووجده به، والاشادة بفضائله في حلمه ورشده وعدله وموالاته لله وحده، وبما اصطفاه الله بالتأييد والنصرة، فقال:

{من الطويل}

لعمري لقد كُلِّفْتُ وَجداً بأحمدٍ

فلا زال في الدنيا جمالاً لأهلها

 فمن مثلُه في الناس أومن مُؤَمَّلٌ

حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غيرُ طائشِ

 فأيَّده ربُّ العِبادِ بِنَصرِهِ

 

وأخوتِه دَأبَ المُحبِّ المواصلِ

 وزَيْناً على رغم العدوِّ المُخابلِ

 إذا قايسَ الحُكَّامُ أهل التَّفاضِلِ

 يُوالي إلهاً ليس عنه بذاهلِ

 وأظهر ديناً حَقُّه غير ناصلِ(45)

ومن الاضافات التي حملتها هذه الجزئية من الغرض المعاني الدينية، فرسول الله موالي إلهٍ لا يغفل عنه، وانه مؤيد منه بالنصر في اعلاء دينه،و هذه المعاني تحمل التقريع لاسماع اهل مكة من ان رسول الله مؤيد بالنصر من عنده سواء أكانوا معه أم عليه فضلا عن أن المديح النبوي من الموضوعات الجديدة التي أدخلت في هذا الاطار الفني في القصيدة.

ومديح رسول الله يفضي الى مديح بني هاشم وعبد المطلب الذين حاموه وايدوه ونصروه من اعدائه؛ لأنهما من شجرة واحدة، ومن هنا امتزج المديح بالفخر بهم لنصرتهم رسول الله، ومن خلال هذه الصورة ينطلق صوت الشاعر بفخره الفردي في فدائه وحمايته ودفاعه بنفسه دون النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو يتوعد اعداء الرسالة بالنصر القريب، فمما لا ريب فيه ان الله رافع امر النبي ومعليه في الدنيا ويوم الاخرة، وهذا تصديق لرؤيا جده عبد المطلب وأبيه عبد الله في بشارتيهما في رسول الله، فقال:

{من الطويل}

رجالٌ كرامٌ غير ميلٍ نماهم
....
شبابٌ من المُطَّلِبينَ وهاشمٍ
....
ولكنَّنا نسلٌ كرامٌ لسادةٍ

سيعلم أهلُ الضَّغنِ أيِّي وأيُّهم

وأُيُّهُمُ منّي ومنهم بسيفِهِ

ومن ذا يملُّ الحربَ منّي ومنهم

 فأصبح منّا أحمدٌ في أرومةٍ

 كأنّي به فوق الجياد يقودُها

 وجُدتُ بنفسي دونَهُ وحميتُهُ

ولا شكَّ أن الله رافعُ أمره

كما قد أُرِي في اليوم والأمس جَدُّهُ

إلى العزِّ آباءٌ كرامٌُ المحاصِلِ
....
كبيضِ السيوفِ بين أيد الصَّياقلِ
....
بهم يعتلي الاقوامُ عند التَّطاولِ

 يفوز ويعلو في ليالٍ قلائلِ

يلاقي اذا ما حانَ وقتُ التَّنازُلِ

 ويحمد في الآفاق من قول قائلِ

 تُقَصِّر عنها سَورةُ المتطاولِ

الى معشرٍ زاغوا الى كلِّ باطلِ

 ودافعتُ عنه بالطُّلى والكلاكلِ

 ومُعْلِيه في الدنيا ويوم التَّجادلِ

 ووالدُهُ رؤياهما غير آفلِ(46)

استوعبت وحدة الغرض المواقف النفسية للشاعر فعبر عن صدق انفعاله فيها، فهو الناصر لدين رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والمعاتب لاشراف قريش وبطونها؛ لتألبهم على رسول الله ودينه، وعشيرته المؤيدين له، والمفتخر بهم، والحامي والمدافع والذاب عن ابن أخيه، ثم يختم وحدة الغرض بما بُشَّر به جده عبد المطلب ووالده عبد الله، فجاءت وحدة الغرض متلاحمة في بنائها الفني العام، تتبين فيها مهارة الشاعر الابداعية في عرضه لفنون الشعر بألوانه المختلفة، فانمازت القصيدة ببراعة فن القول، وبلاغتها في تأدية المعنى المقصود، وجودة سبكها وقوة تلاحم نسيج بنائها، مما جعل ابن سلام يصف إبداع أبي طالب الفني بقوله: «كان أبو طالب شاعرا جيِّد الكلام، ابرع ما قاله قصيدته التي مدح فيها النبي (صلى الله عليه وآله):....{البيت} » (47)، وجعلها ابن الاثير أفحل من المعلقات السبع، فقال : «هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لايستطيع يقولها إلا من نُسِبت اليه، وهي أفحل من المعلقات السبع! وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعا» (48).

ان ما حمل ابن سلام وابن الاثير على هذا الوصف للقصيدة اللامية هو تلاحم بنائها وترتيبها على وفق نظام متزاوج بين مضمون القصيدة والفكرة ووحدة الشعور أي بأحكامها للوحدة العضوية التي يتضح فيها جهد الشاعر الفني المتقن الذي بذله في انجاز عمله.

وسار أبو طالب على منهج بناء الأغراض المتعددة في قصيدة المديح المتزاوجة مع موضوع النصرة في بقية قصائده ذوات المقدمات(49) الذي أحكم بناءها بما حقق له الترابط في وحدة الموضوع وتناسقها مع بنائها الفني العام.

ثانياًً: بناء القصيدة المباشرة والمقطوعات:

اعتاد الشعراء الولوج مباشرة الى موضوع القصيدة، فهي من انماط البناء الفني حيث «يهجم {الشاعر} على مايريده مكافحة، ويتناوله مصافحة» (50).

إنَّ اختيار الشاعر للدخول المباشر الى موضوعه ناتج من الانفعال النفسي المتصاعد؛ لأن هذا الانفعال لا يسمح له بالتأمل والتأني ليضع تمهيدا يفتتح به أثره الإبداعي، ولأنه يجد في الولوج لموضوعه ارضاء لنزعته الانفعالية وهو ازاء تجربته الآنية التي لا تحتمل التقديم لها، وقد حدد ابن رشيق القيرواني الغرض بأنه يتحكم في الاتجاه الفني لبناء القصيدة، فليس «من عادة الشعراء ان يقدموا قبل الرثاء نسيبا كما يصنعون ذلك في المدح والهجاء» (51) وهذا الكلام يحمل على التجويز، فمن حق الشاعر اختيار الهيكل البنائي المناسب لاثره الفني الذي يستوعب تجربته الشعرية الذي هو في صدد الحديث عنها، فقد درج الشعراء على اختيار الهيكل الفني المنزوع التقديم في فنون الشعر المختلفة في المديح(52)، والهجاء(53)،والعتاب(54)، والحادثة المعينة(55) إلى اخره من الموضوعات التي تتطلب المعالجة السريعة في القول(56).

بلغ عدد القصائد المباشرة في شعر أبي طالب اثنتين وثلاثين قصيدة(57)، اخضعها للمعالجة الفنية في سرعة الاداء، ويسلك أبو طالب في هذا اللون من الأداء انماطا متباينة في بناء القصيدة المباشرة، منها ما يضم غرضا واحدا في بنائه وهو ما يسمى البناء البسيط، ومنها ما يتفرع من الغرض إلى موضوعات أخرى، ويسمى البناء المركب، اللذان سبق ان ذكرناهما آنفا، لأن هذه الموضوعات لم تعد مستقلة بذاتها، فكما ان التحوير والتغيير والتطوير والتجديد أصاب شعر أبي طالب في فنونه المختلفة، كذلك الحال في بناء هذه الفنون ضمن بناء القصيدة العام.

إنَّ الأداء المباشر في الأثر الفني هو نتاج المؤثرات النفسية والبيئية والاجتماعية والسياسية، وهو تابع لقوة هذه المؤثرات التي خضع لها الشاعر وهو ازاء تجربته الشعرية المنجزة ، فأثرت في ابداعه الفني بهذا التغيير الذي طرأ على القصيدة المباشرة.

أ ـ بناء الغرض البسيط:

حفل شعر أبي طالب بهذا اللون من البناء بتسع عشرة قصيدة(58)، وهو يعالج فنا واحدا من فنون الشعر الذي قيل في الجاهلية، أو في صدر الإسلام، ومنها قصيدته «الحائية» التي أخضعها الشاعر الى المعالجة السريعة في بنائها الفني، فبلغت عدد أبياتها أربعة عشر بيتا تضمنت قصة عمارة بن الوليد بن المغيرة وعمرو بن العاص(59) التي فشت في مكة، فبلغت أبا طالب ، فقال:

{من الطويل}

أتاني حديثٌ عن عمارَةَ مُخزِيٌ

 تَصَاحبْتُما ـ لا باركَ اللهُ فيكما ـ

سقيتَ الفتى خمراً فأفسَدتَ عقلَهُ

 رأتْ رجلاً من اجملِ الناسِ مُنْتَشٍ

أذنتَ لها من قُبلَةٍ من جبينها

فلو كنتُ يا ابنَ العاصِ حراً قتلتَهُ

 وكان الفتى طبّاً بما كان منهم

 وقال اعتذاراً: ما أردتُ سلامةً

 فداهنتَهُ فِعْلَ الذليلِ مهانةً

فدَبَّ الى عُرْسِ النَّجاشيِْ بجهدهِ

 وخَبَّرَكَ المشؤومُ ما كان منهما

 على عارضيهِ حينَ يدخل بيتَها

 فأورطتَه عند النَّجاشي ساعياً

 فَصَيَّرهُ بين الوحوش بِسحرِهِ

 

وفَعْلُك يا عَمْرو الضلالةِ أقبَحُ

 على فَجْرَةٍ تَنْثي عليكَم وتُفْصِحُ

 وزوجتك الحسنى اليه تُلَوِّحُ

 وأنتَ عَيَاءٌ أصفرُ اللونِ أفْلحُ

 فطالبها جهراً بما ليس يصلحُ

 ولكن تداعاكَ الرجالُ وأقبحُ

 فألقاكَ في التيّار واليَّمُ يطفَحُ

 وما كنتُ ذا علمٍ بأنكَ تسبحُ

 ومازال للنَّكراءِ صدْرُكَ أقلحُ

 فصادَفَها بالبُضْعِ للجهلِ تسمحُ

 وجاءك بالدُّهنِ الذي كان يمسحُ

 مساءً وتَحبوهُ به حين يُصبِحُ

 إليه به وأنت في ذاك مُفلِحُ

 يُقَطِّعُ أجواز الفلاة ويكدَحُ(60)

إنَّ أسلوب ملامح السرد القصصي حقق تلاحما فنيا تاما في بناء القصيدة وكأن أبياتها حلقات متصلة بعضها مع البعض الآخر بشكل منسجم في هيكلها، وفيها يعبر الشاعر عن صدق إحساسه في استنكاره بشدة واستهجانه لعمل عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص، لان فعلهما يستهجنه العُرف والعادات والتقاليد العربية، فكانت القصيدة مستوفية لعناصر بنائها ومتلاحمة الأجزاء على وفق قصائد أخرى ظفرنا بها في ديوانه(61).

وتندرج ضمن هذا الضرب من البناء المقطوعة، لأنَّها وحدة مستقلة بشكلها تحتوي على وحدة موضوعية، وتعالج موضوعا واحدا لا يتفرع الى غيره من الموضوعات الجانبية كما ذكرنا آنفا والمقطوعة هي «الأبيات القليلة التي يقولها الشاعر في مناسبة معينة» (62) ويدخل في إطارها البيت الواحد والبيتان، ويرجحان أنهما من مقاطع بقايا قصائد ضائعة.

والمقطوعة من الظواهر الأدبية في الشعر العربي التي غدت قالبا لبعض فنون الشعر ذات الصلة الأكثر من غيرها من القصيد تتطلبه السرعة في القول والسرعة في إيصاله لأذهان السامعين، والإيجاز، وعدم المبالغة والإسراف(63).

وفي نظرة فاحصة في شعر أبي طالب يتبين أن السمة الغالبة في بناء أشعاره المقطوعات التي تشكلت في فنون الشعر المختلفة في الرثاء والحماسة والفخر والمديح والتعريض والعتاب والنصيحة والحكمة والنصرة والحادثة المعينة الى غير ذلك، وبلغ عددها ثماني وخمسين مقطوعة(64)، ومنها ما يفخر الشاعر بنفسه، فقال:

{من مجزوء الرمل}

أنا يومَ السِّلمِ مكفيْـ
أنا للحمسةِ أنفٌ

 

ـيٌ ويومَ الحربِ فارِسْ

حين ما للحُمْسِ عاطِسْ(65)

وعلق الجاحظ على هذه المقطوعة ما نصه : «وقال أبو طالب قولا هو اجمل واجمع وأرجح من قول الجميع، وذلك انه قال وفسَّر... {البيتان}، فزعم كما ترى انه إذا كان في السلم فهو لا يحتاج مع الكفاية الأعوان إلى ابتذال نفسه في حوائجه، وإذا كان في الحرب فهو فارس يبلغ جميع إرداته» (66)، وهذا يعني ان أبا طالب على الرغم من خضوعه للسرعة في القول، بالغ في عنايته لربط اجزاء الفكرة وتعليلها وانسجامها مع وحدة الشعور، وبلاغته في تأدية المعنى المقصود في قالب بنائي متماسك ومترابط ببراعة فنية استوعبت تجربته الآنية في عمله الفني.

ويلجأ أبوطالب إلى الإيجاز والسرعة في الأداء لما قعدت قريش برسول الله(صلى الله عليه وآله) في القبائل بالمواسم وزعموا انه ساحر، فقال:

{من الكامل}

زعمتْ قريشٌ أنَّ أحمدَ ساحرٌ

ما زلتُ أعرِفُهُ بصدقِ حديثِهِ

 بَهَتوهُ لا سُعِدوا بقطرٍ بعدها

 

كذبوا ورَبِّ الراقصاتِ الى الحَرَمْ

وهو الأمين على الحَرائِبِ والحُرَمْ

 ومضتْ مقالتُهم تسيرُ إلى الأُمَمْ(67)

إن انفعال الشاعر تجاه أقاويل قريش المزعومة لا تسمح له بالتأني والتأمل والإطالة وإنما أثرت فيه روح الانفعال في الرد السريع على أقاويلهم بموجز القول، لان الموقف يتطلب هذا الإطار البنائي الفني الذي استوعب تجربة الشاعر وصدق احساسيسه ومشاعره تجاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستنكاره لتأويل أقاويل قريش الباطلة فيه .

ب ـ بناء الغرض المركب:

توافرت في قصائد أبي طالب وحدة موضوع القصيدة، «ووحدة المشاعر التي يثيرها الموضوع، وما يستلزم ذلك من ترتيب الصور والأفكار ترتيبا به تتقدم القصيدة شيئا فشيئا حتى تنتهي الى خاتمة يستلزمها ترتيب الأفكار والصور، على ان تكون أجزاء القصيدة كالبنية الحية، لكل جزء وظيفته فيها، ويؤدي بعضها الى بعض عن طريق التسلسل في التفكير والمشاعر» (68) اللذين يجمعها الترابط والانسجام، بيد أنَّ الموضوع الرئيس الذي من اجله انشئت القصيدة قد يتفرع إلى موضوعات أخرى، وهو ليس التعدد في الموضوع وإنما هو تفرع من أغراض الموضوع الرئيس(69)، مما استدعت تسميته ببناء الغرض المركب.

وبلغ عدد القصائد المباشرة في شعر أبي طالب القائمة على بناء الغرض المركب ثلاث عشرة قصيدة(70).

ومنها قصيدته الميمية التي بلغ عددها عشرة أبيات ، يحرض الشاعر فيها أخاه أبا لهب على نصرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما دافع عنه بنو مخزوم في استجارته لأبي سلمة، فطمع أبو طالب بأخيه أبي لهب أن يقوم معه في الدفاع عن رسول الله وحمايته له(71) فقال:

{من الطويل}

إنَّ امرءاً أبو عتيبةَ عَمُّهُ

أقولُ له ـ واينَ منه نصيحتي:

 ولا تَقبَلَنَّ الدهرَ ما عشتَ خُطَّهً

 وَولِّ سبيلَ العجزِ ـ ويبكَ ـ منهم

 وحارِبْ فإنَّ الحربَ نصفٌ ولن ترى

 

لفي مبذَخٍ من أن يُسَامَ المظالما

أبا مَعْتبٍ ثَبِّتْ سوادَكَ قائما

تُسبُّ بها إمّا هبطتَ المواسما

فإنكَ لم تُخلَق على العجزِ جاثما

أخا الحربِ يُعطي الخسفَ حتى يُسالما(72)

وتفرع حديث أبي طالب في حثه لأخيه أبي لهب ونصحه له في دعوته لنصرة ابن أخيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقاده الحديث بتسلسل منطقي إلى معاتبته مستنكرا عداوته لقومه، وهم لم يحاربوه، ولم يخذلوه، على أية حال سواء أكان رابحا أم خاسرا، فقال:

{من الطويل}

فكيف ولم يجنوا عليك جنايةً

 

ولم يخذلوك غارماً او مُغارِما(73)

إنَّ معاداة أبي لهب لرسول الله وأهله الناصرين له كانت بسبب ما أثارته الأحياء القريشية من معارضة وفتنة، ففرقت جماعاتهم مما أثارت حفيظة الشاعر في الدعوة عليهم لعقوقهم وآثامهم معرضا بهم فقال:

{من الطويل}

جزى اللهُ عنّا عبدَ شمس ونوفلاً

 بتفريقهم من بعد ودٍّ وألفَةٍ

أطاعوا ابن ذكوان وقيسا وديسماً

 

وتيماً ومخزوماً عقوقا وماثما

 جَمَاعَتَنا كيما ينالوا المحارما

فضلُّوا ودقٌّوا للملا عِطْرَ مَنْشما(74)

إنَّ سعي بطون قريش، وعزمهم على قتل رسول الله، كان حقاً على أبي طالب أن يجهر بصوته للحفاظ عليه وحياطته متوعدا إياهم بملاقاتهم التي لا يقوم لها قائمة، فقال في الخاتمة:

{من الطويل}

كذبتم وبيت الله يُبزى محمدٌ

 

ولمّا تروا يوماً لدى الشِّعبِ قائما(75)

عالجت القصيدة المباشرة موضوعاً واحداً في الحث على نصرة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بيد أنَّ الموضوع الرئيس تفرع الى وحدات موضوعية تقاسمتها النصيحة، والحث على النصرة، والعتاب، والتعريض، والتوعد والنصرة في ترتيب متسلسل يخدم غاية الشاعر وفكرته المرتبطتين بالموضوع الرئيس، والتفرع البنائي منسوج ببناء محكم اظهر الشاعر فيه بإتقان فني معالجة الوحدات المتفرعة ضمن بناء القصيدة العام من خلال تنميته «لأقسام القصيدة تنمية عضوية بحيث ينشأ كل جزء من سابقه نشوءا طبيعيا مقنعا ويستدعي الذي يليه استدعاء حتميا حتى تتكامل أجزاء القصيدة وتشملها عاطفة واحدة» (76)، على نحو قصائد أخرى خبرها أبو طالب بهذا البناء الفني بألوانه المتعددة في الديوان(77) .

فقد انماز قسمٌ من هذه القصائد بأنَّه رسائل شعرية مرسلة إلى قومه، متخذا من التعبير المباشر في عزوفه عن التمهيد وسيلته إلى هذا الأسلوب من التبليغ بإطار متناسق في نمو أبيات القصيدة، ومنسجم من بعضها؛ لتشكل نمطاً بنائياً فنياً يؤطر به عمله الأدبي.

الرجز:

الأرجوزة: هي وحدة موضوعية في بناء متلاحم تقوم على تواشج العلاقات بين الأبيات المشطورة ،وكان العربي يقول الرجز بديهة وارتجالاً في المناسبات المختلفة والمواقف المتباينة من حياته التي يحياها معبرا عن صدق انفعاله، وخلاصة تجربة معينة بأبيات موجزة ومشطورة، وبعيدة عن المبالغة، ومتماسكة في بنائها،وقد عالجت موضوعا واحدا ضمن بناء الغرض البسيط في بنائها الفني، او موضوعا يتفرع إلى موضوعات أخرى ضمن بنائها الفني العام في بناء الغرض المركب .

أ ـ بناء الغرض الواحد (البسيط) :

عالج أبو طالب موضوعا واحدا ضمن البناء الفني للأرجوزة التي بلغ عددها في شعره تسع اراجيز(78)، ومنها الأرجوزة التي تضمنت ستة أبيات مشطورة، يفخر أبو طالب فيها بإعادة بناء الكعبة، وذلك عندما اختلفت قريش في أيهم يرفع الحجر الأسود بعد بنائها، فأشار أبو أمية بن المغيرة بان يتخذوا أول من يدخل الباب حكـماً يحتكمون إليه في هذا الأمر، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ وكان ذلك قبل بعثـتـه ـ فرضوا به لأنه الأمين، فبسط رداءه، ثم وضع الحجر فيه، ثم أمر كل ربع من أرباع قريش أن يأتي فيرفعه، ثم وضعه بيده في موضعه(79)، والى هذه الحادثة أشار أبوطالب بقوله :

{من الرجز}

إن!َّ لنا أوَّلَهُ وآخرَهْ

في الحكم والعدل الذي لا نُنْكَرَهْ

وقد جهَدنا جهدَه لنعمرهْ

وقد عمرنا خيرَهُ وأكبَرَهْ

فإنْ يكنْ حقّاً ففينا أوفَرَهْ

لمّا وضعنا إذْ تمارَوْا حَجَرَهْ(80)

ونلمح في بناء اجزاء الارجوزة ترابط العلاقات بين ابياتها المشطورة والمتلاحمة في تناسق فني مع مضمونها، ووحدة الشعور بالزهو والفخر في ادارة بيت الله،فهم اهل الحكم والعدل، وهم القائمون على عمارة البيت، ولهم شرف وضع الحجر الاسود، ولهذا كله، فهم اصحاب الحق الوافر فيه.

إنَّ براعة الاداء المتقن الواضح الذي جنح الشاعر فيه الى التفصيل والتفسير بهذه الوحدة المنظمة والمتكاملة في مقومات بنائها التي عبرت عن لحظة شعورية صادقة ازاء احد الاحداث التي مر بها الشاعر، تمثلت بخلاصة تجربته بهذا العمل الفني المنجز.

ب ـ بناء الغرض المركب:

وتندرج ضمن هذا الإطار البنائي الأراجيز ذوات النموذج الفني الذي يحمل موضوعا واحدا متفرعا الى موضوعات جانبية تلتقي بالموضوع الرئيس، وهذا النمط من البناء اشبه بالنهر الذي يتفرع الى فروع عديدة صغيرة ليصب في مجرى النهر الواحد، ففروعه كلها لها وشائج نابعة من النهر نفسه وتعود اليه.

وعلى الرغم من قلة الأراجيز الطويلة في شعر أبي طالب لانعدم أن نجد ثلاثاً منها طويلة(81)، بلغت فيها غاية بنائها الفني المقصود في تطويرها وتطويلها، فقد بلغ عدد أرجوزته البائية ثلاثة وعشرين بيتا مشطورا التي عالج فيها أبو طالب موقفا انسانيا بعاطفة صادقة استقطبتها تجربته الشعرية ساعة رجزه عندما أراد والده عبد المطلب أن يذبح شقيقه عبد الله والد الرسول (صلى الله عليه وآله) وفاءً لنذر عليه، فقال أبو طالب ناهيا إياه:

{من الرجز}

كُلا وربِّ البيتِ ذي الأنصابِ

ورَبِّ ما أنضى من الرِّكابِ

كُلُّ قريبِ الدارِ أو منتابِ

يزورُ بيتَ اللهِ ذا الحُجّابِ

ما قَتْلُ عبدِ اللهِ باللعابِ(82)

ويسعى الشاعر على تنمية أجزاء أرجوزته، فكلامه السابق يترتب عليه مدح أخيه لبيان منزلته فيشيد بعراقة أصله من جهة أبيه وأمه، وكأن الشاعر يريد أن يحرض أخواله على أبيه ليمنعوه من ذبح أخيه فقال:

{من الرجز}

من بين رهطٍ عصبةٍ شبابِ

ابن نساءٍ سطةِ الأنساب

أغرّ بين البيض من كِلابِ

وبين مخزوم ذَوي الأحسابِ

أهل الجيادِ القُبِّ والقبابِ(83)

فهب خاله المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم مخاطبا عبد المطلب «والله لا تذبحه أبداً حتى نُعذَر فيه فإن كان فداء فديناه بأموالنا ... » (84)، ثم اهتدى أبو طالب إلى حل يخرجه من هذه الأزمة، فإذا كان أبوه عازما على أمر، فعليه بقرع القداح ليتبين له الأمر، ولكي يسقط الذنب عن الجميع :

{من الرجز}

لستم على ذلك بالأذناب

حتى تذوقوا حمسَ الضرابِ

بكُلِّ عضبٍ ذائبِ اللعابِ

ذي رونقِ في الكفِّ كالشهابِ

تلقاهُ في الاقرانِ ذا أندابِ

إن لم يُعجَّل أجَلُ الكِتابِ(85)

ويحاول الشاعر أن يقنع أباه متوسلاً سبل النصيحة في خطابه له،ومحذرا إياه ما سوف يفعله أخواله ان قتل ابنه، ولأن فعل ذلك سيكون سنَّة من بعده في أن يذبح الرجل ابنه ما بقي الناس على ذلك:

{من الرجز}

قلتُ ـ وما قولي بالمُعابِ ـ:
يا شيبَ إنَّ الجورَ ذو عِقابِ

إنَّ لنا إنْ جرتَ في الخطابِ

أخوالُ صدقٍ كأسودِ الغابِ

لن يسلموهُ الدهرَ للعذابِ

حتى يمصَّ القاعُ ذو الترابِ

دماءُ قومٍ حُرُمِ الأسلابِ(86)

حقق أبو طالب الانسجام بين أقسام الأرجوزة، الموزعة بين النصيحة، والمديح، والإرشاد، والتحذير التي أظلها الانفعال المحموم والعاطفة المشبوبة المتشكلان في نسيج وحدة الموضوع الرئيس، ويبدو أنَّ أبا طالب قد خطى بالأرجوزة خطوة متقدمة نحو تطويلها وتطويرها اللذين بلغ فيهما النضج الفني في إتقان الأداء، وجمال الأسلوب، وجودة الصياغة،وبراعة الصور التشبيهية، وهي محاولة جادة في مسار بناء الأراجيز التي تحاكي القصيد من ناحيتي الموضوع والفن، ونهج أبو طالب المنهج نفسه في الأرجوزتين: الفائية(87) والرائية(88).

ومن هنا يمكن أن نعد أبا طالب احد الرواد الأوائل الذين سعوا الى تطويل الأرجوزة وتطويرها التي واكبت صنوها القصيد كما اومأ إلى ذلك ابن سلام بقوله: «ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته ، وإنما قُصِّدت القصائدُ وطوِّل الشعرُ في عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف» (89)، وانما قصد ابن سلام «وطول الشعر» بالرجز لأنه خلاف القصيد ومن هنا يمكن أن نعد رجز عبد المطلب(90) وابنه أبي طالب في تطويلهما له من الرواد الأوائل لنضج هذا النمط الفني وتطويره المتأصل الجذور منذ القدم(91)، بخلاف ما ذهب إليه بعض الباحثين من «أن الرجز في الجاهلية كان قصيراً لا يتجاوز الأبيات المعدودات ... ولم يتطور الرجز في صدر الإسلام ولا ازدهر فإن الرُجاز لم يُطيلوه ولا مدَّوا في اطنابه بل ظلوا ينشدون منه البيت أو البيتين او الثلاثة» (92).

وإنَّ ما يعاضد رأينا أن أبا طالب وأباه عبد المطلب من الأوائل الذين طوَّلوا الرجز وطوروه ، ما ذكره ابن رشيق القيرواني عن غيره: ان «أول من طوَّل الرجز الأغلب العِجلي، وهو قديم، وزعم الجمحي وغيره أنه أول من رجز، ولا أظن ذلك صحيحاً؛ لأنه إنما كان (الأغلب العِجلي) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نجد الرجز أقدم من ذلك» (93).

ومما تقدم يتبين: ان القصيدة الإسلامية في شعر أبي طالب تتقلص وتتسع بحسب ظرفها الذي وُلِدت فيه، فتتقلص في اسقاطها للوحتي المقدمة، والناقة في القصائد المباشرة ذات الموضوعات المركبة، وتتسع في القصائد نفسها بتعدد الموضوعات ضمن هيكلها العام في البناء، وذلك لأن القصيدة تعايش مرحلة جديدة من الحياة الجديدة، وإن كانت تسمية اتجاهات الموضوعات مشدودة الى عهد ما قبل الإسلام، بيد أن حال المجتمع الجديدة التي شهدت تغييرات في الصرع الفكري والعقائدي والاجتماعي وغيرها، أثرت في فن الشاعر فبدأ التجديد في استعماله لآيات الذكر الحكيم، والتعابير الإسلامية الذي احتوى الشكل البنائي للقصيدة الذي يعد تأصيلاً للنماذج شعرية لاحقة.

وتعد المقدمة الطللية من المقدمات التقليدية سلك فيها الشاعر منهج المحاكاة للقصيدة البدوية في قصيدة واحدة، وهذا يفسر التغيير في معايشة الشاعر للإنموذج القديم مع الجديد الذي عاشه، ولكنه مشدود بروحه الى التقليد الفني لمقدمات شعراء البادية، على حين بقيت مقدمتا: وصف الهموم والشكوى بدايةً للتحول الجديد في بناء هيكل القصيدة الإسلامية .

وبذل أبو طالب غاية جهده الفني في تطويل الأرجوزة وتطويرها والتي بلغت غاية النضج الفني، وبراعة الإبداع، وإتقان البناء.

وانحصرت أشعار أبي طالب في التعبير عن نفسه وعواطفه بألوانها المختلفة فكثرت المقطوعات، وتعددت الأراجيز التي تتطلب الرد السريع بحسب الظرف النفسي الذي يمر به الشاعر على المستويين المضمون والشكل.

إن أبا طالب أجاد في القصيد والرجز، في تطويره لهما، وقلما يجمع الشاعر من الشعراء بين القصيد والارجاز والخطب(94)، فقد «كان أبو طالب شاعرا جيد الكلام»(95)، ومن الرواد الذين طوَّروا الأراجيز، وخطيبا مفوها كما عهدنا ذلك في خُطبَه التي ذكرناها آنفاً (96).

***

 

الهوامش:

(1 ) ظ: الشعر والشعراء: 1/74 ـ 75.

(2) م.ن: 1/ 75- 76.

(3) ظ: عيار الشعر: 124.

(4) حلية المحاضرة: 1/215.

(5) ظ: عيار الشعر: 5- 7

(6) ظ: كتاب الصناعتين: 489- 496، 513- 525.

(7) ظ: العمدة: 1/ 217- 241.

(8) ظ: المثل السائر: 3/ 96- 107، 121- 127.

(9) ظ: منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 303- 324.

(10 ) ظ: الطراز: 2/266- 267، 274- 277، 279 ـ 281، 330- 331، 344- 348، 352- 353، 3/ 121- 127.

(11 ) ظ: فجر الإسلام: 58- 59، تاريخ النقد الأدبي: 92، في النقد الأدبي: 154.

(12 ) ظ: الأدب وفنونه: 59، النقد المنهجي عند العرب: 36، النقد الأدبي الحديث: 210، الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه: 2/ 445، وحدة الموضوع في القصيدة الجاهلية: 7- 8.

(13 ) الصورة والبناء الشعري: 179.

(14) ظ: قراءة معاصرة في مقدمة القصيدة الجاهلية (بحث): 5، جمع: د. محمود الجادِر آراء الدارسين المحدثين.

(15 ) ظ: ديوان امرىء القيس: 109، 185، 189، 79.

(16 ) ظ: ديوان النابغة الذبياني: 40- 41، 67، 72.

(17 ) ظ: الديوان: 70- 73، 95، 115، 121، 123.

(18 ) الديوان: 123.

(19 ) ظ: م.ن: 123- 125.

(20 ) ظ: الديوان: 121.

(21 ) الديوان: 95، 115، 123.

(22 ) الديوان: 70- 73، المقاول: اباؤه شبههم بالملوك، الرّتاج: الباب العظيم، إساف ونائل: صنمان، الكاشح: الذي يضمر العداوة، الشراج: مفردها الشرج، وهو مسيل الماء، الجنادل: الصخور، ثور وثبير وحراء: جبال في مكة، ظ: معجم البلدان:2/73، 86، 233، كندة: اسم قبيلة، ظ: جمهرة انساب العرب: 2/477، بكر بن وائل من بني ربيعة من عدنان وهو جد جاهلي، ظ: م.ن: 2/300، 302، 303، 307.

(23 ) ظ: الديوان: 76- 81.

(24 ) الناس/ 1.

(25 ) ظ: الديوان: 74- 85.

(26 ) ظ:مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي:116- 117، مقدمة القصيدة العربية في صدر الإسلام:29.

(27 ) ظ: مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي: 116- 117

(28 ) العمدة: 1/226.

(29 )ظ: الديوان: 126- 127.

(30 ) ظ: الديوان: 126- 127، أقوين: خلون، رمائم: تكنس كل شيء، الأصارم: مفردها الصَّرم: وهو الجماعة، والشَعْب: القبيلة والحي العظيم، غِفار بن مُليل قبيلة من كنانة، ظ: جمهرة انساب العرب: 2/465، بولان: موضع على طريق الحاج من البصرة، ظ: معجم البلدان: 1/511، خِلة: قرب عدن في اليمن، ظ:م.ن: 2/ 385، يَنْبُع: موضع على طريق من المدينة الى البحر، ظ: م.ن: 5/449- 450، الرجائم: هضبات حمر، ظ: م.ن: 3/ 27.

(31 ) ظ:الديوان: 127- 128.

(32 ) ظ: م.ن: 127.

(33 ) ظ: شعر قريش في الجاهلية وصدر الإسلام (اطروحة): 110- 124، عزوف الباحث عن دراسة هذه اللوحة بعد بحثه عن المقدمة.

(34) و (35) استعمل هذين المصطلحين حازم القرطاجني، فقال ما نصه: «والقصائد: منها بسيط الاغراض، ومنها مركبة: والبسيطة مثل القصائد التي تكون مدحا صرفا او رثاء صرفا، والمركبة هي التي يشتمل الكلام فيها على غرضين مثل أن تكون مشتملة على نسيب ومديح» منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 303.

(36 ) الديوان: 74 -75، الروايا: الإبل التي تحمل المياه، الصلاصل: المزادة ينتقل بها الماء،الضغن: الحقد، السميدع: السيد، الذرب: الفاحش.

(37 ) الديوان: 75.

(38 ) م.ن : 75- 80، التلعة: ما شرف من الارض، الأخاشب: وهي جبال مكة، ظ: معجم البلدان: 1/122.

(39 ) الديوان: 80.

(40 ) ظ: م.ن: 81- 82.

(41 ) م.ن : 81.

(42 ) ظ: الطبقات الكبرى: 1/188.

(43 ) ظ: السير والمغازي: 165- 166، التبيين في انساب القرشيين: 330، (قصة نقض الصحيفة).

(44 ) الديوان: 83، زهير بن أبي أُمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأمه عاتكة بنت عبدالمطلب، وهي أخت أبي طالب وعمة الرسول (صلى الله عليه وآله)، ظ: السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 281- 282، التبيين في أنساب القرشيين: 330.

(45 ) الديوان: 83- 84.

(46 ) الديوان: 84- 85، الضغن: الحقد، يوم التجادل: يوم القيامة.

(47 ) طبقات فحول الشعراء: 1/ 244.

(48 ) السيرة النبوية لابن الاثير: 1/491، البداية والنهاية في التأريخ:3/ 57.

(49 ) ظ: الديوان: 95- 96، 115- 119، 121- 122، 123- 125، 126- 128.

(50 ) العمدة: 1/231.

(51 ) العمدة: 2/151.

(52 ) ظ: تمثيلا لا حصرا: ديوان امرىء القيس: 213- 214، 215- 219، شرح ديوان زهير بن ابي سلمى: 316- 319.

(53 ) ظ: تمثيلا لا حصرا: ديوان بشر بن أبي خازم: 41- 42، 90- 93، ديوان النابغة الذبياني: 54- 60، 112- 113.

(54 ) ظ: تمثيلا لا حصرا: شرح ديوان زهير بن أبي سلمى: 313- 315، ديوان الأعشى الكبير: 297- 299.

(55 ) ظ: تمثيلا لا حصرا: ديوان النابغة الذبياني: 75- 78، 82- 85، 86- 88، 98- 100، ديوان الأعشى الكبير: 223- 235.

(56 ) اختلف العلماء العرب في عدد ابيات القصيدة والمقطوعة، ونرجح من بين آرائهم، ان ما زاد على سبعة ابيات فهو قصيدة ، وما قل فهو مقطوعة،ظ: اعجاز القرآن: 391، العمدة: 1/188- 189، لسان العرب: (قصد).

(57) ظ:الديوان: 88- 89، 90- 92، 93- 94، 97، 104- 105، 106- 108، 109- 110، 113- 114، 117- 120، 130- 131، 132- 133، 138، 149، 164- 165، 168، 171- 172، 177، 178، 180، 182، 205- 206، 211- 213، 231، 234- 237، 239- 240، 242- 244، 251، 258، 333، 336- 337، 340، 344.

(58 ) ظ: م.ن : 88- 89، 97، 104- 105، 106- 108، 109- 110، 113- 114، 130- 131، 132-133، 138، 149، 164- 165، 168، 180، 182، 239- 240، 251، 258، 336-337، 340.

(59 ) حدث ان عمارة وعمرو خرجا الى الحبشة تاجرين، فسارا في البحر ليلاً، أصابا من خمر معهما، فلما انتشى عمارة طلب من زوج عمرو ـ التي كانت مرافقة مع زوجها في الرحلة- ان تُقَبِّلَهُ، فأمرها زوجها عمرو بتقبيل عمارة، فقبلته فراودها عمارة عن نفسها، فأمتنعت منه، وكان عمرو قاعدا على منجاف السفينة، فدفعه عمارة في البحر ليقتله، فخرج عمرو من البحر، لأنه كان يعرف السباحة، وأضمر فعل عمارة الشائن في نفسه ، ولما وصلا الى ارض الحبشة تردد عمارة على امرأة النجاشي، وحدَّث بهذا الامر عمرو بن العاص، فأحتال عمرو عليه بانه غير مصدق قوله ما لم يأته من امرأة النجاشي من دهن وعطر زوجها، لكي يأتيه بشيء لايستطيع دفعه إن هو رفع شأنه الى النجاشي للايقاع بعمارة، فلما احضر عمارة الدهن والعطر اللذين اعطتهما له امرأة النجاشي، وشى عمرو الى النجاشي، فاستثبت الأخير بالأدلة المقدمة له، ودعا السواحر، فوضعن عاهة مستديمة يشنَّ بها رجولة عمارة، وخلي سبيله فخرج هائما بين الوحوش، ظ: السير والمغازي: 167- 169، الأغاني: 8/ 106- 107، التبيين في انساب القرشيين: 314- 315.

(60 ) الديوان: 251.

(61 ) ظ:م.ن: 130- 131، 132- 133، 164- 165، 168، 344.

(62 ) أبحاث في الشعر العربي: 36.

(63 ) ظ: الشعر في حرب داحس والغبراء: 203- 204.

(64 ) ظ: الديوان: 87، 98، 99، 100، 101، 111، 129، 136، 139، 150، 158، 169، 170، 181، 183، 184، 185، 207، 208، 209، 210، 220، 222، 245، 246، 247، 253- 254، 259، 261- 262، 329، 331، 332، 334، 335، 337، 338، 339، 340، 341، 342، 343، ومستدرك الأطروحة المقطوعات ذوات الأرقام: (1، 3، 4، 6).

(65 ) الديوان: 210، الحمس: عند قريش الشدة في الدين والصلابة، ظ: السيرة النبوية لابن كثير: 1/284.

(66 ) البرصان والعرجان والعميان والحولان: 27- 28.

(67 ) الديوان: 185.

(68 ) النقد الأدبي الحديث: 394.

(69 ) ظ: الشعراء الصعاليك: 264.

(70 ) ظ: الديوان:90- 92، 93- 94، 117- 120، 171- 172، 177، 178، 205- 206، 211- 213، 231، 234- 237، 242- 244، 333، 344.

(71 ) ظ: البداية والنهاية في التاريخ: 3/93.

(72 ) الديوان: 178، ابوعتيبة: أبولهب، سوادك: شخصك، النصف: الإنصاف والعدل، الخسف: الأذلال.

(73 ) م.ن: 178.

(74 ) الديوان: 178.

(75 ) م.ن: 178.

(76 ) الشعر الجاهلي خصائصه وفنونه: 148.

(77 ) ظ: الديوان: 90- 92، 93- 94، 117- 120، 171- 172، 177، 205- 206، 211- 13، 231- 237، 242- 244، 333- 344.

(78 ) ظ:الديوان: 102- 103، 329، 330- 331، 334، 338، وشعر أبي طالب وأخباره: 89، والمستدرك في الأطروحة: الأراجيز ذوات الاقام: (1، 2، 4).

(79 ) ظ: أنساب الأشراف: 1/ 99- 100.

(80 ) الديوان: 338.

(81 ) ظ: م.ن: 102- 103، 330- 331، والمستدرك في الأطروحة: الأرجوزة رقم: (2).

(82 ) الديوان: 330

(83 ) الديوان: 330.

(84 ) السير والمغازي: 34.

(85 ) الديوان: 330.

(86 ) الديوان: 330- 331.

(87 ) ظ: م.ن: 102- 103.

(88 ) ظ: المستدرك في الاطروحة: الارجوزة رقم: (2).

(89 ) طبقات فحول الشعراء: 1/ 26.

(90 ) ظ:تمثيلا لا حصرا: السير والمغازي: 34، 36، 37، 39- 40، 40، 44، 45- 46، 46، 47.

(91 ) ظ: ديوان امريء القيس: 134،312- 318، 341، 353.

(92) مقدمة القصيدة العربية في العصر الأموي: 144، ظ: العجاج ودوره في تطوير الأرجوزة في العصر الأموي: 16.

(93 ) العمدة: 90، المزهر في علوم اللغة وأنواعها: 2/ 484.

(94 ) قال: «ابو عمرو بن العلاء ... ومن الشعراء مَن يُحكم القريض ولا يُحسِن من الرّجز شيئا، ففي الجاهلية منهم: زهير، والنابغة، والاعشى، وأما من يجمعها فأمرؤ القيس وله شيءٌ من الرجز، وطرفة وله كمثل ذلك، ولبيد وقد أكثر. ومن الإسلاميين من لا يقدر على الرجز وهو في ذلك يُجيد القريض: كالفرزدق وجرير؛ ومن يجمعهما فأبو النجم، وحَميدٌ الأرقط، والعُمانيّ، وبشّار بن برد، واقل من هؤلاء يُحكم القصيد والأرجاز والخطب... »، البيان والتبيين: 3/84.

(95 ) طبقات فحول الشعراء: 1/244.

(96 ) ظ: التمهيد في الأطروحة: 15، 30- 31.