حركة الجهاد وموقف النجف ضد الغزو الأجنبي للعراق

(1332 – 1333هـ / 1914م)

كامل سلمان الجبوري

مؤسس المتحف الوثائقي لثورة العشرين

في النجف ومديره سابقاً – لبنان

تمهيد:

في أوائل آب 1914م/1332هـ وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وقد سارعت تركيا إلى اعلان حيادها، غير أن هذا الموقف خضع لضغوط عديدة من أجل زجّها في الحرب، لاسيّما وأن الدوافع الحقيقية كانت تتطلب فرض الحرب عليها لتنفيذ المشروع الاستعماري في تقاسم أقاليمها، وقد التقت تلك الدوافع مع الرغبة الجامحة للزعماء الاتحاديين في دخول الحرب إلى جانب ألمانيا، حيث كانوا يتصورون أن انتصار ألمانيا في الحرب مسألة حتمية، وأن الضمان الوحيد لسلامة تركيا من الأطماع الروسية هو تحالفها مع ألمانيا(1)، وتصورت حكومة الاتجاديين ان هذا لو تمّ ودخلت تركيا الحرب فإنها ستعيد امجادها وتخرج من الحرب منتصرة قوية(2).

أما ألمانيا فإنها لم ترغب في البداية باشراك الدولة العثمانية معها في الحرب، لأنها كانت ترى أن نهاية الحرب لصالحها، فلا مبرر لأن يشاركها العثمانيون في مكاسب النصر(3).

في أواخر تشرين الأول 1914م اعلنت كل من روسيا وفرنسا وبريطانيا الحرب على الدولة العثمانية(4)، وبذلك بدأت مرحلة الحسم الاستعماري في السيطرة على البلاد الإسلامية.

قبل اعلان الحرب كانت بريطانيا قد استكملت اجراءاتها في ترتيب مقدمات غزوها لمنطقة الخليج من خلال عقد عدّة اتفاقيات مع الشيخ مبارك والشيخ خزعل وعبد العزيز بن سعود(5)، لكن المشكلة التي واجهتها هي موقف علماء الشيعة من احتلال العراق، حيث كانت بريطانيا تدرك أن الشيعة لا يمكن أن يتقبلوا الاحتلال البريطاني، وذلك من خلال المواقف التي تبنوها إزاء الاحتلال الاستعماري للأقاليم الإسلامية، وتصديهم لأي محاولة استعمارية تستهدف كيان المسلمين السياسي(6). لكن هذا المسمى لم يؤثر على الموقف الشيعي شيئاً، فقد اسرع علماء الدين الشيعة إلى اعلان الجهاد فور تعرّض العراق لهجوم القوات البريطانية.

وقبل ان تعلن بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية، صدرت الأوامر إلى القوات البريطانية في بومبي بالتحرك نحو المياه الخليجية والمرابطة في البحرين، وبعد اعلان الحرب تقدمت القوات البريطانية نحو العراق في 14 تشرين الثاني 1914م/ 25 ذي الحجة 1332هـ فاحتلت الفاو(7).

البداية:

بدأت حركة الجهاد في العراق في 9 تشرين الثاني 1914م لمداهمة الجيوش الانكَليزية الغازية من جهة البصرة، والتي تعلن بخطر الغزو الانكَليزي للسيطرة على ثرواته وخيراته، والاستيلاء على شؤونه ومقدراته، وبعد ان أحسّ العراقيون بالخطر المحدق، وشعروا بما سيحيق بهم من الكوارث إذا تمكن عدوّهم من السيطرة والاستيلاء، وما سيرّه ذلك عليهم من المحن والفتن، استغاثوا برجال الدين في العتبات المقدسة ( النجف، كربلاء، الكاظمية) ومختلف البلدان العراقية، ببرقيات يطلبون فيها منهم أن ينهضوا بالأمر ويعلنوا الجهاد المقدس والنفير العام، ورد في بعضها ما نصّه: (( ثغر البصرة، الكفار محيطون به، الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الاسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع ))(8).

وقد تليت هذه البرقية وأمثالها علناً في المساجد، ونادى المنادي بها في الأسواق، وأخذ الوعاظ والخطباء يلهبون مشاعر الناس بخطبهم الحماسية ويؤكدون فيها أن الانكَليز إذا احتلوا العراق فسيهدمون مساجده وعتباته المقدسة ويحرقون القرآن، وينتهكون حرمات النساء، ويذبحون الأطفال والشيوخ، وصدّق الكثير من الناس بهذه الأقوال(9)، فهاجوا وماجوا، وأغلقوا اسواقهم، وعطّلوا اعمالهم واجتمعوا في الساحات والميادين وصحون العتبات ينتظرون أوامر علمائهم، فأصدر العلماء أمراً بوجوب الدفاع عن كل مسلم، وابرقوا بهذا المضمون إلى العشائر المحيطة بالبصرة، ثم توالت الاجتماعات، وألقيت الخطب المثيرة. ففي الكاظمية، وفي المنبر السيد مهدي الحيدري، فوعظ وحرّض، وأعلن خروجه بنفسه إلى ميدان الحرب(10). أما النجف فقد وصلها وفد من بغداد مؤلف من بعض الشخصيات المحترمة كمحمد فاضل باشا الداغستاني، وشوكت باشا، والشيخ حميد الكليدار وغيرهم لمحادثة المجتهدين الكبار في هذا الأمر(11).

ولدى وصولهم استقبلوا بحفاوة بالغة، ثم عقد اجتماع حافل في جامع الهندي حضره الكثير من العلماء والوجهاء ورؤساء العشائر، وخطب فيه السيد محمد سعيد الحبوبي، والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ محمد جواد الجواهري، حيث ذكروا وجوب مشاركة الحكومة المسلمة في دفع الكفّار عن بلاد الإسلام(12)، ثم قام مبدر آل فرعون رئيس عشيرة آل فترلة فألقى كلمة قال فيها: (( إن الاتراك اخواننا في الدين، وواجب علينا مساعدتهم في طرد الأعداء من بلادنا ))(13).

بعد ذلك ذهب الشيخ حميد الكليدار إلى الكوفة لمقابلة المرجع الديني الأعلى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي وعرض أمر الجهاد عليه، فوافق السيد اليزدي على ارسال ولده السيد محمد لينوب عنه في استنهاض العشائر للجهاد.

وفي 16 كانون الأول 1914م صعد اليزدي المنبر في الصحن الحيدري وخطب في الناس خطبة حثّهم فيها على الدفاع عن البلاد الإسلامية، وأوجب على الغني العاجز بدناً، ان يجهّز من ماله الفقير القوي. فكان لكلامه صدى رددته الأطراف(14).

التوجه والجهاد:

توجّه من النجف إلى ساحة الحرب عن طريق الفرات عدد من المجتهدين مع أتباعهم، وصاروا ينزلون في المدن والعشائر الواقعة في طريقهم بغية تحريضهم على الجهاد، فكانت أول مجموعة من المجاهدين برئاسة السيد محمد سعيد الحبوبي، وكان اشد المجاهدين حماساً للجهاد، فقد خرج مع جماعة من أصحابه من النجف عصر يوم 15 تشرين الثاني 1914م/ 25 ذي الحجة 1332هـ في موكب رهيب، وقد تقلّده سيفه، والطبول تقرع امامه، وبعد نزوله في كثير من المدن والعشائر وصل الناصرية في منتصف كانون الثاني 1915م، وكان فيها اثناء مكوثه دائب الحركة، حيث يتجوّل بين العشائر المجاورة ويرسل اعوانه من شبان الطلبة كالشيخ باقر الشبيبي وعلى الشرقي إلى العشائر البعيدة لحثهم على الانضمام إلى حركة الجهاد. وقد وضعت الحكومة تحت تصرفه اموالاً طائلة لينفقها في تجهيز العشائر(15)، فاجتمع إليه خلق كثير، فقد غادرت عشائر الغراف إلى الناصرية في 11 صفر 1333هـ، وفي 19 شباط 1915م 4 ربيع الثاني 1333هـ غادر الحبوبي سوق الشيوخ متوجهاً نحو الشعيبة، وتابعتهم العشائر تحملهم مئات السفن الشراعية وهي تمخر مياه بحيرة المحمار(16)، وقدر عددهم بأكثر من ثلاثين ألف راجل وعشرة آلاف فارس، وقد التحق معهم حوالي خمسة عشر ألف جندي، فتكوّن من الطرفين، الجناح الأيمن التركي في هذه الحرب(17).

وفي يوم 27 ذي الحجة 1333هـ، خرج من النجف ركب آخر من المجاهدين برئاسة السيد عبد الرزاق الحلو(18) وتسعة من اتباعه، ولدى وصوله إلى السماوة في طريقه لساحة الحرب نصب خيامه على الشاطئ الشرقي من الفرات، وبعد يومين من وصوله وردته برقية من الوالي جاويد باشا الذي كان في البصرة، يقول فيها ما نصّه: (( أتوسل إليك برسول الله وأهل البيت وفاطمة الزهراء أن تسرعوا في المجيء إلي حيث أن البصرة مهددة ونحن في ضيق شديد )) فلما قرأ السيد الحلو البرقية هتف قائلاً: (( الله أكبر، الله أكبر، سمعنا واطعنا)) ونادى اصحابه فأمر بتقويض الخيام ووضعها في السفن حالاً، رغم نصيحة عبد العزيز القصاب قائمقام قضاء السماوة آنذاك بالتريث في الرحيل لشدة الريح، غير ان السيد اصرّ على الرحيل، وقال: (( يا ولدي لقد وجبت عليّ الحركة بناء على الخطاب الوارد لي، وان تأخرت يعد عصياناً )) ثمّ توجه نحو اصحابه قائلاً: ((اسرعوا يا أولادي )) ...

وبعد مغادرة السيد الحلو أخذت تتوافد إلى السماوة قوافل المجاهدين من الشامية وأب صخير والنجف(19). ففي 6 صفر 1333هـ تحرّك إلى الجبهة السيد نور السيد عزيز الياسري واتباعه، واعقبه مبدر الفرعون، ومزهر الفرعون، وعبد الكاظم الفرعون، وجماعتهم من آل فتلة، والسيد علوان الياسري ومعه آل ابراهيم واعقبهم السيد محسن أبو طبيخ ومن معه من آل زياد، وكان معهم من العلماء النجفيين كل من السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني والشيخ عبد الرضا الشيخ مهدي الشيخ راضي(20). كما وصلت إليها قوافل من المجاهدين الأكراد برئاسة الشيخ محمود الحفيد ويقدّر عددهم بحوالي ستمائة فارس، بعد أن قاموا بزيارة الإمام علي (عليه السلام) وغادروا النجف في 10 ربيع الثاني 1333هـ غبّ مكوثهم فيها ثلاثة ايام، سالكين طريق الشنافية – السماوة(21).

ثم وصل السيد هادي المكَوطر ومعه عدد غير قليل من المجاهدين، وقد شكّل أهل السماوة الغربيون سرية من المجاهدين برئاسة الشيخ بربوتي السلمان(22)، وبهذا قال مهوال أهل الشنافية، جرود:

ثلثين الجنة الهادينه وثلث الكاكا أحمد وأكراده(23)

فقال مهوال أهل النجف: ثلث الظل لعطيه انريده(24)

وقال مهوال أهل السماوة: واشويه شويه البربوتي

وقال مهوال اهل الرميثة: مصطاح الجنه الوفينه

عند ذاك قال السيد فنر السيد كَاطع المكَوطر: جا وين أكَعد يا رب هادي(25)

صدى الجهاد في بغداد:

أما في بغداد فقد كان الشيخ مهدي الخالصي اشد حماساً للجهاد في الكاظمية، وقد كتب في ذلك رسالة بعنوان (( الحسام البتار في جهاد الكفّار )) نشرتها جريدة ((صدى الاسلام)) بعدئذ على حلقات متتابعة. ولم يكتف الخالصي بهذا، بل أصدر حكماً أوجب فيه على الناس صرف جميع أموالهم في الجهاد حتى تزول غائلة الكفّار، ومن امتنع عن بذل ماله وجب أخذه منه كرها(26).

دعا الخالصي علماء الكاظمية للاجتماع في غرفة الكليدار بالصحن الكاظمي للمداولة في أمر الجهاد واصدار الحكم فيه، وقد اجتمع العلماء هناك واختلفوا، فمنهم من قال ان محاربة الإنكَليز بمثابة إلقاء النفس إلى التهلكة وذلك لما عندهم من استعداد واسلحة قوية ليس عند المسلمين ما يقابلها، وكان على رأس القائلين بهذا الرأي السيد حسن الصدر والشيخ عبد الحسين الأسدي. والظاهر أن اكثر الحاضرين كانوا على رأي آخر حيث حكموا بوجوب الجهاد للدفاع عن البلاد الاسلامية، وكان على رأسهم السيد مهدي الحيدري الذي كان يُعدّ في ذلك الحين كبير علماء الكاظمية، وقد أشاع الخصوم عنه قائلين: (( ان السيد مهدي بر تقي، لكن الخالصي أغواه، فهما يسعيان في اراقة دمائنا ونهب اموالنا ))(27).

كما نصبت الخيام في ظاهر الكاظمية استعداداً للسفر، وامست الساحة القريبة من خان الكابولي زاخرة بالناس، وكان الفرسان يتطاردون فيها وقد شهروا السيوف بايديهم على طريقة الحروب القديمة، وكان للشيخ تقي الخالصي – وهو ابن أخ الشيخ مهدي – دور مهم في ذلك حيث كان يمتطي فرسه في تلك الساحة وهو يصول ويجول رافعاً صوته بالحداء البدوي وبالدعوة إلى الجهاد.

وفي يوم 19 تشرين الثاني 1914م/ 1 محرم 1333هـ تجمع جمهور من شبان الكاظمية يقدر عددهم بنحو مائتين، فساروا إلى بغداد في مظاهرة مشياً على الأقدام تتقدمهم الطبول وهم يهوسون ويهزرجون، وعند وصولهم إلى بغداد انضموا إلى الجماهير الغفيرة المحتشدة باب القلعة بباب المعظم وصعد بعض الهطباء يخطبون في الجماهير ويثيرون حماسهم للجهاد، كان منهم عبد الرحمن الكَيلاني(28) وجميل صدقي الزهاوي(29) ومعروف الرصافي ومحمد الخالصي ومحمد علي قسام النجفي، ثم اطلقت المدافع وارتفعت الهتافات بحياة السلطان رشاد وسقوط الإنكَليز. كما ابرق السيد مهدي الحيدري إلى علماء النجف وكربلاء وسامراء يخبرهم بأنه عازم على محاربة العدو الكافر مهما كلف الأمر، ثم اوعز بعقد اجتماع عام في الصحن الكاظمي، ولما اجتمع الناس صعد السيد مهدي على منبر اعدّ له وأخذ يخطب فيهم يحثهم على الخروج للجهاد، ويقال انه ارتج عليه أثناء الخطابة لكبر سنّه، فصعد الشيخ حميد الكليدار على المنبر إلى جانبه واعتذر عنه، ثم أخذ يخطب بالنيابة عنه باللغات الثلاث: العربية والتركية والفارسية(30). وذلك بعد ان اصدر فتواه في الجهاد والنفير، في وجوب الدفاع عن بلاد الاسلام، والذب عن حياض المسلمين، ومحاربة الغزاة المعتدين(31).

وفي خلال العشرة الأولى من المحرم عام 1333هـ كانت معظم اهازيج المواكب والمآتم الحسينية تدعو للجهاد وتحفّز لنصرة الدولة العثمانية المسلمة منها:

يا طارش الإنكَلترا وفرانسا ولروسها

إن ما تطيع الحكمنا بالسيف نكَطع روسها

ولم تختلف بغداد عن الكاظمية تحمساً للجهاد، فقد بذل الحاج داود أب التمن أموالاً كثيرة في تصرف المجاهدين، إذ كان يجلس في مسجده بمحلة (صبابيغ الآل) ويضع المجيديات على هيئة اكوام، وهو يوزّع على المتطوعين للجهاد ما يكفي لعوائلهم(32).

وفد النجف:

وفي اليوم العاشر من المحرم 1333هـ/ 29 تشرين الثاني 1914م وصل إلى بغداد الوفد النجفي المتوجّه من النجف يوم 7 محرم 1333هـ نحو الشعيبة عن طريق بغداد، ويضم كلاً من الشيخ فتح الله شيخ الشريعة، والسيد علي الداماد التبريزي والسيد مصطفى الكاشاني، وموفدي السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي وهم ولده السيد محمد والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والسيد اسماعيل اليزدي وبعض طلبة العلوم الدينية من العرب والايرانيين(33).

وقد أغلق كثير من أهل بغداد دكاكينهم بغية استقبال الوفد والاحتفال به، وعند وصول الوفد إلى جانب الكرخ كان النهر فائضاً إلى الحد الأقصى، والجسر غارقاً، والمطر ينهمر بشدة، فجيء بزورق بخاري لنقل الوفد إلى جانب الرصافة، وقد نزل الوفد في ضيافة الحاج داود أبو التمن(34).

وفي الكاظمية أمر السيد مهدي الحيدري باستقبالهم فاستقبلوا بغاية الحفاوة والتعظيم، وجرت بينهم وبينه مفاوضات كثيرة حول الخطط والتصاميم المقررة(35).

مجاهدو الكاظمية:

وفي عصر اليوم التالي – الثلاثاء 12 محرم الحرام 1333هـ/30 تشرين الثاني 1914هـ - خرج من الكاظمية السيد مهدي الحيدري يتقدم موكباً كبيراً ومعه الشيخ مهدي الخالصي وثلة من العلماء وعشرة من اسرته وهم اولاده السيد اسد الله والسيد احمد والسيد راضي، وابناء اخيه السيد عبد الكريم والسيد محسن والسيد صادق، وابنا عمه السيد عبد الحسين الذي استشهد في الحرب، والسيد جعفر، وابن ابن اخيه السيد عبد الامير، والشيخ عبد الحميد الكليدار، وجموع غفيرة من ابناء بغداد والكاظمية. وقد شيعته الكاظمية وضواحيها بأسرها حتى كانت جماهير المودّعين تمتد على مدّ البصر(36).

وقد ارتفعت الأهازيج والهوسات إلى عنان السماء، فمرّة تردد:

سيّد مهدي ركن الدين نمشي للجهاد اوياه

نمشي بقوّتك يا دين واندوس العده بحذاه

وأخرى تنشد:

حيدر يا عزنه وسور النه بحلك الغاو يحق طوب النه

وأخرى تهتف:

حجة الاسلام طالع للجهاد محصّن بموسى بن جعفر والجواد(37)

وصادف أن كان جانب الرصافة يومذاك قد اصيب بالفيضان المدمّر – كما ذكرنا ذلك آنفاً – فسار موكب المجاهدين نحو الكرخ، وكان عددهم زهاء ثلاثمائة، وكانت تنتظرهم هناك باخرة اسمها ((حميدية)) فحملتهم كما حملت معهم مائتين من الفرسان العثمانيين، وكثيراً من الذخائر، وسارت الباخر بهم باتجاه القرنة، وقد وصلت إلى مقربة منها بعد مسيرة استغرقت سنة أيام(38).

وكان الموكب كلما يصل إلى احدى المدن والقبائل العربية النازلة على ضفاف النهر يأمر السيد الحيدري بالوقوف وينزل هو واصحابه، ويجمع الناس، ويحثهم على الجهاد، ويأمرهم بالنفير العام، وكان خطيبهم في هذه المواقف ولده السيد أحمد الحيدري(39).

وفي عصر يوم 9 كانون الأول 1914م كانت ضفاف دجلة على الجانبين قد امتلأت بالجماهير، وكانت هناك باخرة اسمها ((الموصل)) راسية في جانب الرصافة، فركبها مجاهدو بغداد وعلى رأسهم الحاج داود أبو التمن والسيد صادق العطار الحسني البغدادي، وفي مقدمتهم العلماء الأعلام: السيد علي الداماد التبريزي، والميرزا مهدي الخراساني، والميرزا محمد رضا الشيرازي، والشيخ حسن علي القطيفي، ثم سارت الباخرة نحو القرنة بين تكبير الجماهير وتهليلهم(40).

وفود اخرى:

وبعد ذلك تواردت على الكاظمية وفود العلماء الزاحفين نحو المعركة من النجف الشرف وكربلاء، وكانت البلدة تستقبل كل واحد منهم بمنتهى الترحاب والتكريم وتودّعه بمثل ذلك، ونذكر فيما يلي اسماء جماعة من هؤلاء الأعلام(41):

الشيخ جعفر الشيخ عبد الحسن، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ حسين الحلي، والشيخ حسين الواسطي، والشيخ منصور المحتصر، وكثير من رجال الدين وطلبة العلم وكانوا قد خرجوا من النجف يوم 4 صفر 1333هـ.

ولما وصل موكب السيد الحيدري إلى العمارة أمر بعقد اجتماع عام في مسجدها الجامع الكبير، وألقيت الخطب الحماسية من قبل بعض المجاهدين، ثم قام السيد ينفسه ورقى المنبر وحث الناس على الجهاد، وحرّضهم على التضحية والثبات، وأمرهم برص الصفوف، وتوحيد الجهود أمام العدو المتربص ورغبهم في الشهادة والسعادة، وحذرهم مغبة الفرقة والتخاذل، وشوّقهم إلى ثواب الله ورضاه، فضجّ الناس بالبكاء، واستجابوا للنداء، والتحق به خلق كثير.

ثم سار السيد مع جموع المجاهدين إلى منطقة (العزير) واجتمع هناك بالقائد العسكري ((جاويد باشا)) وتفاوض معه حول بعض القضايا الهامة التي تتعلق بخطط الحرب وشؤون القتال. وكانت الحرب في ذلك الوقت قائمة في ((القرنة)) وهي القلب، فقصد السيد بمن معه ساحة الحرب، وفي اثناء الطريق صادف اندحار الجيش العثماني وانسحابه من منطقة القتال، ورجوع بعض القبائل التي كانت تحارب معه، وسقوط القرنة بيد العدو، فأشار بعضهم على السيد بالرجوع إلى العمارة، فلما وصل إليها بلغه أن القائد العسكري يريد اخلاء العمارة والانسحاب منها ايضاً، فأبى السيد وأصرّ على البقاء وقال: (( أما أنا فلا أتحرك من هذا المكان، واحاربهم هنا حتى أقتل أو انتصر )) فلما بلغت هذه الكلمة مسامع القائد بعثت فيه روح القوة والعزم، وألهبت فيه النخوة والحماس وعدل عن رأيه في الانسحاب، وصمم على الثبات مهما كلّف الأمر.

وبقي الحيدري في العمارة يكاتب القبائل ويحرّض العشائر، ويجنّد الكتائب ويبعث الرسل والدعاة إلى سائر الأطراف يأمرون الناس بالخروج ويحضونهم على النفير، فكان الناس يفدون على العمارة زرافات ووحداناً ملبين نداء الواجب، وعازمين على لقاء العدو، ثم يتوجهون إلى الميدان(42).

وبعد ان سقطت البصرة والقرنة بيد السلطات الإنكليزية وصلت الأوامر من اسطنبول بعزل جاويد باشا من منصبه، ويبدو ان القيادة التركية العليا اعتبرته المسؤول الأول عن الهزائم التي حلّت بالقوات التركية في منطقة البصرة، أو لعلها أرادت أن تجعل منه كبش الفداء إذ هي نسيت اخطاءها ووضعت اللوم كلّه على عاتق جاويد باشا. ومما يجدر بالذكر أن جاويد باشا لم يشأ أن يسكت عن هذه الإهانة عند وصوله إلى اسطنبول، فقد اصدر في عام 1916م كتاباً عنوانه (( حرب العراق)) أظهر فيه الاخطاء الفظيعة التي اقترفتها القيادة التركية العليا في العراق، واسهب في ذكر معايبها وطيش المسؤولين الكبار فيها(43).

كان جاويد باشا يجمع في يده زمام الأمور العسكرية والادارية معاً – أي انه كان والياً وقائداً للجيش في آن واحد – وقد ارتأت الحكومة بعد عزله ان تفصل بين الولاية والقيادة وتجعل لكل منهما رجلاً خاصاً بها على نحو ما كانت تفعل سابقاً، فعنيت سليمان نظيف بك والياً، وسليمان عسكري بك قائداً، فوصل الأول منهما إلى بغداد في 5 كانون الثاني 1915م، وكان الثاني قد وصل قبل ذلك.

أما سليمان عسكري بك فقد كان عند اعلان الحرب في اسطنبول وكانت القيادة العليا تستشيره في امور العراق لأنه كان خدم ضابطاً في العراق قبل الحرب، وقد ظنت القيادة أنه سيستعيد للعراق ما فقده القائد السابق، وربما زاد عليه فتحاً جديداً، وقد وصفه الضابط الركن محمد امين زكي بقوله: (( إن ذهنه كان مشبعاً بفكرة قذف افنكَليز في البحر وغزو الهند، فهو كان يفكر بالهجوم أكثر من تفكيره بالدفاع، كانت القيادة العليا متأثرة بآرائه ))(44).

ولدى وصول سليمان عسكري بك إلى بغداد خطب أمام جمع من الموظفين والأهالي قائلاً انه سوف يدحر الجيش الانكليزي ويميه في البحر خلال مدة وجيزة، وانه سيسترجع القرنة والبصرة ويحتل سواحل الخليج(45). وكان اول عمل قام به في بغداد أنه أوعز بقتل القاضي الذي كان وكيلاً لوالي البصرة قبيل سقوطها إذ اتهمه بأن سبب تسليمها للإنكليز، وفي صباح أحد الأيام وجد القاضي مقتولاً في فندق عبد الأحد بببغداد. وكانت إلى جانب جثته ورقة مكتوب عليها: ((هذا جزاء من يسلم البلاد إلى العدو ))(46).

أما المجاهدون، فبعد أن تكاملت جموعهم في العمارة، وعبئت القبائل تعبئة كاملة، تحرك السيد مهدي الحيدري (مرة ثانية) إلى ساحة الحرب – وكانت قريبة من القرنة – قبل بقية العلماء، ونزل في مقر القيادة العسكرية. وبعد نزول السيد جاء القائد نفسه لزيارته والسلام عليه، ثم عرض عليه أنه يريد أن يقدم للمجاهدين ما يحتاجون إليه من المؤن والأموال، فرفض السيد ذلك رفضاً باتاً وقال: (( إننا مستغنون عن مساعدتكم، ولو تمكنا نحن على مدّكم بالمال والطعام لفعلنا ))، فشكر القائد له هذا الشمم العربي والإباء الكريم، ثم استأذنه وقبّل يديه وخرج. ولما استقر به المقام ومهد المكان وهيأ الأمور وعبأ الصفوف، أبرق إلى العلماء العظام الذين تركهم في العمارة، وطلب منهم اللحوق به في المقر الذي هو فيه، وبيّن لهم ان الجو ملائم، والمكان أمين، فلما بلغهم ذلك عزموا على الرحيل وكتبوا إلى السيد بعزمهم هذا، فطلب من القائد ان يهيء لهم باخرة تقلّهم، فهيأ لهم ذلك وركبوا فيها حتى نزلوا بالقرب من مقر السيد. ولم تزل جموع المجاهدين، وكتائب القبائل تتوارد وتتوافد على ذلك المكان، وتنزل على حافتي النهر، حتى ملؤوا الأرض ما يقارب الفرسخ والنصف لكثرتهم(47).

جبهة القرنة:

وزع سليمان العسكري بك قواته النظامية وقوات المجاهدين معها على ثلاث جبهات هي: الشعيبة والقرنة والحويزة (عربستان) فهو كان يخطط أن يوجّه الهجوم على الإنكَليز من هذه الجبهات الثلاث في وقت واحد لتلقي في المحمرة بعد الانتصار عليهم، ولكن امله هذا كان أقرب إلى الخيال.

فالقوة الرئيسية وهي (القلب) كانت قد تحشدت في الجبهة الوسطى تجاه القرنة، وقد اتخذت مواقعها حول ((الروطة)) وهي قناة تقع في الجانب الشرقي من دجلة على بعد خمسة عشر كيلومتراً من شمال القرنة، وكان يقودها عسكرياً سليمان عسكري بك بنفسه، ومن المجاهدين السيّد مهدي الحيدري، وأولاده السيد أسد الله والسيد أحمد والسيد راضي وبعض أقربائه السيد عبد الكريم والسيد عبد الحسين، وحجج الإسلام الشيخ فتح الله شيخ الشريعة والسيد مصطفى الكاشاني والسيد علي الداماد ويقابلهم من الجهة الثانية من النهر بنفس المنطقة السيد عبد الرزاق الحلو(48).

وفي 18 كانون الثاني 1915م قدم القائد الإنكَليزي (باريت) من مقر قيادته في البصرة إلى القرنة لدراسة الموقف، وقد شعر أن الوضع لا يدعو إلى الطمأنينة، وأن الأتراك عازمون على أمر ما، فأوعز بإعداد قوة لمهاجمة موقع الروطة بغية تلقين الأتراك درساً، وفي فجر اليوم العشرين من الشهر نفسه تحركت القوة الإنكَليزية من المزيرعة متوجهة نحو الروطة، وكانت المراكب الحربية تساندها من النهر، وعند شروق الشمس بدأ قصف المدافع ينهال على القوات العثمانية من النهر والبر معاً، وقد أبدى الجنود الأتراك والمجاهدون صموداً في مواجهة القصف الإنكَليزية الرهيب، وكان سليمان عسكري بك قد حضر المعركة بنفسه وأدارها بحماسته المعهودة – كما ذكرنا – ولم يكترث بالخطر المحيط به، فأصيب بشظية قنبلة في ساقه، نقل على أثرها إلى بغداد للمعالجة.

وقد استمرت المعركة أربع ساعات، أدرك فيها القائد الإنكَليزي أن ليس هناك أي أمل في احتلال ((الروطة)) بالقوة التي كانت معه، فأصدر أمره بالانسحاب تحت حماية المدافع من المراكب النهرية(49). وفي الساعة الثانية بعد الظهر كانت القوة الإنكَليزية قد عادت إلى قواعدها في المزيرعة. ورغم قصر هذه المعركة إلاَّ انها كانت ذات أهمية تأريخية كبيرة، لكونها أصبحت موضع خلاف في التقييم بين الإنكَليز والأتراك – كما ذكر د. الوردي – فقد أشارت المصادر الإنكَليزية إلى القصد من إرسال القوة إلى الروطة بأنه لم يكن من أجل احتلالها، وأن الانسحاب منها كان مقرراً منذ البداية، وأن القوة نجحت في مقصدها حيث كانت خسائر الأتراك ضعف خسائر الإنكَليز(50). أما الاتراك فقد اعتبروا المعركة انتصاراً عظيماً لهم وهزيمة للإنكَليز، وشاع بينهم أن الجنرال باريت قد عزل من منصبه من جراء فشله في تلك المعركة(51).

أما وجهة نظر المجاهدين تجاه هذه المعركة فقد وصفها مفصلاً السيد أحمد الحسيني قائلاً: (( إن المجاهدين عندما سمعوا دوي المدافع وأزيز الرصاص سارعوا إلى نجدة الجيش واسناده، وربما وصلوا بعد فوات الأوان، فرأى السيد مهدي الحيدري أن بقاء المجاهدين في هذا المكان مخالف للمصلحة ولم يكن له من النفع والجدوى كما لو تقدموا إلى الميدان، فعزم السيد أن يتقدم بنفسه واصحابه إلى ساحة الحرب، ليكونوا أبلغ في نصرة الجيش الإسلامي، وتعزيز مركزه وتدعيم قواه، فحضر عنده تلك الليلة وجوه العلماء، وأقطاب المجاهدين وزعماء القبائل، وألحوا عليه بالعدول عن رأيه، ورجحوا له البقاء في محله، باعتباره قائداً روحياً يجب أن يبتعد عن ميدان الحرب ليشرف على التعبئة والتهيئة والتنظيم، ولكنه اجابهم بإصرار قائلاً: (( إن هذه الجموع الغفيرة إنما جاءت للحرب والدفاع، ولا تتقدم بنفسها إلى القتال ما لم نتقدم بأنفسنا أمامهم ونكون معهم في السرّاء والضرّاء )) ثم حسم الأمر باستخارة الله كانت نتيجتها [ومن يُجاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين] فكبّر الناس فرحاً، عندئذٍ سلّم الجميع لرأيه، وقرروا الزحف معه إلى الميدان. وفي الصباح ركب السيد وأصحابه في السفينة الكبيرة المعدة لهم، وسارت معه بعض القبائل العربية كربيعة وبني لام بسفنهم، وتخلّفت عنه بعض القبائل الأخرى ريثما تتهيأ للسفر وتتعبأ للحرب، ثم تلتحق به في اليوم الآخر.

ولما أدرك المجاهدين الليل، أمر السيد ربان السفينة أن يرسو على الساحل وأمر أصحابه بالنزول، وكانت تلك الأرض تسمى ((حريبة)) وهي من الأراضي الوعرة، فنزلوا فيها، وضربوا خيامهم على حافة النهر من جانب القرنة، وباتوا تلك الليلة وهم لا يعلمون موقعهم من الجيش العثماني، هل انهم متأخرون عنه أم متقدمون عليه، واما قبيلتا (ربيعة وبني لام) فإنهم قد حطّوا رحالهم قبل أرض ((حريبة)) ثم ادركهم الليل هناك.

ولما أسفر الصبح صلّى السيد بأصحابه صلاة الفجر، ثم خرج ولداه السيد أسد الله والسيد أحمد ليستكشفا حقيقة المكان، فبينما هما كذلك إذ لاحت لهما طلائع العدو، وظهرت لهما بواخره النهرية ومدافعه ومعداته الحربية، وقد بدأ – بقوة هائلة – بهجوم عنيف مفاجئ على المعسكر الإسلامي في ذلك الصباح الباكر بشكل رهيب لم يستطع الجيش العثماني صدّه وردّه، لأنهم أقل عدة من العدو، فلم يكن عندهم من المدافع سوة ثمانية، اثنان منهما ضخمان كانا في الجانب الذي حطّ فيه السيد وجماعته، وستة في الجانب الآخر من النهر الذي يرابط فيه الجيش. أما بقية القبائل والمجاهدين الذين قد تأخروا عن اللحوق بالسيد وأصحابه فإنهم لما علموا بهجوم العدو نشروا اعلامهم وانتشروا في البيداء وتأهبوا للحوق بالركب المتقدم، فحالت قذائف العدو بينهم وبين الوصول إلى اخوانهم المتقدمين، واشتبك الجيشان، وتلاقى الجمعان، واحتدم القتال في ذلك اليوم من قبل طلوع الشمس إلى بعد زوالها. وقد رست بواخر العدو بإزاء سد كان قد صنعه القائد السابق ((جاويد باشا)) وقطع به نهر دجلة.

وكانت خيام السيد الحيدري وأصحابه متقدمة على الجيش التركي بنصف فرسخ بحيث كانت قريبة من العدو، وبمرأى منه ومشهد، فوجه إليها مدافعه، وجعلها هدفاً لقنابله وقذائفه، فعرض بعض اصحابه عليه أن يأذن بتقويض الخيام لأنها صارت غرضاً للرمى، فلم ياذن لهم بذلك وقال: ((إن معنويات الجيش كله ستنكسر إذا قوّضتم خيامنا، وربما ظنوا بأننا قد انسحبنا عن مراكزنا، فتضعف عزيمتهم وتنهار قوتهم، بل يجب أن تبقى هذه الخيام قوة للجيش، وراية للإسلام وهيبة للمسلمين ورهبة للكافرين)).

ثم قام الحيدري وكان شيخاً كبيراً قد تجاوز عمره الثمانين عاماً وتقلّد سيفه وحمل قرآنه وندب أصحابه وحثّهم على الثبات وحرّضهم على القتال، وامرهم بالصمود، ودعا لهم بالنصر على الأعداء وقال لهم: (( لا تخافوا ولا تحزنوا فالله معكم وهو ينصركم على القوم الكافرين، فذودوا عن حرمات الدين، وذبّوا عن مقدسات الإسلام، فإني أرجو أن تكون هذه القذائف والنيران التي يوجهها العدو إليكم برداً وسلاماً عليكم ان شاء الله )). وصمد كالطود الأشم، وصار يشجع الرجال ويثبت الأقدام من جهة، ويصلي لله ويتضرع إليه ويطلب العون والنصر، ونهض أولاده الثلاثة ومعهم الشيخ عبد الحميد الكليدار فندبوا المجاهدين للقتال، وحرّضوهم على النزال، وتقدموا بهم إلى نهر كان يشبه الأخاديد العسكرية، ليكون لهم جنّة عن قذائف العدو، ولم تمض على القتال إلاَّ ساعات حتى اندحر الغزاة اندحاراً فظيعاً بعد ان تكبدوا خسائر جسيمة في الأرواح والسلاح والمعدات، وتحطمت لهم باخرة حربية، وقيل غرق لهم مركب آخر، وقتل من جنودهم ما يناهز الألف أو الألفين على اختلاف الروايات، وجرح منهم أكثر من ذلك، أما قتلى الجيش الإسلامي فلم يتجاوز عددهم الأربعة عشر، واما الجرحى فما زادوا على الخمسين !! أما السيد وأصحابه فلم يصب أحد منهم بضرر رغم انهم كانوا في قلب المعركة، غير ان سفينتهم التي كانت تحمل امتعتهم واسلحتهم ثقبت بإحدى قذائف العدو، واطفأ الماء النار التي شبّت فيها من جراء تلك القذيفة.

وقد عرفت هذه الواقعة بواقعة يوم الأربعاء، لأنها صادفت يوم الأربعاء 5 ربيع الأول سنة 1333هـ، وعرفت أيضاً بمعركة الروطة نسبة إلى نهر الروطة(52). وقد أصيب في هذه الواقعة قائد الجيش العثماني ((سليمان عسكري بك))(53)، وقد اشرنا إلى ذلك سابقاً.

وقد شاع نبأ هذه الواقعة الكبرى بين صفوف المجاهدين في المناطق المتأخرة عن منطقة القتال، فعمّهم الخوف والقلق على السيد الحيدري، وكان ظنهم بأن السيد قد استشهد في المعركة، وبلغ هذا النبأ ايران والعراق، فضجّ الناس حزناً على الإمام الأكبر والبطل الثائر، حتى ان بعض المدن أقامت له مجالس الفاتحة ومحافل التأبين، ثم تبيّن لهم سلامته فانقلبت مجالس الحزن إلى نوادي فرح وسرور.

أما العلماء الذين رابطوا في المقر الأول ولم يتقدموا مع السيد إلى الميدان بسبب اشتداد المعركة، فقد كتبوا إليه بعد انتهاء الواقعة وفرار العدو: (( اننا لم نزل في قلق وتشويش عليكم، فلم يهجأ لنا بال، ولم يقر لنا قرار، وإننا منذ أن شبّت نار الحرب بينكم وبين عدوّكم مشغولون بالدعاء والبكاء والتضرع إلى الله تعالى أن يكتب لكم النصر والسلامة، والآن نرجو ونأمل من سماحتكم الرجوع إلينا لكي تطمئن نفوسنا بلقياكم، وتقر عيوننا برؤياكم )). فأجابهم السيد بكتاب بعث به إليهم (( إنا تقدمنا إلى هذه الأرض في وقت لم تكن آمنة ولا مطمئنة، والآن اندحر العدو وتقهقر، فنرجو منك الالتحاق بنا، ونضرع إلى الله أن يكتب لنا النصر، ويوفقنا للتقدم إلى الأمام )).

أما سليمان عسكري بك فإنه على اثر إصابته – كما ذكرنا – نقل إلى بغداد للمعالجة، وبينما هو راقد في المستشفى إذ دخل عليه أحد العلماء – من موظفي الحكومة – عائداً له، فلما وقع نظر القائد عليه قاله له وهو يهز يديه مستنكراً من قعوده عن الجهاد: (( أنت ها هنا ترفل بالراحة والطمأنينة والنعيم مع انك تتقاضى راتباً ضخماً من الدولة طيلة عمرك، وأن الإمام السيد مهدي السيد حيدر يحارب بنفسه الإنكّليز – على شيخوخته وعظمته – وهو الآن في الصفوف الأولى، مع أنه لم يقبل أموال الدولة قليلاً ولا كثيراً طيلة عمره ))(54).

جبهة الشعيبة:

والجبهة الأخرى هي السعيبة وتدعى بالجناح الأيمن، وتقع الشعيبة على بعد تسعة أميال من الجنوب الشرقي للبصرة، وكانت في ذلك الحين تحتوي على قلعة قديمة وبضع دور واسعة ابتناها بعض أغنياء البصرة لتكون مصائف لهم، وقد أدرك الجنرال باريت أهمية هذا الموقع لحماية البصرة فاهتم بتحصينه بالخنادق والأسلاك الشائكة وأكياس الرمل.

وكان الأتراك من جانبهم قد عزموا على مهاجمة البصرة من هذه الجهة، فحشدوا في أدغال البرجسية الواقعة على بعد ستة اميال من الجنوب الشرقي للشعيبة جيشاً كبيراً مؤلفاً من قوات نظامية يبلغ عددها زهاء ستى آلاف جندي. أما المجاهدون ومعظمهم من العشائر فقد قدر عددهم حسب المصادر التركية بعشرين ألفاً، وقدره آخرون بخمسين ألفاً(55)، تحت قيادة السيد محمد سعيد الحبوبي والشيخ باقر حيدر والسيد محسن الحكيم(56).

وصلهم القائد التركي سليمان عسكري بك إلى الموقع في 9 آذار 1915م وكان محمولاً على نقالة صحية لكونه ما زال يشكو من ساقه، وفتش قوّاته، ووضع خطة أوجب فيها على القوات النظامية الهجوم من القلب، ويتولى المجاهدون الهجوم من الجناحين الأيسر والأيمن. وكان رأي بعض قادة المجاهدين في الحروب كعجمي السعدون وغيره، أن الهجوم المباشر على موقع الشعيبة المحصن غير مُجدٍ، بل يجب الاكتفاء بمحاصرته وشنّ الغارات عليه وقطع خطوط مواصلاته(57). ويقال إن الضباط الألمان أشاروا على سليمان بك بمثل هذا الرأي أيضاً إلاَّ ان عناده وغروره منعاه من الاستماع إلى نصائحهم(58).

وفي ربيع تلك السنة كان الفيضان شديداً، وقد حدث انكسار في بعض السدود فغمرت المياه الأرض الواقعة بين البصرة والشعيبة مما اضطر القيادة افنكليزية إلى استخدام الزوارق المحلية في التنقل، وقد اتضح للإنكَليز أخيراً أن اصحاب الزوارق لا يعتمد عليهم عند اشتداد المعارك إذ هم يطلقون سقانهم للريح حالما ينطلق هدير المدافع، وقد اضطر الانكَليز إلى استخدام جنودهم لتجديف الزوارق بدلاً منهم(59).

وفي الصباح الباكر من يوم 12 نيسان 1915م بدأ الهجوم التركي على الموقع الإنكليزي، وقد أبدى الجنود الأتراك في القتال بسالة نادرة، وكذلك أبدى بعض المجاهدين، فهلك من الفئتين عدد كبير، غير أنهم لم يستطيعوا زحزحة العدو من خنادقه.

وكان الشيخ عجمي السعدون من أعظم المقاتلين أثراً في تلك المعركة، فكان من أبرز قادتهم، وغدا أسمه مضرب الأمثال في الشجاعة والشهامة وحيكت حول اعماله اساطير كثيرة لا تزال تتناقل جيلاً بعد جيل، فقد كان يهاجم المفارز البريطانية ولا سيّما الخيالة منهم، فينقض عليها على رأس فرسانه المنتفكين المنتشرين بمسافات متباعدة لتجنب تأثير نار المدافع البريطانية، وكان هؤلاء الفرسان يتجمعون في لحظة الهجوم بإشارة من عجمي، فيهجمون بسرعة البرق الخاطف فيوقعون البريطانيين خسائر فادحة ثم يقودهم عجمي بسرعة مذهلة إلى حيث تبلعهم الصحراء..(60).

واستمرت المعركة يومين دون أن تبدو أية بادرة للغلبة من أحد الفريقين على الآخر، وفي الثالث وصل إلى الشعيبة الجنرال ((مليس)). وكان قد قدم تواً من مصر، فتولى قيادة القوات الإنكَليزية، والمعروف عن هذا القائد انه شجاع إلى حد الطيش فأصدر أوامره إلى الجنود بالخروج من الخنادق والشروع بالهجوم على القوات التركية، ونشب عند ذلك قتال ضار بالسلاح الأبيض كانت فيها الحراب تلمع وهي ملطخة بالدماء من خلال غبار كثيف خانق(61).

ويروي برادون Braddon أن الهود المسلمين الذين كانوا يقاتلون في صفوف القوات الإنكَليزية لم يطيعوا أوامر قائدهم بالهجوم، ذلك لأن دعوة الجهاد كانت قد اثّرت فيهم بحيث جعلتهم يعتقدون أن أرض العراق مقدسة لا يجوز تدنيسها بالهجوم، واضطرّ الضباط الانكَليز أن ينخروا اولئك الجنود بسيوفهم ليدفعوهم نحو الخروج من الخنادق والمشاركة في القتال مع الآخرين(62).

بقي القتال مستمراً طوال ذلك اليوم، وكان النصر فيه معلقاً على شعرة ليناله من يبدي قدراً أكبر من الصمود، وكاد الجنرال مليس يصدر أمره إلى جنوده بالانسحاب، غير انه أجل ذلك ريثما يتم نقل جرحاه إلى المؤخرة، وهنا تدخل القدر حيث ادى ذلك إلى انسحاب الأتراك من المعركة بدلاً من الانكَليز، إذ ان الجنرال مليس أمر ان تكون عملية نقل الجرحى في غاية السرعة، فجاءت سرية النقل بكل ما لديها من عجلات وبغال وقد أثارت غباراً كثيفاً، فظن الأتراك أن هذا الغبار تكوّن من جراء قدوم نجدة كبيرة وصلت الإنكَليز من البصرة، فكان ذلك بالنسبة للأتراك بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فانهارت عزيمتهم، وخارت قواهم وحلّت بهم الهزيمة(63). وكانت اولى بوادرها قد ظهرت في صفوف العشائر، ثم تلاهم الجنود النظاميون إذ أخذوا بنسحبون بلا نظام نحو أدغال البرجسية، ولم يصمد في ساحة القتال سوى ثلة الفدائيين الاتراك، وكان عددهم سبعة واربعين رجلاً، فقد ربطوا ركبهم بالحبال، وقرروا إما النصر أو الموت على أرض المعركة، وقد قتلوا جميعاً فلم ينج منهم أحد(64).

وقد وصف السيد محسن الحكيم الهزيمة التي حلّت بالمجاهدين في الشعيبة، وكان يومئذٍ أميناً لدى السيد محمد سعيد الحبوبي وكلاهما حضرا معركة الشعيبة، فقال: ((إنه لم يعرف الخوف في حياته إلاَّ مرة واحدة، هي في ذلك اليوم حين كانت القنابل تنفجر بين الخيام، وهرب المجاهدون إذ اشيع بينهم أن القائد سليمان العسكري قتل هو وضباطه جميعاً، فانتشرت الفوضى بين العشائر واختل النظام )) وقد ثبت السيد الحبوبي مع ثلة من صحبه فلم يهربوا مع الهاربين، ثم استقر رأيهم اخيراً أن يرسلوا السيد محسن الحكيم على فرس ليمتطيها فلم يتمكن من ذلك، لأن كل واحد من المجاهدين كان محتاجاً إلى فرسه للنجاة بنفسه من هو المعركة، واستطاع السيد أخيراً أن يحصل على فرس وحين ذهب إلى خيمة القائد وجده مكباً على أوراقه، واتضح أن الإشاعة كانت غلطة أو خديعة أدّت إلى الهزيمة(65).

ثم ان سليمان عسكري بك شعر بالعار الذي لحق به، فلم يتحمله إذ قام بجمع الضباط حوله وهو لا يزال في نقالته وأعلن لهم: إن الهزيمة كلها كانت من جراء خيانة العشائر، وانه لن يستطيع أن يحارب مرة أخرى، ثم اطلق نار مسدسه على نفسه، وبذلك كانت نهاية مفجعة لرجل شجاع(66). لدة وصول طلائع الإنكَليز إلى خيمة القائد المنتحر عقب انتحاره مباشرة، أدى الجنود الإنكَليز لجثمانه التحية العسكرية، وأبلغوا قائدهم بذلك، فجاء القائد وحياه ثم أمر بدفنه في احتفال عسكري مهيب(67).

جبهة الحويزة:

أما الجبهة الثالثة فهي الحويزة (عربستان) والتي اطلق الإيرانيون عليها أخيراً اسم (خوزستان) ولهذه المنطقة أهمية كبيرة لدى الإنكَليز إذ كانت المنطقة الوحيدة إلى الشرق الأوسط من حيث احتوائها على آبار ومصافي النفط، وهذا هو الذي دفع الإنكَليز إلى إرسال حملتهم العسكرية الأولى نحو شط العرب بقيادة الجنرال ديلامين، فلقد كان الغرض الأصلي من ارسال تلك الحملة هو حماية مرافق النفط في عربستان وليس لأحتلال البصرة(68).

وقد دعيت هذه الجبهة بـ(الجناح الأيسر) وقد رابط فيها الشيخ مهدي الخالصي وولده محمد والشيخ جعفر الشيخ راضي والسيد محمد الطباطبائي اليزدي، والسيد عيسى كمال الدين كبير علماء الحويزة ومعهم عدد غفير من المجاهدين والعشائر الثائرة(69).

وكان يومذاك الشيخ خزعل هو الحاكم المطلق لتلك المنطقة وإن كان من الناحية الشكلية تابعاً للدولة الإيرانية، وفي 9 تشرين الثاني 1914م حيث كانت البصرة مهددة بالغزو الإنكليزي أرسل بعض علماء النجف إلى الشيخ خزعل برقية نصّها: ((باسم الشريعة المحمدية، يجب عليك النهوض والقيام واتفاقكم مع المسلمين في مدافعة الكفار عن ثغر البصرة بالمال والنفس وبكل ما تقدرون عليه. وهذا حكم ديني لا يفرق بين الإيراني والعثماني. جاهدوا بأموالكم وانفسكم ينصركم الله بحوله وقوته. بلّغ هذا الحكم لجميع العشائر، عرّفونا سريعاً اقداماتكم)).

وقد وقع هذه البرقية الشيخ فتح الله الاصفهاني، والسيد مصطفى الكاشاني، والميرزا مهدي الخراساني، والسيد علي التبريزي، والشيخ محمد حسين المهدي، وفي اليوم نفسه أرسل السيد محمد بن السيد كاظم اليزدي برقية مماثلة إلى الشيخ خزعل(70) فلم يهتم الشيخ خزعل بهاتين البرقيتين، وكان رأيه ان المجتهدين الذين ارسلوهما إنما فعلوا ذلك تحت ضغط من الحكومة التركية، وانه بصفته من رعايا الدولة الإيرانية يجب ان يقف على الحياد(71).

وكان للشيخ خزعل علاقة وثيقة جداً بالشيخ عبد الكريم الجزائري أحد علماء النجف، وكان يعد من مقلديه ومن أشد الناس اخلاصاً له وطاعة لأوامره لهذا كتب الجزائري إليه يأمره بالاشتراك في الحرب إلى جانب الدولة العثمانية وبتجهيز حملة من العشائر لمساعدتها، فأجابه الشيخ خزعل يعتذر عن القيام بذلك ويشرح له موقفه من الإنكَليز حيث يستحيل عليه القيام بوجههم(72)، وقد تألم الجزائري من هذا الجواب وسخط على الشيخ خزعل وقطع علاقته معه، ويقال ان الشيخ خزعل حاول بعد الحرب اعادة علاقته مع الجزائري ولكن الجزائري رد عليه قائلاً: (( فرّق ما بيني وبينك الإسلام !)).

ولكن العشائر العربية تحسست تحسساً قوياً بحركة الجهاد في العراق، ويعلل ذلك الدكتور على الوردي في لمحاته(73) ويرجعه لسببين:

1- إن العشائر العربية كانت تبغض الشيخ خزعل لشدّته في جباية الضرائب ولهذا فهي انتهزت فرصة الجهاد للانتقام منه، فقد كانت حركة الجهاد في نظر تلك العشائر كأنها ثورة عليه.

2- كان السيد عيسى كمال الدين كبير علماء عربستان في ذلك الحين، وهو نجفي من أسرة آل كمال الدين المعروفة، وقد استجاب لدعوة الجهاد بحماس على منوال ما استجاب له زملاؤه علماء النجف، وصار يتجوّل في مدن عربستان وبين عشائرها يحضّهم على الانضمام إلى الدعوة، فأحدث فيهم تأثيراً غير قليل(74).

وفي آواخر كانون الثاني 1915م وصلت من العمارة قوّة تركية بقيادة توفيق بك الخالدي، فعسكرت على ضفاف نهر الكرخة على بعد عشرين ميلاً من بلد الهواز غرباً، ثم جاء على اثرها مجاهدون كثيرون من العشائر العراقية كبني لام برئاسة غضبان البنية، وبنى طرف برئاسة عوفي بن مهاوي وعاصي بن شرهان، وربيعة برئاسة عناية بن ماجد، والزرقان برئاسة قاسم بن علي وجمع كبير من عشائر اخرى، وقد تزعم هذه العشائر العلماء الأعلام المذكورون سابقاً ومعهم الشيخ عبد الكريم الجزائري.

وكان لمجيء هؤلاء المجاهدين اثره في عشائر عربستان، ففي 5 شباط اعلنت عشيرة الباوية التي تسكن إلى الشرق من الأحواز انضمامها إلى حركة الجهاد، وقطعت أنابيب النفط واشعلت النار فيها كما نهبت مخازن الشركة. وفي 25 شباط ثارت عشيرة بني كعب على الشيخ خزعل اتهمته بأنه حليف لبريطانيا ضد الدولة العثمانية المسلمة، وقد سيطرت هذه العشيرة على بلدة الفلاحية، ونصبت عليها حاكماً من العويين اسمه جابر السيد مشعل(75).

تحرّج الوضع في المنطقة بالنسبة للإنكَليز، واعترف الشيخ خزعل انه فقد سيطرته على العشائر(76)، وقد استطاع الشيخ خزعل أخيراً من جمع قواته، فأرسل قسماً منها بقيادة حنظل ابن أخيه نحو عشرية الباوية فدحرها، كما ارسل القسم الآخر بقيادة ابنة الأكبر جاسب نحو عشيرة بني كعب فأنزل بها هزيمة منكرة(77).

وكان الجنرال باريت قد أرسل إلى بلدة الأهواز قوة بقيادة الجنرال روبنسون، وقد وصلت هذه القوة في 15 شباط. وفي ظهر 12 آذار تحرك روبنسون على رأس جنوده قاصداً ضرب القوة التركية التي كانت معسكرة في موضع يقال له ((الغدير)) تحت قيادة توفيق بك الخالدي. وقبل أن تشرق الشمس في اليوم الالي كان روبنسون قد وصل على بعد اربعو اميال من معسكر الأتراك، وأمر بإطلاق مدافعه عليهم، ولكنه فوجئ بجموع من العشائر تنهال عليه من الجابين. انه كان ينوي مباغتة القوة التركية، ولكن العشائر هي التي باغتته. ونشب من جراء ذلك قتال عنيف تكبد فيه الفريقان خسائر فادحة، وشاع الارتباك في القوة الإنكليزية، ولم تتمكن من الانسحاب إلا بصعوبة. وقد غنمت العشائر منها غنائم كثيرة كان من جملتها مدفعان احدهما صحراوي والآخر جبلي(78)، وقد اقترف الأتراك اثناء المعركة غلطة ساعدت القوة الانكَليزية على النجاة، فقد أخذ الأتراك لشدة حماسهم يقذفون قنابلهم على العشائر التي كانت تقاتل معهم(79).

ومهما يكن الحال فإن أفراد العشائر أبدوا في تلك المعركة شجاعة أذهلت الإنكَليز، يقول موبرلي في وصفهم: (( إن لهم مقدرة فائقة على السرعة في التنقل والحركة، ففرسانهم يسبقون فرساننا دائماً، أما المشاة فإن رشاقة أقدامهم تمكنهم من مصاولة افراسنا، وقد شهد ذلك ضابط هندي كان يمتطي مهراً من أمهار البولو، إذ وجد أن أفراد العشار في جريهم على أقدامهم كانوا أسرع منه، ولولا تدخل مدفعيتنا لما استطاع الهرب منهم ))(80).

وعلى اثر انتهاء المعركة أعلن غضبان البنية رئيس بني لام جائزة بمبلغ من الليرات الذهب يدفعها لكل من يأتي برأس رجل بريطاني أو هندي، وقد ادى هذا الاعلان بأفراد العشائر إلى حزّ رأس كل جريح يقع في ايديهم طمعاً بالجائزة(81).

ويروي ويلسن حادثة طريفة نقلها الدكتور الوردي في لمحاته ما ملخصها: (( أن جريحاً بريطانياً أحاط به بعض أفراد العشائر وأفهموه عن طريق الاشارة انه يجب أن يستعد لقطع رقبته، فطلب منهم مهلة ليخلع حذاءه، وظنوا أنه يريد أن يصلي، ولكنه غافلهم وقذف حذاءه في وجوههم، فأطبقوا عليه وقتلوه))(82).

عودة المجاهدين:

بعد أن فرغت قوات الاحتلال البريطاني من محاربة الجناحين جمعت جيوشها ورصّت صفوفها وأخذت تتقدم نحو بغداد، والجيوش التركية النظامية والمجاهدون تنسحب أمامها رغم المقاومات والمناوشات المتبادلة، أما المجاهدون والعشائر التي بصحبتهم فقد عادوا إلى مناطقهم على طريقين، قسم على دجلة وآخر على الفرات ...

وبذلك تغيرت نتائج المعركة تماماً، فبدلاً أن تلحق الهزيمة بالانكَليز، فإنهم تحولوا إلى منتصرين لسوء تقدير قيادة الجيش العثماني. ورغم اخلاص المجاهدين ومواقفهم البطولية، فإن القادة الاتراك لم يحسنوا التعامل معهم في معظم الحالات. فمثلاً قال أحمد بك أوراق أحد قادة الاتراك أمام المجاهدين: (( اننا لو فتحنا الشعيبة والبصرة يبقى علينا واجب ثان وهو فتح العراق وخاصة الفرات أولاً وعشائر شط دجلة ثانياً لأنهم خونة )). فأجابه الشيخ بدر الرميض رئيس بني مالك: (( أنتم الخونة للاسلام، وتحزبكم ضد العرب كاف لمصداق قولي، وانتم بعد هذا أولى بالحرب والقتال ممن نحارب، ولولا فتوى علمائنا لما وجدتمونا في هذه الساحات التي نقاتل فيها ))(83).

لقد كان لنتائج معركة الشعيبة أثرها العميق في نفوس المجاهدين. وقد تسببت في وفاة السيد محمد سعيد الحبوبي كمداً لما شاهده من هزيمة في الوقت الذي كان فيه بالإمكان تحقيق النصر على الإنكليز لولا سوء تقدير وإدارة القيادة العثمانية للعمليات الحربية. لمتكن معاملة الاتراك لقوات المجاهدين ولجهود علماء الدين الشيعة تتمتع باللياقة المطلوبة في ظروف صعبة مثل ظروف الحرب. ورغم ذلك فقد كان اندفاع العلماء قوياً لمواجهة الاستعمار البريطاني باعتباره تحدياً عسكريا يستهدف بلاد المسلمين.

ليس هنا شك في تفاعل العشائر وبقية ابناء الشيعة مع علماء الدين في حركة الجهاد والتصدي للغزو البريطاني بدافع اسلامي واع، غير ان القيادة العثمانية لم تستطع أن توظف الإمكانات الجماهيرية والإخلاص الشيعي في المعركة بالشكل المطلوب فكان سوء ادارتها عاملاً كبيراً في تغيّر موازين الحرب. فمثلاً بعد معركة الشعيبة التي قدّم فيها العلماء والمجاهدون أقصى جهودهم، تعرّضت المدن الشيعية لإجراءات تعسفية من قبل الحكومة العثمانية خلال بحثها عن الفارين من الخدمة العسكرية، وكان الجنود الاتراك بلجؤون إلى ممارسات استفزازية أثارت الاهالي عليهم، مما تسبب في اندلاع ثورات محلية في المدن الشيعية. وقد لجأ الاتراك إلى العنف واستخدام القوة العسكرية.

لكن موقف علماء الشيعة لم يتغير، فقد واصلوا نهجهم في الدفاع عن بلاد المسلمين ضد الغزو الاستعماري البريطاني، وكرروا دعوتهم للجهاد ثانية في تشرين الثاني 1915م/ محرم 1334هـ، وذلك استجابة لطلب الدولة العثمانية، وقد جعلت الحكومة العثمانية هذه الدعوة ذات طابع شيعي بعدما اكتشفت قوة التفاعل الشيعي في النشاط الجهادي المسلح ضد الغزو البريطاني، فجعلت شعارها (العلم الحيدري الشريف) واخذت تبث اخبارها في المدن الشيعية(84).

وقد كان الاندفاع الشيعي هذه المرة قوياً أيضاً، حيث خرج العلماء من مناطقهم على رأس المجاهدين نحو مواقع القتال. كان علماء الدين والمجاهدين يعتمدون على امكاناتهم الخاصة في تغطية نفقات الجهاد، وفي ذلك شاهد كبير على مدى تفاعلهم مع حركة الجهاد وايمانهم العميق بضرورة التصدي للاستعمار البريطاني. فمثلاً قدمت القيادة العثمانية للسيد الحبوبي ألف ليرة لصرفها على شؤونه وشؤون المجاهدين، فرفض ذلك بإصرار قائلاً: (( اني مكلّف بالتضحية في مالي ونفسي، فإذا نفد المال بقيت نوبة النفس، اعتبروني جندياً من الجند آكل مما يأكلون واشرب مما يشربون، وجهاد النفس أفضل، لا، لا أقبل درهماً واحداً وقائد الجيش أعرف بمواقع الصرف، ولا أسمح لكل أحد أن يفاتحني في هذا الشأن ))(85).

وقدمت له الحكومة العثمانية خمسة آلاف ليرة ذهبية كمساعدة له على مواصلة الجهاد، لكنه رفضها وقال: (( ما زلت أملك المال فلا حاجة لي به، وإذا ما نفد فشأني شأن الناس آكل مما يأكلون واشرب مما يشربون(86) )).

والمعروف ان السيد مهدي الحيدري أيضاً لم يأخذ من العثمانيين مساعدات مالية، وهو الذي كان يتزعم المجاهدين في الخطوط الأمامية(87)، ويصرف من ماله الخاص.

إن حضور المجاهدين العراقيين من أبناء العشائر وغيرهم في ساحات القتال تحت قيادة علماء الدين، يكشف عن الوعي العام للشيعة في تشخيص الخطر الذي يتعرض له العالم الإسلامي من القوة الاستعمارية، وهو الموقف الذي سبقته مواقف مماثلة عام 1911م وعام 1912م عندما احتلت روسيا شمال ايران واحتلت ايطاليا ليبيا، فلقد كان علماء الدين وابناء الشيعة يتعاملون مع الحدث من بُعده الإسلامي دون سواه(88).

إن موقف النجف الأشرف تحت قيادة العلماء الأعلام خلال الحرب العالمية الأولى يمثل تجربة غنية في التاريخ الاسلامي المعاصر، ويكشف عن دور العامل العقائدي في تحديد الموقف العام الثابت إزاء الاحداث السياسية، وهذه صفة اتسم بها التاريخ الشيعي على امتداد مراحله التاريخية المختلفة(89).

 

الهوامش

(1) د. توفيق برو: العرب والترك في العهد الدستوري العثماني، ص: 498.

(2) محمد طاهر العمري: مقدرات العراق السياسية، ج1/ ص: 68.

(3) سليم الحسني: دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار، ص: 80.

يقول السفير الألماني فون ونغنايم: ((إن ألمانيا كانت ترمي إلى اثارة العالم الاسلامي على المسيحيين، أي أنها كانت تنوي تسعير حرب دينية للقضاء على سلطة انكَلترا وفرنسا في مستعمراتها الإسلامية كالهند ومصر والجزائر وغيرها. إن تركيا بحد ذاتها ليست شيئاً مهماً، جيشها ضعيف، ولا ننتظر منه أعمالاً مجيدة في ساحات القتال، ولكننا نحن لا نرى في تركيا إلا العالم الإسلامي، فإذا تمكنا من اثارة الرأي الإسلامي العام ضد انكَلترا وفرنسا وروسيا، نكون قد أرغمناهم على طلب الصلح في وقت قريب )).

د. علي الوردي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج4/ ص: 20.

(4) عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين، ص: 254. جاء في رسالة السفير البريطاني في اسطنبول المؤرخة في 25 ايلول 1914م إلى وزير الخارجية البريطاني: (( ... إن على القنصل البريطاني في المدن الشيعية المقدسة أن يؤثر عليهم – أي المجتهدين – بشكل كيّس يجلبهم إلى جانبنا )). د. غسان العطية: العراق – نشأة الدولة، ص: 116.

(5) انظر: حسين خلف الشيخ خزعل/ تاريخ الكويت السياسي.

رياض نجيب الريس / جواسيس العرب.

ستيفن لونكريك / العراق الحديث.

(6) جاء في رسالة السفير البريطاني في اسطنبول المؤرخة في 25 أيلول 1914م إلى وزير الخارجية البريطاني: (( ... إن على القنصل البيطاني في المدن الشيعية المقدسة أن يؤثر عليهم – أي المجتهدين – بشكل كيّس يجلبهم إلى جانبنا )). د. غسان العطية: العراق – نشأة الدولة، ص: 116.

(7) طونزند – تشارل: مذكرات الفريق طونزند، ص: 51.

(8) أحمد الحسيني: الامام الثائر السيد مهدي الحيدري، ص: 29.

(9) د. علي الوردي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج4/ ص: 127.

(10) محمد حسن آل ياسين: مقابر قريش أو الكاظمية، مجلة الأقلام البغدادية، س1/ ع3، 1964.

(11) يذكر د. علي الوردي في لمحاته ج4/ ص: 127: (( ان أهم ما كان يخالج ذهن الحكومة – يقصد العثمانية – يومذاك، هو كيف يمكن تحريض الشيعة للانضمام إلى حركة الجهاد، وكان أول ما فكرت فيه الحكومة في هذا الشأن هو ارسال وفد إلى النجف، ومما يجدر ذكره ان الشيعة لا يجيزون الجهاد إلاَّ إذا كان بأمر أو موافقة من الامام المعصوم، غير انهم يجيزون الجهاد في حالة تعرض البلاد الاسلامية لخطر مهاجمة الكفار لهم، وهم عند ذلك يطلقون عليه اسم (الدفاع) )).

(12) عبد الرحيم محمد علي: الجهاد ضد الانكَليز أو النفير العام 1914م – مخطوط – ضمن موسوعته (فصول من تاريخ النجف)، ج4.

(13) عبد الشهيد الياسري: البطولة في ثورة العشرين، ص: 68 -69.

(14) محمد رضا الشبيبي: في مسيرة النضال – مجلة البلاغ الكاظمية، س4/ع5.

يذكر الدكتور الوردي في لمحاته، ج4/ ص: 128 (( ان علاقة السيد محمد كاظم اليزدي لم تكن مع الاتحاديين حسنة، حيث كان من دعاة (الاستبداد)، بينما هم كانوا من دعاة (المشروطية)، وقد سبق للاتحاديين أن هددوه بالنفي وأثاروا سخطه، ولكن الشيخ حميد الكليدار استطاع أن يقنعه بوجوب نسيان عدائه للاتحاديين باعتبار أن البلاد الإسلامية مهددة بخطر غزو الكفار لهم، فوافق اليزدي.

(15) يذكر الدكتور الوردي في لمحاته، ج4/ ص: 134 (( بانّ المصادر الإنكَليزية اشاعت بأن علماء الدين الذين رفعوا راية الجهاد في العراق ضد الاحتلال البريطاني، لم يقدموا على هذا العف إلاَّ تحت تأثير المبالغ الضخمة التي اعطست لهم من قبل الألمان والأتراك. وينقل موبرلي عن مذكرة للدكتور زغماير – وهو مبعوث ألماني اسره الإنكليز في ايران واستحوذوا على مذكراته – يذكر فيها ان مجتهداً كربلائياً قبض من الألمان مبلغ ألفي باون وسافر إلى كرمنشاه لغرض الدعوة إلى الجهاد هناك،

(Moberly – The Campaign in Mesopotamia), London 1927, Vol.I, Page: 345))

ثم يوضح الوردي: (( نحن لا ننكر أن الحكومة العثمانية قد وضعت تحت تصرف علماء الدين مبالغ ضخمة اثناء حركة الجهاد، ولكننا مع ذلك يجب أن لا ننسى انهم انفقوا تلك المبالغ كلّها تجهيز المجاهدين بالأسلحة والأغذية، أو على تشجيعهم وترغيبهم، ولم يأخذوا لأنفسهم شيئاً، والمعروف عن كبار المجتهدين الذين قادوا حركة الجهاد كالسيد محمد سعيد الحبوبي والسيد مهدي الحيدري والشيخ مهدي الخالصي، انهم لم يكتفوا بإنفاق المبالغ التي وضعت تحت تصرفهم على حركة الجهاد، بل زادوا على ذلك فأنفقوا اموالهم الحاصة أو من الحقوق الشرعية التي كانت تقدم إليهم. وقيل عن الحبوبي بوجه خاص انه كان غنياً له أملاك خاصة فرهنها لكي ينفق منها على المجاهدين. ويضيف الوردي قائلاً: ولكن هذا لا يمنع أن يكون في حاشية العلماء وصغار المعممين من أخذ المال لنفسه على صورة من الصور. وهذا امر طبيعي لابد من وقوعه في مثل تلك الظروف. حدّثني رجل أثق به أنه كان أثناء حركة الجهاد وسيطاً بين القنصل الألماني ببغداد وأحد المعممين، حيث قبض المعمم من القنصل مبلغاً لا يستهان به من الليرات الذهبي، والمظنون أنه وزع جزءاً من المبلغ على المجاهدين ووضع الباقي في جيبه )).

(16) محمد رضا الشبيبي: في مسيرة النضال – مجلة البلاغ الكاظمية، س4/ المسلسل نفسه.

(17) حسن الأسدي: ثورة النجف، ص: 91.

(18) ن. م. وص.

(19) عبد العزيز القصاب: من ذكرياتي، ص: 108 – 112.

(20) حسن الأسدي: ن. م. وص.

(21) ن. م.

(22) عبد العزيز القصاب: من ذكرياتي، ص: 108 – 112. اورد ذكر الشطرين الاولين والرابع.

(23) كاكا أحمد: المقصود به الشيخ محمود الحفيد، وللاستقامة الشعرية ورد/ أحمد.

(24) عطية أبو كلل.

(25) اورد هذه الاهزوجة كاملة السيد ضاحي السيد موسى الحسيني في كتابه المخطوط (الشنافية في التاريخ) ص: 25، نسخة منه مصورة في المتحف الوثائقي لثورة العشرين في النجف. وقد ورد في كتاب (الشنافية) ص: 24 (( أنه قد جرى بين العشائر تفاخر وهجاء في (الهوسات) لدى (المهاويل)، على غرار ما جرى بين عشيرة آل فتلة عند مجيئهم إلى الناصرية وملاحظتهم انهم ما يزالون في مخيمهم، فقال مهوال آل فتلة موجّهاً الكلام إلى أهل الشنافية: (يا لزارع تال اشهالنومه )

فأجابه مهوال الشنافية جرود الكَريطي: (يدوب انتم عطلتونا)

عند سفرهم من الشنافية في السفن الشراعية في 5 محرم سنة 1333هـ إلى الشعيبة كانت امرأة على ضفة النهر تبكي على ولدها وهو محمد بن رعد آل فليفل فخاطبها قائلاً:

ابنج موش ابنج عين امّج ربيتي واخرمتي منّه

(26)د. علي الوردي: لمحاته ج4/ ص: 130، ويذكر فيها: ((إن خصوم الخالصي اتخذوا من هذا الحكم ذريعة للتهجم عليه حيث اعتبروا فتواه تأييداً لما كان الاتراك يفعلون من مصادرة لأموال الناس باسم (التكاليف الحربية) )).

(27) الشيخ محمد الخالصي: بطل الاسلام – مخطوط – نقل عنه الدكتور علي الوردي: لمحاته ج4/ ص: 131.

(28) كان الكَيلاني النقيب من المؤيدين لسياية الأتراك، وكان وقوفه ضد الإنكَليز غضباً للأتراك، إلاَّ انه بنى علاقات جديدة مع الانكَليز بعد دخولهم العراق وحصل على رضاهم واصبح له مركز كبير لديهم استطاع بواسطته الحصول على بعد آماله. وسرعان ما قطع تلك العلاقات عام 1021م لعدم تنفيذ مأربه في تسليمه عرش العراق.

(29) استطاع جميل صدقي الزهاوي أن يكسب الحظوة عند الاتراك، ووقف معهم جنباً إلى جنب في قصيتهم ضد الاحتلال البريطاني، إلاَّ انه فيما بعد أصبح الصديق المخلص للسير برسي كوكس وضباط الجيش المحتل، وله في الطرفين قصائد مدح وثناء.

(30) الوردي: ن. م. ، ص: 131 – 132.

(31) أحمد الحسيني: افمام الثائر السيد مهدي الحيدري، ص: 30.

(32) علي البزركَان: الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية، ص: 50 – 51.

(33) حسن الأسدي: ثورة النجف، ص: 91.

(34) محمد رضا الشبيبي: ن. م.

(35) أحمد الحسيني: ن. م.، ص: 31.

(36) ن. م. ، ص: 33، محمد حسن آل ياسين: ن. م. ، ص: 69.

(37) أحمد الحسيني: ن. م. ، ص: 33، د. الوردي: ن. م. ، ص: 132 – 133.

(38) د. الوردي: ن. م. ، ص: 133.

(39) أحمد الحسيني: ن. م. ، ص: 33 – 34، د. الوردي: ن. م. ، ص: 133- 134.

(40) د. الوردي: ن. م. ، ص: 133 – 134.

(41) محمد حسن آل ياسين: ن. م. ، ص: 69.

(42) أحمد الحسيني: ن. م. ، ص: 35.

(43) عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين، ج8/ ص: 268 – 269.

(44)د. الوردي: ن. م. ، ص: 136 نقلاً عن: Moberly (o. p. cit) Vol. 1, page 345.

(45) محمد طاهر العمري: مقدرات العراق السياسية، ج1/ ص: 102.

(46) د. الوردي: ن. م. ، ص: 125 – 136.

(47) أحمد الحسيني: ن. م. ، ص: 36.

(48) د. الوردي: ن. م. ، ص: 136، الحسيني: ن. م. ، ص: 37، عن معارف الرجال لمحمد حرز الدين، وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، وديوان أبي المحاسن اليعقوبي.

(49) الوردي: ن. م. ، ص: 137 عن: Barker (The Neglected War) London 1967, Page: 65.

(50) Moberly (O.P. Cit) Vol. 1, Page: 162.

(51) تحسين العسكري: الثورة العربية الكبرى، ج1/ ص: 59.

(52) أحمد الحسيني: ن. م. ، ص: 38 – 43.

(53) طونزند: الحرب العراقية، ص: 248/ ترجمة عبد المسيح وزير/ أحمد الحسيني: ن. م. ، ص: 34 / د.الوردي: ن. م. ، ص: 139.

(54) أحمد الحسيني: ن. م. ، ص: 43 – 44.

(55) شكري محمود نديم: حرب العراق، ص: 30.

(56) عبد الرحيم محمد علي: فصول من تاريخ النجف – مخطوط.

(57) شكري محمود نديم: ن. م. ، ص: 31.

(58) محمد طاهر العمري: ن. م. ، ج1/ ص: 106.

(59) العمري: ن. م. ، ص: 46 عن: Russell Braddon: Th sieg – London 1967, Page: 65.

(60) شكري محمود نديم: ن. م. ، ص: 31.

(61) الوردي: ن. م. ص: 146 – 147.

(62). Russell Braddon: Th sieg – London 1967, Page: 65

(63) Ibid., Page: 25 – 26.

(64) عبد العزيز القصاب: ن. م. ، ص: 118.

(65) أحمد الحسيني: الإمام الحكيم السيد محسن الطباطبائي، ص: 76 – 77.

(66) Barker (O.P. Cit) Page: 75.

(67)الوردي: ن. م. ، ص: 148، عن مجلة الأسرار البيروتية عدد 3 آيار 1938.

(68) الوردي: ن. م. ، ص: 140.

(69) عبد الحسين الحلي: شيخ الشريعة الاصفهاني – مخطوط – نسخة مصورة منه في المتحف الوثائقي لثورة العشرين في النجف.

(70) مصطفى عبد القادر النجار: التاريخ السياسي لإمارة عربستان العربية، ص: 202 – 203.

(71) المس بيل: فصول من تاريخ العراق القريب، ص: 7.

(72) جعفر الخليلي: هكذا عرفتهم، جب، ص: 373 – 374.

(73) الوردي: لمحاته، ج4/ ص: 141.

(74) حسين خلف الشيخ خزعل: تاريخ الكويت السياسي، ج4/ ص: 32.

(75) ن. م. ، ص: 258.

(76) Moberly (O.P. Cit.) Vol. 1, Page: 167.

(77) الوردي: ن. م. ، ص: 142.

(78) طه الهاشمي: حرب العراق، ج1/ ص: 118 – 119.

(79) الوردي: ن. م. ، ص: 143 نقلاً عن: Moberly (O.P. Cit.) Vol. 1, Page: 168.

(80) الوردي: ن. م. ، وص. عن/ ن.م .

(81) الوردي: ن. م. ، وص.

(82) الوردي: ن. م. ، وص. عن:

Arnold Wilson (Layalties – Mwsapotamia), London 1936, Vol. 1, Page: 29.

(83) فريق المزهر الفرعون: الحقائق الناصعة في الثورة العراقية لسنة 1920 ونتائجها، 1/ 40.

(84) د. علي الوردي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج4/ ص: 233.

(85) فريق المزهر الفرعون: الحقائق الناصعة في الثورة العراقية لسنة 1920 ونتائجها، 1/ 39.

(86) علي الخاقاني: شعراء الغري، ج9/ ص: 150.

(87) أحمد الحسيني: الامام الثائر السيد مهدي الحيدري، ص: 44.

(88) انظر: سليم حسين: دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار، ص: 103.

(89) انظر: ن. م. ، ص: 108.