النجف.. نظرة إلى وقائع انتفاضة شعبان عام 1411هـ

د. وليد شهيّب الحلي

الأمين العام لحقوق الإنسان في العراق – لندن

مقدمة:

منذ تاريخ تأسيسها حافظت النجف الأشرف على نهجها الثوري المعارض للظلم والطاغوت، وسيطرة الحكام الذين يستخدمون الدين الإسلامي للتغطية على معاداتهم للمسلمين، ولتمرير وتحقيق مصالحهم الذاتية أو العشائرية أو العنصرية أو الطائفية أو خدمة الأجنبي. وظلّت النجف تمثل المركز الديني والسياسي للشيعة في العراق، وفي العالم الإسلامي .. وكان ولا زال مركز اشعاعها، ضريح الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، حيث منه يستلهم الثوار، النهوض والتحدي والاصرار والوقوف بوجه العدوان والضلالة والانحراف.

وفي فترات معينة من التاريخ الإسلامي، حافظت النجف على استقلالها السياسي الذاتي، وهي تحتضن القيادة المرجعية الإسلامية الشيعية، والحوزة العلمية التي تخرج منها الآلاف من علماء الدين وطلبة العلوم الدينية الذين انتشروا في بقاع العالم المختلفة.

فمنذ عصر عضد الدولة البويهي سنة 1002 للميلاد إلى مهاجمتها السلطان العثماني سليم باشا سنة 1852م (1268هـ)(1)، ومشاركتها القيادية في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1920م، والانتفاضات التي تلت ذلك، وخاصة انتفاضة صفر 1397هـ/1977م، وانتفاضة رجب عام 1399هـ/ 1979م، عند قيام سلطة حزب البعث باعتقال الإمام السيد محمد باقر الصدر، ومروراً بانتفاضة شعبان عام 1411هـ/ 1991م، والأحداث التي فجرها الإمام الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر، ومقاومته واصراره على اقامة صلاة الجمعة، وما تمخض عن هذا الرفض من اغتياله مع ابنيه مصطفى ومؤمل على يد جلاوزة صدام حسين في النجف يوم الجمعة 19 شباط 1999م/ 3 ذي القعدة 1419هـ، كلها محطات ثورية تعكس الجانب الجهادي المقاوم لتعسف السلطات في تاريخ هذه المدينة المقدسة.

وقائع انتفاضة شعبان 1411هـ/ آذار 1991م في النجف:

على الرغم من وثيق انطلاقة الانتفاضة في النجف الاشرف في يوم الأحد 16 شعبان 1411هـ/ 3 آذار 1991م، إلاَّ ان استعدادات الانتفاضة كانت موجودة منذ بداية العد العكسي لغزو صدام حسين للكويت.

وكان الحديث عن عمل ما ضد سلطة البعث العفلقي محل اهتمام الجماهير المسلمة في النجف .. وما ان بدأت تحركات الثوار في ناحية الطار بالناصرية في يوم 14 شعبان 1411هـ، وتحرك الجنود والعائدين من الكويت في البصرة، والمجاهدين، اضافة إلى الغليان الشعبي في مناطق عديدة في البصرة، كانت جموع من الشباب النجفي تتهيأ لكسر نطاق الخوف والذعر الذي فرضته السلطات البعثية والأمنية في النجف ... وبالفعل، تبنت مجموعة من الشباب المشاركين في احياء ليلة الخامس عشر من شعبان عند ضريح الإمام علي (عليه السلام) في النجف الدعوة إلى تظاهرة تنطلق اليوم التالي (يوم السبت 15 شعبان 1411هـ/ 2 آذار 1991م)(2). وما ان تجمع عدد منهم في صحن الإمام علي (عليه السلام)، بدأت اجهزة الأمن وحزب البعث بمضايقتهم وفرض الخناق عليهم ومنع الناس من التجمع ... وبدأت حملة النظام باعتقال عدد من المتهيئين للمشاركة في المسيرة الاحتجاجية، كل هذه الاجراءات حالت دون انطلاق التظاهرة ... وكانت هذه المدينة المقدسة، قد شهدت تحركات امنية وعسكرية مكثفة، وذلك لتخوف السلطة من اندلاع حركة منظمة ضدها بدءاً من النجف الأشرف باعتبارها تمثل مركز القيادة الدينية المرجعية للشيعة في العراق.

وهذه المضايقات الأمنية، لم توقف عزم الشباب بضرورة تعبئة الناس بشكل أكبر.. فبدأت حركتهم مساء يوم السبت على البيوت لتشجيع الجماهير بضرورة المشاركة الفاعلة في مسيرة الغد، واخذوا في بث اخبار الانتصارات التي حققها اخوانهم الثوار في الناصرية والبصرة، وحددوا زمن انطلاق التظاهرة وهو بعد صلاة ظهر يوم الأحد 16 شعبان/ 3 آذار من دورة صحن الإمام علي (عليه السلام)، وتحركت التظاهرة فعلاً في الساعة 1: 45 من بعد ظهر يوم الأحد، وهم يرددون شعارات الله أكبر، وشعارات ضد السلطة. وبدأت الجماهير تلتحق بهم حتى صارت تظاهرة ضخمة ... ونشطت مجاميع من امن النظام بتطويق التظاهرة عند خروجها من صحن الإمام، إلاَّ انها جوبهت هذه المرة بمقاومة عنيفة استخدمت فيها السيوف والسكاكين والأسلحة الخفيفة، مما ادى إلى انسحابها مخلفة عدداً من القتلى والجرحى بين الطرفين، هذه المواقف زادت حماس المتظاهرين، وجعلتهم اكثر اصراراً على المضي وملاحقة فلول النظام ... وواصلت التظاهرة مسيرتها مخترقة شارع الإمام الصادق (عليه السلام)، باتجاه ميدان الإمام علي (عليه السلام)، في وقت كانت فيه قوات الأمن وحزب البعث وبعض وحدات الشرطة تنسحب باتجاه الميدان. وتزامن فرار افراد السلطة مع اطلاق النار على المتظاهرين وسقوط عدد منهم جرحى وقتلى. ولكن ذلك لم يثن الثوار عن المواصلة والتقدم، حتى إذا وصلوا الميدان، جرت معركة بين المتظاهرين وأفراد السلطة، قاوم الثوار فيها ببسالة المستميتين المضحين في سبيل دينهم وقضيتهم، حتى هزموهم باتجاه مدينة الكوفة ... وقد اخذت ابعاد هذه التظاهرة الموفقة تنتشر في انحاء النجف مما زاد ثقة الجماهير بفاعلية الانتفاضة، فتحركت عدّة مجاميع منها نحو مقرات للسلطة حددت مسبقاً .. فتحركت احدى المجاميع على مركز شرطة الغري، وبعد مقاومة بسيطة، استطاع الثوار السيطرة على المركز وغنم اسلحة كثيرة .. كما سيطرت مجموعة اخرى على مديرية شرطة النجف بعد معركة عنيفة استمرت حوالي خمس ساعات، وسقوط عدد من الثوار جرحى وقتلى. واستولت مجموعة اخرى على قوات الجيش الشعبي، التي كانت تستخدم المدارس كمواقع لها ... ثم بدأت مراكز النظام تسقط الواحدة تلو الأخرى ... وتجمع عدد من قوات الجيش والأمن والبعثيين في جامع الطوسي فهاجمهم الثوار وطردوهم من الجامع، وتمركزوا بعدها في الإدارة المحلية للنجف قرب كليه الفقه، وبعد معركة حامية تمكن الثوار من السيطرة عليها. وبعدها اخذت قوات النظام التجمع في المنطقة الواقعة بعد ساحة ثورة العشرين قرب مستشفى حي السعد باتجاه مديرية الأمن المقابلة لحي الاسكان. وبدأ الثوار بمحاصرتهم ولكنهم لم يهجموا عليهم مساءً، حيث اعدوا لهم العدة طيلة ليلة الاثنين، حتى إذا بزغ فجر يوم 17 شعبان/ 4 آذار هجم الثوار على افراد السلطة المتحصنين ببناية غرفة التجارة والبنايات المجاورة لها، وبعد معركة شرسة وغير متكافئة بالأسلحة، تمكن الثوار من السيطرة على الأبنية الواحدة تلو الأخرى بداية ببناية غرفة تجارة النجف ثم الابنية المجاورة لها، وبعدها بناية حزب البعث الملاصقة لمحكمة النجف ... وقبل أذان صلاة الظهر ليوم الاثنين، تمّ تحرير الأبنية من قوى النظام وتم اسر عدد منهم، وتكبدت السلطة عشرات القتلى والجرحى في هذه المعارك.

وانطلقت مجموعة اخرى من المجاهدين لمحاصرة مديرية امن النجف، وتمكنوا بعد نصف ساعة من المقاومة من دخولها والسيطرة عليها، واطلق سراح المعتقلين المعارضين للسلطة فيها، وشوهدت آثار التعذيب والحرمان عليهم .. وحصل الثوار على وثائق واشرطة فديو تبيّن شراسة تعذيب النظام لأحرار العراق.

وقامت مجموعة اخرى من الثوار بالاستيلاء على مبنى محافظة النجف ... وعند حلول الساعة الثالثة من عصر يوم الاثنين 17 شعبان/ 4 ىذار، كانت كل مدينة النجف وضواحيها قد حررت من قب الثوار. وبدأت مجاميع الثوار التنسيق فيما بينها لإدارة شؤون المدينة المحررة، ومطاردة الفارين من اجهزة الأمن وحزب البعث، الذين تمكن عدد منهم من تشكيل جيوب للنظام في داخل المدينة. ورفع الثوار الأعلام الخضراء فوق العمارات، واخذوا في بث الاعلانات والبيانات من مآذن ضريح الإمام علي (عليه السلام)، وعبر مآذن المساجد، وبدأت مجاميع مجاهدة على الفور بالسير نحو مدينة الكوفة فحرّروها واحكموا السيطرة عليها، وتمت السيطرة على مدينة الكفل، وخان النص، وابي صخير والمشخاب وبقية اقضية ونواحي محافظة النجف الأشرف ...

ومع بزوغ شمس يوم الثلاثاء 18 شعبان اصبحت محافظة النجف كلها تحت سيطرة الثوار. واستهدف الثوار في بداية عملهم اطلاق سراح المعتقلين السياسيين والمعذبين في يجون ومعتقلات النظام في النجف ... وبعد البحث عن السجون، وجد سجن تحت مرقد الصحابي كميل بن زياد – تحت الأرض – في منطقة الحنانة بالنجف، ولم يستطع الثوار معرفة الطريق المؤدي لباب السجن، إلاَّ بعد ان احضر المهندس الذي يعرف بتفصيل بنائه ... تبيّن ان باب الدخول إلى السجن يبعد عدّة مئات من الأمتار عنه ... وبعدما فتح السجن، وجد مجموعة من السجناء شاحبة وجوههم ولحاهم طويلة كانوا لا يعرفون النهار من الليل ولا عمّا يجري في العراق والعالم ... وكان احدهم يسأل عن الرئيس احمد حسن البكر، فقيل له انه نحي من السلطة من قبل صدام وقتله بالسم قبل اكثر من عشرة اعوام !!! ووجدت سجون في بحر النجف، وسجون ومعتقلات للأمن في اكثر من عشرة مقرات للأمن في مناطق محافظة النجف.

وتابعت مجموعة من المجاهدين، القيادة المرجعية في النجف، طالبة تعيين قيادة مركزية للثوار، فاستجاب آية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي (رحمه الله) لمطالب الثوار وعيّن (لجنة عليا لإدارة البلاد) في 21 شعبان 1411هـ (تجد نص الوثيقة في ملحق هذا البحث).

وبدأت قيادة الثوار العمل في تحصين مواقعهم وفي اسناد المواقع المتقدمة للثوار في كربلاء والحلة والديوانية، وتم الاتصال بعدد من القيادات العسكرية من اجل ضمها للمنتفضين .. كذلك بدأ التخطيط لتحرير معسكر المحاويل الذي كان يحوي على الاسلحة المتطورة من قبيل صواريخ ارض ارض، والتحرك من هناك إلى بغداد العاصمة.

وفي داخل مدينة النجف، بدأت اعمال المحسنين بطهي الطعام وتوزيعه على الناس وأخذ آخرون بتوزيع الرز والحنطة على المحتاجين، وآخرون بتوزيع الأموال على الناس .. وانخفضت اسعار المواد الغذائية، وبدأ الناس يعيشون حرية التحرر من الطاغوت البعثي الصدامي ... وظهر التعاون واضحاً بين الناس. وبدأ نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام يجد طريفه بين الجماهير النجفية.

محاصرة النجف والانتفاضة:

كلّف صدام حسين، حسين كامل وطه الجزراوي بالقضاء على المنتفضين في منطقة الفرات الأوسط، واعطاهم كل الصلاحيات والامكانيات لتحقيق هذا المطلب. وقد استخدموا طريقة ضرب المدن بواسطة الطائرات العمودية وصواريخ ارض – ارض والمدفعية الثقيلة، ومحاصرتها واشاعة الرعب والارهاب بين الناس. واستخدم الجيش كل اسلحته ضد الجماهير العزل، وقصفت المدينة المقدسة واصيب مرقد الإمام علي (عليه السلام) بأضرار وكذلك اصيبت المساجد ومقابر المسلمين بالصواريخ وكذلك المدارس الدينية التاريخية اضافة إلى الاصابات البالغة التي وقعت بين الأطفال والنساء والشيوخ وبقية افراد العوائل وهم متحصنون في بيوتهم. ولم يعين للصواريخ والقصف المدفعي أي هدف واضح، وانما كانت توجه نحو المدينة المقدسة واهلها من دون تمييز، مَن تصيب وعلى رأس مَن تقع، وما ستخرجه هذه الصواريخ؟ وقد شوهدت فيما بعد عند زحف الجيش المدجج بالسلاح والمدعوم بالطائرات المروحية عبارة ((لا شيعة بعد اليوم)) التي تعكس ابعاد الحرب الطائفية التي خطط لها صدام ونفذتها اجهزته القمعية وحزب البعث.

وقد استخدم الجيش الأطفال والنساء كدروع بشرية في دخوله بعض المناطق في النجف. واستناداً إلى هذه الخطة تعرّضت المدينة المقدسة إلى عشرات من صواريخ ارض – ارض، وإلى قصف مدفعي ثقيل لعدة ايّام ... كما قامت الطائرات العمودية بقصف مواقع الثوار وقيادتها لعدة مرات، وتصدّت لها بعض الوحدات واسقطت اربعة طائرات منها.

وكانت خطة النظام ان تلتقي قوات طه الجزراوي التي كلّفت بسحق الانتفاضة في محافظة بابل مع قوات حسين كامل الذي كلّف بتدمير كربلاء المقدسة والانتقام من اهلها .. وقد تعرضت هذه القوات لمقاومة باسلة وشديدة من الثوار مما أخر وصولها إلى النجف يومين(3).

وتحركت قوات الجزراوي في 16 آذار وحاولت دخول النجف عن طريق الحلة، الكفل – الكوفة – النجف، فأخفقت ... واستمرت حرب قاسية بين هذه الوات وقوات حسين كامل التي التحقت معها في جهة وقوات الثوار في جهة اخرى لأربعة ايام، استطاعت بعدها قوات النظام دخول بعض المناطق في النجف وأول عمل قامت به اعتقال آية لله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي (رحمه الله) واجبرته على لقاء صدام في لقاء متلفز شاهده الشعب العراقي في يوم 20 آذار. ثمّ بدأت عمليات التمشيط بحثاً عن الثوار والذين دعموا الانتفاضة.. فتمّ اعتقال الآلاف من المنتفضين و105 من علماء الدين وطلبة العلوم الدينية والفضلاء في الحوزة العلمية في النجف الأشرف من العراقيين وغيرهم. ولم تستطع قوات النظام السيطرة على كل محافظة النجف إلاَّ بعد خمسة ايام من القتال العنيف والمطاردة للثوار، أي في 25 آذار 1991م.

وصدام كامل (اخ حسين كامل وزوج بنت صدام حسين واللذان قتلهما صدام بعد معارضتهما ولجوئهما إلى الأردن وعودتهما إلى العراق عام 1996م)، الذي كان يشغل منصب مسؤول الأمن الخاص، قام بخمس حملات تطهير طائفي ضد الثوار بالنجف. وقام بعمليات تفتيش، بيتاً بيتاً، بحثاً عنهم، وكان يقتل ويعتقل من يشك في مساندته الثوار، ويدمر منازلهم، ويرهب النجفيين في اوسع حملة تصفيات شهدتها الساحة النجفية على الاطلاق.

ومنع النظام قيام الناس بدفن امواتهم الذين قتلوا أو اعدموا .. وكانت جثث القتلى متناثرة هنا وهناك في ساحة ثورة العشرين لعدة ايام .. واستمرت هذه الحالة إلى نهاية شهر رمضان المبارك 1411هـ.

وشمل القتل والاعدام كل من تعاون مع المنتفضين وشمل ذلك الأطباء والممرضات في المستشفيات والمستوصفات الصحية. وذكرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان الأمريكية في تقريرها الموسع عن احداث الانتفاضة، ان الاطباء والمرضى قتلهم النظام بالسكاكين أو بالنادق، وقد جردوا الطبيبات من ثيابهنّ وقطعوا اجسامهن(4).

اسباب عدم تحقيق الانتفاضة لأهدافها:

يمكن عرض أهم الأسباب التي ادت إلى اخفاق الانتفاضة في تحقيق اهدافها في الإطاحة بالنظام كما يلي:

1- بطش النظام:

من خلال عرض ما قام به النظام الصدامي من بطش وارهاب وابادة للثوار ومدنهم، بات من غير الممكن لشعب اعزل لا يملك وسائل الدفاع الأولية البقاء على انتفاضته .. كيف يمكن لمن لا يملكون إلاَّ وسائل الدفاع البسيطة ان يجابهوا الطائرات وصواريخ الأرض – ارض والدبابات والمدرعات والمدفعية الثقيلة؟ كيف يمكن لشعب ذاق مرارة الغازات الكيمياوية السامة من نظام لا يؤمن بأية قيم أو قوانين أن لا يصدق تهديدات النظام باستخدام كل ما يملك من السلاح الكيميائي ضد ابناء شعبه كما استخدمه في السابق؟ اضافة إلى ان ساحات عراقية محررة في كربلاء والنجف شهدت استخدام الغازات السامة لثلاثة ايام على الأقل وان كان بشكل مخفف. ويمكن القول بان وحشية اجهزة النظام التي لا تعرف إلا الارهاب وقفت لتصب غضبها على الشعب الأعزل .. وهذا ديدن النظام الذي زجَّ العراف في حروب مدمرة ضد ايران والكويت لينسحب مضيعاً كل شيء ثم يعاقب الشعب الذي وقعت عليه الانتهاكات ..

2- تدمير امكانات العراق:

انطلق الثوار بانتفاضتهم وهم لا يملكون العدة الكافية من السلاح والغذاء والمؤن والمواد الطبية والوقود ووسائل النقل .. باستثناء امكانات ذاتية ضئيلة جداً بعد ان وصلت حالة التدمير في العراق إلى كل قدراته الزراعية والصناعية خاصة على اثر الحصار الاقتصادي وتدمير طائرات الحلفاء لمخازن الطعام والمواد الأولية الضرورية للحياة، ولقلة الأدوية والمعدات الطبية، كل ذلك ساعده في اجهاض الانتفاضة.

3- عفوية الانتفاضة:

تؤكد احداث الانتفاضة من انها انطلقت بشكل عفوي لتعكس معاناة الشعب الطويلة من اجرام نظام صدام ضدهم .. ولهذا فلم تكن هناك قيادة واحدة تنظم حركات المنتفضين في محافظات العراق ... ان الفراغ الأمني الكبير بين مجاميع المنتفضين جعل اجهزة امن النظام تخترق صفوف الثوار وتضع الكمائن لهم وتصفيتهم اما بالقتل او بالاعتقال ... وقد قامت اجهزة الأمن باستخدام كافة الضغوط ضد الثوار وذلك من خلال احتجاز اسرهم او اختطاف احد افرادها أو حرق بيوتهم وسياراتهم لكي تشغل عدداً منهم وخاصة القياديين بمشاكلهم الشخصية.

كذلك قامت اجهزة الأمن التي اخترقت تشكيلات الثوار بتحجيم الانتفاضة وعدم انتشارها باستخدام النفاق بين قطاعات الثورة للايقاع بها ... كما شنّت الحرب النفسية ضد الثوار بترويج الأكاذيب عن ضخامة القوات الصدامية من اجل احباط الثوار وشلّ عزيمتهم في الاستمرار في انتفاضتهم.

وقامت اجهزة الأمن ايضاً بالتعاون مع الاستخبارات العسكرية بتدبير تسليم مواقع عسكرية للثوار وتقديم القادة العسكريين على اساس انهم تائبون .. وعندما حانت الفرصة نكصوا فانقضوا على الثوار وقتلوهم .. كما ان جهاز حزب البعث هو الآخر حث اعضاء حزب البعث من اجل اعلان التوبة الكاذبة لامتصاص غضب الجماهير .. وقامت عصابات حزب البعث التي اظهرت التوبة الكاذبة بالعمل مع الثوار لعدة ايام حيث انهكت الثوار في اعمال واهداف وهمية من اجل تضييع او تشتيت قدرات الثوار من أجل عدم التأثير على النظام.. كذلك فان هذه العصابات قامت بالاعتداء على الناس وكرامات واشاعات الفوضى والارهاب في احيان اخرى من اجل تشويه حقيقة الانتفاضة المخلصة لدينها وشعبها. يضاف إلى كل ذلك ان التنسيق بين المدن الثائرة لم يكن موجوداً بسبب انقطاع المواصلات والاتصالات التلفونية، ناهيك عن جهل الثوار بعدد ومكان المناطق المحررة وأسماء قادة الانتفاضة مما جعل عملية التنسيق فيما بينهم ضعيفة جداً أو معدومة في احيان اخرى.

هذا وقامت جموع المعارضة العراقية في الداخل في الجنوب والوسط والشمال على مساعدة الجماهير بكسر حاجز الخوف من النظام ... وساهمت قوات الشهيد الصدر (قدس سره) التابعة لحزب الدعوة الإسلامية والعاملة في اهوار الناصرية والبصرة في كسر حاجز الخوف في منطقة الطار وسوق الشيوخ في الناصرية ومناطق عديدة في البصرة وكذلك في مواقع اخرى من العراق، مثلما تحركت فصائل البيشمركه الأكراد وكان دورهم بشكل رئيسي في كسر حاجز الخوف والتحرك ضد النظام في منطقة كردستان العراق ..

4- خذل الدول الأقليمية والدولية لانتفاضة الشعب العراقي:

كان الشعب العراقي يتوقع ان تسانده دول العالم ابان انتفاضته بوجه النظام الصدامي الذي خاض حربين خاسرتين ضد ايران والكويت وهدد السلام العالمي وسلام المنطقة الخليجية كما عرّض العالم إلى مخاطر بيئية خطيرة، فكان يتوقع على الأقل ان لا تقف ضده الدول الاقليمية ودول الحلفاء في صراعه المرير ضد النظام المتسلط عليه بقوة النار ...

وقد ذكر لي اكثر من عشرين ثائراً ان آمالهم قد خابت عندما جاؤوا إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية لطلب الدعم، فكان علاوة على انهم لم يحصلوا على الدعم المطلوب، انهم منعوا من العودة ثانية إلى الأراضي العراقية. كذلك فقد ذكر عدد كبير من العراقيين الموجودين في ايران من علماء دين وخطباء وشخصيات اضافة إلى عدد كبير من المجاهدين انهم بقوا على الحدود الإيرانية العراقية عدّة ايام للسماح لهم بدخول العراق مسلحين لكن حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية منعتهم من الدخول .. وذكرت لي مجموعة اخرى من العراقيين انهم حصلوا على وعود بدعم سوري لهم في الأيام الأولى للانتفاضة لكنهم بقوا ينتظرون الدعم الذي لم يأت حتى محاصرة الانتفاضة.

واكتفت السعودية بترديد شعارات ضد صدام لكنها لم تقدم أي دعم للثوار.. وذكر عدد من الذين فرّوا من العراق إلى السعودية ان السلطات السعودية عملت خلاف ما كان يتوقعه الثوار في داخل العراق .. وسهّلت الأردن مهام رجال الأمن العراقي بتقديم كل المعلومات المهمة لعملهم، حيث كانت تراقب الحدود العراقية الأردنية كما يراقبها جهاز الأمن العراقي. ولم تقدم تركيا أي دعم يذكر للانتفاضة .. ولم تسهد الانتفاضة أي دعم اقليمي يذكر ياستثناء الدعم الإنساني الذي قدمته الجمهورية الإسلامية الإيرانية وذلك بفتح حدودها لاستقبال مئات الآلاف من المهجرين العرب والأكراد الذين وصلوها من جنوب وشمال العراق .. ومثلها فعلت تركيا بفتح حدودها للكرد فقط وبشك اقل ومحدد جداً..

أما الدور الأمريكي فقد لخص دوره الجنرال نورمان شوارتزكوف قائد قوات التحالف الذي سمح للنظام العراقي باستخدام الطائرات المروحية لضرب الانتفاضة، والسماح بالمرور لفرقتين عراقيتين من الجيش العراقي كانتا تحت محاصرة الثوار في الناصرية. إذ في الليلة التي كان من المفروض ان تسلم الفرقتان كامل معداتهما للثوار، قامن القوات الأمريكية بتهيئة الظروف المناسبة وفتحت لهما الطريق لتنسحبا من منطقة الحصار في الناصرية إلى بغداد العاصمة. وبعد أن اعيد بناء هاتين الفرقتين استخدمتا في ضرب الانتفاضة في الناصرية والبصرة والعمارة ... وقد ذكر شوارتزكوف في تبرير استخدام صدام حسين للطائرات المروحية في ضرب الشعب العراقي الثائر بانه استغفل من قبل الفريق العراقي المفاوض في صفوان في هذه المسألة(5) !! وفي تصريح آخر له ذكر الجنرال الأمريكي ان الإدارة الامريكية منعته من الاستمرار لاسقاط نظام صدام(6).

وذكرت مجلة نيوزويك الامريكية في عددها الصادر في 20/12/1991م نقلاً عن المولونيل دوغلاس تايستاد قائلاً: (( كان لي صديق في فوج المشاة المدرع الثاني، وكان يقف إلى جانبنا ويراقب الطائرات العمودية التي كانت تقصف المدنيين الشيعة، لقد كان يمتلك صواريخ يمكنه فيها اسقاط الطائرات، ولذلك فقد طلب اذناً لاطلاقها، فقالوا له: لا، لا يمكن ذلك على الاطلاق ))(7).

أما الدور البريطاني فكان دور المتفرج على المذابح التي يقيمها صادم ولم تحرك المملكة المتحدة ساكناً إلاَّ في اقتراح جون ميجر – رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت – في ايجاد ملجأ آمن للأكراد تحت حراسة الحلفاء ... وقد حدد الخط العرضي 36 لهذا الملجأ الآمن لحماية الكرد وتأمين عملية الاغاثة لهم(8).

5- مفاوضات الأكراد مع صدام حسين:

فوجئ الشعب العراقي والمعارضة العراقية بوصول وفد كردي برئاسة جلال الطالباني وعضويه سامي عبد الرحمن ورسول مامند وأعضاء آخرين إلى بغداد في 20 /4 /1991م. وقد استقبل صدام حسين الوفد وتعانق معهم في 25/4/91م، بعدها اعلن الطالباني من انه تم التوصل إلى اتفاق مبدئي حول تطبيع الوضع في كردستان العراق وتعزيز الديمقراطية في العراق واحترام الحقوق الوطنية للأكراد فيه(9)، واعلن مسعود البرزاني الذي التقى صدام حسين في بغداد في مؤتمر صحفي عقده في بغداد في 18/ 5/ 1991م، ان الطرفين وافقا على مبادئ احلال الديمقراطية السياسية في العراق التي تتضمن التعددية السياسية والفصل الواضح بين الهياكل الحكومية والحزبية واجراء الانتخابات الحرة وحرية النشر والصحافة(10).

إلا ان المعارضة العراقية شجبت هذه المفاوضات جملة وتفصيلاً، واتهمت الجبهة الكردستانية العراقية بعدم الوفاء بعهودها والتزاماتها التي وافقت عليها في مؤتمر المعارضة العراقية الذي عقد في بيروت 11- 13/ 3/ 1991م. وفي توقيعها على ورقة لجنة العمل المشترك في دمشق في كانون الأول 1990م(11). كما ان الجماهير الكردية تظاهرت في عدة مدن كردية بتاريخ 3/ 6/ 1991م مستنكرة مفاوضات الجبهة الكردستانية مع صدام حسين. وقد توسعت رقعة التظاهرات لتشمل اغلب المدن الكردية وحدث اطلاق النار في دهوك ..

وعلى رغم كل المبررات التي يضعها الأكراد لتبرير لقاءاتهم مع صدام حسين فان هذا العمل هو بمثابة شق صف وحدة المعارضة، وانه تجاوز غير مقبول لعهود الأكراد بعدم التفاوض مع صدام .. اما من ناحية صدام حسين فقد استفاد كثيراً من هذا اللقاء لكي يجمد الصراع في شمال العراق ويسحب القوات لقمع الانتفاضة في وسط وجنوب العراق، ولكي يمزق وحدة صف المعارضة ويفشل مشاريعها بزعزعة الثقة بين فصائلها..

وعلى المدى الدولي فقد استفاد صدام من اللقائات مع الأكراد في تحول الأنظار حول الدعم الدولي الكبير للأكراد بعد تهجير مليونين منهم إلى ايران وتركيا، وفي اغلاق الستار على المجازر الرهيبة التي ارتكبها بحقهم ابتداء من قصفهم بالأسلحة الكيميائية في حلبجة وحاج عمران إلى تدمير آلاف المدن والقرى وقتل عشرات الآلاف منهم وإلى تهجير اكثر من مليونين كردي في اسوأ هجرة جماعية بهذه الضخامة والمآسي شهدها تاريخ الكرد ... ثم ان صداماً كما عهده الشعب العراقي والعالم لا يفي بعهوده ومواثيقه، فهو يمزق الاتفاقيات عندما يكون قوياً ثم يعود ليحترمها عندما يكون ضعيفاً .. فقد اتفق مع الأكراد لأنه كان يشعر بالضعف وعند عودة قوته انتقم منهم كما حدث بالفعل ذلك عدّة مرات.

انتهاكات حقوق الإنسان خلال انتفاضة شعبان 1411هـ:

مارس صدا حسين ةونظامه عدة انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان خلال تصديه لانتفاضة الشعب العراقي في شعبان 1411هـ/ آذار 1991م. وقد شملت هذه الانتهاكات كل مواد الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 217أ (د - 3) في 10/ 2/ 1948م والذي وقع عليه العراق. واتفاقيات جنيف لعام 1949م في حماية الجرحى والمرضى المنكوبين. وقرار الجمعية العامة الصادر في 9/ 9/ 1946م الداعي إلى تحريم ابادة الجنس البشري.

ومن الأرقام والوثائق التي حصلنا عليها كانت الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في الحقول التالية:

أ- الاعدام بدون اجراءات قضائية.

ب- التعذيب باستخدام الممارسات اللاانسانية.

ج- الاحتجاز التعسفي للناس.

د- أخذ الرهائن واستخدام النساء والأطفال كدروع بشرية.

هـ- انتهاكات حقوق الممارسات الدينية والممتلكات الثقافية.

و- التسلط على الشعب دون الانتخابات الحرة.

ز- حالات الاختفاء الجماعي لعوائل او جماعات.

ح- التعامل على الأساس الطائفي.

ط- التعامل على أساس المجموعات الأثنية.

ي- توزيع الأغذية والرعاية الصحية على أساس الولاء للسلطة وحرمان المناطق والمدن المعارضة للنظام من هذه التسهيلات.

وقد قام صدام بالأعمال التالية في تصديه لانتفاضة الشعب العراقي في آذار 1991م:

1- قتل الناس على الظن والشبهة .. فيكفي أن يتواجد معارض واحد للسلطة في مكان ما حتى يقدم النظام على قتل الناس في المنطقة.

2- التمثيل بجثث القتلى بعد اعدامهم.

3- قتل الناس وهم جرحى بحجة عدم اتساع المستشفيات لذلك.

4- قتل الشباب أمام ذويهم وأهلهم وترك جثثهم معلقة أمام بيوتهم.

5- قتل المعارضين بربط أيديهم وأرجلهم ووضع ثقل ورميهم في النهر، كما حدث لعدد من المعارضين في الحلة والناصرية وغيرها من المدن. كذلك قتل الشباب بربط كل قدم في سيارة وتسرع السيارتان في اتجاهين مختلفين ليقطع أجزاء الجسم.

6- رمي المعارضين للنظام من علو شاهق بواسطة الطائرات المروحية ليصل إلى الأرض ويقتل.

7- جمع النظام الذين يشتبه بمشاركتهم في الانتفاضة ونقلهم إلى معسكرات الرضوانية جنوب بغداد، وبعد تعذيبهم في هذا المعسكر – وكان هذا المكان قد خصص لكي يلجأ إليه الناس أثناء غارات الحلفاء على بغداد ثم بعدها استخدم لتعذيب المعارضين – ينقل المتهمون إلى معسكر المحاويل (80 كم جنوب بغداد) حيث يلقون بهم في معامل صناعة الطابوق هناك لكي يحترقوا حتى الموت.

8- قتل الأطفال والنساء في البيوت التي يشتبه انها اشتركت في الانتفاضة.

9- قتل جنين المرأة الحامل بضربها على بطنها بالسكين ويردد القاتل من القوات الصدامية الخاصة: لا شيعة بعد اليوم. فالقتل من منطق طائفي، ونفس الشيء تكرر مع النساء الكرديات بحجة أن الكرد متمردون وفي قتلهم الخلاص من شرهم !!.

10- جعل الاشتراك في أي تظاهرة أو أية معارضة للنظام جريمة عقابها الاعدام. وقد طبق هذا على عشرات الآلاف من العراقيين.

11- اغتصاب النساء والاعتداء على الأعراض.

12- تعذيب الشباب حتى الموت.

13- استخدام النظام نساء وأطفال الثوار كدروع بشرية على الدبابات التي كانت تهاجم المدن لكي لا تضرب الدياية من قبل الثوار.

14- استخدام الغازات الكيميائية وقنابل النابالم والقنابل الفوسفورية ضد مواقع الثوار أو لقمع التظاهرات في كربلاء والنجف بشكل خاصة في 8 و9 10/3/ 1991م، وكذلك بقية المحافظات. وقد نزلت طائرة مروحية عراقية في احدة المطارات الإيرانية وعلى متنها اربعة ضباط من سلاح الجو العراقي طالبين اللجوء السياسي لأنهم رفضوا قصف الأهالي بالاسلحة الكيميائية الموجودة في طيارتهم (وكالة انباء الجمهورية الاسلامية الايرانية، ارنا – يوم 26/ 3/ 1991م).

15- استخدام النظام سياسة ارهاب الناس وذلك برمي منشورات من الطائرات تهدد بابادة العنصر البشري باستخدام غازات السيانيد والخردل وغيرها من الأسلحة الكيميائية. وقد هجر أكثر من مليوني كردي وتركماني من شمال العراق إلى تركيا وإيران وأكثر من نصف مليون عربي شيعي من جنوب العراق إلى ايران. وكان معدل موت الاطفال من جراء هذه الهجرة مئات الاطفال يومياً.

16- القاء القبض على مرجع وامام المسلمين الشيعة في النجف الأشرف الإمام السيد أبو القاسم الخوئي وأفراد عائلته واخضاعهم للتعذيب والتهديد وامتهان كرامته اثناء لقاء تلفزيوني له مع صدام حسين. كذلك اعتقال العشرات من علماء الدين والشخصيات العلمية في العراق.

17- هدم مقدسات المسلمين في العراق والاعتداء على كرامة هذه المقدسات مثل مرقد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) في النجف ومرقد الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) ومرقد حضرة العباس بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) في كربلاء. كما تعرضت قبب المراقد المقدسة للقصف المدفعي.

18- قيام اجهزة النظام بحرق المكتبات في النجف وكربلاء، وهي المكتبات التي تحتوي على كتب ووثائق تاريخية مهمة.

19- استخدام النظام العنصر القومي والعنصر الطائفي في اختيار مقاتلين من قواته في شن هجومهم على الثوار، فمثلاً يرسل مجموعة من القوات الخاصة اليزيدية لمحاربة الثوار الشيعة في كربلاء والنجف، ويرسل مجموعة من القوات الخاصة الشيعية لمحاربة الأكراد السنة في كركوك وأربيل والسليمانية.

20- قصف المدن والقرى بصواريخ أرض أرض وبالمدفعية الثقيلة لمدة من الزمن مما ادى ذلك إلى قتل كثير من الناس وتدمير ممتلكاتهم واحداث الرعب والدمار في البلاد. كما حدث لمدن النجف، كربلاء، الحلة، الديوانية وغيرها.

21- احداث مقابر جماعية في عدة مناطق من العراق وهذا دليل على حملات الاعدام الجماعية والدفن الجماعي للمقتولين.

22- امتهان شخصية المرأة بأن قامت قوات النظام بتعرية النساء قهراً وجعلهن ينمن على بطونهن ليلعب ازلام القمار وهم جالسون على ظهورهن عاريات، وثم قتل المرأة بعد تعذيبها في عدة محافظات والاعتداء على شرفها.

23- قيام قوات النظام بسرقة وسلب البيوت والمتاجر بعد قتل أفراد العائلة أو نهب البيوت أمام اصحابها.

24- تدمير البيوت والممتلكات الشخصية من سيارات وغيرها العائدة للمشاركين في الانتفاضة ضد النظام.

25- بناء عدة سجون تحت الأرض، عزل فيها السجناء عن العالم وحجب عنهم الضوء لعدة سنين مما يخالف وثيقة الامم المتحدة في جنيف عام 1955م والتي أقرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي بقراريه 663ج (د - 24) المؤرخ في 31 تموز 1957م و2076 (د - 62) المؤرخ في 13 آيار 1977م.

26- منع نظام صدام التظاهر او الاعتصام وجعل القيام به جريمة تستحق القتل وهذا يخالف كل قوانين حقوق الانسان المعترف بها دولياً (اتفاقية جنيف 1948م).

27- قيام النظام باعتقال وقتل عدد من اعضاء سلطته الذين اختارهم وينتمون إلى حزب البعث بسبب معارضته لسياسته الاجرامية.

29- بسبب اختفاء عدد من الثوار بعد الانتفاضة الشعبانية في أهوار جنوب العراق قرب مدن الناصرية والبصرة، قام النظام بتنفيذ مشروع ابادة الأهوار وتهجير سكانها بحجة مد الطرق إليها وقد قتل وجرح وشرد جراء القصف المستمر عشرات الآلاف من أهالي الأهوار ومن المعارضين للنظام.

30- قام النظام بارسال مخربين من قوى امنه وحزب البعث إلى مناطق تواجد المهاجرين العراقيين الفارين من بطش النظام بعد انتفاضة شعبان 1411هـ داخل وخارج العراق ... وقامت مجاميع مرسلة من النظام إلى معسكر رفحاء في السعودية بحرق الخيم والاعتداء على المهاجرين مما تسبب في اضطهادهم وتضيق الخناق عليهم من قبل مضيفيهم.

31- قام النظام بارسال مجاميع من الأمن إلى الأردن للقيام بسرقة وثائق العراقيين الفارين من العراق. وتسبب ان الحكومة الأردنية رفضت التعاون معهم، وطالبتهم بمراجعة السفارة العراقة في الأردن لتحصيل وثائق بدلها .. وبدوره قام النظام بابتزاز المهاجرين العراقيين الفارين والضغط عليهم وعلى عوائلهم في الأردن من اجل اجبارهم على الرجوع إلى العراق وبالتالي اعتقالهم وتعذيبهم وما يتبع ذلك من سجن أو اعدام.

الانتفاضة الشعبانية ومستقبل العراق:

مما لاشك فيه، ان الانظمة التي تولد من رحم الأمة بالطرق الصحيحة، أي بضمان حقوق الانسان وحرية الرأي والتعبير وتشكيل الأحزاب والمنظمات، تبقى مخلصة لمصلحة الأمة التي ولدت منها، وتسعى لتحقيق آمالها وطموحاتها .. أما الأنظمة التي تأتي من خارج ارادة الشعب، وتحكم بالحديد والنار، فانها تخدم المصالح الذاتية لقادتها واسيادها، ولا تخدم مصلحة الشعب ولا تسعى لتحقيق طموحاته ... ونظام البعث في العراق، وحكومة صدام من هذا النوع من الأنظمة الديكتاتورية التي لا تحترم الإنسان، ولا تؤمن بالانسانية، وتسعى لفرض الحروب من اجل خدمة الدول التي ساعدت في وصولها للسلطة وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حيث ساندا مجيء حزب البعث للسلطة في العراق في 17 تموز 1968م ... فالحرب التي شنها النظام البعثي على الكرد والعرب والتركمان والأقليات، وحربه الشرسة ضد المرجعية الدينية والحركة الاسلامية العراقية وبالخصوص حزب الدعوة الاسلامية، واحزاب المعارضة العراقية، وتسفير العراقيين، واستخدام السلاح الكيميائي، والحرب العدوانية على الجمهورية الاسلامية الايرانية وغزو الكويت، كلّها حقائق توضح النهج العدواني للنظام. ان حزب البعث منذ مجيئه للسلطة في العراق في عام 1968م وبعد 32 عاماً من حكمه، لم يترك في العراق غير الدمار والحروب والقمع والارهاب والقتل والاعتقال والمطاردة ... وكانت انتفاضة شعبان تعبيراً حقيقياً بالدم، بعد ان منعت الجماهير من ادلاء صوتها في صناديق الاقتراع بشكل سلمي ومن دون ضغوط وابتزاز وتهديد، على رفضها لصدام ونظامه واشباههم .. ويبقى خيار الأمة المعذبة في العراق هو خيار الانتفاضة الشعبية العارمة والتي يشترك فيها الجيش والشعب والقوى المعارضة لاسقاط النظام، وقيام البديل الذي يمثل ارادة الجماهير، ويحقق السعادة والأمن والطمأنينة للشعب، وصياغة مستقبله ليمارس دوره الحضاري بين الامم ... وبالتالي لتخليص الشعب العراقي والعرب والمسلمين والعالم من شرور صدام ونظامه.

ان مجيء أي نظام، لا يستند على القواعد التي تعطي الشعب العراقي كامل حريته في اختيار النظام الذي يرغبه، وانتخاب السلطات التي تحكمه بشكل خر ونزيه وبعيد عن كل التدخلات الاجنبية والمصالح الذاتية، ومنع تدخل الجيش في تعيين المسؤولين أو فرض أي حالة على العراق، سيولد حالات صدامية جديدة للعراق ...

ان العراقيين يتطلعون إلى العالم والدول المحبة لمساعدته للتخلص من طاغوته والانتقال إلى الحياة الحرة الكريمة ...

قسم الوثائق

الوثيقة رقم 1

- تعيين لجنة عليا لإدارة البلاد من قبل الإمام الخوئي – آذار 1991هـ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين وبه نستعين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وبعد، فان البلاد تمر هذه الايام بمرحلة عصيبة تحتاج فيها إلى حفظ النظام واستتباب الأمن والاستقرار والاشراف على الأمور العامة والشؤون الدينية والاجتماعية تحاشياً من خروج المصالح العام عن الإدارة الصحيحة إلى التسيّب والضياع. من اجل ذلك نجد ان المصلحة العامة للمجتمع تقتضي منّا تعيين لجنة عليا تقوم بالاشراف على ادارة شؤونه كلّها بحيث يمثل رأيها رأينا وما يصدر منها يصدر منّا.

وقد اخترنا لذلك نخبة من اصحاب الفضيلة العلماء المذكورة اسماؤهم ادناه ممن نعتمد على كفاءتهم وحسن تدبيرهم فعلى ابنائنا المؤمنين اتباعهم واطاعتهم والانصياع إلى اوامرهم وارشادهم ومساعدتهم في انجاز هذه المهمة.

نسأل الله عزّ وجل ان يوفقهم لاداء الخدمة العامة التي ترضيه سبحانه وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه ولي التوفيق وهو حسبنا ونعمة الوكيل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

1- السيد محيي الدين الغريفي.

2- السيد محمد رضا الموسوي الخلخالي.

3- السيد جعفر بحر العلوم.

4- السيد عز الدين بحر العلوم.

5- السيد محمد رضا الخرسان.

6- السيد محمد السبزواري.

7- الشيخ محمد رضا شبيب الساعدي.

8- السيد محمد تقي الخوئي.

النجف الأشرف في العشرين من شعبان المعظم سنة 1411هـ.

ملحوظة: تقرر اضافة السيد محمد صالح السيد عبد الرسول الخرسان إلى اللجنة المذكورة اعلاه في 21 شعبان 1411هـ.

توقيع: ابو القاسم الخوئي

النجف الاشرف

21 شعبان 1411هـ

 

الوثيقة رقم 2

- مقابر المسلمين التي تأثرت بالقصف في النجف اثر انتفاضة شعبان:

1- مقبرة دار السلام.

2- مقبرة السيد ابو الحسن.

3- مقبرة الإمام الحكيم.

4- مقبرة الشيخ عبد الله المامقاني.

الوثيقة رقم 3

- المكتبات التي تعرضت للحرق او النهب بعد الانتفاضة:

1- مكتبة دار العلم العامة.

2- مكتبة الامام الحكيم العامة.

3- مكتبة الصدر الاعظم.

4- مكتبة الإمام امير المؤمنين.

 

الوثيقة رقم 4

اغلاق العديد من المساجد والجوامع والحسينيات في النجف الأشرف بعد الانتفاضة:

جامع الجزائري، جامع البراق، جامع الجواهري، جامع كميل، جامع المسابج، مسجد الكرامة، مسجد ابو صخير، مسجد السعداء.

 

الهوامش

(1) د. عبد الله فهد النفيسي: دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، دار النهر للنشر – بيروت عام 1973م، ص: 47.

(2) د. وليد الحلّي: العراق، الواقع وآفاق المستقبل، دار الفرات – بيروت، لبنان 1992م.

(3) العميد الركن نجيب الصالحي: الزلزال، مؤسسة الرافد لندن، 1998م.

(4) Endless Torment, The 1991 Uprising in Iraq and its Aftermath, June 1992, Report by Middle East Watch, New York, USA.

(5) مجلة العالم، 30/ 3/ 1991م.

(6) مجلة العالم، 13/ 4/ 1991م.

(7) مجلة نيوزويك الأمريكية في 20/ 12/ 1991م.

(8) مجلة العالم، 20/ 4/ 1991م.

(9) صحيفة الحياة اللندنية، 21/4/1991م.

(10) صحيفة الحياة اللندنية، 19/ 5/ 1991م.

(11) بيان لجنة العمل المشترك – لندن، نيسان 1991م.