العتاب والتحذير والتهديد والهجاء
علاقة العتاب بالتحذير والتهديد والهجاء
ثمة رابطة قوية تربط العتاب بهذه الموضوعات مجتمعة، فعلى الرغم من ان العتاب دليل المودة، وحب المواصلة والابقاء عليها ومراعاتها، يخرج إلى التوبيخ والتعريض، فإذا قل كان داعية المحبة، وادامة الوصال، وإذا كَثُرَ كان سببا لتصدع القلوب، وتنافر النفوس بعد ألفتها، وهذا ما أكده ابن رشيق القيرواني بقوله: «العتاب ـ وإن كان حياة المودة، وشاهد الوفاء ـ فإنه من ابواب الخديعة يسرع إلى الهجاء، وسبب وكيد من أسباب القطيعة والجفاء، فإذا قل كان داعية الالفة، وقيد الصحبة، وإذا كَثُرَ خشن جانبه، وثقل صاحبه» (1)؛ لأن العتاب مزيج من نوعين من أنواع الانفعال، وهما: الحب والبغض، فالشاعر يضع سيلا من أسباب الجفوة بينه وبين من اساء إليه، وهو يقابل الصد بالود تارة، والصلابة بالين تارة أُخرى، ويسلك طرقا في العتاب منها: انه يتأمل الأيام الماضية؛ ليحدد مشاهد الذكريات المكللة بالود والالفة، ثم يبين زمن القطيعة والجفوة بينهم، وقد تصفو المياه، وتعود إلى مجاريها، فتهدأ النفوس، وترجع الى ودها القديم، وقد تبوء عملية العتاب بالفشل، وعدم الوفاق بين الطرفين، فينفتح العتاب على نوافذ الانذار والتحذير والوعيد والهجاء أو التعريض.
والهجاء تعبير عن موقف انفعال لحظة الغضب؛ لأنه خدن انفعال الشاعر المسيطر عليه في حالات الصراع والغلبة التي يترتب عليه غض الطرف عن اعمال خصمه المحمودة وتعريته مما سُتِرَ من افعاله الشائنة،واهانة اشرافه، والحط من اقدارهم، واشاعة العار فيهم.
وقد لا يكون قصد الشاعر في عتابه أن يهجو الطرف الآخر خشية ما يجر الحديث من كلام مؤلم يورث العداوة والبغضاء، وانما سلك هذا السبيل؛ لأن نفسه تشربت بانفعالات حادة ناشئة من غضبه وسخطه، فنفس الشاعر تتوق الى الصلح ونبذ الخصومة، بيد أنَّ آثار البغض واشاعة فتيل نار الغضب تقوده إلى ثورة نفسية يخوض فيها غمار الهجاء مضطرا، للانتصاف لنفسه، فيحتدم القول، وتستلزم ثورة انفعال الشاعر إلى توعّد الخصم بالشر والعقاب؛ ليوهن قوته؛ وليعطل فيه المكارم، وتوعد الشاعر وتهديده مرهون بقدرته وعزته ومنعته وسطوته، فعندما يهدد خصمه ويتوعده يوحي بان خصمه لا قدرة له سوى قبول الاهانة والاستكانة.
وتتطلب قدرة الشاعر في الانذار والتهديد والوعيد توظيف أدوات الحرب في استعمال السيوف والرماح والخيول، والاستعداد للمصاولة والكر والقتل ووصف الحرب، وكأنَّ الهجاء حرب ومعركة تشيع فيها لغة الحرب ووقع آلاتها في اسلوب الشاعر الذي يعتمد على وفرة مادته اللغوية، وثراء موضوعه بالصور الموحية، ومن التقاء هذه الخطوط العامة للموضوعات التي ذكرناها دعتنا لأن ندرجها في فصل واحد.
وموضوعات العتاب والتحذير والتهديد والهجاء من الموضوعات المعروفة قبل الإسلام، ولكن لم نعثر عليها ضمن هذه المرحلة من شعر أبي طالب، فقد غذاها الإسلام في التزامه بها، ومع انبلاج نور الإسلام طرأ عليها تغيير وتطوير منذ ان استعملها أبو طالب وسيلة من وسائل الدفاع عن الدين الجديد في زمن البعثة بمكة، فتصدى أبو طالب للمعارضين من مشركي قريش في المواقف التي استدعت فيه الوقوف للدفاع عن صاحب الرسالة الذي لم تتوافر له بعد فئة من الشعراء تنافح عن دعوته جهارة امام طغاة الشرك سوى أبي طالب الحامي الاوحد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والقائم على تثبيت دعائم الإسلام.
العتاب :
العتاب ظاهرة اجتماعية حتمية في طبيعة البشر تصور التماسك بين الفرد وابناء مجتمعه ولا سيما مع من تربطه وشائج القربى امام شعور الفرد بالاذى والظلم والقسوة والعنت لما يلحق به من الآخرين، فهو الرحى التي تدور حولها الروابط الاجتماعية لدوام المحبة والألفة، والعلاقة التي تربط الشاعر بالمعاتب، هي التي تحدد طبيعة معاني العتاب وتباينها وتنوعها.
ونأنس بشعور التودد والتلطف والملاينة في عتاب أبي طالب لمعارضي قريش الذي ألبسه ثوبا إسلاميا تبرز فيه فكرة فدائه لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ودفاعه عنه، وعن دينه الجديد الذي جاء به، ووقوفه ناصرا ومساندا ومعاونا وحاميا، فانتهج طريقا في التودد والتلطف في معاتبة قريش تارة، والمن والانتصاف لنفسه تارة أُخرى، في أيام الأزمة الشديدة التي اجتازها الدين الناشيء في تلك الحقبة مفيدا من سلطته في قريش، ومكانته بينهم، وقد يتحدى قوة قريش متطلعا إلى اظهار الحق، وبهذا جاء عتابه متعدد الصور يخرج إلى اللوم والنصح والتنبيه والتحذير والتهديد والتعريض(2) جانحا إلى مستويين من العتاب:
ـ العتاب الفردي:
وهو يدخل ضمن دائرة تحديد شخص قد أثم في حق الشاعر فأورث في نفسه عدم الرضا، وايلام النفس وايجاعها، ونظفر بصور متعددة للعتاب بحسب بواعثه على نحو ما نجده في عتابه لأخيه أبي لهب الذي لقي منه الأذى والعنت والظلم بوزره السيء؛ لأنه خذله واعان عليه اعداءه، وجعله غرضا للئام، فقال أبو طالب معاتبا أخاه بخطاب شعري تبليغي يذكره بمكانته وبمقامه الرفيع:
{من الكامل}
أبلغْ أبا لهبٍ مقالةَ عاتبٍ أم هل اتى أني خذلتُ وَغالَني وجَعَلتَني غَرَضَ اللِّئامِ وكُلُّهُم حتّى تُصيبَ نبالُهم وسهامُهم أَجَزَرتَهُم لحمي بمكَّةَ سادِراً هَدَفٌ تَراشقهُ الرُّماةُ كَأَنَّما |
|
هل تُنكِرَنْ عندَ المُقامةِ محضري عَنه الغَوائِلُ بعد شَيبِ المَكْبرِ رامٍ يرومُ البغيَ غيرَ مُقَصِّرِ قَصَرَ السنامِ من القَميعِ الأخْفَرِ ثَكلَتْكَ أُمُّكَ أيَّ لحمٍ تَجزرِ يَرمونَ جَندَلَةً بِعُرضِ المَشعَرِ(3) |
أراد أبو طالب أن يقرر في وجدان المتلقي أن أخاه هو الذي خذله فاستحق هذا العتاب الذي يصل الى التقريع والتوبيخ، فالخذلان جاء من أبي لهب، ومن يخذله لايعد كريما في مقاله فتكون الموازنة بين من يخذله ومن يبغي عليه.
حاول الشاعر في بداية الامر ان يعيد اواصر المحبة والالفة التي تربطه بأخيه أبي لهب فراح يتأمل الأيام الماضية التي كان له سندا فيها ومنعه، فذَّكره بطيب افعاله وانه لم يخذله يوما، سالكا طريق المن في عتابه، وعندما ايقن الشاعر جفوة أخيه له، وقطع المودة بينهما، راح يسأله عن جفوته ونكرانه؛ ليجد متنفسا في تفريغ شحنات انفعاله التي اختلجت في نفسه بسبب اوزار أخيه الشائنة، وهذه احدى وسائل العتاب المؤلم التي لجأ اليها الشاعر.
إنَّ سأم الشاعر من أخيه جعل شعوره بالظلم يشتد فينفعل؛ ليعبر عن قبح فعل أبي لهب، فدار حديث العتاب إلى الدعاء عليه بالموت في فقدان أمه له، ويبدو أنَّ هذا اللون من الكلام فيه اغاضة لاحساس أبي لهب وايلامه، ومنه هنا اتجه العتاب اتجاها آخر افاد اللوم والتقريع، وقبل ان يندمل جرح أبي طالب النفسي من أخيه، فهو يرى أن أخاه حاول أن يحط من قدره؛ لأنه ناصر دين الله، فتراه يقحمه بالسؤال: «أيُ لحمٍ تُجزر؟» للدلالة على عظم مكانته ومهابته وجلالته، فما رمي به من اللئام، ما هو إلا كمثل الحجارة التي يرمى بها بعرض المشعر، يريد أنه لا تؤثر فيه، لضآلة حجمها، وبهذا انتصف الشاعر لنفسه، فافاض عتابه بصور متعددة في المن والاجحاف، والتأنيب واللوم والتقريع والانصاف.
ويتخذ عتاب أبي طالب طابع الشكوى من حيف وظلم ألحق به من أخيه أبي لهب فلم يكف أبو لهب عن أذى أخيه أبي طالب وتشنيعه بالأقاويل المفتراة في تأليب اعدائه بكل مقال يسوء إليه في انظار الناس، وكان هؤلاء الأعداء لا يجرؤن على الشاعر وعشيرته، فعاتب أبو طالب أخاه بعتاب صادق عما في دواخله:
{من الوافر}
حديثٌ عن ابي لهبٍ أتانا بَغَوهُ بذاك بعضَ القولِ حتّى وقد لَهِجَ العدوَّ بنا فقالوا معاشر منهم ـ كانوا قديماً |
واكْنَفَه على ذاكُم رجالُ تَجَلَّلنا بلُؤمِهم جِلالُ وقد كُنَّا وليس لَهم مَقالُ لئاماً ـ في تَوسُّعِهم قُلالُ(4) |
حرص أبو طالب في عتابه على رد اقاويل خصومه في تبرأة نفسه منها، فالتفت الى الماضي؛ ليستعين به، فوجد دليلا دامغا لرد هذه الاقاويل ودفع الشبهات عنه، فهؤلاء الاعداء كانوا لا يجرؤن على الاساءة اليه، معللاً خصلة الكذب والبهتان فيهم، في الوقت الذي احتقن بالانفعالات، فتوهج غضبه بان يسجل صفة ذميمة للمناهضين له، فهم اناس لئام بكل ما تحمل دلالة دناءة النفس الملازمة لهم التي لا تتواءم وطبع العربي الكريم، لينتصف لنفسه منهم،وهذا ما يؤلم المعاتب فتراه يخرج العتاب إلى الهجاء.
وتكشف رؤية معادات أبي لهب لأخيه أبي طالب عن أن الأول كان ضمن صفوف المشركين يؤلب الأعداء المناوئين على رسول الله وناصره، ويعينهم بالافتراء والبهتان عليهما، بخلاف أبي طالب الذي يمثل حال الصمود والصلابة في الدفاع عن ابن أخيه بنصرته له وعدم خذلانه(5)، ولهذا كان عتاب أبي طالب رد فعل لعدم انصاف أبي لهب له ولابن أخيه الرسول الكريم.
ويتجه عتاب أبي طالب إلى ذكر بعض أسماء قريش مستمدا عتابه من طبيعة العلاقة الاجتماعية والسياسية التي تربطهم فتودد اليهم واستعطفهم خشية ان تعاضد العرب قومه عليه وعلى ابن أخيه (صلى الله عليه وآله)، يخبرهم وغيرهم في عتابه انه غير مُسَلِّم ابن أخيه حتى يهلك دونه(6)، وطرق أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة في عتابه معانيَ متنوعة مملوءة بنفحات تقنية فنية بارعة الصناعة عبر فيها عن انفعالاته الزاخرة باحاسيسه ومعاناته تجاه مشركي قريش، على حين اننا لا نغفل أن الشخصيات التي عاتبها كانت تعادي بني هاشم حسدا لهم لشرفهم السالف، ولتكريم الله لهم بشرف النبوة التي جعلها فيهم، فعاتب أبو طالب بعضهم قائلاً:
{من الطويل}
لَعَمري لَقَد أَجرى أُسَيدٌ وَرهطُهُ جَزَت رَحِمٌ عَنّا أُسَيداً وَخالِداً وَعُثمانُ لَم يَربَع عَلَينا وَقُنفُذٌ اطاعا بنا الغاوينَ في كلِّ وجهةٍ كَما قَد لهِبنا مِن سُبَيعٍ وَنَوفَلٍ فَإِن يُقْتَلا أَو يُمكِن اللَهُ مِنهُما |
|
إِلى بُغضِنا وَجَزاً بأكْلَة آكِلِ جَزاءَ مُسيءٍ لا يُؤَخَّرُ عاجِلِ وَلَكِن أَطاعا أَمرَ تِلكَ القَبائِلِ وَلَم يَرقُبا فينا مَقالَةَ قائِلِ وَكُلٌّ تَوَلّى مُعرِضاً لَم يُمايلِ نَكِل لَهُما صاعاً بِكيلِ المكايِلِ(7) |
سلك أبو طالب في عتابه لأسيد وولديه: عتاب وخالد، وعثمان بن عُبيد، وقنفذ بن عمير، وسُبيع بن خالد، ونوفل بن خويلد، سبيلا «يدخله الاحتجاج والانتصاف» (8)، فأُسيد وولداه اغتابوا الشاعر وعشيرته، وجعلوهم طعمة في أفواه الأعداء، واطاع عثمان وقنفذ الأعداء، ولم يحفظا مقالة قائل بخير، وتولى سبيع ونوفل معرضين لم يعاملا بالجميل.
قضم هؤلاء حبال المودة بينهم وبين الشاعر فملئت نفسه بالغيض فراح ينتصف لنفسه ولعشيرته، فقرر: ان نابَ هؤلاء القوم خطب سيعاملهم بمثل ما عُومل به، فسوف يعرض عنهم ولا ينصرهم.
ومن طرق العتاب أن يجنح الشاعر إلى السخرية والاستهزاء في عرض اعمال المعاتب الشائنة، فأبو عمرو أصر على بغض الشاعر وعشيرته، ويودُّ اجلاءهم إلى البوادي بين أهل الشاة والجمال، وهو كثير المناجاة لأعدائهم، فقال أبو طالب من القصيدة ذاتها:
{من الطويل}
وَذاكَ أَبو عَمرٍو أبى غَيرَ مُغضِبٍ يُناجى بِنا في كُلِّ مَمسىً وَمُصبحٍ وَيُقسِمُنا بِاللَّهِ ما إِن يَغُشَّنا أَضاقَ عَلَيه بُغضنا كُلَّ تَلعَةٍ |
|
لِيظعننا في أَهلِ شاءٍ وَجامِلِ فَناجِ أَبا عَمرٍو بِنا ثُمَّ حامِلِ بَلى قَد نَراهُ جَهرَةً غَيرَ خاتِلِ مِنَ الأَرضِ بَينَ أَخشَبٍ بالأجَادِلِ(9) |
كان أبو عمرو مخادعا يصور للشاعر وعشيرته أنه ليس مع اعدائه فيقسم بالله انه معهم، ولن يخدعهم، وكأن الشاعر غافل عن كذبه ومخاتلته، ومن هنا داخل العتاب السخرية والاستهزاء بالمعاتَب في كشف مراوغته؛ لأن بغض بني هاشم ضيّق على أبي عمرو التلاع من الأرض ما بين جبال مكة وقصور الشام، بمعنى انه لايمكن اصلاحه فكان عتاب الشاعر إيذانا بالقطيعة والهجران.
ونجد نمطا آخر من عتاب أبي طالب يذكر به رجحان رأي المعاتب لشخصية مشركة أُخرى يسلك فيه وسيلة الاستفسار عن طريق شخص معين، أو أن يبلغ الحاضر عتابه له سالكا سبيل التأنيب والمديح والتنبيه والنصيحة في القصيدة اللامية ذاتها فقال:
{من الطويل}
وَسائِل أَبا الوَليّدِ ماذا حَبَوتَنا وَكُنتَ اِمرءاً مِمَن يُعاشُ بِرَأيِهِ وَعُتْبَةُ لا تَسمَع بِنا قَولَ كاشِحٍ وَقَد خِفتُ إِن لَم تَزدَجِرهُم وَتَرْعَووا |
|
بِسَعيِكَ فينا مُغْرِضاً كَالمُخاتِلِ وَرَحمَتِهِ فينا وَلَست بِجاهِلِ حَسودٍ كَذوبٍ مُبغِضٍ ذي دَغاولِ نُلاقي وَنَلقى مِنكَ إِحدى البَلابِلِ(10) |
سائل الشاعر أبا الوليد عتبة عن أي شيء افاده من سعيه في اصلاح بني هاشم وهو يمر معرضا عنه كالمخاتل، وكأنَّه يريد تأنيبه في العتاب، ولكي يخفف من وقع التأنيب وشح عتابه بالمديح، فهو يراه ذا رأي ورحمة وشفقة، ولم يكن جاهلا مثل غيره، قال الرسول(صلى الله عليه وآله): «كان عُتبة بن ربيعة، وأوخوه شيبة بن ربيعة، وأبوجهل بن هشام، وأبو سفيان، لا يسقط لهم رأي في الجاهلية، فلما جاء الإسلام لم يكن لهم رأي»(11)، ولهذا مدح أبو طالب عتبة بصدق القول في قوة رأيه للدلالة على مكانته، وكأنَّه يومىء إلى عتبة الترفع بنفسه عن سماع أقوال العدو الحاسد الكذوب المبغض ذي البلايا للشاعر ولعشيرته من بني هاشم،وهو يناديه مناجيا باسمه دون كنيته التي ذكرها في البيت الاول؛ لاشعار عتبة بمودته له وقربه من نفسه.
ومن هنا كان للشاعر مدخل لنصح عتبة، واظهار خشيته ان لم يكن يزجر قومه، ويردع نفسه، يلقوا الاضطراب الذي يسلبهم الراحة جراء اصرارهم على المعاداة، وهو يسعى من دون شك إلى استمالته، فإن لم يكن ذلك فلا بأس من أن يبقى بعيدا عن مناصرة الخصوم.
وقد احسن أبو طالب في استعمال معاني العتاب في عرض فضيلة قوة رأي أبي الوليد عتبة، وتنبيهه ونصحه وتحذيره طمعا منه في استمالته الى صف الايمان متأملا نصرته؛ لأن عتبة له شأن كبير في قومه فهو أحد وجهاء قريش.
ويتجه عتاب أبي طالب طريق التظلم في عتابه لأبي سفيان، فيضيق ذرعا به؛ لأنَّه يمر عليه مرور الملك المتجبر معرضا عنه، ويخبره انه ناصح له حريص على مصالحه شفيق بمودته، وهو بخلاف ذلك فقال من القصيدة نفسها :
{من الطويل}
وَمَرَّ أَبو سُفيانَ عَنّي مُعرِضاً يَفِرُّ إِلى نَجدٍ وَبَردِ مِياهِهِ وَأَعلَمُ أَن لا غافِلٌ عَن مَساءَةٍ فَميلوا عَلَينا كُلّكُم إِنَّ مَيلَكُم تخُبِّرُنا فِعلَ المُناصِحِ أَنَّهُ |
|
كأنَّكَ قَيْلٌ في كبارِ المجادِلِ وَيزعُمُ أَنّي لَستُ عَنهم بِغافِلِ كَذاكَ العَدُوُّ عِندَ حَقٍّ وَباطِلِ سَواءٌ عَلَينا وَالرِّياحُ بِهاطِلِ شَفيقٌ وَتُخفي عارِقاتِ الدَواخِلِ(12) |
يلح شعور الشكوى في عتاب أبي طالب لأبي سفيان، لما يؤلمه منه أنه يعلم ما يخفيه من سوء كامن في دواخله؛ ولأن أبا طالب خبرته الحياةُ فصقلته صراعاتها من هذه الشخصية وغيرها، فهو غير غافل عن نواياها، ومن هنا تتضح نغمة اليأس في عتابه لهذه الشخصيات في استمالتها إلى جانبه؛ لتمنحه تأييدها ونصرتها لدعوة ابن أخيه (صلى الله عليه وآله) وقبول رسالته.
ويتخذ العتاب في المن والاستعطاف بالتذكير في معروف سابق عندما يتضخم استياء الشاعر فينتصف لنفسه من المعاتَب، فيمنُّ عليه بما قدم له من اعمال جليلة مشرفة في لحظات الشدائد على نحو ما نجده في القصيدة ذاتها في عتاب أبي طالب للمطعِم بن عدي، فقال:
{من الطويل}
أَمُطعِمُ لَم أَخذُلكَ في يَومِ نَجدَةٍ وَلا يَوم قَصْمٍ إِذ أَتوكَ أَلِدَّةً أَمُطعِمُ إِنَّ القَومَ ساموكَ خُطَّةً |
|
ولا عِندَ تِلكَ المُعظماتِ الجَلائِلِ إلى جَدَلٍ مِنَ الخُصومِ المسَاجِلِ وَإِنّي مَتى أُوكَل فَلَستُ بِآيِلِ(13) |
وجد أبو طالب سبيلا لطرح الجفوة والقطيعة بينه وبين مطعم بن عدي، فذكره بطيب فعل له؛ ليدفع الجفوة؛ ولتعود حبال الوصال مثلما كانت بينهما.
إنَّ لجوء الشاعر إلى هذا القول انما قصد به تقييد مطعم بطيب اخلاقه وحسن معروفة؛ وليضع نفسه بميزان المفاضلة، على أن تكرار اسم الشخصية المعاتَبة توحي بتودد الشاعر واستعطافه لها، على الرغم من اعتداده بنفسه، فهو اذا ما انتابته الاخطار يكتفِ بنفسه دون غيره، فكان الشاعر يتظلم ويمن ويستعطف ويحتج وينتصف في آن معاً.
ـ اما العتاب الجماعي:
فيدخل ضمن دائرة الاعمام والاجمال لافراد قبيلة الشاعر الذي ينتمي إليها الذين اساءوا إليه واطلقوا عنان شرهم عليه، واثاروا قلقه، وخدشوا احساسه، فكان سببا موجبا لغضبه عليهم، ومقاطعتهم وجفوتهم، وصدهم، وعندئذ والحال هذه لا يلوذ الشاعر بالصمت،وانما صارحهم بالتنبيه والاستنكار لافعالهم التي آلمته، وضاق صدره ذرعا بها على نحو ما نجده في عتابه الجماعي لأفناء فهر كلها، حين افتقد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وظن أنَّ قريشا قتلته مستنكرا بصيغ الاستفهام التي هي احدى وسائل العتاب يحاول الشاعر ان يثير بها قريشا، ويجد سبيلا الى التهديد والوعيد، فقال:
{من الوافر}
أَيامرُ جَمعُهُم أَفناء فِهرٍ ألا ضلّت حُلُومُهم جميعاً أترضى منكُمُ الحُلَماءُ هذا بَني أَخي وَنوطُ القَلبِ مِنّي وَتَشرَبُ بَعدَهُ الشُّبانُ ريّاً وكيفَ يكونُ ذاكم من قريشٍ فإما تفعلوه فإن قلبي |
|
بِقَتلِ مُحَمَّدٍ وَالأمرُ زورُ وأُطلق عَقْلُ حربٍ لا تَبورُ وما ذاكم رضىً لي أنْ تَبوروا وَأَبيضُ ماؤُهُ غَدَقٌ كَثيرُ وَأَحمَدُ قَد تَضَمَّنَهُ القُبورُ وما مِنّا الضّراعةُ والفُتُورُ أبيٌّ أمرَكم عنه نَفُورُ(14) |
لا يكتفي الشاعر بالسؤال الواحد وانما راح يستفسر بعدد من الاسئلة ليبحث عن الاحتمالات التي تجول في خاطره في عزم قريش على قتل رسول الله(صلى الله عليه وآله) كما يظن ذلك، فكان الاداة المنشطة لحركة بدا العتاب الذي اظهر مزيجا من الانفعالات المتناقضة من حبه لابن أخيه وشفقته وعاطفته عليه، وسخطه على قريش وغضبه وكرهه لهم .
إنَّ طريقة عتاب أبي طالب لقريش تكشف عن ود ضائع، وقطيعة اكيدة،وحقد متوقد، اثار غضبه فكان داعيا إلى تهديد حلماء أفناء فهر بالحرب التي لا تقوم لها قائمة، وهذه صورة من صور العتاب الذي يخرج إلى التهديد والوعيد، والوقوف بوجه قريش متحديا إياهم في نصرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) (15).
وقد يتخذ العتاب التذكير بصلة النسب فخص أبو طالب من فهر الذين يدخلون في عمود النسب النبوي أبناء كعب وقصي وعبد مناف في عتابه، لقطيعتهم، وخذلانهم في نصرة أخوانهم من بني هاشم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتركهم في الشِّعب يقاطعهم خصومهم ويحاصرونهم من دون رأفة، ولغط أبو طالب بالعتاب إلى أن سلك مسالك متعددة بحسب شدة انفعاله الى المديح والتوجيه والتهديد والتوبيخ، فقال:
{من الطويل}
فعَبدَ مَنافٍ أَنتُمُ خَيرُ قَومِكُم فَقَد خِفتُ إِن لَم يُصلِحِ اللهُ أَمرَكُم لَعَمري لَقَد أُوهِنتُمُ وَعَجزتُمُ وَكُنتُم حَديثاً خِطْفَ قِدرٍ فَأَنتُمُ لِيَهنْ بَني عَبدِ مَنافٍ عُقوقُها فَإِن يَكُ قَومٌ سَرَّهُم ما صَنَعتُمُ فَأبلِغْ قُصَيّاً أَن تَنَشَّرُ أَمرُنا وَلَو طَرَقت لَيلاً قُصَيّاً عَظيمَةٌ ولَو صُدِقوا ضَرباً خِلالَ بُيوتِهِم فَإِن تَكُ كَعبٌ مِن لُؤَيٍّ تَجَمَّعَت وإِن تَكُ كَعبٌ مِن كُعوبٍ كَبيرَةٍ وكُنّا بخيرٍ قبل تسويد معشرٍ |
|
فَلا تُشرِكوا في أَمرِكُم كُلَّ واغِلِ تَكونوا كَما كانَت أَحاديثُ وائِلِ وَجِئتُم بِأَمرٍ مُخطئٍ لِلمَفاصِلِ بنا كحِطابِ أَقدُرٍ وَمَراجِلِ وَخِذلانُها وَتَركُنا في المَعاقِلِ سَيَحتَلِبوها لاقِحاً غَيرَ باهِلِ وَبَشِّر قُصَيّاً بَعدَنا بِالتَخاذُلِ إِذاً ما لَجَأنا دونَهُم في المَداخِلِ لَكُنّا أُسىً عِندَ النِساءِ المَعاطِلِ فَلا بُدَّ يَوماً مَرَّةً مِن تَزايُلِ فَلا بُدَّ يَوماً أَنَّها في مَجاهِلِ هُمُ ذبحونا بالمُدى والمغاوِلِ(16) |
انشأ أبو طالب عتابه بمديح بني عبد مناف رغبة منه في استئناف علاقة الود والوصال بينهم بوصفها حالة سلوكية تستقطب الطرف الآخر إلى صفِّه وتستميله إليه، وتحفزه لاستثارة ذهنه لقبول أي صورة من صور العتاب.
وقد زيَن ابوطالب عتابه بالردع، ثم النصيحة للدلالة على المودة في خشيته من سوء عاقبتهم، وتوجه العتاب بالانذار والوعظ باحاديث ولدي وائل فأومأ إلى الحرب الضروس التي وقعت بين بكر وتغلب، ويبدو أن تداخل الردع والنصيحة والوعظ هو السيبل الأمثل للعتاب، بيد أن أبا طالب عندما يدرك عدم نجاح وسيلة التودد في عتابه تحتد انفعالاته وتتصاعد فيكشف عن غيضه، ويظهر غضبه،فيقوده العتاب إلى إهانة بني عبد مناف لقطعهم الرحم وعدم نصرة بني هاشم وهم محاصرون في الشِّعب، ثم تهديدهم بصورة فنية موحية إن احتلبوا الحرب وشاع الامر، فليبشروا بالخذلان مع اعمامهم من بني قصي، ولكي يعيد الشاعر توازنه النفسي من جراء احساسه بألم القطيعة والجفوة من بني عمومته، كان عليه ان يعلق: لو طرقت قصي نازلةٌ شديدة فلن يتخلى أبو طالب وعشيرته من بني هاشم عن نصرتهم والدفاع عنهم، وحفظ نسائهم، وانما طرق الشاعر هذا الكلام ليمنحهم الفرصة في التفكير والعودة إلى رشدهم، والعزوف عن غيهم، وهو في الوقت نفسه غاية ما يجود به المرء من ود لبني جلدته، وتفصح عن قوة شخصية أبي طالب الحكيمة ذي الخبرة المتراكمة في الحياة التي جعلته يعتقد: إذا كانت بنو كعب قد اعتمدوا على كثرة شرفهم ونفوسهم، فلا بد من وقوعهم في شدائد لا يهتدون الى الخروج منها، ولابد من خذلانهم، ويبدو أنَّ أبا طالب قد يأس من نصرة ابناء عمومته، بدلالة ذبحهم لبني هاشم بالمدى بالقول والفعل، وهكذا تباينت انفعالات أبي طالب في العتاب بالتودد بالمديح والنصح والوعظ تارة، والتوبيخ والتهديد تارة أخرى بحسب تنوع بواعث العتاب.
واتجه عتاب أبي طالب إلى تقرير الصفات الحميدة له سالكاً الاتجاه نفسه في الشكوى والتحذير والنصيحة والوعظ، فحينما اجتمعت قريش على خلاف أبي طالب، كان لا بد من أن تنقطع حبال الود بينه وبينهم، فشكى ابوطالب بطون قريش عامتهم، ثم خص منهم ذرية عبد مناف: بني عبد شمس، ونوفل، فقال:
{من الطويل}
وَما إِن جَنَينا في قُرَيشٍ عَظيمَةً أخا ثقةٍ للنائبات مُرَزَّأ فيا أخَوَينا عبد شمسٍ ونوفلا ً وأنْ تصبحوا من بعدِ ودٍّ وأُلفةٍ ألم تعلموا ما كانَ في حربِ داحسٍ فوالله لولا اللهُ لا شيءَ غيرُهُ |
|
سِوى أَن مَنَعنا خَيرَ مَن وَطِئ التُّربا كريماً نَثَاه لا لئيماً ولا ذربا فإياكما أن تُسْعِرا بيننا حربا أحابيش فيها، كُلُّكُم يشتكي النَّكبا ورهطِ ابي يكسُوم إذ ملأوا الشِّعبا لأصبحتُم لا تملكونَ لنا سربا(17) |
انصبّ عتاب أبي طالب على مخالفة قريش له ومقاطعتهم لعشيرته من بني هاشم المرهونة بحمايته ومنعته ومساندته لابن أخيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ ولكي يسوغ منعته لابن أخيه بيَّن خصائله وشمائله وفضائله الكريمة، ثم التفت إلى بعض بطون قريش وهما: عبد شمس، ونوفل، وخصهما بالذكر لاحقيتهما في المناصرة؛ لأنهم أبناء عمومة يدخلون في النسب النبوي(18)، ليضرب لهم مثلا وعظيا في حربي: داحس، وابرهة الحبشي، لعلهم يتعظون، ويرجعون عن غيهم،وظلمهم في المقاطعة، فذكر حرب داحس يعني تأكيد الفناء، وذكر حرب ابي يكسوم تذكير لهم بغلبة ابن أخيه، فهو ابن عبد المطلب الذي قال: «إن للبيت ربا سيمنعه» (19)، فانتصر بقوة الله تعالى من دون حرب، وسينتصر ابن أخيه بالقوة ذاتها فاستحضر أبو طالب من التأريخ ـ في عتابه ـ ما يحقق له غاية قد ترجع الخصم من غيه، ويبدو أنَّ طريقي النصح والوعظ: هما الطريقان الأفضلان في العتاب.
وعندما يجد أبو طالب أن الوصال أوشك على الانهيار، فلا حيال له لاستئناف الود بينه وبينهم اتجه عتابه سلبا؛ لأنه لم يحقق شد المقابل إلى ما يصبو إليه من النصرة والحماية والتأييد،وبهذا كله تنوعت انفعالات الشاعر من الشكوى إلى التحذير والنصيحة والوعظ بحسب بواعث العتاب. وسلك ابوطالب في عتابه لبني عبد شمس مسلكا تحريضياً يمتزج بالتوبيخ فقال مخاطبا إياهم:
{من الطويل}
وَما كُنتُ أَخشى أَن يُرى الذُلُّ فيكمُ جَميعاً فَلا زالَت عَليكُم عَظيمَةٌ أَراكُم جَميعاً خاذِلينَ فَذاهِبٌ |
|
بَني عَبدِ شَمسٍ جيرَتي وَالأَقارِبِ تَعُمُّ وَتَدعو أَهلَها بِالجَباجِبِ عَنِ النَّصرِ مِنّا أَو غَوٍ مُتَجانِبُ(20) |
إنَّ العلاقة بين الشاعر وقومه علاقة فاترة، لاحجامهم عن النصرة وعدم تمسكهم بنصرة الاخ والقريب كما فرضت ذلك الحياة الجاهلية، فعدَّ قانون الحماية عنوان العربي القوي صاحب السطوة والعز في المجتمع، وان العزوف عن تطبيق هذا القانون جناية عظيمة في حق العربي، وذل لا يمحى على مر الدهر، ومن هنا كان عتاب أبي طالب الممتزج بالتحريض لبني عبد شمس، وان كان متيقنا منهم ان الذل لازمهم لتنصلهم عن النصرة، وهذا التوبيخ اوقع ايلاما في النفس؛ لأن العربي ذو أنفة يأبى الذل، واومأ أبو طالب من طرف خفي إلى جعل نفسه ميزان المفاضلة في الاباء والرفعة والسطوة والسلطة والقوة بأن يكون الناصر لدين الله ولرسوله الكريم الذي أدى حق هذا القانون الاجتماعي في الوقت الذي يشعر به باليأس والقنوط من نصرتهم وهو يعاتبهم.
وصفوة القول: إنَّ ظاهرة العتاب الأخوي في شعر أبي طالب لأخيه أبي لهب ولأشراف قومه من قريش الذين هم اكفاؤه فرضتها طبيعة المرحلة التي واكب فيها ابوطالب بواكير الدعوة الإسلامية فكان علما باسقا لنصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يدعو من يعاديه إلى النصرة والمؤازرة والحماية، وهذا يلحظ في عتابه الجماعي الشامل لبطون قرش ولا سيما أبناء عمومته الذين يدخلون في شجرة النسب المعارضين للدعوة الإسلامية، فكان العتاب له أثره الواضح في نصرة الإسلام ومخالفة بطون قريش للدعوة الإسلامية المتمثلة بزعاماتها والتي افرزها حسدهم، لتشريف الله بني هاشم في الشرف والسيادة والنبوة، فكانت هذه الفضائل من عوامل جفائهم وقطيعتهم وبغضهم وحقدهم، وطرق أبو طالب هذه المعاني في عتابه بتقنية فنية متناسقة مع الموقف الآني الذي يمر به والمتآزر مع صور العتاب المتعددة من مديح ولوم ونصح وتنبيه وتحذير وتهديد وتوبيخ، فافصحت عن تنوع انفعالات الشاعر المتاثرة بمواقف الشخصيات والبطون الرافضة لحماية أبي طالب لابن أخيه، بيد أنَّ أبا طالب بقي الصوت المسيطر في العتاب بما يملك من قوة وسطوة ومكانه في نصرة الرسالة ورسول الله (صلى الله عليه وآله) .
التحذير والتهديد :
وهما موضوعان طرقهما الشاعر الجاهلي، الأول، ما ذكر فيه انذار الأعداء وتحذيرهم من مغبة طغيانهم عندما تظهر امارات الاساءة، أو ان تكون على وشك الوقوع، فيرشدهم الشاعر إلى الصواب، اما الثاني، فيتوعد الشاعر الأعداء بالقتل والتنكيل والوعيد والثبور بالقوة والعنف إن لم يرجعوا إلى الطريق السوي، فسوف يلحق بهم الأذى.
وصدر تحذير أبي طالب وتهديده إلى بطون قريش على شكل رسائل شعرية، بوسائل تبليغية متعددة اما أن يكون التبليغ صادرا منه مباشرة إليهم، واما أن يبلغ الحاضر الغائب منهم، وأما أن يعين رسولا لهذه المهمة، حين علم ان بطون قريش ـ التي تدخل في شجرة نسبه ـ قد عقدوا العزم على الشر في قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) والقضاء على دينه، فيحاول ـ في بعض الأحايين ـ أن يتبع تحذيره لهم بانذارهم ونصحهم؛ ليوجه انظارهم إلى من يشعل نار الحرب، وما ستؤول عليهم من مصائب وخسائر، فالشاعر الحازم الحليم الناصح يحذر القوم من مغبة افعالهم غير المحمودة العواقب لاحترامه صلة القربى، وما تفرض عليه من واجبات النصح والتوجيه.
وقد يكون التحذير شديد اللهجة، فيزداد انفعال الشاعر، فيلتهب القول، ليصل إلى درجة التهديد والوعيد، فيهدد بانزال اشد العقاب بعبارات شديدة الحرارة، وكأنه مصمم على تنفيذ تهديده ووعيده إذا اقيمت الحرب لقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) (21) .
وأهم ما انماز به التحذير والتهديد في شعر أبي طالب انه يحذر ويهدد بطون قريش من أجل نصرة الإسلام واقامة عمود الدين فهذان النوعان من فنون القول المرتبطان بفكرة نصرة رسول الله ورسالته بدأ في فجر الدعوة الإسلامية على لسان أبي طالب بما توافر له من امكانات السلطة والقوة والحزم في حماية نبي الله محمد(صلى الله عليه وآله)، وكانت بطون قريش تعرف قدر أبي طالب فيها، فلا تجرأ على الرد عليه؛ لأنها إن تجرأت ستقوم حرب لا هوادة لها في قبيلة قريش نفسها بوصف أبا طالب زعيما لعشريتين كبيرتين في قريش هما: بني هاشم، وبني عبد المطلب، فالذين يعادونهم هم أبناء عمومتهم، وهم المؤيدون والناصرون والحامون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) زد على ذلك أن قريشا كانت تنأى عن طبيعة الحياة القبلية في صراعاتها، فلم «يكن بينهم نائرة» (22)، فهي ليست من أرباب الحروب لطبيعة معيشتها التجارية، ولاستقرارها في الحاضرة، ولتكويناتها الاجتماعية فأكثر هذه البطون رؤوسها شخصيات متزعمة لها مقاماتها الاجتماعية في المجتمع القرشي، فلم تكن ذا قوة كبيرة تصمد أمام العرب، فهي تخشى من تألب العرب عليها، فتضعف قوتها، واشعار أبي طالب في هذين الموضوعين المستندين إلى فكرة حماية الإسلام المتمثلة بمنعة رسول الله ونصرة دينه تمثل بداية الصراع بين صف الايمان، وصف الشرك التي تتأصل فيه الظاهرة الأدبية في باكورة الدعوة الإسلامية .
ونجد في شعر أبي طالب الذي قيل في التحذير سبيلا إلى النصح والعظة لمشركي قريش ولا سيما بني غالب حيث يحذر الرجال البصراء والعقلاء بما حل بالأُمم قبلهم اذ تمادوا في غيهم، واصروا عليه في رفض رسالات رسل الله وايذائهم لهم، فلفت انتباههم إلى العواقب المؤلمة التي ستحيق بهم إذا هم قتلوا رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وانما نهج أبو طالب منهج العقل والمنطق في نصح قومه وتحذريهم، ليستعبروا، وليتعظوا وليتقوا سخط الله عليهم في إيذاء رسوله مذكراً إياهم بمعجزته التي كانت سبباً في شلل يد أبي جهل حين عزم على قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال في قصيدته القافية:
{من المتقارب}
أَفيقوا بَني غالِبٍ وَاِنتَهوا وَإلا فَـــإِنـّــي ـ إِذن ـ خــــائِــفٌ تَكونُ لِغَابرِكُمُ عِبرَةً كَما نالَ مَن كانَ مِن قَبلِكُم غداةَ اتاهم بها صَرْصَراً فَحَلَّت عَلَيهِم بِها سَخطَةٌ غَداةَ يعضُّ بِعُرقوبِها وَأَعجَبُ مِن ذاكَ مِن أَمرِكُم بِكَفِّ الَّذي قامَ من حَينه فَأَيبَسَهُ اللَّهِ في كَفِّهِ أُحَيمِقِ مَخزومِكُم إِذ غَوى |
|
عَنِ البَغيِ في بَعضِ ذا المَنطِقِ بَوائِقَ في دارِكُم تَلتَقي وَرَبِّ المَغارِبِ وَالمَشرِقِ ثَموداً وَعاداً فَمَن ذا بَقي وناقة ذي العرشِ إذْ تستقي مِنَ اللهِ في ضَربَةِ الأَزرَقِ حُساماً مِنَ الهِندِ ذا رَونَقِ عَجائِبُ في الحَجَرِ المُلصَقِ إِلى الصّابِرِ الصادِقِ المُتَّقي عَلى رغم ذا الخائنِ الأَحمَقِ بغَيّ الغُواةِ وَلَم يَصدقِ(23) |
حذر أبو طالب الحلماء من أرباب العقول من بني غالب الذين يعتبرون من حوادث الأمم السالفة، ويجعلونها سبيلا يهتدون إليها في التفكير والعمل؛ لأن هذه الحوادث الموشحة بالطراز الديني تعيد نفسها على الرغم من اختلاف الزمان والمكان والاشخاص.
فقد كذب قوم عاد رسولهم هود(عليه السلام) وقوم ثمود رسولهم صالح(عليه السلام) وتعجبوا من إلقاء الوحي على بشر مثلهم فرموهم بالكذب والافتراء، فغضب الله عليهم وانزل عقابه بهم.
واليوم كذب المشركون رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)، فحذرهم أبوطالب من مغبة امرهم؛ لغاية ترهيبية لانذارهم في حال تماديهم في الظلم والبغي، ولفت اذهانهم إليها، فافادت العظة والنصح والارشاد بهذه القصص القرآنية(24) التي استثمر أبو طالب معنى جوهرها في تحذير قومه من بني غالب، ثم ليدلل على معجزة رسول الله(صلى الله عليه وآله)؛ ليعتبر من كان مقتنعا بها، وليسمعها من لم يعتبر فيعتبر ويتعظ، وهو يدلل على صحة نبوته ورسالته، وهكذا حرص أبو طالب على تحذير قومه من عذاب الله الذي سيحيق بهم إذا قتلوا رسول الله بنصحه في عزوفهم عن قتله، سالكا مسلك المنطق والعقل والحكمة والتدبر في عواقب الأمور؛ لدفع شرورهم.
وقد يتجه الخطاب الشعري إلى تهديد الخصم بشن الحرب والايقاع به، ويبالغ الشاعر في شن الهجوم وذكر معدات الحرب الضرورية من خيل قوية وأسلحة كثيرة وأبطال ذي قوة وحزم عندما كانت قريش تهدد بقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ودفعاً لما تتوهم قريش في ضعف أبي طالب وعشيرته الحامين له، توعدهم أبو طالب برسالة شعرية موجه إلى بني لؤي الذين يدخلون في عمود النسب النبوي وخص منهم أبناء عمومته الأقربين، بني: تيم، وعبد شمس، ونوفل، فقال في قصيدته اللامية:
{من الطويل}
أَلا أَبلِغا عَنّي لُؤَيّاً رِسالَةً
بَني عَمِّنا الأَدنَينَ تَيماً نَخُصُّهُم كَذَبتُم ـ وَبَيتِ الله ـ يُثلمُ رُكنُهُ وَبِالحَجِّ أَو بِالنيبِ تدمى نُحورُها تَنالونَهُ أَو تَعطِفوا دونَ قَتْلِهِ وَتَدعو بِأَرحامٍ وَأَنتُم ظَلَمتُمُ فَمَهلاً وَلَمّا تُنتج الحَربُ بِكرَها
فَإِنَّا مَتى ما نَمرِها بِسُيوفِنا وَكُلِّ جَرورِ الذَّيلِ زَغفٍ مُفاضَةٍ بِأَيمانِ شُمٍّ مِن ذوائِبِ هاشِمٍ هُمُ سادَةُ الساداتِ في كُلِّ مَوطِنٍ |
بِحَقٍّ وَما تُغني رِسالَةُ مُرسِلِ وَأَمرَ غَوِيٍّ مِن غُواةٍ وَجُهَّلِ أَقَرَّت نَواصي هاشِمٍ بِالتَّذَلُّلِ وَمَكَّةَ وَالإِشعار في كُلِّ مُعمَلِ بِمَدماه والرُّكنِ العَتيقِ المُقَبَّلِ صَوارِمُ تَفري كُلَّ عَظمٍ وَمِفصَلِ مَصاليتَ في يَومٍ أَغَرَّ مُحَجَّلِ بَيتْنٍ تِمامٍ أَوبآخرَ مُعجَلِ نُجالِح فَنَعرُك مِن نَشاءُ بِكَلكَلِ .... وَذي مَيعَةٍ نَهدِ المَراكِلِ هَيكَلِ
وَعَضبٍ كَإيماضِ الغَمامَةِ مِقصَلِ مَغاويلُ بِالأَخطارِ في كُلِّ مَحفَلِ وَخيرَةُ رَبِّ الناسِ في كُلِّ مُعضِلِ(25) |
علم أبو طالب قرار بني لؤي بن غالب في القضاء على الإسلام المتمثل بالرسول الكريم، ويقينه ان خطابه مع قومه لا ينفع؛ لإدراكه تصميمهم على تنفيذ رأيهم، فاستفزه هول رأيهم واثار غضبه، والتهبت حميته، فدفعته دفعا إلى تهديدهم في استحالة قتل رسول الله، وتعجيزهم على ذلك، ومادام بنو لؤي بن غالب أجهروا عـداوتهم للإسلام بصراحـة ، فكان عليه ان يعلن موقـفـه بقوة وصرامـة إلى جـانب الإسلام بوصفه الحامي لممثل الإسلام مع عشيرته من بني هاشم، فكان شعره في هذا الموضوع سلاحا في خدمة الإسلام لصد اعدائه وتهديدهم وتخويفهم بحرب شؤوم، واظهر أبو طالب استعداد حماة الإسلام ليحاربوا بالوسائل كلها، فمن مستلزمات القتال في الحـرب الخيـل فنعتهـا بالجودة والقوة والسرعة، ومن عدة الأسلحة : الرماح المتينة والمتماسكة،والسيوف البتارة والقوية، والدروع الواسعة والطويلة ، وبهذه المعـدات يجهز الابطال المتحاربون من بني هـاشم فوصفهم بالشجاعة والأنفة والشرف والبطولة في المهالك، فهذه المقومات القتالية مجتمعة هي من وسائل التهديد بالحرب التي تتكفل بتحقيق النصر إذا ما شرع بنو لؤي بالحرب.
وقد يصف الشاعر شعوره المؤلم نحو قومه، فيتحدث عن حــالتــه النفسية في مفارقة مضجعه في الخطاب الشعري الموجه إلى قـومه الذين سعــوا إلى قتــل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ظلما وبهتانا، فوصف ألمه لما ضاق ذرعا بعزم بني فهر على هذا الأمر، واعتراه الهم والحزن والقلق، فانذرهم وهددهم وحذرهم في آن معا، فنبههم ظلمهم الذي سيعود عليهم بالوبال،ونعت جنايتهم بالجهل وضعف الرأي، وتوعدهم بالشر والعقاب إذا ما اندلعت حربا بينهما تتنادى عليهم بالأسف، فقال:
{من الطويل}
أَلا مَن لِهَمٍّ آخِرَ اللَّيلِ مُعتِمِ عراني وَقَد نامَت عُيونٌ كَثيرَةٌ لأَحلامِ أقوامٍ قَد أَرادوا مُحَمَّداً سَعَوا سَفَهاً وَاِقتادَهُم سوءُ رأيهم رجاء أُمورٍ لَم يَنالوا بِظُلمِها يُرَجَّونَ أَن نَسخى بِقَتلِ مُحَمَّدٍ يُرَجّونَ مِنّا خُطَّةٌ دونَ نَيلِها كَذَبتُم وَبَيتِ اللَهِ حَتّى تَعَرَّفوا وَتُقطَعَ أَرحامٌ وَتَنسى حَليلَةٌ وَيَنهَضَ قَومٌ في الحَديدِ إِلَيكُمُ فَيا لبني فِهرٍ أَفيقوا وَلَم تَقُم عَلى ما مَضى مِن بَغضِكُم وَعُقوقِكُم وَظُلم نَبِيٍّ جاءَ يَدعو إِلى الهُدى فَلا تَحسِبونا مُسلميهِ وَمِثلُهُ فَهَذي مَعاذيرٌ وَتَقدِمَةٌ لَكُم |
|
عراني وَأُخرى النَجمِ لَمّا تَقَدَّمِ وَسائرُ أُخرى ساهرٌ لَم يُنَوّمِ بِسوءٍ وَمَن لا يَتَّقي الظُلمَ يُظلَمِ عَلى فائِلٍ مِن رأيهم غَيرِ مُحكَمِ وَإِن حَشَدوا في كُلِّ بَدوٍ وَمَوسِمِ وَلَم تَختَضِب سُمرُ العَوالي مِنَ الدَّمِ ضِرابٌ وَطَعنٌ بِالوَشيجِ المُقَوَّمِ جَماجِمَ تُلقى بِالحَطيمِ وَزَمزَمِ حَليلاً وَيُغشى مَحرَمٌ بَعدَ مَحرَمِ يَذُودونَ عَن أَحسابِهِم كُلَّ مُجرِمِ نَوائِحُ قَتلى تَدَّعي بِالتَّنَدُّمِ وَغِشيانِكُم مِن أَمرِكم كُلَّ مَأثَمِ وَأَمرٍ أَتى مِن عِندِ ذي العَرشِ قَيِّمِ إِذا كانَ في قَومٍ فَلَيسَ بِمُسلَمِ لِكَيلا تَكونَ الحَربُ قَبلَ التَقَدُّمِ(26) |
كان من حكمة أبي طالب، وعقله ومنطقه أن يحذر بني فهر؛ ليمنحهم فرصة في التفكير قبل الانزلاق إلى الشر، وما يجر عليهم من عقوق واثم؛ لجسامة خطر رأيهم؛ ولاستحالت تسليم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم، فهذه معاذير يهديها الشاعر لقومه قبل أن يتورطوا في الحرب.
ولا بد من أن يعلن أبو طالب من جانبه بقوة وصرامة موقفه من حماية الإسلام، مادامت قريش اعلنت عداوتها وبغضها بصراحة، ولا شك في ان تهديده وتحذيره اكتسى حلة إسلامية في دفع العقوق والاثم عن نبي الهدى الذي جاء من عند ربه بدين مستقيم للبشرية جمعاء.
وتبرز المعاني الإسلامية أكثر في الدعوة إلى الحق والانصاف في استعمال العقل والحكمة في الخطاب الشعري الذي وجّهه أبو طالب إلى قومه الذين لم يراعوا حقوق صلة القربى وواجباتها من بني غالب، ولاسيما لؤي وتيم المعادون للإسلام والمبغضون له، وشعوره العميق بصلة القربى جعله يزمع على تجنب القطيعة، فينذرهم ويحذرهم من أجل ادامة وشيجة القربى، لاحتمال ان تتكفل الحرب بفنائهم، وليضرب حكمه بذلك، وعندما باءت أمنيته في اعادة العلاقة الطيبة بينهما بالفشل، فلا يمتلك سوى التهديد امام تهديدهم واصرارهم على قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال منذرا ومحذراً برسالة تبليغيه، ويمدح رسول الله (صلى الله عليه وآله) في القصيدة الميمية :
{من الطويل}
فَبَلِّغ عَلى الشَّحناءِ أَفناءَ غالِبٍ لأنّا سُيوفُ اللَهِ وَالمَجدِ كُلّهِ أَلَم تَعلَموا أَنَّ القَطيعَةَ مَأثَمٌ وَأَنَّ سَبيلَ الرُّشدِ يُعلَمُ في غَدٍ فَلا تَسفَهَن أَحلامُكُم في مُحَمَّدٍ يُمَنُّونَكُم أَن تَقتُلوهُ وَإِنَّما فَإِنَّكُم ـ وَاللهِ ـ لا تَقتُلونَهُ وَلَم تُبصِروا الأَحياء مِنكُم مَلاحِماً وَتَدعوا بِأَرحامٍ أَواصِرَ بَيننا وَنَسْمُو بِخَيلٍ بَعدَ خَيلٍ تَحُثُّها مِنَ البيضِ مِفضالٍ أَبِيٍّ عَلى العِدا أَمينٌ مُحِبٌّ في العِبادِ مُسَوَّمٌ يَرى الناسُ بُرهاناً عَلَيهِ وَهَيبَةً |
|
لُؤَيّاً وَتيماً عِندَ نَصرِ الكَرائِمِ إِذا كانَ صَوتُ القَومِ وَحيَ الغَمَاغِمِ وَأَمرُ بَلاءٍ قاتِمٍ غَيرِ حازِمِ وَأَنَّ نَعيمَ الدَهرِ لَيسَ بِدائِمِ وَلا تَتبَعوا أَمرَ الغُواةِ الأَشائِمِ أَمانيُّهُم تلكم كَأَحلامِ نائِمِ وَلَمّا تَرَوا قَطفَ اللِّحى وَالغَلاصِمِ تَحومُ عَلَيها الطَيرُ بَعدَ مَلاحِمِ وَقَد قَطَعَ الأَرحامَ وَقعُ الصَوارِمِ إِلى الرَّوعِ أَبناءُ الكُهولِ القَماقِمِ تَمَكَّنَ في الفَرعَينِ في حَيِّ هاشِمِ بِخاتمِ رَبٍّ قاهِرٍ للخَواتِمِ وَما جاهِلٌ أَمراً كَآخَرَ عالِم(27) |
إنّ من مزايا أبي طالب الرجل العاقل المؤمن أن يلجأ الى الحكمة والنظر في عواقب الامور في مراعاة وشيجة القربى، يريد بها جمع الشمل؛ لأنهم من نسب واحد، وينبههم على أن القطيعة اثم وبلاء كبيران.
وجاءت الخطوة الثانية في تحذير القوم في بيان جهلهم برسول الله (صلى الله عليه وآله) واتباعهم أهل الضلال، وكأنَّ أبا طالب يريدهم أن يتريثوا فلا يستعجلوا في رأيهم بقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ لأنهم يعرفون علامات نبوته وإذا ما بدأت الحرب فسيعلمون قوة الحامين والناصرين والمؤيدين من بني هاشم، وسيلقون العقاب على أيديهم، وبهذا توجه الخطاب الشعري من التنبيه والتحذير إلى اصدار حكمة مستخلصة من تجارب حياة الشاعر من ان طريق الرشاد سيعلم في غدٍ، وان السعادة ليست بدائمة؛ فيحتدم الصراع، وتتوهج انفعالات الغضب فيثور أبو طالب مهددا ومتوعدا، وذلك ليظهر الشاعر وعشيرته من بني هاشم بمظهر الأبطال الأقوياء في مواجهة أعداء الإسلام، فيصور الشاعر ما يزمع عليه من ايقاع اشد القسوة والعنت بهم في ملحمة كبرى يصف فيها قطف الرؤوس من الرقاب، وتصوير جثث القتلى طعاما للطيور الضارية، ليرسم هذه الصورة الترهيبية في أذهان القوم التي هي احدى وسائل التهديد والوعيد.
وتتكرر هذه الصورة الترهيبية في تحذير الخصم في حال الاستعداد للحرب، وينصح أبو طالب بالتريث والتمهل مستعينا بالحادثة الدينية المستمدة أحداثها من التاريخ، سالكا اتجاهات متنوعة في خطابه لبني لؤي بن كعب من انذار ونصح وتحذير وتهديد ووعيد، عندما اشتد البلاء على بني هاشم وبني عبد المطلب في حصار شِعْب أبي طالب لحمايتهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكتبت قريش صحيفة المقاطعة، فقال أبو طالب في قصيدته البائية التي يمدح فيها رسول الله، ويخاطب رهطه(28):
{من الطويل}
وَأَنَّ الَّذي نمَّقتُمُ في كِتابِكُم أَفِيقوا أَفِيقوا قَبلَ أنْ يُحفَرَ الثَّرى وَلا تَتبَعوا أَمرَ الغواةِ وَتقطَعوا وَتَستَجلِبوا حَرباً عَواناً وَرُبَّما فَلَسنا ـ وَبَيتِ اللَّهِ ـ نُسلِمُ أَحمَداً وَلمّا تَبِن مِنّا وَمِنكُم سَوالِفٌ بِمُعتَركٍ ضَنكٍ تَرى قصدَ القَنا كَأَنَّ مُجالَ الخَيلِ في حجَراتِهِ أَلَيسَ أَبونا هاشِمٌ شَدَّ أَزرَهُ وَلَسنا نَمَلُّ الحَربَ حَتّى تَمَلَّنا وَلَكِنَّنا أَهلُ الحَفائِظِ وَالنُّهى |
|
لَكُم كائِنٌ نَحساً كَراغِيَةِ السَّقبِ وَيُصبِح مَن لَم يَجنِ ذَنباً كَذي الذَّنبِ أَواصِرَنا بَعدَ المَوَدَّةِ وَالقُربِ أَمَرَّ عَلى مَن ذاقَهُ حَلَبُ الحَربِ لِعَزّاءَ مِن عَضِّ الزَمانِ وَلا كَربِ وَأَيدٍ أُتِرَّت بِالقُساسيّةِ الشُّهبِ بِهِ وَالنُّسورُ الطُّهْم يَعكُفنَ كَالشَّرْبِ وَمَعْمَعَةَ الأَبطالِ مَعرَكَةُ الحَربِ وَأَوصى بَنيهِ بِالطِّعانِ وَبِالضَّربِ وَما نَشتَكي مما نلاقي مِنَ النَكبِ إِذا طارَ أَرواحُ الكُماةِ مِنَ الرُعبِ(29) |
حرص أبو طالب على انذار قومه ونصحهم وتحذيرهم لما كتبوه في صحيفتهم المشؤومة مثل شؤوم رغاء سقب ناقة النبي صالح على قوم ثمود، وأراد «ولد الناقة التي عقرها قُدار، فَرَغا ولدها، فصاح برغائه كل شيء له صوت، فهلكت ثمود عند ذلك فضربت العرب ذلك مثلا في كل هلكة» (30)، وانما ساق أبو طالب هذه الحادثة الدينية من تاريخ الأمم السالفة، للعظة والاعتبار بعقاب الله للذين يؤذون رسله كي يتراجع القوم عن مقاطعتهم لعشيرة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) الحامين له قبل ان يفتضح امرهم وتثار مخازيهم، ويتساوى عندها الجاني والبريء، أي ليتخذوا من هذه الحادثة الدينية منارا يهتدون بها في سلوكهم، ويحذرهم حربا حلوبا تجر عليهم الويلات، إذا ما أصرَّ القوم على الحرب، ويهددهم بايقاع الهزيمة والحاق افدح الخسائر بهم، وهو يستعين بأدوات الحرب من سيوف ورماح وخيل وأبطال جانحا إلى وصف ساحة المعترك بصورة موحية تصور جثث القتلى طعاما للنسور العاكفة عليها، وهي صورة توحي بالرعب والخوف والاشمئزاز، ومما لاشك فيه أنَّ أبا طالب يؤكد تفانيه ووفائه للإسلام بحماية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يحذر ويهدد ويتوعد وهذا من جديد أبي طالب في هذا الموضوع.
وصفوة القول: يتبين أن النزاع لم يكن بين عشيرة أبي طالب والقبائل الأُخرى وانما بينه بوصفه زعيما لعشيرته وحاميا للإسلام، وبين رهطه من قريش نفسها، فلقد استحكم الخلاف بين أبي طالب ومشركي قريش المناهضين للدعوة الإسلامية، فصممت قريش على قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) للقضاء على الإسلام، فلجأ أبو طالب إلى استعمال أساليب متنوعة في خطابه مع رهطه من قريش اتخذت طريق النصح والانذار والتحذير والتهديد والوعيد، بحسب انفعالاته المتباينة مع المواقف التي يمر بها، فقد يثير في نفوس قريش حبه وإخلاصه في نصحه لوجوه الخير الذي يفرضه العقل والحكمة، وقد ينثار حزنه وألمه من سوء افعالهم فينسج أبياتا في انذارهم محاولا تنبيههم على العواقب الوخيمة التي لحقت بالأمم السالفة لتماديها في غيها في تكذيب رسلها، فيعظ قومه بهذه القصص الدينية، وقد يتحامل على قومه لجهلهم بنبي الهدى، وظلمهم له، فينشد أبياتا محذرا إياهم،وقد يسوده غضب شديد فيثور بركان انفعاله عليهم فيهددهم ويتوعدهم وقد يلتهب احساسه فيصوغ أبياته في حماية الإسلام بعاطفة صادقة صادرة عن نبض قلب الرجل المؤمن، ومن هنا يعد أبو طالب في شعره بحق الرائد الأول في تطور هذه الموضوعات بمضامين إسلامية في خدمة الدعوة الإسلامية، وشعره ممثل امين لمرحلة الصراع الفكري بين الإيمان والشرك والذي واكب فجر الإسلام وبدايته، فعبر عن تفاصيل يوميات سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في معارضة قريش له.
الهجاء :
الهجاء ظاهرة اجتماعية أُخرى لها وقعها المؤلم في نفس الخصم؛ لاقتصارها على ذكر مثالبه، وكشف عيوبه، وفضح مستوره أمام الناس، والهجاء مرهون بانفعالات الشاعر الحادة المتولدة من لحظات الغضب الشديد تجاه الخصم، ليضعف به معنوياته، وقد ارتدى فن الهجاء في قصائد أبي طالب ثوبا إسلاميا ناشئا من فكرة معاداة مشركي قريش للإسلام في رفضهم تمثل النبوة ببني هاشم حسدا وحقدا وبغضا(31)، فنشأ نزاع فكري أدى إلى خوفهم على كيانهم ومناصبهم في المجتمع القرشي، فناهضوا صاحب الدعوة الإسلامية وجاهروا بحقدهم وبغضهم وعداوتهم له، في الحاق الأذى به والقضاء على دينه، وخذلان عمه الناصر للإسلام، فخيبوا أمل أبي طالب فيهم، ولهذا كله نشأ صراع شعري زرع بذرته الأولى أبو طالب في تصديه لمعارضي سادات قريش حول فكرة دفاعه عن العقيدة، متخذا شعره سلاحا لمواجة بطون قريش وساداتها(32)، فكانت مواقفه الدفاعية للإسلام ومناهضة مواقف مشركي قريش المعادية هما الدافعان لقول الهجاء.
ومن الجدير ذكره أن الشخصيات المهجوه تمثل زعماء عشائرها أو ساداتها، فربما هجا العشيرة باسم زعيمها أو هجا الزعيم باسم العشيرة؛ ولهذا يمكن أن يعد الهجاء القبلي هجاء شخصيا لرغبة الشاعر في توسيع نطاق الألم والايجاع والاغاضة من الخاص إلى العام؛ لأن هجاءه مرتبط بسادات قريش أصحاب الرأي والمشورة، والأمر والنهي، بيد أننا لانعدم من وجود هجاء لشخص بعينه، ومنه الهجاء الذي اناطه أبو طالب بأخيه أبي لهب الذي كان شديد العداوة للإسلام، وعظيم التكذيب والأذى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد لج في أمر الرسول الكريم،ونابذ أخاه أبا طالب الحامي للإسلام فأثار حفيظته، فحاول الأخير الحط من قدر أبي لهب، والتقليل من شأنه في كشف ما خفي من عيوب أمه الخزاعية(33)، المدعوة بسمحج، ليحقق قدراً من الايلام لأخيه وهو يُعَرِّض بها، فقال:
{من السريع}
مستعرض الأقوام يُخبِرُهم يكنى بسمْحَجَ إذ يخالفُنا فاجعلْ سماحِجَ وابنَها غرضاً واسمعْ بوادِرَ من حديثٍ صادقٍ .... صَمّاء ضافَ إليكَ عائرها |
غدري وما إنْ جئتُ من غَدْرِ ويجدُّ في النَّكراء والكفرِ لِكرائم الأكفاء والصِّهْرِ
يَهْوينَ مثلَ جَنَادِلِ الصَّخرِ |
ولو انعمنا النظر في هجاء أبي طالب لأخيه أبي لهب لألفينا هجاء جاهليا بالمقاييس الفنية في ذكر عيب أمه، فقد كان يرى الشاعر في سمحج شيئا من الدهاء والفتنة التي دنت إلى أبي لهب بهذا العيب، بيد أننا لا نعدم التقاط عيب إسلامي يوصم به أخاه وهو الكفر.
وهجاء الأخ لأخيه غير مألوف في الشعر العربي، لأن الأخ سند لأخيه في الشدائد والمحن والمصائب، ولكن موقف أبي لهب المعادي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولأخيه الناصر لدين الله أبي طالب جعل الأخير يقف موقف الغاضب على أخيه؛ لأنه خيب أمله في نصرة ابن أخيه الرسول الكريم، واعان عليه اعداءه من طغاة الشرك، فدافع العقيدة هو الذي وجَّه الشاعر إلى هجاء أخيه، وشعوره الحاد كان حمية للإسلام في الدفاع عنه، فأفاضت قريحته بضربات مؤلمة ولاذعه في نفس المهجو، فعبر بصدق القول، فاصاب الحقيقة ووسم صاحبها بعار لا يجلوه الزمن، بخلاف الكذب والادعاء والافتراء الذي يمكن ان يجلو اثره على مر الايام، فيكشف زيف ادعاء الشاعر في المهجو .
وأبو طالب ينأى عن السب المقذع الذي يقترب من كلام السوقة، فيبتعد عن غاية الهجاء الذي يراد بها توجيه الافراد والجماعات من المجتمع القرشي المناهضين للدعوة الإسلامية في ابتعادهم عن موقفهم المعادي للإسلام على نحو ما نجده في الهجاء القبلي المتزاوج مع الهجاء الشخصي في ذم بطون قريش من بني عبد شمس ونوفل وتيم ومخزوم، في القصيدة الميمية التي يمدح بها أبا لهب طمعا في نصرة ابن أخيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويحضه على نصرته(35)، فقال:
{من الطويل}
جَزى اللَهُ عَنّا عَبدَ شَمسٍ وَنَوفَلاً بِتَفريقِهِم مِن بَعدِ وُدٍّ وَأُلفَةٍ أطاعوا ابن ذكوانٍ وقيساً ودَيسَماً كَذَبتُم وَبَيتِ اللَهِ يُبرى مُحَمَّداً |
|
وَتَيماً وَمَخزوماً عُقوقاً وَمَأثَما جَماعَتَنا كَيما يَنالوا المَحارِما فضلُّوا ودَقُّوا للملا عطْرَ مَنْشِما وَلمّا تَرَوا يَوماً لَدى الشِّعبِ قائِما(36) |
استهل أبو طالب الهجاء بصيغة الدعاء، وهذا ما يتردد في شعره في هذا الموضوع(37)، وهو تمهيد جيد لكشف مكنونات انفعالات الشاعر في النص، فهو يتمنى ان يجازي الله الاحياء القرشية على اثامها وعقوقها،فعرَّاها عن الفضائل الجليلة واكساها بالرذائل المهينة في ارتكابها الاثم، والعقوق، وانتهاك المحارم في عزمها على قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصوَّر أبو طالب المهانة وهي لاصقة بابناء عبد شمس ونوفل وتيم، موقوفة عليهم، وكأن الشاعر يريد أن يقول بأن من يتصف بهذه الصفات ليس من سادات القوم، وانما من اراذلهم، ومن لم يكن سيدا لا يستحق ان يؤخذ برأيه في أمر خطير مثل قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإمضاءً في اغاظة هذه البطون جعلها الشاعر تابعة ذليلة لرأي ابن ذكوان «عُقْبَة بن أبي عمرو بن أُمية بن عبد شمس، وأبو عمرو: اسمه ذكوان .... وقيس: هو قيس بن عاقل الخَولاني صاحب بني مخزوم، ودَيْسَم: هو الوليد بن المغيرة المخزومي، ويقال: انه عبد يدعى بِدَيْسَم بن صَقْعَب» (38)، فجعل أبو طالب البطون المذكورة آنفا تابعة لا متبوعة، فهم دون منزلة ابن ذكوان عقبة بن أبي مُعيْط، فقد ذكر ان أُمية قد سَاعَى أمَةً أو بَغَتْ أمَةٌ له، فحملت بذكوان، فاستلحقه بحكم الجاهلية، والأمة التي ولدته يهودية من صفورية بلدة في الأردن(39)، وعندما أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بقتل عقبة بعد اسره يوم بدر، قال عقبة: «أأقتل من بين قريش صَبْرَاً، فقال عمر: حَنَّ قِدحٌ ليس منها، يُعَرِّض بنَسَبه» (40)، وهذا تعريض واضح بنسب بني أُمية، ولهذا حذف ابن هشام البيت الثالث، فقال ما نصه: «وبقي منها بيت تركناه» (41)؛ لأن فيه تعريضا بذكوان جد الامويين، وهذا ليس طعنا في نسب عقبة فحسب؛ بل في نسب بني أُمية نفسها، مما جعل السُّهيلي يعلق على الطعن في نسب بني أُمية؛ ليهون عليهم هذه المذلة، فقال: «عفا الله عن أمر الجاهلية، ونهى عن الطعن في الأنساب، ولو لم يجب الكفُّ عن نسب بني أُمية إلا لموضع عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، لكان حَرَى بذلك» (42)، فقد كان أبو طالب صادق القول، ينأى عن الكذب، ولهذا لم يستطع التاريخ أن يمحو أثر قوله، أو يدفع عن اصحابه وسمة العار في غمز نسب أمية، فوقع تعريض أبي طالب في المهجو على سبيل الازدراء والتنقيص، وهو أشد وطأة عليه؛ لأن «التعريض أهجى من التصريح؛ لاتساع الظن في التعريض، وشدة تعلق النفس به، والبحث عن معرفته، وطلب حقيقته» (43).
اما من لم يكن من سادات القوم وأشرافها أمثال: قَيْس، ودَيْسَم، إذا صح ان ديسما كان عبدا، فقد أراد أبو طالب أن يضرب بهما مثلا في الانتقاص والامتهان والوضاعة، ومن هنا وجه بطون قريش إلى أنهم عاجزون عن تحقيق مآربهم في قتل نبي الله؛ لأنهم ليس لهم رأي فهم ليسوا أسيادا لأنهم خضعوا لمن دونهم، واتبعوهم، ولا يخفى ما لسلب صفتي: الشرف والسيادة من أثرهما العظيم في نفوس تلك البطون القرشية، فعبيد قريش تتحكم باسيادها، من هنا صار العبد سيدا والسيد عبدا، ولا هجاء أقسى من هذا على زعماء قريش، وفيه تحريض مبطن على تأليب من بقي من قريش على قيس وديْسَم. ومن سبل الهجاء الانفتاح على التهديد والوعيد والتحدي لمن يريد نيل رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فان بدات المعركة لا يرون لهم قائمة بعدها في شعب أبي طالب.
ومن سبل الهجاء الشكوى من الخصم، واخفاء فضائله المحمودة، وابراز ما خفي وظهر من عيوبه على نحو ما نجده في قصيدة أبي طالب الميمية، فقد اعتراه الهم والحزن فأرقه وسلب نومه(44)، لظلم قريش له ومنها البطون: تيم، وهصيص، ومخزوم، ففارت نفسه وغليت انفعالاته، فثار يهجو ظلمهم وعقوقهم لمقاطعة بني هاشم وفرض الحصار عليهم، لحمايتهم رسول الله(صلى الله عليه وآله)؛ لأن هذه البطون أدركت قوة رسول الله بعشيرته من بني هاشم بزعيمها أبي طالب، فلولاهم لاستطاعت الانقضاض على الإسلام في قتل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ووأد دعوته؛ لذلك تجنبت هذه البطون اراقة الدماء، فاجبرتهم على الحصار لكي يتخلوا عن رسول الله، ثم تتمكن قريش منه، فخاطب أبو طالب قريشاً وهو يذكرهم ظلمهم وعقوقهم وحصارهم في الشِّعب، فقال:
{من الوافر}
لِظُلمِ عَشيرَةٍ ظَلموا وَعَقّوا هُمُ اِنتَهَكوا المَحارِمَ مِن أَخيهِم إِلى الرَحمَنِ وَالكَرَمِ اِستَذَمّوا بَنو تَيمٍ تَوارثَها هُصيصٌ فَلا تَنهى غُواةَ بَني هُصيصٍ وَمَخزومٌ أَقَلُّ القَومِ حِلماً أَطاعوا اِبنَ المُغيرَةِ وَاِبنَ حَربٍ وَقالوا خُطَّةً جَوراً وَحُمقاً لنُخرِجَ هاشماً فيصيرَ منها ... أَرادوا قَتلَ أَحمَدَ ظالِموهُ وَدونَ مُحَمَّدٍ مِنّا نَدِيٌّ |
|
وَغِبُّ عُقوقِهِم كُلأٌ وَخيمُ وَلَيسَ لَهُم بِغَيرِ أَخٍ حَريمُ وَكُلُّ فعالِهِم دَنِسٌ ذَميمُ وَمَخزومٌ لَها منّا قَسيمُ بَنو تَيمٍ وَكُلُّهُمُ عَديمُ إِذا طاشَت مِن العِدَةِ الحُلومُ كِلا الرَجُلَينِ مُتَّهمٌ مُليمُ وَبَعضُ القَولِ أَبلَجُ مُستَقيمُ بلاقعَ بطنُ زمزَمَ والحَطِيمُ ... وَلَيسَ بِقَتلِهِ فيهِم زَعيمُ هُمُ العِرنينُ وَالأَنفُ الصَّميمُ(45) |
هجا أبو طالب البطون المتزعمة في المجتمع القرشي الذين ينتمون إلى شجرة نسبه، فرماهم بالظلم والعقوق، وسوء العاقبة، لانتهاكم حرمة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ففرض الحصار على بني هاشم يوجب عقاب الله عليهم، فراح أبو طالب يرشقهم بسهـام الضلال والحمق بجهلهم برسالة الله تعالى ، ومن هنا نسجـل السبـق لتأصيل الظاهرة الأدبية لهذا النمط الجديد من الهجاء الإسلامي لأبي طالب قبل غيره من شعراء الرسول (صلى الله عليه وآله) أمثال: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة.
ومما لايخفى أن الهجاء بالمعاني التي حُدِّدت بمفهومها الإسلامي ليس لها تأثير ذو بال على زعماء بطون قريش مثل اثر المعاني الجاهلية من ذكر عيوب المثالب والوقائع والأيام وغيرها؛ لأنهم أصحاب شرك لا يبالون بالاتهامات الحاملة للمفهوم الإسلامي الجديد.
واتهمهم أبو طالب بالطيش والخفة؛ لقلة حلمهم؛ وهذه النعوت المذمومة هـي بخـلاف خصائل السادات والزعماء الذين يمثلون عشائرهــم ، وما دامت هذه صفاتهم أراد أبو طالب أن يعطي حكما فيهم، بأن هذه الصفات لا تليق بمن يتزعم قومه ، فــإذاً لا يستحقــون أن يكونــوا زعماء ، ومن ثمَّ فهم ليسوا أهلا لإبداء الرأي بشأن رسول الله وعشيرته؛ ليصغر من شرف مكانتهم، وفي هذا ذم موجه لهم.
ولكي يزيد الشاعر من حط اقدارهم، رماهم بسهم مؤلم، فجعلهم تابعين لرأي الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبي سفيان بن حرب اللذين كانا الممثلين لرؤوس الشرك، ويبدو أن ابن المغيرة وابن حرب هما اللذان أوحيا بفكرة الحصار والمقاطعـة ـ التي اغفلت عن ذكرها المظان التاريخية(46) ـ فقد أدركا أن الهاشميين مصرون في موقفهم على حماية رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وان قريشا لا تدع رسول الله وشأنه؛ لأن اتباعه يزدادون، ومن يدخل الإسلام لا يخرج منه، ولذلك كله اتحدت بطون قريش على مقاطعة بني هاشم ومواليهم وعبيدهم ومحاصرتهم في الشِّعب وإلى هذا الرأي الجائر أومأ أبو طالب إلى خطة ابن المغيرة وابن حرب في إيحاء فكرة الحصار، وإلى ظلمهما وحمقهما، والظلم والحمق لا يوصف بهما اصحاب الرأي والشورى، وانما كان هذا الأمر من أبي طالب للانتقاص والتهكم والسخرية منهما، وفي الوقت نفسه ينصف أبو طالب الخصم، فبعض اقوالهما مضيئة، وقصد من ارتباط قول السلب والايجاب للشخصيتين، التوجيه إلى أثر افعال الخصم في المحافظة على القيم العربية فيهم، وإلا فقد اصاب لهيب تعييره قريش افرادا وجماعات في نعهتم بالجهل والضلال والطيش والخفة والظلم والعقوق، وكلها خصائل ذميمة تلحق الذل والعار في سادات القوم، وتهون اقدارهم.
وتغلي انفعالات أبي طالب فيلج إلى باب التهديد والوعيد بلهجة مستعلية ينقض على خصمه انقضاضا فاتكا(47) ومعلنا تجديد نصرته وحمايته لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهو يومىء إلى من أراد قتل رسول الله ظلماً وجوراً فليس فيهم زعيم، ليؤكد مرة أُخرى ما قرره في هجائه ببداية القصيدة، وهذا البناء الفكري المحكم للأبيات يدل على اجادته في ربط آخر أبيات القصيدة بصدرها .
وصفوة القول: إنَّ الناظر في هجاء أبي طالب لبطون قريش يجد جرأته وصرامته وقسوته عليهم، ليضعف معنوياتهم، وهو يقف بجانب الدعوة الإسلامية، فكان شعره سلاحا من أسلحة الدعوة في نصرتها.
ومن الجدير ذكره: أنَّ هجاء أبي طالب الموجّه إلى الخصم سواء أكانوا أفرادا أم جماعات اتخذ سبيلين: الأول، تعييرهم بالمعاني الجاهلية في اسقاط المهجو من منزلته الاجتماعية، فينعته بالجهل والحمق والغدر، وقد يغمز بنسبه، فيحط من شأنه أمام أنظار قومه، فيبلغ الشاعر مأربه في هجائه للخصم بالطعن فيه؛ ولهذا الهجاء أثره العظيم في نفس المهجو، لقوته ونفاذه، أما السبيل الثاني ففيه يعيّر الخصم بالكفر والضلال والعقوق والإثم التي يترتب عليها المفهوم الإسلامي لها وهذا الهجاء أقل تأثيرا وقوة على المهجو؛ لأنه لا يدرك المعاني الإسلامية مثلما يدركها المسلم.
***
الدراسة
ثانياً: في الفن
إنَّ لكل فن من الفنون وسائله التي توصله الى غايته، وغاية الفن هي التأثير في المتلقي سواء أكان المتلقي قارئا، أم مستمعا، أم ناقداً، ويعود تأثر الاثر الشعري الى صاحبه المبدع في اختيار المادة الأدبية: المحتوى، والصورة.
إنَّ تآزر المحتوى والصورة، أو المضمون والشكل المتآلفان مع المواقف النفسية للشاعر في لحظة انجاز عمله الأدبي تثمر ابداعا فنيا بوصفه عملا متكاملا يقوم على الهام الشاعر المبدع بفعل تأثره بالمجتمع الذي يحيا فيه(48).
وقد اختلفت آراء النقاد العرب القدامى(49) حول اللفظ والمعنى، او المحتوى والصورة، فمنهم من فصل بينهما وجعل لكل واحد منهما مزية من حيث الجودة، او الرداءة، وتفضيل احدهما على الاخر، ومنهم من جعل قيمة العمل الأدبي في الجمع بينهما.
بيد ان النقاد المحدثين(50) متفقون على الصلة الوثيقة بين المحتوى والصورة فاللفظ وسيلة المبدع لنقل المعنى الشعوري الذي يصوره الشاعر في تعبيره الشعري، وينقله الى الاخرين، «فليس هناك محتوى وصورة؛ بل هما شيء واحد ووحدة واحدة، اذ تتجمع في نفس الاديب الفنان مجموعة من الاحاسيس ويأخذ في تصويرها بعبارات يتم بها عمل نموذج ادبي» (51)، لهذا يعد العمل الشعري الابداعي كياناً منتظماً يتكون من أجزاء مترابطة ومتماسكة ومتلازمة، كل جزء فيه يتعلق بما عداه من الاجزاء على وفق نظام محكم لا انفصال فيه على مستوى بنية القصيدة في هيكلها ولغتها وصورها وافكارها، والحال الشعورية التي يمر بها مبدعها التي استقطبت تجربته الشعرية المنجزة.
إنَّ ما يؤثر في بنية العمل الابداعي التطور والتغيير اللذين طرأى على المجتمع العربي ببزوغ فجر الإسلام، فهو لم يحدث تغييرا وتطورا على المستويين: الفكر والعمل، فحسب، وانما احدث تغييرا وتطورا على مستوى الفن أيضا، لأن الفن تعبير جمالي عن الواقع، وأضحى الإسلام ظاهرة اجتماعية لها اثرها الفاعل في الحياة اليومية، فأثرت في شعر الشعراء، وكان ممن سبقهم أبو طالب، فمثَّلَ شعره تأصيلاً للظواهر الأدبية، فكما تأثر شعره بفعل الإسلام على مستوى الموضوع كما ذكرنا آنفا، تأثر على مستوى الفن في المستويات التقنية الفنية للعمل الشعري في أنماط بناء القصيدة ولغتها وصورها إلى آخره.
على أننا سوف ندرس هذا الكيان المتمثل في فنية القصيدة في أجزاء منفصلة بأربعة فصول، وهي تجزأة ذهنية لدراسة الظاهرة الفنية؛ لتسويغ تعليل الاحكام النقدية.
***
الهوامش:
(1) العمدة: 2/160.
(2) ظ: الديوان: 76، 77، 78، 79، 81، 82، 83، 92، 95، 96، 107- 108، 115- 116، 117، 121، 124، 125، 127، 129، 177، 178، 181، 183، 184، 205، 231، 243، 258.
(3) الديوان: 184، القصر: الأصول، القميع: أعلى السنام، الأخفر: المنيع، العرض: الناحية.
(4) الديوان: 181، أكنفه: أعانه، الجِلال: الغطاء، قلال: قليل.
(5) ظ: م.ن: 171.
(6) ظ: م.ن: 74- 75، 84- 85.
(7) الديوان : 75- 77، أسيد بن أبي العيص بن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف، كان سيد قومه، وله من الأولاد عتاب وخالد، ظ: جمهرة أنساب العرب: 1/ 80، 113، وعتاب بن أُسيد، اسلم يوم فتح مكــة واستعمله النبي (صلى الله عليه وآله) على مكة لما سار إلى حنين، وأقره أبو بكر (رضي الله عنه) إلى أن مات يوم مات، ظ: جمهرة انساب العرب: 1/113، الإصابة في تمييز الصحابة: 2/451.
وخالد: والد عبد الرحمن، اسلم عام الفتح واختلف المؤرخون في سنة وفاته ومكانها، ظ: أسد الغابة في معرفة الصحابة: 2/114، الاصابة في تمييز الصحابة: 1/401.
وعثمان بن عُبيد بن عثمان التيمي أخو طلحة، اسلم وهاجر وصحب النبي (صلى الله عليه وآله)، ولم تعرف سنة وفاته، ظ: أسد الغابة في معرفة الصحابة: 3/576، الإصابة في تمييز الصحابة: 2/461.
وقنفذ بن عمير بن جدعان التيمي له صحبه، ولاه عمر رضي الله عنه مكة ثم عزله، لم تعرف سنة وفاته، ظ: الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 3/ 280، أُسد الغابة في معرفة الصحابة: 4/392، الإصابة في تمييز الصحابة: 3/280- 281.
«وسبيع بن خالد، أخو بلحارث بن فهر»، ظ: السيرة النبوية لابن هشام :1/282، ولم تسعفنا التراجم المذكورة آنِفاً في معرفة المزيد عن شخصيته.
ونوفل بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قصي من شياطين قريش قتله الامام علي (عليه السلام) يوم بدر، ظ: السيرة النبوية لابن هشام: 1/282، 2/253، جمهرة أنساب العرب: 1/120.
(8) العمدة: 2/160.
(9) الديوان: 77- 78، ابو عمرو: قُرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف، أخو الصحابي عَبْدُ بنُ زمعة ابن الاسوَدِ، ظ: السيرة النبوية لابن هشام: 1/282، أسد الغابة في معرفة الصحابة: 3/510، وأورده الجزري في كتابه ضمن ترجمة الصحابي عبد بن زمعة.
(10) الديوان: 78، أبو الوليد: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، أحد المشركين قتل يوم بدر، ظ: السيرة النبوية لابن هشام: 2/251- 252.
وقد أخطا أبو هفان صاحب الديوان في التعليق عليه فظن أن أبا الوليد هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم الذي كان يكنى أبا الوليد، والصواب ما ذهب اليه ابن هشام في تعليقه على الشخصيات الواردة ذكرها في القصيدة اللامية وما بيّنته دلالة الأبيات الذي يعاضدها الحديث النبوي الشريف، ظ: السيرة النبوية لابن هشام: 1/282.
(11) أُسد الغابة في معرفة الصحابة: 3/9، ولم أعثر على الحديث في صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسُنن أبي داود، وسُنن الترمذي، وسُنن النسائي.
(12) الديوان: 78- 79.
(13) الديوان: 79، مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وكان ممن أذى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد طلب رسول الله جواره بعد خروجه إلى الطائف عائدا إلى مكة بعد وفاة عمه أبي طالب، فطاف بالكعبة وامره برد جواره كراهية أن يبقى في جوار مشرك، أسر ببدر وقتل كافرا صبرا قتله حمزة بن عبدالمطلب (رضي الله عنه)، ظ: الكامل في التاريخ: 2/51، 64.
(14) الديوان: 243، صدر البيت الرابع غير مستقيم.
(15) ظ: م.ن : 243- 244.
(16) الديوان: 81- 82.
(17) الديوان: 183، المرزأ: الذي يصيب الناسُ من ماله ونفعه كثير، نثّا: ما يقال عن الرجل، الذَّرب: الحاد السليط اللسان، أحابيش: متفرقون.
وحرب داحس: حرب طويلة دارت بين عبس وذبيان واشتملت الأيام الاتية: المريقب، وذي حُسى واليعمري والهباءة والفروق والقطن، وأثار حرب داحس والغبراء رهان جرى بين قيس بن زهير العبسي، وحذيفة بن بدر من ذبيان على سباق لخيلهما، وظلوا يتراوحون القتال أربعين سنة، ظ: العقد الفريد: 6/14- 21، الكامل في التاريخ: 1/343- 355.
أبو يكسوم: كنية أبرهة الاشرم، ظ: السيرة النبوية لابن كثير: 1/29- 42، ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه الله تعالى.
(18) أنساب الأشراف: 1/61.
(19) السيرة النبوية لابن هشام: 1/50.
(20) الديوان: 129، في البيت الثالث إقواء، الجباجب: جبال بمكة، ظ: معجم البلدان: 2/98.
(21) ظ: الديوان: 74، 85، 88، 96، 115- 116، 117- 119، 122، 124- 125، 127- 128، 150، 182، 187، 211- 213، 214- 215، 231، 244، 335.
(22) طبقات فحول الشعراء: 1/259.
(23) الديوان: 255- 256، البوائق: الدواهي والخصومات، مفردها بائقة، الأزرق: هو قِدار الازرق الذي عقر ناقة صالح، العرقوب: عقُب الناقة، «ثمود بن عاثر بن سام بن نوح... كانوا احياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل (عليه السلام) وكان ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله»، تفسير ابن كثير: 3/189.
(24) ظ: تمثيلا لا حصرا: الأعراف/ 65- 79، هود/50- 68، الشعراء/123- 158، النمل/ 45- 47، فصلت/ 13- 18، الأحقاف/ 21- 26، الذاريات/41- 45، النجم/ 50- 51، القمر/ 18- 31، الحاقة/ 4- 8، الفجر/9، قصتي: عاد وثمود.
(25) الديوان: 117- 120، المعمل: ديار لبني هاشم، تمام: تمام الخلق، جالحه: كاشفه بالعداوة، الطمرة: الفرس الجواد الطويل القوائم، ميعة الفرس: أول جريه، المراكل: مفردها المركل وهو موضع ركل الدابة بالقدم، الهيكل: الفرس الطويلة الضخمة، الكعوب من الرماح: المتينة المتماسكة، جرور الذيل: صفة للدرع الطويلة، الزغف: الدرع الواسع والطويل وهي صفة ثانية للدرع لؤي بن غالب بن فهر ابن مالك، وتيم بن مرة بن غالب، وعبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي، ونوفل بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، وهؤلاء من بطون قريش، ظ:جمهرة أنساب العرب: 2/464.
(26) الديوان: 216- 217.
(27) الديوان: 127- 128، القماقم: مفردها القمقام، وهو السيد.
(28) ظ: الديوان : 211.
(29) الديوان: 212- 213، السوالف: صفاح الاعناق، اترت: قطعت، القساسية: سيوف تنسب إلى جبل اسمه قساس في أرمينية، الطهم: سود الرؤوس، الكماة: الأبطال المدججون بالسلاح.
(30) الرَّوض الأُنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام: 2/133.
(31) ظ: أنساب الأشراف: 1/134.
(32) ظ: الديوان: 76، 77، 80، 107، 121، 178، 180، 251، 339، 241.
(33) «وأمه لُبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حبشية بن مؤمل بن اسعد، من خزاعة»، أنساب الأشراف: 1/90.
(34) الديوان: 180، صماء: فتنة أو داهية، ضاف: مال ودنا.
(35) ظ: الديوان: 178.
(36) ظ: الديوان: 178.
(37) ظ: م.ن: 76، 80، 178.
(38) الديوان: 179.
(39) ظ: الَّروض الأُنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام: 3/ 93- 94.
(40) م.ن: 3/93.
(41) السيرة النبوية لابن هشام: 2/15.
(42) الرُّوض الأُنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام: 3/ 93.
(43) العمدة: 2/ 172- 273.
(44) ظ: الديوان: 121.
(45) الديوان: 121- 122، بنو تيم بن مُرة بن كعب بن لؤي، وبنو هصيص بن كعب، وبنو مخزوم بن يقظة بن مُرة بن كعب، وهؤلاء من بطون قريش، ظ:جمهرة أنساب العرب: 2/464.
(46) ظ: تمثيلا لا حصرا : السيرة النبوية لابن هشام:2/3، الكامل في التاريخ: 2/59- 60، تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والاعلام:1/ 131- 133، السيرة النبوية لابن كثير: 2/43- 50، البداية والنهاية في التاريخ: 3/84- 87، امتاع الاسماع بما للنبي (صلى الله عليه وآله) من الاحوال والاموال والحفدة والمتاع: 1/43- 45، السيرة النبوية المعروفة بانسان العيون في سيرة الأمين المأمون: 1/336- 367.
(47) ظ: الديوان: 122.
(48) ظ: الاسس الفنية للنقد الأدبي: 110.
(49 ) ظ: الحيوان:3/131- 132، البيان والتبيين: 1/136، الشعر والشعراء:1/64، نقد الشعر: 154- 165، كتاب الصناعتين: 152- 160، العمدة: 1/124، دلائل الاعجاز: 45- 48.
(50 ) ظ: اصول النقد الأدبي: 247، النقد الأدبي: 102، التيارات المعاصرة في النقد الأدبي: 184، في النقد الأدبي: 163.
(51 ) في النقد الأدبي: 163.