دور النجف في الثورة العراقية الكبرى

د. علي باباخان

كاتب وباحث كردي عراقي – فرنسا

 

إضطلعت مدينة النجف الأشرف بدور بارز سياسياً في بداية هذا القرن، بقيادة علمائها ومراجعها الشيعية العليا، سواءً في مقاومة السياسة الطائفية التي كانت تطبقها الدولة العثمانية بحق سكان ولايات البصرة وبغداد والموصل من المذهب الشيعي، أو في الدفاع عن بيضة الاسلام ضد القوات البريطانية الغازية التي نزلت في الفاو في عام 1914م لاحتلال الولايات الثلاثة، ملبيةً في قتالها للبريطانيين، نداء الجهاد الذي اعلنه شيخ الاسلام في استنابول في اليوم السابع من تشرين الثاني عام 1914م، ثم مقاومة الاحتلال البريطاني ونشاطها الفعّال في التهيئة والتوعية لثورة العشرين التي عرفت بالثورة العراقية الكبرى ومشاركتها في أحداثها، تلك الثورة التي رغم فشلها في طرد البريطانيين من العراق، إلاَّ انها جعلتهم يغيرون خططهم حول طريقة حكمهم للعراق وتأسيسهم لدولة العراق الحديثة بعد جلبهم فيصل الأول ليتبوأ عرشها وينتدبونه على مقدّراتها.

وتعزى أهمية النجف السياسية إلى دورها الريادي الذي قدر لها أن تلعبه بعد سقوط بغداد بيد التتار عام 656هـ، لكي تصبح العاصمة الروحية والثقافية للعراق، ومناطق كثيرة في العالمين العربي والإسلامي.

وكان لموقعها الجغرافي على مشارف الصحراء أثر كبير في حماية التراث العربي الإسلامي من التلف والضياع الذي تعرّضت له بغداد، وان تتواصل في نفس الوقت مع القبائل العربية الشيعية التي تسكن منطقة الفرات الأوسط وتؤثر عليهم روحياً وسياسياً.

كما ان وجود مثوى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الإمام الأول للشيعة في أرض النجف، أعطاها مكانة دينية سامية في قلوب المسلمين الشيعة، وأصبحت مزاراً لمئات الألوف منهم سنوياً، وجسدت هذه الزيارات التواصل الزمني والروحي لهذه الجماهير مع الفكر والعقيدة والتراث الديني الشيعي ومع علمائها الأفاضل الذين تعززّت مكانتهم الدينية ونفوذهم السياسي بمرور السنين معهم.

أما ثقافياً، فان هجرة الشيخ الطوسي إليها من بغداد، في القرن الخامس الهجري ( الحادي عشر الميلادي) ايذاناً بتأسيس الجامعة الإسلامية على اسس منظمة، أهلّت مئات الطلاب الوافدين إليها من مختلف انحاء العالم الاسلامي لكي يتلقوا العلم على يد كبار مجتهديها في الحوزة العلمية ولدراسة علوم القرآن والفقه والأصول وآداب البحث واللغة العربية والأدب والبلاغة والفلسفة وعلم الكلام بالإضافة إلى العلوم الطبيعية.

ورغم ان النجف لم تقم بالدور الريادي في الثورة العراقية الكبرى، لتهاون المرجع الشيعي الأعلى محمد كاظم اليزدي مع رموز الحكم البريطاني وعلاقاته الطيبة معهم وتقاعسه عن قيادة الامة(1)، بل غض النظر عما اقترفوه من جرائم بحق أبناء النجف بعد فشل ثورتهم، ثم مفارقته للحياة قبل اندلاع الثورة العراقية الكبرى وانتقال المرجعية إلى الشيرازي الذي انتقل إلى العيش في مدينة كربلاء المقدسة وقيادته المجاهدة للأمة في ثورة العشرين، فأصبحت مدينة كربلاء في زمانه مركز الثورة وقلبها وعقلها المفكر.

إلاَّ انه يمكن القول ان النجف استعادت دورها الطبيعي في قيادة الثورة العراقية الكبرى بعد موت الشيرازي (رحمه الله) وانتقال المرجعية إلى الاصفهاني وقبلها، كانت النجف مهد الثورة العراقية الكبرى، فمنها انطلقت فكرة القيام بالثورة وفيها انتشرت في الفرات الأوسط ثم مشاركتها في الثورة كبقية المدن الشيعية المقدسة.

ان هدف هذا البحث هو لقاء الضوء على هذه الأحداث التاريخية التي قامت النجف بدور أساسي فيها ودراسة هذه الأحداث، لننا سنولي القسم الثالث من البحث أهمية قصوى لتعلقه بموضوع دراستنا الرئيسية. ولهذا ينقسم بحثنا إلى:

1- النجف كمركز ديني وثقافي.

2- النجف من الجهاد ... إلى مقاومة الاحتلال البريطاني.

3- النجف: من الاستفتاء ... إلى الثورة العراقية الكبرى:

أ- أسباب الثورة

ب- النجف مهد الثورة

جـ - اندلاع الثورة في الرميثة

د- اعلان الثورة في النجف

هـ - رجوع الدور القيادي للنجف في الثورة العراقية الكبرى

 

1- النجف: كمركز ديني وثقافي:

تقع مدينة النجف على الطرف الغربي من نهر الفرات، وعلى بعد 160 كيلومتراً جنوب العاصمة العراقية – بغداد. وتُعتبر النجف المدينة الرابعة من بين المدن المقدسة بصورة عامة في العالم الإسلامية بعد مكة والمدينة والقدس.

إلاّ انها تعتبر في المرتبة الأولى من حيث الأهمية من بين المدن المقدسة الشيعية في العالم الإسلامي حيث يرقد في أرضها علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، فهو أول هاشمي يولد من هاشميين، إذ كان بنو هاشم تعودوا أن يصهروا إلى اسر أخرى من قريش، قبل أن يتزوج أبو طالب من بنت عمه فاطمة بنت اسد(2). وعلي بن ابي طالب (عليه السلام) هو الخليفة الرابع والإمام الأول من ائمة الشيعة، فقد ولد في 23 قبل الهجرة وتوفي في 40 هـ (598 – 661م) ولقبه أبو الحسن أو المرتضى أو أمير المؤمنين(3).

ودفن الإمام علي (عليه السلام) سراً في صحراء النجف من قبل أبنائه بعد تعرضه لحادث الاغتيال، خوفاً من بني أمية والخوارج، هو الذي ادى إلى نشوء العمران حول قبره بمرور الوقت وتكوين مدينة النجف لاحقاً، حيث كان يزور قبره الإمام زين العابدين (عليه السلام) ثم ابنه الباقر (عليه السلام)، ثم الإمام الصادق (عليه السلام) مع أتباعه وعامة الشيعة لاحقاً، مما أدى بالخليفة هارون الرشيد أن يبني قبة على قبره الطاهر، ثم من قبل محمد بن العلاقي والي طبرستان الذي وسع العمران حول القبر.

وكانت النجف عبارة عن مجموعة قرى ودساكر يقطنها أناس ينتمون إلى الإمامية، إلاَّ انه يمكن اعتبار عضد الدولة البويهي مؤسس مدينة النجف في سنة 1002م. وكان البويهيون يبتغون من وراء تأسيس النجف خلق عصبية عرقية تحميهم وتكون بمثابة اعتراف باستقلالهم السياسي عن الزيدية، وعملوا جهدهم في تشجيع وإقامة الحفلات الدينية التي تقام إحياءً لذكرى تاريخهم، كإحياء ذكرى استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) الذي بلغ ذروته في عهد الصفويين(4).

وتألق المركز المعرفي للنجف الأشرف بعد تأسيس الحوزة العلمية فيها في منتصف القرن الخامس الهجري على أثر هجرة الشيخ الطوسي إليها من بغداد، لتستقبل طلاّب الدراسات الدينية وفقاً لمنهج الاجتهاد المفتوح، وكان هذا انقاذاً لجزء من الفكر الإسلامي الذي سقط في حمأة الجمود، بعد أن بدأ السلاجقة الأتراك فتح العراق واحتلالهم لبغداد، وقاموا بمطاردة وابادة الفرق الإسلامية، فوضعوا السيف في الاسماعيلية والإمامية والمعزلة، ثم انتقلوا إلى الأشاعرة، وهم فرقة من أهل السنة لكنهم عقلانيون، وحرقوا كتب الفلاسفة والمناطقة والعلماء، ككتاب الشفاء لأبن سينا، وكتاب الهيئة لأبن الهيثم ورسائل اخوان الصفا(5).

ويمكن القول ان النجف، شهدت ابتداءاً من عام 1821م، أعظم عصور ازدهارها العلمي، فشيّدت فيها المدارس الدينية الكبيرة، وصار كل طالب علم في ايران، أو في غيرها من البلاد الشيعية، يطمح أن يهاجر إلى النجف، لكي يكمل دروسه العالية فيها، وقد تجاوز عدد طلابها عشرة آلاف طالب من مختلف الأجناس والدول(6).

وبرز دور مدينة النجف السياسي وتعاظم بعد الاحتلال البريطاني لولايات البصرة وبغداد والموصل حيث أصبح العراق [ نقصد بالعراق: التسمية التي أطلقها الجغرافيون العرب على المنطقة الجنوبية من بلاد ما بين النهرين التي قسموها إلى منطقتين: المنطقة الجنوبية وسموها (العراق) والمنطقة الشمالية وسموها (الجزيرة) وهناك كلمة مرادفة للعراق هي: السواد. ويحدد الأصخري وابن حوقل العراق كما يلي: من تكريت شمالاً إلى الخليج العربي جنوباً، ومن حلوان شرقاً إلى القادسية غرباً، كما انهما يجعلان حديه في القسم الوسطي بين واسط والطيب، وفي القسم الجنوبي بين البصرة وجُبى(7)، أما بالنسبة إلى العراق، فانها كلمة عربية، دخلت في الاستعمال بعد الفتح العربي في القرن السابع الميلادي، وكانت هذه الكلمة قد اطلقت في ذلك الوقت على جزء من الوادي الذي عرف لدى الأقدمين باسم بلاد بابل(8) ] قبل الحرب العالمية الأولى من مناطق النفوذ البريطاني الهامة، لوقوعه على طريق المواصلات البرية الرئيسية إلى الهند، أما أهميته الاقتصادية، فترجع إلى وجود الحقول الغزيرة بالبترول في ولايتي الموصل والبصرة.

وكانت بريطانيا ترغب في البداية باحتلال ولاية البصرة وربطها بالهند، إلاَّ انها بدّلت خططها ووسعت من رغبة أطماعها التوسعية لاحقاً، مما أدى إلى احتلال الولايات الثلاثة.

وانتهزت بريطانيا انضمام الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الأبمان، فنزلت قواتها بقيادة الجنرال ديلامين الفاو في 7 تشرين الثاني عا 1914م، واحتل الجنرال مود، لاحقاً، مدينة بغداد في 19 آذار عام 1917م، وأكمل الجنرال وليم مارشال احتلاله لولاية الموصل في 7 تشرين الثاني عام 1918م. وهكذا أكمل الفتح العسكري البريطاني الذي استغرق أربع سنوات، ما بدأته التجارة والدبلوماسية البريطانية منذ 300 سنة(9).

 

2- النجف: من الجهاد إلى مقاومة الاحتلال البريطاني:

بالرغم من السياسة الطائفية التي كانت تطبقها الدولة العثمانية بحق شيعة العراق، إلاَّ انهم لبوا بقيادة علمائهم، نداء الجهاد الذي اصدره شيخ الاسلام في اليوم السابع من تشرين الثاني عام 1914م، بوصفه الرئيس الروحي الرسمي وصاحب أرفع منصب ديني في الدولة العثمانية، هذا يبيّن حرصهم على الديار الاسلامية وتناسي الخلافات أمام الغزو الاستعماري الكافر.

فحارب المجاهدون الشيعة بقيادة علمائهم الأفاضل، جنباً إلى جنب، مع القوات العثمانية ضد القوات البريطانية التي نزلت في الفاو جنوب البصرة، وكان عدد المجاهدين حسب التقارير التركية، يقدر بـ 18000ألف مقاتل، أما في منطقة القرنة فقدر عددهم بأربعين ألف. توزع المجاهدون على ثلاث جبهات:

القلب: مركز القرنة، يقوده العلماء: مهدي الحيدري، وشيخ الشريعة، ومصطفى الكاشاني، عبد الرزاق الحلو.

الجناح الأيمن: مركزه الشعيبة، يقوده العلماء: محمد سعيد الحبوبي، وباقر حيدر، ومحسن الحكيم.

الجناح الأيسر: مركزه الحويزة، يقوده العلماء: مهدي الخالصي وولده محمد الخالصي، وجعفر الشيخ راضي.

لكن العثمانيين مُنوا بالهزيمة في معركة الشعيبة، وكان السبب الرئيسي لذلك انتحار سليمان عسكري بيك، فراحوا يتهمون العرب بأنهم كانوا سبب الهزيمة.

وكان من جراء الهزيمة أن ثارت النفوس وانتشرت روح التمرد في جميع أنحاء الفرات الأوسط والأسفل، فشعرت القبائل الضاربة في هذه المنطقة، بأنه قد آن الاوان للقضاء على كل حكم أجنبي واحتلال غريب سواء كان ذلك من قبل الأتراك أو الأنكَليز.

كانت مدينة النجف مركز الثورة والهياج في منطقة الفرات، فوصلت أنباؤها إلى بغداد التي بعثت بقوة عسكرية إلى النجف على رأسها عزّت بيك وذلك في الثامن من رجب سنة 1333هـ.

أمّا في النجف ذاتها فإن السلطة التركية والجيش التركي، ضاعفا من ضغطهما على السكان، واتخذوا عدداً من الاجراءات المشددة من فرض الغرامات المالية، ونهب الأشياء الثمينة، ومصادرة الأطعمة وتجديد الطلب في تجنيد الرجال للخدمة العسكرية.

وقد أثارت هذه الاجراءات غضب الأهلين وسخطهم حتى انهم أخيراً قرروا تقبل تحدي الأتراك لهم، فبدأت الاصطدامات واستمرت الحرب واطلاق النار في شوارع النجف بين الأهلين والجيش التركي مدة ثلاثة أيام، استسلم بعدما الجيش التركي وجرد من اسلحته وأفرج عن أفراده ليذهبوا في حال سبيلهم. وكذلك طرد قائمقام النجف التركي. وترأس السلطة الادارية الوطنية المستقلة في المدينة المجتهد الأكبر الذي أدار دفة الحكم قرابة سنتين(10).

وكان اندلاع الثورة في النجف – والنجف مقر الحوزة العلمية لدى الشيعة – ايذاناً باندلاعها، ولكن على مستوى أقل، في كربلاء والكوفة والحلة وطويريج، وطردت من جميعها الحاميات التركية العسكرية والادارات الحكومية.

ولا يتفق العطية حول حكم النجف من قبل المجتهد الأكبر بل يقول: ((وقد ظل الزعماء غير الدينيين للنجف وكربلاء يمثلون السلطة دون منازع في مدتهم حتى آب 1917م حيث كان رؤساء الأحياء الأربعة الأقوياء في النجف وهم: السيد مهدي بن السيد سلمان، والحاج عطية أبو كلل وكاظم صبي من الزكرت والحاج سعد بن الحاج راضي من الشمرت مسؤولين عن الادارة المحلية، إلى أن تم ارسال وكيل بريطاني إلى النجف، وكان هذا بداية النهاية لشهر العسل في العلاقات بين الطرفين، ومرحلة جديدة في الكفاح من أجل الهيمنة على المدن المقدسة الشيعية ))(11).

 

تأسيس جمعية النهضة الاسلامية في النجف:

شحذ العائدون من حركة الجهاد الهمم وضاعفوا من حماسهم للعمل ضد الانكَليز، خاصة بعد سقوط بغداد في 11 آذار 1917م والذي وصفه السيد مهدي الحيدري بانه (( سقوط الإسلام من السماء إلى الأرض )).فاتفق القادة الدينيون وزعماء العشائر على تأسيس حزب لمواجهة الاحتلال البريطاني من خلال مشروع اسلامي يسعى لاقامة حكومة اسلامية، ودعم الجهود الرامية إلى الوحدة العربية المستقلة تماماً عن النفوذ الأجنبي.

وقد وضع هذا المشروع علماء مجتهدون منهم: عبد الكريم الجزائري، محمد جواد الجزائري، محمد علي بحر العلوم ومحمد علي الدمشقي الذين أسسوا لتنفيذه تنظيماً حزبياً وهو حزب النهضة الإسلامي، وأقاموا له هيكلاً ونظاماً داخلياً، وكانت الأحزاب في ذلك الوقت تسمى على الأغلب جمعيات، فغلب عليها هذه التسمية وأصبح معروفاً باسم (( جمعية النهضة الإسلامية )) وكانت هيئتها الادارية تتكون من:

محمد علي بحر العلوم رئيساً

محمد جواد الجزائري عضواً

محمد علي الدمشقي عضواً

عباس الخليلي سكرتيراً عاماً

كما انضم إلى الجمعية معظم رؤساء النجف وزعمائها المحليين عدا ((آل السيد سلمان)) الذين كانوا يعملون مع الأنكَليز، وضمت أيضاً كسبة مثل المدعو ((ابن العيدة)) ((والحاج نجم البقال)) اضافة إلى انضمام بعض رؤساء العشائر إليها كمرزوق العواد ورايح العطية ووادي العلي وسلمان الفاضل. وكان للجمعية جناحان سياسي وعلى رأسه العلماء والمثقفون والشعراء، وعسكري يعتمد الجهاد. قادت جمعية النهضة الإسلامية ثورة النجف في 19 آذار 1918م والتي صادفت الذكرى الأولى لأحتلال بغداد من قبل الانكَليز، فقتل الحاكم السياسي البريطاني: الكابتن مارشال من قبل الحاج نجم البقال وهو عضو في الجناح العسكري اضافة إلى جرح أحد مساعدي الحاكم.

وتحول هذا الحادث إلى انتفاضة شبه شاملة فرضتها ظروف المنتفضين على مدينة النجف، فأدركت السلطات البرطانية خطورة الموقف، فاستعاضت عن اقتحام المدينة واحتلالها عسكرياً بفرض حصار على المدينة من كل الجهات. استمرت الثورة 45 يوماً اشترك فيها الألوف من أهالي النجف، وعن الجانب البريطاني اشترك في القتال وفي الحصار أكثر من ثمانية آلاف جندي.

انتهت الثورة باعدام قادة الجناح العسكري ونجاة سكرتير الجمعية الذي حكم بالاعدام واستطاع الهرب من المعتقل، ونفي تسعون عضواً من أعضائها، منهم تسعة مدى الحياة في الهند حيث قضوا سبع سنوات في المنفى قبل أن يُعفى عنهم. أما البريطانيون فقد قدرت خسائرهم بسبعمائة قتيل، وكان من المتوقع اشتراك عشائر الفرات الأوسط في الثورة وتصبح شاملة إلاَّ ان تسرع الجناح العسكري في اعلان الثورة حال دون ذلك.

ويمكن اعتبار ثورة النجف كأول ثورة لمدينة عربية ضد الاحتلال البريطاني وشنق من أبناء المدينة أحد عشر شخصاً وهم بهذا أول عراقيين يشنقون، وأول مجموعة عراقية تجاوز عددها المائة شخص تساق إلى المنفى وأول سجناء سياسيين يستقبلهم سجن بغداد(12).

ويعزو بعض الكتاب فشل الثورة إلى العلاقات المتينة بين كاظم اليزدي والادارة البريطانية، حيث لم يقرر السير برسي كوكس، ارسال حامية عسكرية إلى النجف، إلاَّ بعد زيارته ولقائه بالسيد اليزدي وكان موقف اليزدي في ثورة النجف واضحاً إلى جانب الانكَليز، فقد كان يلح على ثوار النجف بضرورة التصالح مع الحكومة الانكَليزية، والتوقيع على كتاب موجه للإنكَليز يعبّرون فيه (الثوار) عن أسفهم وندمهم على ما حصل مع اظهار الطاعة لهم(13).

وكان اليزدي قد عبّر عن مشاعر التشفي بالثوار واضحة خلال عدد من المواقف، فقد رفض ان يتشفع عند الانكَليز للشيخ محمد جواد الجزائري، فتم اعتقاله على مرأى ومسمع منه، كما لم يتوسط لأبناء الحاج سعد الحاج راضي الثلاثة المشتركين في الثورة، فتمّ اعدامهم.

ان مواقف اليزدي هذه جعلت المس بيل تقول: (( ان اولئك الذي اشتركوا معنا في الدراما لن ينسوا المساعدة التي تلقيناها من النقيب في بغداد والسيد كاظم اليزدي في النجف )).

 

3- النجف: من الاستفتاء ... إلى الثورة العراقية الكبرى:

فشلت انتفاضة آذار 1918م في النجف لعدم كفاية الدعم الديني من جهة، ولأن البريطانيين اتخذوا من جهة اخرى اجراءات قوية بما في ذلك الحصار الذي اعقبته حملة من الابعادات والاعدامات العامة، ولم تواجه البريطانيين بعد ذلك معارضة تذكر في المدن الشيعية المقدسة حتى استفتاء ويلسون الذي أُجري ما بين أواخر 1918م وأوائل 1919م، عندئذ أضحى الاستقلال هو النداء الذي يلتف حوله المتذمرون.

ففي 30 تشرين الثاني 1918م وصلت إلى ويلسون برقية من لندن ورد فيها ((... وان المطلوب من التصريح (البريطاني والفرنسي) أن تساعد بريطانيا من جانبها على تأسيس حكم محلي في المناطق التي حررتها دون أن تفرض على السكان حكومة لا يرتضونها، ونحن نرغب بوجه خاص أن تزودنا ببيان موثوق يعرب فيه سكان العراق عن رأيهم في هذه النقاط الثلاثة:

1- هل يفضلون دولة عربية تحت ارشاد بريطانيا تمتد حدودها من ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج ؟

2- هل يرغبون في أن يرأس هذه الدولة رجل عربي ؟

3- مَن هو هذا الرئيس الذي يريدونه ؟

وقد جاءت في ختام البرقية هذه العبارة (( في رأينا ان من المهم جداً أن يكون التعبير عن آراء السكان حقيقياً بحيث يمكن اعلانه للعالم بصفته التعبير النزيه عن رأي أهل العراق ))(14) .

لكن ويلسون أراد أن ينتهز فرصة الاستفتاء لكي يثبت لحكومته ان العراقيين يرغبون من تلقاء أنفسهم بالحكم البريطاني المباشر، وهو ما يعتقده بانه الحاكم الأحسن للعراق، وبهذا خالف أوامر حكومته بأن يعبّر السكان عن آرائهم بشكل حقيقي. فاستدعى معظم الحكام السياسيين في الألوية والأقضية ليرشدهم إلى الطريق التي عليهم أن يسلكوها لاستفتاء الأهلين واستحصال الأجوبة التي تُرضي وجهة نظره في السياسة الاستعمارية، وبعد أن زودهم بالاسئلة الثلاثة، طلب إليهم الحصول على مضابط الأجوبة المأمولة(15).

 

الاستفتاء في النجف:

وكانت النجف أيام الاستفتاء تاربعة لما يُسمى بـ((منطقة الشامية والنجف )) التي كان يحكمها الميجر نوربري. وظن الانكَليز ان الاستفتاء في النجف سيجري حسب رغبتهم لعاملين:

أولهما: وجود السيد كاظم اليزدي الموالي لهم.

والثاني: فشل ثورة النجف في ربيع 1918م ضدهم وما حلّ بالقائمين بها من عقوبات رادعة، ظانين ان هذه العقوبات قد أرهبت ليس فقط أهل النجف، بل العشائر المجاورة لها وأنهم لا يجرؤون على القيام بأية حركة معارضة لهم بعد ذلك.

وقد ارتأى ويلسون ان يجعل من النجف اولى المناطق التي يجري فيها الاستفتاء لكي تكون النتيجة ( والتي كان يعتقدها في صالحه ) قدوة للمناطق الأخرى، لما للنجف من أهمية دينية بالغة للشيعة، حيث توجد فيها الزعامة الدينية وبالتالي فان التأثيرات السياسية للإستفتاء على جميع المناطق الشيعية في الفرات الأوسط ستكون فعّالة ومؤثرة.

تقرر أن يجري الاستفتاء في النجف قي 13 كانون الأول 1918م، فوصلها ويلسون بالطائرة عصر 11 كانون الأول، وفي اليوم التالي اجتمع بالمرشد الشيعي الأعلى كاظم اليزدي في بيته في الكوفة، وفي تقرير سرّي ذكر ويلسون ان السيد كاظم اليزدي قال: (( اني اتكلم بالنيابة عن اولئك الذين لا يستطيعون أن يتكلموا عن انفسهم، ان الحكومة مهما فعلت، فإنها ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح الشيعة وخصوصاً الجماهير التي لا تحسن التعبير عن نفسها والتي لا معين لها، فهؤلاء الناس ليسوا متمدنين، وإذا نُصب عليهم موظفون عرب، أدّى ذلك إلى الفوضى، إنهم لم يتعلموا النزاهة بعد، وإلى أن يحين الوقت الذي يتعلمون فيه النزاهة، يجب أن يظلوا تحت سلطة الحكومة، وليس هناك رجل يمكن أن يقبل به الناس أميراً ))(16).

ثم عقد اجتماع في اليوم المحدّد للإستفتاء – أي في 13 كانون الأول – بين ويلسون، يرافقه نوربري، ومجموعة كبيرة من رجال النجف في دار الحكومة الواقعة خارج سور النجف، فسأل ويلسون الحاضرين وكان من بينهم: عبد الكريم الجزائري ومحمد جواد الجواهري ومحمد رضا الصافي وعبد الرضا الشيخ راضي ورضا الشبيبي وباقر الشبيبي وعباس الكليدار وهادي النقيب وهادي زوين ومحسن أبو طبيخ ونور الياسري وعلوان الياسري ومجبل الفرعون وعبد الواحد الحاج سكر ومحمد العبطان وشعلان الجبر وعبادي الحسيني وعلوان الحاج ولفتة الشمخي ومرزوق العواد وسرتيب المزهر وغيرهم قائلاً: هل ترغبون في حكم بريطانيا؟ أم تريدون حكومة وطنية عربية؟ عرّفونا رأيكم(17).

فأجاب السيد هادي النقيب على سؤال ويلسون قائلاً: (( نحنُ لا نريد ولا نرضى بسوى بريطانيا لأنها عادلة ومنصفة وكثرت الفلوس عندنا )). فرد عليه عبد الواحد الحاج سكر قائلاً: (( بل نريد حكومة عربية وطنية )).

وأيده رضا الشبيبي قائلاً: (( ان العراقيين يَرَون من حقهم ان تتألف حكومة وطنية مستقلة اسقلالاً تاماً، وليس فينا من يفكر في اختيار حاكم اجنبي )).

فاغتاظ ويلسون من هذا الجواب الذي لم يكمن يتوقعه، وسأل الحاضرين ان كان هذا رأيهم؟ فتكلّم السيد علوان الياسري قائلاً: ((لما كان المدعوون غير مسبوقين بالموضوع، فهم يرجون إمهالهم إلى الغد لدرس الاسئلة الثلاث، وتوحيد الأجوبة عليها، وذلك بعد الاتصال بالعلماء وبقية الرؤساء )).

فوافق ويلسون على هذا الرأي، على ان ترسل الأجوبة إلى بغداد بواسطة الميجر نوربري، وذهب المجتمعون إلى كاظم اليزدي لأخذ رأيه حول هذا الموضوع، فتعجب مما سمعه قائلاً: (( ان ويلسون كان قد رآه من قبل مدة ولم يخبره بهذا الموضوع )).

ثم نصح اليزدي الحاضرين بعقد اجتماع عام يحضره الجميع من جميع الطبقات للبت في هذا الموضوع الهام. وبالفعل عقد اجتماع عام في بيت الشيخ محمد جواد الجواهري، حضره أكبر عدد ممكن من الناس، فتفاوتت الآراء، فمن قال: بالالتحاق بايران، وفئة ثانية طالبت بأمير غير عربي، وفئة ثالثة بالجمهورية، ورابعة بأمير عربي، وخامسة بالحكم البريطاني المباشر.

فاحتكم الحاضرون إلى رأي اليزدي وهو المرجع الشيعي الأعلى، لمن آمالهم خابت، عندما سمعوا اليزدي يقول: (( انا رجل لا أعرف السياسة، بل أعرف هذا حلال وهذا حرام )). وبعد الإلحاح عليه، قال لهم: (( اختاروا ما فيه صلاح للمسلمين ))(18).

وقد اعتبر هذا الموقف من قبل اليزدي، تأييد لموقف الموالين للحكومة، فتمكن السيد هادي النقيب من تنظيم مضبطة تحمل 21 توقيعاً من وجهاء النجف وتجّارها بالإضافة إلى توقيعه يطلبون فيها الحكم البريطاني المباشر.

لكن مضبطة ثاني، نظمت من قبل المعارضين للحكومة البريطانية، وقعها عشرة اشخاص طالبوا فيها إقامة حكومة مستقلة تحت رئاسة أمير عربي، وعموماً فان البريطانيين وجدوا بعض المعارضة في مدن لنجف وكربلاء والكاظمية وبغداد، أما المدن الأخرى فقد أجمع وجهاؤها ورؤساؤها على المطالبة بالحكم البريطاني المباشر وفق ما أراده ويلسون وأعوانه.

وكان من نتائج الاستفتاء نشوء الحركة الوطنية في العراق وهي الحركة التي تبناها المعارضون للحكم البريطاني واتخذوا من فكرة الاستقلال شعاراً لهم.

كما ان مقررات سان ريمو التي اعلنت في أوربا في 25 نيسان عام 1920م قد قضت بأن يكون العراق وفلسطين تحت الانتداب البريطاني. فعمت على أثرها من قبل رجال الحركة الوطنية في بغداد وكربلاء، المطالبة السلمية بالحرية والاستقلال كما وعد بها الانكَليز.

ولم تظهر فكرة الثورة المسلحة إلاَّ لدى بعض سادة العشائر ورؤسائها في الفرات الأوسط وخاصة في المشخاب، فهم أول من نادوا بها. إلاَّ أن مدينة النجف كانت البؤرة الحقيقية للثورة .. ومهدها ومركز دعوتها .. وانتشارها في بقية الأنحاء.

أ- أسباب الثورة

لقد كتبت البحوث العديدة حول أسباب الثورة إلاَّ أن مجتهدي الشيعة، قاموا بدور بارز فيها، كما ان ازاحة البريطانيين للزعماء التقليديين جعل هؤلاء يعادون الانكَليز، وكذلك مطامع المشيخة المحلية، أو التنازع على المشيخة والامتناع عن دفع الضرائب وشدة النفور من الحكومة والحماسة والدعاية القومية الممولة تمويلاً حسناً (حسب رأي لونكَريك) وتبعثر القوات البريطانية واعادة توزيعها(19).

إلا ان العطية، اضافة إلى العوامل السالفة الذكر يذكر (( الأزمة الاقتصادية في النجف الناشئة بسبب انقطاع النجار، وهي الأزمة التي بدأت خلال الحرب ولكنها استمرت بسبب انهيار الأنماط التجارية التقليدية، كما كانت التطورات السياسية في بغداد، والحوار الجاري بين بغداد والمدن الشيعية المقدسة من الأمور الهامة أيضاً، بل كانت من المفارقات أن تُتيح وفاة اليزدي فرصة لالتقاء السنة والشيعة، فقد كانت تعقد الاجتماعات في المساجد السنية والشيعية وذلك لتأبين اليزدي في الظاهر، لكنها تعقد في الواقع لأغراض سياسية، فضلاً عن ذلك فقد غدت الكاظمية وهي المركز الشيعي المقدس في مشارف بغداد، حلقة وصل فعالة بين بغداد والمراكز الشيعية الرئيسية، كذلك اثرت التطورات السياسية في ايران بالأحداث الجارية في أماكن العتبات المقدسة، ومع ان ايران لم تشترك ابداً في الحرب العالمية الأولى، فان كلاً من بريطانيا وروسيا وألمانيا وتركيا، فقد أرسلت قواتها إليها للسيطرة على قسم منها، وكان تعاطف الشيرازي وأتباعه مع الوطنيين الايرانيين قد شجعهم على الترحيب، بأية حركة قد تحرج الانكَليز في العراق وذلك كوسيلة لتخفيف الضغط البريطاني عن ايران ))(20).

ويضيف اسحق نقاش، أسباباً اخرى لما ذكر سالفاً، قائلاً: (( وتأثر قرار المجتهدين بدعم الثورة تأثراً شديداً بالسياسات البريطانية في ايران والعراق، حيث كانت تشكل خطراً على الموقع الاقتصادي – الاجتماعي لمجتهدي الشيعة، واعتبروا النفوذ البريطاني المتزايد في شؤون ايران السياسية والاقتصادية خطراً يهدد وضعهم ذاته الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على التبرعات المقدمة من ايران، كما سعى البريطانيون في مرحلة مبكرة من الاحتلال إلى (تنظيم) تدفق التبرعات الخيرية الايرانية وكذلك تدفق الزوار وحركة نقل الموتى إلى مدن العتبات المقدسة، ولو نجح البريطانيون في السيطرة على مصادر الدخل هذه، لفقد المجتهدون الكثير من استقلالهم ونفوذهم بين السكان المحليين، كما نظر المجتهدون إلى وقوع العراق المسلم تحت احتلال المسيحيين الكفّار، على انه بادرة تنذر بانهيار الحضارة الإسلامية، وكان هدف المجتهدين من الدعوة إلى الثورة إقامة حكومة اسلامية في العراق متحررة من السيطرة الأجنبية ))(21). وكان المجتهدون قد عبّروا عن الرغبة في إقامة حكومة اسلامية في استفتاء عام 1919م.

ب- النجف مهد الثورة: من الدعوة إلى اعلان الثورة

اتفقت الآراء على ان أول من نادى بالثورة المسلحة في الفرات الأوسط هو السيد علوان الياسري، وان أول من أيده في ذلك هو السيد محمد رضا الصافي(22) وكان كره السيد الياسري للإنكَليز قد اشتدّ عندما رأى حاكم أبو صخير البريطاني يُهين رجلاً من الوجوه ويطرده من أمامه ذليلاً.

واجتمع الياسري والصافي في ربيع عام 1919م في النجف الأشرف، حيث قرروا ان الوقت قد حان للعمل والتضحية لاستخلاص البلاد من الانكَليز ونشر الحركة واقناع من يجدون فيه اللباقة. وأول من وقع عليه اختيارهم هو الشيخ عبد لالكريم الجزائري. وقد أخذ الياسري الذي عرف بالدهاء والمقدرة الفائقة على الاقناع، منذ ذلك الحين يَبُثُ دعوته الثورية بين شيوخ العشائر، وصارت الدعوة تنمو بمرور الأيام. وتعززت دعوة الياسري بانضمام قاطع العوادي وهو من السادة والشيخ شعلان الجبر، رئيس آل ابراهيم، إلاَّ ان الأهمية البالغة لانضمام السيد نور الياسري – الذي كان ذات قدسية خارقة لدى العشائر، وهو ابن عم السيد علوان الياسري لكنه اكبر منه سناً – إلى الدعوة إذ كان ذا أثر بليغ. أما انضمام عبد الواحد الحاج سكر، الرئيس الأكبر لعشيرة آل فتلة، فكان ذا اهمية بالغة أيضاً.

وكان لتبوّء الشيرازي، كمجتهد أعلى للحوزة الدينية، بعد موت اليزدي في مساء اليوم الثامن والعشرين من شهر رجب سنة 1337هـ، أهمية بالغة حيث اشتد وهج الثورة لاحقاً.

وكان اجتماع السادة: علوان الياسري والسيد نور الياسري وعبد الواحد الحاج سكر، في ظهر يوم من أيام تموز 1919م في سرداب آل شلاش في النجف الأشرف، انطلاقة فعالة للدعوة، حيث بعثوا الشيخ رضا الشبيبي الذي سافر إلى الحجاز لمقابلة الشريف حسين، يذكرون في رسالة معه، انهم اختاروا أحد أنجاله لعرش العراق بالرغم من معارضة السلطة الانكَليزية لذلك. وهم لذلك يطلبون مساعدته في تحقيق هذا الهدف، وكانت المضبطة قد وقع عليها، اضافة إلى الأشخاص الثلاثة، أشخاص آخرون من كربلاء والنجف وغيرهما، اضافة إلى ان الشبيبي حمل رسالة شخصية من الشيرازي إلى الشريف حسين.

قفي 8 آذار من عام 1920م قرر العراقيون المتواجدون في دمشق، اعلان استقلال العراق ومبايعة عبد الله ملكاً عليه، وكان الشبيبي من جملة المشاركين في هذا الأمر، انتهز السيد علوان الياسري، في نيسان عام 1920م، فرصة زيارة المبعث التي تحل في 27 رجب لعقد اجتماع في داره في النجف، لعدد من رجال الدين ورؤساء العشائر، اضافة إلى الميرزا محمد رضا الشيرازي، الذي اصبح لاحقاً لولب وقطب الحركة الإسلامية في كربلاء، يؤيده في ذلك، والده بعد تأسيس ((الجمعية الإسلامية)) التي قامت بدور فعال في جهاد الشيعة في مدينة كربلاء وغيرها من المدن(23).

وطرح في الاجتماع فكرة القيام بالثورة المسحلة على الانكَليز. وكانت هذه أول مرة تطرح فكرة القيام بالثورة المسلحة، فجرى بحثها في نقاش، وانقسم الحاضرون حول مؤيد ومعارض.

وكان على رأس المعارضين خيون العبيد. معللاً ذلك بصعوبة قيامها في الوقت الحاضر، لأن العراقيين يختلفون في الرأي، معطياً مثالاً لعشائر المنتفك والغراف الذي هو منهم. وكان لكلام الخيون أثره في الحاضرين، فتمّ الاتفاق أخيراً على تأجيل القيام بالثورة في الوقت الحاضر وعلى العمل في التمهيد عن طريق التوعية الدينية والوطنية والبدء بحركة العصيان المدني عن طريق اقرار الامور الآتية:

أولاً: تأسيس جمعية باسم الجمعية الاسلامية، مركزها كربلاء ولها فروع في كل انحاء العراق ويرأسها الميرزا محمد تقي الشيرازي.

ثانياً: توزيع منشور بتوقيع الشيرازي يأمر بالوحدة وجمع الشمل والتساند في كل المهام.

ثالثاً: جعل يوم الجمعة، يوم الشعب، تعطل فيه المكاسب ويترك البيع والشراء، وتنصب فيه المنابر في الساحات العامة، ليتبارى الخطباء فوقها بما يستلزم الاثارة والتحضير(24).

ج- اندلاع الثورة المسلحة في الرميثة:

كان لاندلاع الثورة المسلحة في الرميثة عدة اسباب اخمها: اعتقال ابن الشيرازي الميرزا محمد رضا من قبل الانكَليز ونفيه خارج العراق حيث اتهم من قبل الانكَليز وبالأخص ويلسون بأنه منبع الحركات المناوئة للانكَليز في منطقة الفرات الاوسط، اضافة إلى الحوادث التي اندلعت في منطقة دير الزور وواقعة تلعفر. أما شرارة الثورة الأولى، فانها جرت بسبب توقيف رئيس عشيرة الظوالم شعلان ابو الجون، من قبل الضابط البريطاني هيات، معاون الحاكم السياسي في الرميثة، فاقتحم عشرة رجال أشداء من افراد قبيلته مكان حجزه وحرروه، بعد قتلهم الشرطيين.

وظلت عشائر الرميثة تقاتل وحدها القوات البريطانية بدون ان تسرع إلى نجدتها العشائر الأخرى وكان ذلك مثال ألم شديد للامام الشيرازاي في كربلاء والمجتهدين الآخرين في المدن المقدسة، مما ادى بالشيرازي إلى بذل الجهود الحثيثة لوقف القتال، فأرسل لهذا الغرض، وفداً إلى ويلسون في بغداد مكوناً من السادة: هبة الدين الشهرستاني، والميرزا أحمد الخراساني(25).

إلا ان هذه الجهود المحمودة لوقف القتال قد فشلت، مع اشتدادها في جبهات القتال في الرميثة، مما ادى بالشيرازي إلى اصدار فتوى سُميت ((بالفتوى الدفاعية )) وهذا نصها: ((مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم، رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية، إذا امتنع الانكَليز عن قبول مطاليبهم )).

وكان لهذه الفتوى الأثر البالغ سواءً في اثارة مشاعر قبائل الفرات الاوسط، أو المدن المقدسة، مما ألهب لهيب الثورة وزاد من اتساعها وضراوتها، فشملت مناطق عديدة مثل المشخاب والشامية وغيرها.

د- اعلان الثورة في النجف:

إنسحب الانكَليز من النجف في ليلة 28 شوال 1338هـ، الموافق 15 تموز 1920، وذلك على أثر احساسهم بغليان الثورة في الفرات الأوسط، فلم يبقَ من الحامية الانكَليزية في البلدة سوى قوة رمزية، مؤلفة من بضعة أفراد من الشرطة الايرانيين ومعهم حميد خان، معاون الحاكم السياسي في النجف والمعين من قبل الانكَليز منذ 11 آب 1917م. وكان الحادث الذي جرى في 21 تموز، بداية لاعلان الثورة، حيث قتل أحد افراد الشرطة رئيسه على مشهد من الأهالي وأعلن على انه قتله بدافع الوطنية والذود عن حرمة الاسلام.

فانتهز الأهالي هذه الفرصة ونهبوا السراي، واستحوذوا على مائتي بندقية وزّعوها على محلات النجف الأربع، واستولوا كذلك على دور الحكومة وأموالها غير انهم احتفظوا بما وجدوه من السجلات، كما حافظوا على أثاث المدرسة، وكذلك على المستشفى، وأكرموا الطبيب الهندي الذي كان يعمل فيه(26).

وصارت النجف، بعد اعلان الثورة فيها، تحكم نفسها بنفسها على الطريقة العشائرية، كما تمّ انشاء حكومة مؤقتة من قبل التجفيين للنظر في الشؤون العامة التي تتصل بالثورة.

هـ - رجوع الدور القيادي للنجف في الثورة العراقية الكبرى:

استقر الرأي في النجف، على مبايعة الشيخ فتح الله الاصفهاني، على أثر موت الشيرازي في 17 آب من عام 1920، ليكون خليفته في الاشراف على الثورة. وأخذت النجف منذ ذلك الوقت، على عاتقها الدور القيادي في الثورة محاولة الحفاظ على زحم الثورة بين عشائر الفرات الاوسط.

وانتهز ويلسون فرصة وفاة الشيرازي وانتقال المرجعية إلى الاصفهاني، بمحاولة عرض الصلح عليه، وكانت المحاولة عبارة عن رسالة موجهة من ويلسون إلى الاصفهاني، مؤرخة في 27 آب 1920م، طبعت الحكومة منها آلاف النسخ، وألقتها بالطائرات على مختلف مناطق الثورة، كما نشرتها في الجرائد التابعة لها في بغداد والبصرة والموصل.

وقد استدعى الاصفهاني حاشيته ومستشاريه للمداولة في هذا الأمر، فانقسموا إلى فريقين، فريق يستحسن المفاوضة مع الانكَليز ويرى ان الثوّار قد نفد ما لديهم من ذخيرة وان الايمان وحده لا يكفي تجاه الجيوش الجرارة.

والفريق الثاني كان يرى ان مفاوضة الانكَليز لا فائدة منها، ومن الأفضل أن تخفق الثورة ويعرف الناس، انها أخفقت بسبب نفاد السلاح والذخيرة وهذا خير من الرضوخ والاستسلام ولتسمع الدول احتجاجات الثوار. وكانت الغلبة للفريق الثاني، واستقرّ الرأي على أن يكون الرد على ويلسون باسلوبين: أحدهما بشكل رسالة موجهة إلى ويلسون من الاصفهاني وهي تعلن الرفض باسلوب معتدل يناسب مقام الاصفهاني. والثاني بشكل بيان عام مكتوب باسلوب شديد اللهجة.

وعندما وصل خبر قرار رفض الصلح الذي اتخذ في النجف، إلى الرؤساء الذين كانوا في جبهات القتال، انقسموا بدورهم إلى قسمين، فريق رضي بالقرار وأيده تأييداً قوياً، أما الفريق الثاني فقد امتعضوا لأنهم لم يُستشاروا في هذا الأمر، وهم الذين يعانون ضراوة القتال ويتكبدون خسائره.

لكن الجميع اتفق على تنظيم مضبطة يوقعون عليها جميعاً ويوجهونها إلى الدول الحرة، يشرحون فيها حالهم، ويضعون اللوم في اندلاع الثورة على ضباط الانكَليز، مؤكدين انهم لا يطالبون بغير الاستقلال والحرية وهم يرجون من الدول الحرة مساعدتهم في ذلك.

وقد تمَّ تنظيم المضبطة في 1 محرم 1339هـ، الموافق لـ 15 أيلول 1920م وهذه المضبطة وقعت من قبل 73 رئيساً، اضافة إلى شيخ الشريعة الاصفهاني(27). ولم يتمكن البرطانيون من اخماد الثورة والقضاء على قوة العشائر والسيطرة على الفرات الأوسط والأسفل – العمود الفقري للثورة – إلا في اكتوبر / تشرين الأول.

يقول النقاش حول ثورة العشرين (( وكانت حصيلة الثورة بعيدة عن خدمة الأهداف التي توخاها المجتهدون الشيعة، فلقد انتهى التحالف الذي قام لفترة وجيزة بين المجتهدين والشريفيين، وفشلت خطة المجتهدين لطرد البرطانيين والسيطرة على شؤون العراق ))(28).

وكتب مسؤول بريطاني في تلخيص الثورة (( ان على الأجيال اللاحقة من ساسة العراق (السنية) أن يقدروا الجميل الذي يدينون به للبريطانيين في انقاذهم من النجف (الشيعية) ))(29).

وقد سُئل أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني، ونستون تشرشل عن سبب نشوب الثورة في الرميثة فأجاب (( انه من المرجع أن تكون أسباب الثورة التي قامت في الرميثة ضد البريطانيين، اهتياج أو اثارة دينية مصدرها النجف ))(30).

وبعد اخماد الثورة، أخذت الماكنة البريطانية التي تولى قيادتها السير برسي كوكس، بعد استدعاء ويلسون، تمهد الأرض ... لتتويج فيصل ملكاً على العراق.

 

 

الهوامش

(1) لقد ورد في البحث وصف السيّد اليزدي بما يتردد في بعض الأذهان من كونه من أصدقاء الإنكَليز، والعجب ان يُستند إلى ما تقوله المس بيل في حقه، وما هي إلاَّ جزء من مجموع يهدف إلى تشويه صورة المراجع. وواقع الحال ان ما قام به السيد اليزدي كان نابعاً من رأيه في عدم جدوى المقاومة لاختلال التوازن، ولا يمكن أن يعني ذلك تبعيته لهم، وأدل دليل على ذلك خطبته التي ألقاها وألهب الناس وارسال ولده السيد محمد لينوب عنه في حث العشائر على الجهاد. وللوقوف على موقفه راجع بحث ((حركة الجهاد وموقف النجف ضد الغزو الاجنبي للعراق)) لكامل سلكان الجبوري وبحث ((دور النجف في الثورة العراقية الكبرى عام 1920م)) لمحمد صادق بحر العلوم المنشورين في هذا الكتاب. [اللجنة].

(2) الشرقاوي، عبد الرحمن: علي امام المتقين، مؤسسة الوفاء – بيروت 1985م، ص: 12.

(3) باباخان، علي: تهجير شيعة العراق 1970 – 1990م (باللغة الفارسية)، 1994م، ص: 27.

(4) النفيسي، عبد الله: دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، دار النهار للنشر، بيروت 1986م، ط2، ص: 47.

(5) العلوي، حسن: الشيعة والدولة القومية في العراق، مطبوعات cedi ، فرنسا 1989م، ص: 21.

(6) الوردي، علي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، واركوفان للنشر، بيروت، 1992م، ط2، الجزء الثالث، ص: 78.

(7) الدوري، عبد العزيز: تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، دار المشرق – بيروت 1986م، ص: 18.

(8) فوستر، هنري: نشأة العراق الحديث، ترجمة سليم طه التكريتي. ج1، الفجر، ط1، ص: 13.

(9) العكام، عبد الأمير: الحركة الوطنية في العراق 1921 – 1933م، مطبعة الآداب – النجف الأشرف 1975م، ص: 21.

(10) النفسي، عبد الله: دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، دار النهار للنشر – بيروت 1986م، ط2، ص: 91.

(11) العطية، غسان: العراق نشأة الدولة، دار اللام – لندن 1988م، ص: 120.

(12) العلوي، حسن: الشيعة والدولة القومية في العراق، مطبوعات cedi، فرنسا 1989م، ص: 91.

(13) الاسدي، حسن: ثورة النجف، وزارة الاعلام – بغداد 1975م، ص: 293.

(14) Wilson (Loyalties) – London, 1936, Vol 2, page: 110 – 111.

(15) الحلي، عبد الرزاق: تاريخ العراق السياسي، مطبعة دار الكتب – بيروت 1983م، ج1/ ص: 127.

(16) Atiyah (Iraq) – Bairut, 1973, Page: 273.

(17) فريق المزهر الفرعون: الحقائق الناصعة، بغداد 1952م، ص: 75 – نقلاً عن: الوردي، علي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الخامس، ص: 70.

(18) فريق المزهر الفرعون: الحقائق الناصعة، بغداد 1952م، ص: 78.

(19) لونكَريك، ستيفن همسلي: العراق الحديث في سنة 1900 – 1950، ج1/ ص: 199، ترجمة سليم طه التكريتي، ط1، منشورات الجمل – بغداد 1988م.

(20) العطية، غسان: العراق نشأة الدولة، دار اللام – لندن 1988م، ص: 421 – 423.

(21) نقاش، اسحاق: شيعة العراق، ترجمة عبد الإله النعيمي، منشورات المدى – بيروت 1996م، ط1، ص: 129.

(22) الوردي، علي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، واركوفان للنشر، بيروت 1992م، ط2، الجزء الخامس/ ص: 116.

(23) بابا خان، علي: لمحات من تاريخ كربلاء المعاصر (1914 – 1923): دور كربلاء في تأسيس الدولة العراقية، نشر في كتاب: دراسات حول كربلاء ودورها الحضاري، مؤسسة الزهراء – الكويت، ص: 534.

(24) الشرقي، علي: الاحلام – بغداد، 1963، ص: 108/ نقلاً عن الوردي، علي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الخامس، ص: 126.

(25) باباخان، علي: لمحات من تاريخ كربلاء المعاصر (1914 – 1923): دور كربلاء في تأسيس الدولة العراقية، نشر في كتاب: دراسات حول كربلاء وجورها الحضاري، ص: 553.

(26) محمد علي كمال الدين (معلومات ومشاهدات)، بغداد، 1971م، ص: 82 – 84/ نقلاً عن الوردي، علي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الخامس، ص: 306.

(27) الوردي، علي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الخامس، ص: 127.

(28) نقاش، اسحاق: شيعة العراق، ترجمة عبد الإله النعيمي، ص: 127.

(29) Administration Report of the Mantafiq Dirision, 1920, co 69613. نقلاً عن: نقاش، اسحاق: شيعة العراق، ترجمة عبد الإله النعيمي، ص: 141.

(30) النفيسي، عبد الله: دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، ص: 137.