تساؤلات مستقبلية حول وضعية النجف كمركز سياسي

د. بيير – جان لويزارد

استاذ جامعي وباحث في مركز البحث

العلمي الفرنسي – باريس

ترجمة: د. قيس جواد العزاوي

 

تجسد وضعية النجف أفضل تجسيد، أحسن من أي معيار آخر، اوضاع شيعة العراق وعلاقتهم مع الحكومة العراقية، ذلك لأن النجف ليست مدينة مقدسة فيها ضريح الإمام علي (عليه السلام) ومركز الحوزة العلمية فحسب، بل هي فوق هذا وذاك مركز سياسي تكوّن بفعل معارضة السلطات القائمة في بغداد منذ انتصار الاتجاه الاصولي لدى الشيعة في نهاية القرن الثامن عشر.

إن النجف كانت منذ ذلك الوقت مركزاً سياسياً قبل أن يصبح المجتهدون سياسيين، وهي سلطة يتقاسمونها داخل المدينة مع قادة الأحياء... ولكن بروز المجتهدين الاصوليين قد عدل بشكل جذري ابعاد قضية النجف وذلك بتزويد هذه المدينة المقدسة بمشروع سياسي، فقد اصبح المجتهدون ومن بينهم المراجع الدينيون يمارسون بالدرجة الأولى سلطة روحية واخرى زمنية في الوقت نفسه وقد زاد الاجتهاد هذه السلطة جاذبية خاصة.

ليس من المبالغة في شيء القول بأن مدينة النجف الحديثة هي بناء اصولي بشكل اساسي، وقد تشابك مصير هذه المدينة المقدسة منذ القرن التاسع عشر مع سلطة النخب الاصولية سواء أكانت محلية عربية أو من اصول ايرانية كما كانت مراراً. ان تعاقب المرجعيات العليا منذ الشيخ مرتضى الانصاري في القرن التاسع عشر عبر عن سلطة دينية ودنيوية متزايدة تعززها طموحات متنامية. ومن وجهة النظر الاقتصادية فان النجف قد استفادت من مدخولات مالية كبيرة مستقلة عن السلطة السياسية القائمة، مدخولات تجمع من مساهمات المقلدين للمرجع وهذايا الزعماء السياسيين الشيعة، ومن مدخولات اخرى مرتبطة بالزيارات او بعمليات الدفن في المدينة.

ان العلاقة المتينة بين رجال الدين المجتهدين الاصوليين والشبكة التجارية الشيعية في أنحاء البلاد تضمن بشكل اضافي استقلالية النجف. ان هذه السلطة السياسية الموجودة في المدينة المقدسة ستظهر بشكل حاد في المناظرات التي دارت حول الدستور والدين والجهاد ضد الاستعمار الاوروبي.

وباسم مفهوم معين للامة الإسلامية فان النجف قد طورت داخلها مجتمعاً متعددة الاثنيات مفتوحاً للعديد من التأثيرات سواء من اصول اجنبية أو من دول اسلامية اخرى. ان المعارضة التي ابدتها النجف المتمردة على السلطات العثمانية هذه السلطات التي غالباً ما كانت عاجزة عن رد تمرد النجف عليها، قد تركت مكانها لمعارضة اكثر ضراوة ابدتها المدينة المقدسة في مواجهة الدولة العراقية الجديدة. وكما هو معروف فإن الدولة العراقية اسسها مندوب الدولة المنتدبة وهي بريطانيا العظمى عام 1920م، وكانت دولة مستوحاة من نموذج الدولة القومية الاوربية، وبالتالي لم تكن شرعيتها مؤسسة على الدين، كما كان الأمر إبان العهد العثماني، ولكن على اساس الأمة القومية. فالعروبة منذ بداية تأسيسها كانت اساس شرعية دولة اعتبرت نفسها ((عربية)). ان استبدال الدين بمفهوم القومية العربية كمصدر أساسي لشرعية الدولة ترافق مع الهيمنة الاستعمارية البريطانية، وقيام نظام سياسي تدعمه نخبة سياسية سنية غير دينية تصادر لصالحها دوائر الدولة الجديدة. لقد حلمت العروبة معها بذور فصل الدين عن السياسة، وبالتالي لم يعد الاسلام ثقافة عربية وطنية.

ان وضعية النجف منذ حرب الخليج الثانية تجسد بداية مسيرة للمواجهة بين مشروعين: مشروع الدولة العربية بنموذجها الاوربي والمهيمن عليها من السنة، والمشروع الإسلامي الذي يشمل الوطن كله بقيادة دينية يجمع عرباً وايرانيين وجنسيات اسلامية اخرى. وقد تأسس المشروع الأخير هذا إبان الانتداب، وبني على تأكيد سيادة العراق ورفض الهيمنة الاوربية. وبالاضافة إلى ذلك فان إعادة انبثاق الحركات الاسلامية في الخمسينات قد تحول إلى حرب اهلية مقنعة في السبعينات. كما ادى اندلاع الثورة الاسلامية الايرانية ومن ثم الحرب العراقية الايرانية، بالحكومة العراقية إلى انتهاج سياسة قمعية توجهت نحو الجالية الايرانية العراقية ومن خلالها إلى الحوزة العلمية في النجف وإلى اشعاع هذه المدينة المقدسة.

توسعت هذه السياسة القمعية أكثر إبان سحق الانتفاضة في آذار/ مارس 1991م. فقد قصفت المدينة المقدسة بالقنابل وهدد المرجع الأعلى للمدينة جسدياً. وهكذا لم تعد النجف اليوم سوى ظلالاً لما كانت عليه. فالحوزة العلمية قد تقلصت لتتحول إلى بعض المدارس مازالت تعمل رغم ذلك، وعدد طلبة العلم الديني قد انهار ليصبح بضع عشرات. ولم يبقَ من المراجع في هذه المدينة المقدسة غير المرجعيات التي تدرس في خط الخوئي الذي عارض تدخل العلماء في الأمور السياسية. ان هذا التدهور قد تسارع بمنع المجتهدين من استلام تبرعات (الشيعة) المقلدين من خارج الحدود وبوقف افواج الزوار منذ الحرب بين العراق وايران.

إن النجف المحرومة من مداخيلها التقليدية والمهددة بوجودها كمركز تعليم ديني، والخاضعة لقمع دموي نال كل مراجعها العلمية، تبدو اليوم وقد تهمشت وبات مستقبلها موضع تساؤل. تواجه مدينة الإمام علي اليوم ولادة مدن منافسة لها استفادت من ضعفها الحالي، قم ايران والسيدة زينب القريبة من دمشق في سوريا، والتي تلعب دور مدينة مقدسة بديلة للشيعة العراقيين في المهجر ولغير العراقيين الذين لا يستطيعون زيارة النجف.

ما بين التدهور وخط ابعاد العلماء عن السياسة واخفاق الاسلام السياسي المجاهد هل تجد النجف مستقبلاً يليق بمكانتها؟ ومن خلال علاقتها بالدولة العراقية تبرز اجابة لهذا السؤال ذلك لأن علاقاتها هذه ستحدد أيضاً علاقة الشيعة بالدولة. وبالنظر إلى مكانتها باعتبارها أول المدن المقدسة الشيعية فان النجف تحتل مكانة اساسية في قرار ((القضية العراقية)).

بالنسبة للشيعة سواء أكانوا دينيين أو علمانيين فالمرجع أو المجتهد يرمز إلى هويتهم .. ومكانة النجف مرتبطة بشرعية المرجعية.

إنّ جعل النجف (فاتيكان) عراقية يمكن أن يمثل حلاً قد يضمن الهوية الشيعية من جهة ويسمح من ناحية ثانية بقيام حياة سياسية دنيوية في البلاد. ان نموذج اتفاقية لاتران 1929م الذي نظم علاقة الدولة الدينية الفاتيكان مع الدولة الايطالية يمكن أن يستخدم كنموذج ليس من أجل ان يؤدي إلى تأسيس دولة / مجتمع اكليريكية في النجف ولكن باتفاق مع الدولة العراقية يعترف بحدود معترف بها، واستقلالية المدينة المقدسة يمكن ان تكون قاعدة من اجل اعتراف رسمي بالاهمية العددية للطائفة الشيعية العراقية لسكان العراق.

هل يمكن لهذه المدينة المقدسة ان تدار من قبل مكتب اداري مكوّن من مرجعيات ومجتهدين ووجهاء المدينة؟ ان ما سوف يحمي هذه المدينة من تدخلات الحكومة العراقية وتدخلات الدول الخارجية هو جعل المرجعية ((فاتيكانية)) لأنه سيحل عدة مشاكل: ادارتها بعد ملاحظة استحالة تطبيق مبدأ ولاية الفقيه، والمشروع الخاص بالمرجعية الرشيدة لمحمد باقر الصدر يمكن أن يجد له في هذه الصيغة ترجمة مؤسساتية، وأخيراً علاقتها مع الدولة ... ان وضعيتها هذه ستضمن استقلالية المرجعية وستؤدي إلى ضمان تقدم المدينة وتنميتها، فمن الذي يمكن ان يحافظ على مصالحها بقدر رجال الدين الذين حققوا ثرواتها؟

ان وضعية النجف هذه يمكن أن تمتد إلى مدن مقدسة اخرى مثل كربلاء والكاظمية، كما ان المرجعية ستكون أيضاً أرضاً مسكونة ومحددة تبسط عليها سيادتها.

ان هذه الاتفاقية الثنائية للمصالحة بين الدولة العراقية والمرجعية ستجعل من الدولة العراقية الضامن للحصانة السياسية لاراضي النجف والأراضي المحددة الأخرى التابعة لها. وستتضمن هذه الاتفاقية الثنائية اتفاقاً سياسياً وتعاقداً مالياً ومعاهدة دينية مثل اتفاق ((لاتران)) بين الدولة الايطالية والبابوية، هذا الاتفاق الذي تجاوز الاختلافات الطويلة المستعصية بين الكنيسة والدولة حول وضعية روما. لذلك نعتقد بأن اتفاقاً بين الدولة العراقية والمرجعية بشأن النجف سينظم العلاقات بين الطرفين حيث سيجد كل منهما مصالحه، فالدولة العراقية ستحل مشكلة علاقتها بالشيعية، والمرجعية سيُعترف بها. ان هذا الاعتراف المتبادل للمركزين السياسيين للسلطة في العراق سيتم بواسطة معاهدة دينية يمكن أن تسوي مسألة العلاقة بين الشيعة والدولة العراقية.

ان الاعتراف بالهوية الشيعية في القانون العراقي باتفاق بين الحكومة العراقية وقادة النجف يمكن أن يسمح بفتح فضاء جديد بمواطنة عراقية والتخلص من الارث والعراقيل الطائفية. وبالتالي فان جعل النجف ((فاتيكان)) عراقية سيكون الحل الناجع للمدينة المقدسة، وبطبيعة الحال لن يكون هذا أمراً ممكناً إلاَّ في حالة قيام نظام ديمقراطي تعددي يضمن الحريات للجميع.