دور النجف في الثورة العراقية الكبرى عام (1920م)

والانتفاضات الوطنية الأخرى

السيد محمد صادق بحر العلوم

مؤسس الجمعية العراقية الإسلامية في امريكا

مقدمة:

خلال مطالعاتي للتأريخ السياسي وما تتناقله كتب المؤرخين من أهمية لثورة العشرين التي قادها جهابذة العلماء في مدينتي النجف الأشرف وكربلاء حيث نزل إلى ميدان الجهاد معظم عشائر الجنوب، بقيادة العلماء، واستمر هذا العطاء بثورات وحركات لم يهدأ العراق معها حتى يومنا هذا. ويصب معظم هذا التعرض السلبي على رأس شيعة العراق بالذات نتيجة موقفهم المبتني على الاصرار حتى رفع مظلوميتهم في مواقع الدولة العراقية.

وبالرغم من أنَّ التاريخ لم يكن منصفاً ولم يكن أميناً في معظم نقله، لما يتخلله من شغب الرواة والمتحدثين بما يمثل مصالحهم وتعكسه نفوسهم في كتابة الواقع الحقيقي للأحداث، إلاَّ اننا نرى مع كل هذه المظلومية ان الكثير من الكتاب أعطو الأغلبية لسكان العراق وهم ((الشيعة)) حق ثورتهم وامتدادها حتى ونحن على أبواب القرن الجديد، وربما كان عهد صدام التكريتي أشد وأقسى ظرف يمر على شيعة العراق خاصة وشعب العراق عامة، قناعة منه فانه يستطيع أن يحقق لأسياده تصفية الوجود الشيعي في العراق وربما صعد به غروره إلى تصفية الوجود الشيعي الإسلامي عموماً لقاء بقائه على كرسي الحكم في العراق مدة أطول، انطلاقاً من حماقته وغبائه وجهله بالتاريخ الذي ابتلي به الشيعة في العهد الأموي والعباسي، ولكنه نسي أن الحق لا يمكن أن يُقضى عليه مهما مرّ عليه الزمن وجاشت حقود الحاكم وما هي إلاَّ عملية وقت.

فالدستور الإنكليزي الإستعماري لثورة 1920م وإبعاد الغالبية السكانية، لا يُبعد النجف الأشرف عن القيادة الثورية ولا يطفئ شعلتها الجهادية، وستبقى النجف قبلة المسلمين ومحط المراجع العظام والعلماء والشعب الثائر مهما جار عليها الزمن، لأن حمايتها بحاميها وهو سيّد الوصيين وأمام المتقين أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فهو حامي بيته ومَن يلوذ به والله المعين.

مكانة النجف الأشرف:

يطلق على مدينة النجف ثلاثة أسماء: النجف، الغري، المشهد. والنجف الأسم المعروف والغالب على التسميات الأخرى، والنجف هي ذلك المعهد الجامعي، العلمي الديني.

النجف، فرضت نفسها عندما شاء القدر لها أن يدفن فيها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويبقى قبره غير معروف في ظرف من الظروف السياسية التي كانت تلاحق محبي الإمام وتابعيه، وظل القبر على سريته حتى عام 170هـ (أيام الرشيد). ومنذ ذلك الحين أخذت مدينة النجف تستقبل الزاحفين لزيارتها أفواجاً من المحبين والعاشقين للإمام علي (عليه السلام) وأبنائه وأحفاده.

في عام 448هـ نزح إليها من بغداد كبير علماء الإمامية الشيعة في ذلك الوقت الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي أثر فتنة طائفية أثارها السلجوقيون في بداية حكمهم في العراق، فهجموا على داره ونهبوا كتبه وأحرقوا كرسيه الذي يجلس عليه للتدريس إلى جانب احراقهم مكتبات اخرى قديمة. وبانتقاله إلى مدينة النجف فتح عهداً جديداً للنجف حيث تحولت من مدينة ومزار إلى جامعة علمية كبرى. علماً بان مدينة النجف كان لها قبل الشيخ الطوسي شأنها العلمي وكانت مقصد الطلاب للدراسة على علمائها الأعلام(1)، واستمر بريق(2) النجف العلمي مستمراً بعد الشيخ الطوسي رغم توجه البعض إلى مدينة الحلة التي تبعد عن النجف حوالي 70كم لتصبح مدينة بديلة لكبار علماء الشيعة ومقر تدريسهم ... إلاَّ ان النجف ظلت تحتفظ بمكانتها العلمية وبقي فيها الكثير من العلماء والفقهاء يتابعون تدريسهم.

لم يطل الوقت حتى عادت النجف داراً للعلم والتدريس حتى امتد هذا النبع إلى مدينة كربلاء وفيها مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) واخيه العباس (عليه السلام) وفيها مثلما في الحلة من مياه وبساتين اضف إلى المراقد المقدسة، وبقيت معهداً للشيعة حتى القرن الثالث عشر الهجري. وبانتقال السيد محمد مهدي الطباطبائي المعروف ببحر العلوم من كربلاء إلى النجف الأشرف استقر الأمر كاملاً في النجف(3). ثم اعقبه تلميذه الشيخ جعفر كاشف الغطاء فزاد الأمر احكاماً وأصبحت النجف مدرسة الشيعة الكبرى ومعهدهم الأول ودار هجرتهم العلمية(4) حتى عهد قريب.

انفردت النجف في اغلب عهودها بالمرجعية العليا حيث كان مقرها الدائم إلى جوار الإمام علي (عليه السلام) والمرجع مجتهد من كبار المجتهدين تتوافق آراء العلماء المجتهدين الآخرين على رئاسته ومرجعيته فيأخذ مكانته دون تعيين أو ترشيح وانما بتسديد رباني يهيء أن يقوم الخلف بعد السلف.

وتعقد الدراسات النجفية في قاعات للدرس في المساجد والحسينيات اضافة إلى دور الأساتذة، وهي دور متواضعة حيث يجتمع الطلبة عند اساتذتهم، وإذا كبر حجم الحلقة الطلابية تنتقل إلى المساجد وبعض الحسينيات أو المدارس المخصصة لسكن طلاب العلوم الدينية.

وتوجد في مدينة النجف مدارس خاصة لطلبة العلوم الإسلامية وهي في حقيقتها أقسام داخلية للطلبة القادمين من خارج النجف، حيث تعطى للطالب غرفة لنومه واستقراره ومنها ينطلق إلى مكان دراسته، وربما يتخذ البعض هذه الغرفة للتدريس في بداية انطلاقته.

وتدريس العلوم الدينية في النجف الأشرف ينقسم إلى ثلاث مراحل:

أ- المقدمات: وهي المرحلة الأولى وتتضمن دراسة النحو والصرف وعلوم البلاغة والمنطق وهي مقدمة للتخصص في علمي الفقه والأصول.

ب- السطوح: ويقصد بها دراسة متون الكتب في الفقه الاستدلالي واصول الفقه، ويدرس في هذه المرحلة معالم الأصول وقوانينه وكفاية الأصول وغيرها، وهاتان المرحلتان تعدان الطالب ليكون مستعداً للمرحلة الثالثة، وهي البحث الخارج وتستغرقان وقتاً ربما قد يصل إلى عشر سنين أو أقل تبعاً لقابلية الطالب واستعداده الفكري.

جـ- البحث الخارج: وفي هذه المرحلة يكون اطلاق حرية المنافسة للطلاب على اوسع الأبواب، فيتسابق الطلبة مع اساتذتهم في مناقشة الآراء والنظريات مناقشة الند للند، ويزدادون ثقة بأنفسهم والاعتماد على مناقشتهم حيث يؤدي تلك المناقشات إلى أن تبرز في شخصية الطالب ثقته ثم اعداده ليكون مجتهداً حيث يعد فسه لنيل أضخم اجازة علمية وهي درجة ((الاجتهاد))(5).

مواقف النجف السياسية:

النجف الأشرف كغيرها من المدن فيها تنوع الآراء وتعدد الأفكار وهي في طليعة الحركات التحررية بل في أوائلها، خاصة وان للعلماء الأعلام نفوذهم الديني والسياسي حيثما كانوا، فالمرجع الأعلى الميرزا محمد حسن الشيرازي قاد الحركة الوطنية في ايران من مقره في سامراء – العراق، وأفتى تلك الفتوى المشهورة بتحريم استعمال التنباك.

وكذلك في بداية الحرب العالمية الأولى، رأى مجتهدو النجف الأشرف في هجوم الإنكليز على العراق تدخلاً سافراً على وطنهم، فأفتوا بالجهاد فانخرط الشعب في أثرهم بقيادة المجتهد العالم السيد محمد سعيد الحبوبي ومعه كتائب العلماء وطلاّب النجف وساروا مدججين بالسلاح إلى ساحات القتال في معركة ((الشعيبة)) وغيرها.

وبعد الاحتلال الإنكليزي للعراق واعلان الانتداب، دعا المرجع الأعلى الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي – من مقرّه في كربلاء – الشعب العراقي لمقاومة الاحتلال والثورة على الانتداب، فهب الشعب حاملاً سلاحه، فكانت الثورة العراقية الكبرى التي أرغمت المحتلين الإنكليز على اعلان الحكم الوطني، وتوفي الشيخ الشيرازي فقاد الثورة خلفه الشيخ فتح الله النمازي المعروف بشيخ الشريعة.

النجف والأدب والشعر:

وكما كان النجف الأشرف مركزاً للفقه والأصول ولبقية علوم الشريعة، حيث قاعدة العلماء والمجتهدين ومراجع الدين، كان له موقع للأدب العربي والشعر الأصيل وقد يترافق الأدب والشعر والفقه في العلماء والمراجع فنرى أمثال المجتهد الكبير السيد محمد سعيد الحبوبي، العالم والشاعر الكبير والثائر والقائد السياسي ... كما رأينا في السيد مهدي الطباطبائي بحر العلوم الفقيه والمرجع والشاعر الرقيق.

ونرى إلى جانب ذلك الإبداع الخطابي، وخاصة حيث يبدع خطيب المنبر الحسيني في تفسيره والشعر والحديث عن الملحمة الحسينية ويؤثر بالمستمعين وينقلهم إلى حالة اللاشعور ليندفعوا في البكاء على المصيبة.

واحتضنت النجف رواد المنبر الحسيني، كالشيخ اليعقوبي والسيد صالح الحلي والشيخ محمد علي قسام والدكتور الشيخ أحمد الوائلي في أيامنا الحالية.

وقد تعددت المكتبات العامة والخاصة في النجف، فيختص كل عالم بمكتبة واسعة بل يتعدى الأمر لتكون المكتبات الخاصة عند بعض الأشخاص العاديين وفي ذلك دلالة على شمولية الثقافة الأدبية.

يحدثنا المرحوم العلامة الدكتور الشاعر السيد مصطفى جمال الدين في ديوانه(6) عن النجف الأشرف: ((تمتاز هذه المدينة بخصائص يندر وجودها في مدن العراق، هي انها:

1- مدينة الوافدين: زوّاراً ومجاورين وطلاّب علم.

2- الشمائل العربية: وهناك ميزة أخرى تبرز في هذه المدينة هي ان شمائل أهلها، والطابع العام لسكانها هو الطابع العربي القريب من البداوة، فالعشائرية، والنخوة، ورعاية الجار، والكرم، والضيافة، سمات بارزة يلمسها كل وافد إليها.

3- العربية ومراكز الدراسات الإسلامية: وخصوصية ثالثة تميز النجف عن غيرها من مدن العراق، انها لكونها مدينة جامعية للدراسات الإسلامية، وتمتد جامعتها على مدى يقرب من عشرة قرون، قد احتفظت باللغة العربية وآدابها رغم كل محاولات التتريك الذي فرضه المماليك والحكام العثمانيون على مدارس العراق وغيرها من البدان الخاضعة للخلافة الإسلامية من جهة ... ورغم انتشار اللغات الشرقية – وبخاصة اللغة الفارسية – بين الوافدين إليها من أقطار العالم الإسلامي التابعة لمرجعيتها الدينية من جهة ثانية )).

وادي السلام – مقبرة النجف:

وهي نموذج تاريخي تمتاز به أرض النجف، أرض الغري لتكون مقبرة اسلامية عامة يؤتى لها من كافة الأقطار الإسلامية بملوك ورؤساء ووزراء وعلماء ومن سائر طبقات المسلمين والشيعة خاصة، ليوفقوا في دفنهم جوار سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعندما تزور الوادي ترى اختلاف القبور وحجمها وشكلها، وعلى الكثير منها صخرة كُتب عليها اسم الميت وتاريخه، والصخور التي نقش عليها اسم بين صخر طبيعي بسيط وآخر من الرخام الجيد وبلاط صناعي يسمى ((الكاشي)).

وتربة المقبرة تربة رملية نقية ناعمة، وهي القسم الظاهر، أما المخفي فعبارة عن صخرة متكونة من رمل قوي تسمح لحفر اللحد فيها بشكل عمودي. وقد كتب المرحوم الشاعر علي الشرقي قصيدة في مقبرة النجف بعنوان ((وادي السلام)) يقول فيها:

سل الحجر الصوان والأثر العادي

خليلي كم جيل قد احتضن الوادي

ويقول فيها(7):

عبرت على الوادي وسفت عجاجة

وابقيت لم أنفض عن الرأس تربة

فكم من بلاد في الغبار وكم ناد

لأرفع تكريماً على الرأس أجدادي

مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

من أهم العوامل التي ساعدت مدينة النجف الأشرف أن تكون قاعدة للشيعة الإمامية ومحط مراجعها وعلمائها وحوزتها العلمية وكرامتها واحاطتها بهذه الأبهة الكبيرة، وجود مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأحد أهم أركان الإسلام وتثبيته وخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده.

من هو الإمام علي (عليه السلام)؟ وما صلته بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

لازمن الإمام علي (عليه السلام) محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) من المهد إلى الممات، يشم أنفاسه، ويضعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجره ويضمه إلى صدره ويكتنفه في فراشه ويمسه جسده، بل ويمضغ اللقمة ثم يلقمها إياه، تماماً كما تفعل الأم بوليدها.

ومن الثابت أن الله سبحانه وتعالى قرن علياً بمحمد من يوم كان فطيماً كما أنعم عليه بملازمته محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ طفولته فكان يتبعه اتباع الفصيل أثر امه، ويرفع النبي له في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمره بالاقتداء به، حتى صاغه في تربيته صياغة قرآنية محمدية.

وهنا نجد السر في قول الإمام علي (عليه السلام): ((ذاك القرآن الصامت وأنا القرآن الناطق))، وقوله ((سلوني قبل أن تفقدوني ...)) وقوله: ((ان رسول الله علّمني ألف باب من العلم، يفتح لي من كل باب ألف باب ...)) وقوله: ((ما وجد رسول الله لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل ..)) وقوله: ((لم يكن لأحد فيّ مهمز ولا لقائل فيّ مغمز، الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره، أتراني أكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ لأنا أول مَن صدقه فلا أكون أو من كذبه ))(8).

ويكفينا تأكيداً من النصوص الإسلامية ما قرأناه من دعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) له يوم أعلن ولايته على الأمة يوم غدير خم (( اللهم وأدر الحق معه حيث دار ))، كما ويكفينا ما قرأناه من شمول قطعي في آية التطهير المباركة له، وكذلك تأكيد الكثير من الروايات الواردة بانه مع الحق والحق معه، وانهما لا يفترقان حتى يردا على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الحوض يوم القيامة، بالاضافة إلى روايات الثقلين، وهي متواترة الصدور عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ... إذ قال: ((واني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، الثقل الأكبر كتاب الله، سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به لا تضلوا، ولا تبدلوا .. وعترتي أهل بيتي، فانه قد نبأني اللطيف الخبير انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض )).

كما يرد تأكيد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بان علياً مع القرآن والقرآن مع علي حتى يردا عليه الحوض، كما يرد قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقه ((ان حافظي علي بن ابي طالب (عليه السلام) ليفخران على سائر الحفظة لكونهما مع علي، وذلك انهما لم يصعدا إلى الله بعمل يسخطه ))(9).

وما رواه أنس بن مالك قال: بينما كنّا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ قال: (( يدخل عليكم من هذا الباب رجل هو سيّد الوصيين وقائد الغر المحجلين، وقبلة العارفين، ويعسوب الدين، ووارث علم النبيين ... )) إلى آخر الحديث، وكان الداخل هو الإمام علي (عليه السلام).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (( من اطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع علياً فقد أطاعني، ومَن عصى علياً فقد عصاني))(10).

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (( مَن أراد أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي، فليتول علي بن ابي طالب، فانه لن يخرجكم من هذى، ولن يدخلكم في ضلالة ))(11).

ولو أردنا الولوج في الحديث عن امام المتقين وسيّد الوصيين أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) لكلّت الألسن وتعبت الأيدي عن الكتابة ومهما ولجنا فسنجد أنفسنا في بداية الطريق، فشخصية الإمام علي (عليه السلام) تحدث عنها الله تعالى قبل الخلق وتناقلها الأنبياء حتى كان الساعد الأيمن لرسول الأمة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يعد من أحد الأركان المهمة في تثبيت الدعوة الإسلامية.

ان ما جرّنا إلى الحديث عن الإمام وشخصيته، انه العامل الأساسي والمهم في ابراز أهمية مدينة النجف الأشرف حيث مرقد هذه الشخصية الإسلامية الفذة فنالت هذه المدينة شرف العظمة وسمو الرقي وتهافت العلماء إليها حتى كانت اولى المدن في العالم، وأخذت هذه المدينة تخرج العلماء وهم يقودون للعالم الإسلامي ثوراته ضد الطغاة والمستعمرين بسلاح العقيدة والإيمان.

الحوزة العلمية ونشأتها في النجف الأشرف:

يحدثنا التاريخ بأنَّ مدينة النجف الأشرف كانت ذات شأن علمي ولا تزال وكان الناس يقصدونها للدراسة على علمائها الفطاحل المجاورين فيها، فمنذ أوائل القرن الثالث الهجري نرى أسماء علمية بارزة تُنسب للنجف مثل شرف الدين بن علي النجفي وأحمد بن عبد الله الغروي وابن شهريار، كما ان هناك اجازات علمية تحمل اسم النجف، ثم نرى ان المؤرخين يذكرون ان عضد الدولة البويهي حين زيارته للنجف سنة 371هـ وزع أموالاً على الفقهاء والفقراء ومعنى هذا انه كان فيها جمهور من الفقهاء خفيت عنّا أخبارهم(12).

اختار الشيخ الطوسي مدينة النجف الأشرف داراً لهجرته عندما خرج من بغداد اثر حوادث السلاجقة في تتبع الشيعة فيها بالتنكيل والتقتيل. مضافاً إلى مجاورته لمرقد الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) تيمناً بقدسية مَن فيه وتبركاً بروح روحانيته.

ولأن الشيخ الطوسي كان مرجع الشيعة في بغداد بعد وفاة استاذه الشريف المرتضى فحين اضطر إلى الهجرة من بغداد إلى النجف الأشرف انتقل مركز المرجعية معه، وحلَّ أرض النجف المقدسة طلاّبه ومريدو فضله، والتفّ حوله مَن فيها من الفقهاء والطلاب، ووفد إليها آخرون من حواليها وأطرافها والبقاع القريبة منها والنائية عنها.

ألفَّ الشيخ الطوسي من هؤلاء المركز العلمي الرئيسي للشيعة الإمامية، وراح يعد تلامذته اعداداً تربوياً خاصاً ليعوّض عما فقده الشيعة من عدوان السلاجقة عليه. فقد ذكر ان عدد الفقهاء المجتهدين الذين تخرجوا في مجلس درسه تجاوز الثلاثمائة مجتهد.

وعندما توفي الشيخ الطوسي سنة 460هـ، تولى المرجعية وزعامة الحركة العلمية في النجف من بعده ولده أبو علي الحسن بن محمد الطوسي الملقب بـ ((المفيد الثاني)) والمتوفى بعد سنة 515هـ(13).

وازدهرت النجف ثانية بعد هبوط الشيخ المحقق الكركي فيها، وتوليه زمام المرجعية العامة للامامية فيها، وتسلمه منبر الدرس الأعلى في وسطها العلمي(14)، وقد سار الشيخ الكركي في مرجعيته العامة وزعامته للطائفة سيرة الشهيد الأول فقد كان يقول بولاية الفقيه(15).

ان استمرارية الحوزة العلمية في النجف بمراجعها وأساتذتها وطلاّبها على امتداد هذا العمر الطويل يعود إلى استقلاليتها عن السياسة الادارية والتدريسية حيث المناهج الخاصة بطريقة الحوزة العلمية وبارشاد وتنظيم الاساتذة والمجتهدين واشراف المرعية، فقد تكونت من مجموع ذلك دروس ثقافية ودينية باللغة العربية كالبلاغة والنحو والفقه والأصول .. والسلطة السياسية لا دخل لها في مثل تلك المناهج.

ان استمرارية الحوزة العلمية تقتضي الشأن المادي لما فيه من تيسير امور الطلاب النازحين من خارج النجف خاصة وغيرها من المصاريف المقتضية لذلك. والمرجعية تعتمد في هذا الصدد على الحقوق الشرعية، الأمر الذي حاول من خلاله كثير من الحكام وضع رواتب لطلبة الحوزة لربطهم بالدولة، إلاَّ أن الأمر باء بالفشل إذ رفضت المرجعية الدينية ذلك تطبيقاً للحديث المشهور (( إذا رأيتم العلماء على أبواب الملوك فبئس العلماء وبئس الملوك، وإذا رأيتم الملوك على أبواب العلماء فنعم الملوك ونعم العلماء )).

ان قبول الطالب الحوزوي له استقلاليته بحد ذاته، حيث لا يخضع قبوله في الحوزة لسلطة سياسية، فقبوله مرهون بما يؤديه من اختبار أولي ثم يتولى المرجع شؤون سكنه واقامته والمرتب لتسيير امور معيشته .. ثم يوجه دراسياً فيتابع تعليمه ويمر بالمراحل التي سبق وتحدثنا عنها حتى يصبح هو الآخر مؤهلاً للاجتهاد.

وقد كانت العشائر في العراق تقف مع صوت المرجعية، وكان هذا العامل من جملة العوامل التي جعلت ثورة العشرين تنجح في دحر الاستعمار البريطاني حيث كان لفتوى المرجع الديني الميرزا محمد تقي الشيرازي أثر كبير في نفس ابن العشيرة وشيخها حيث يعتبرها واجباً مقدساً يلتزم به، وبهذا الترابط القوي بين الشعب والمرجع تفجرت الثورة وتألقت تقدماً وأنزلت ضرباتها على المستعمر الذي حاول بمخططاته وضع كثير من الحواجز بينهما، وبذل الأموال لشراء ضمائر بعض ذوي النفوس الضعيفة واستدراجها إليه.

وأصبحت مدينة النجف الأشرف – حينذاك – غرفة عمليات ثورة، جهاداً ومصدراً للبطولة والفداء حتى سرت الثورة إلى جميع محافظات العراق، والجنوبية بالذات.

دور الدين في قيام الثورة:

فيما تقدم تحدثنا عن الخلفية التاريخية للنجف الأشرف وكونها مدينة مقدسة، وعن نشأة الحوزة العلمية وفيها عوامل مهمة جداً في تكوين فكرة الثورة ضد الاحتلال البريطاني، فلما كان المسلمون الشيعة كلية القاطنين الساكنين في النجف منذ ميلاد المدينة، وكون احتضان فكرة الثورة من رجال النجف الأشرف وشخصياتها قاعدة وقيادة ... كانت بذور التشيع في فكرة التحرك الثوري مدعاة لتكون الانطلاقة شيعية وان انضمّ إليها شخصيات سياسية ودينية غير شيعية لما فيها من اصالة عقائدية، وصدقية في المسيرة.

وفي ضمن التحرك المنظم يبادر اعلام النجف إلى تشكيل حزب سياسي اطلق عليه ((الحزب النجفي السري )) حيث اتخذ اعضاؤه المؤمنون من غرفة معزولة في مدرسة الملا كاظم الخراساني في محلة الحويش في النجف الأشرف مقراً لهم.

وقد ضمَّ هذا الحزب الكثير من علماء الدين الكبار والشخصيات الاجتماعية المعروفة وزعماء العشائر، توزعوا على ست مجاميع حسب طبيعة العمل منهم: الشيخ عبد الكريم الجزائري، الشيخ محمد جواد الجزائري، الشيخ محمد باقر الشبيبي، الشيخ محمد رضا الشبيبي، السيد محمد سعيد كمال الدين، الشيخ حسين الحلي، الشيخ عبد الحسين مطر، السيد أحمد الصافي، الشيخ نمحمد علي القسام، الحاج محسن شلاش، السيد هادي زوين، السيد علوان الخرسان، محمد أبو شبع، السيد علوان الياسري، السيد كاظم العوادي، الحاج عبد الواحد سكر، الشيخ غثيث الحرجان، الشيخ شعلان أبو الجون.

وقد حظي هذا الحزب الذي يضم العلماء في النجف الأشرف ورؤساء العشائر والشخصيات الاجتماعية في النجف ومنطقة الفرات الأوسط بتأييد مراجع الدين حتى ان التنسيق كان قوياً حول ظروف الساحة وأساليب التحرك، ولاسيما مع الإمام محمد تقي الشيرازي الذي انتقل من سامراء إلى كربلاء في نهاية 1918م، آخذاً بنظر الاعتبار ضرورة الاقامة بالقرب من الفرات الأوسط. فقد وجد الإمام الشيرازي في هذا الحزب ذراعاً فاعلة تستطيع أن تدفع الامة بالاتجاه الذي تهدف له(16).

وبنفس الوقت تشكلت أحزاب مختلفة في بغداد تضم جهتي الشيعة والسنة ومن أبرز الأعضاء المؤسسين: الشيخ محمد باقر الشبيبي، علي البازركَان، جلال بابان، محمود رامز، محيي الدين السهروردي، شاكر محمود، السيد محمد الصدر، جعفر أبو التمن، يوسف السويدي، دكتور سامي شوكت ... وغيرهم.

وكان هدف هذه الأحزاب استقلال العراق استقلالاً كاملاً، وفي نفس الوقت الذي نرى فيه تركيبة تلك الأحزاب والجمعيات من شخصيات مختلفة ومتنوعة، إلاَّ أن الدور الديني في عملها السياسي واحد، حيث كانت توزع بياناً اصدر الإمام الميرزا محمد تقي الشيرازي (قدس سره) يذكر فيه اقامة دولة اسلامية في أرجاء العراق وعلى نطاق واسع.

تأسست في عام 1919م جمعية الشبيبة الجعفرية ومعظم أعضائها من طلاب المدرسة الجعفرية واتخذت دار عبد الغني كبة مقراً لها وضمت شباباً من ضمنهم: سامي خونده، باقر سركشك، محمد حسن كبة، صادق البصام، محمد الشجاع، صادق حبة، عبد الرزاق الأزري، رؤوف البحراني، عبد العزيز القطان، صادق الشهربانلي، جعفر حمندي، كاظم الشجاع، محمد مرزة، ذبيان الغبان، سليم الحريري.

وانضمت هذه الجمعية أخيراً إلى جمعية حرس الاستقلال (جناح الشباب) للتحرك بين الطلبة والشباب، وعند اندماج الجمعيتين تم تعيين الشيخ محمد باقر الشبيبي عضو ارتباط بين النجف وبغداد (لأهمية ومكانة النجف كما تحدثنا)، كما انيطت بالشيخ الشبيبي مهام اخرى في كربلاء والحلة والشامية للتمكن من كسب تأييد وجهاء هذه المناطق العشائرية(17).

وقد استطاع الشيخ السبيبي ان يوجد انسجاماً كبيراً بين جمعية حرس الاستقلال وبين التحرك السياسي في مناطق الفرات الأوسط، والذي كان يحركه الحزب النجفي السري. ومما يجدر ذكره ان الشيخ الشبيبي رغم كونه من الاعضاء القياديين في حرس الاستقلال، فانه أيضاً كان عضواً في الحزب النجفي السري(18).

وبتشكل الحزب النجفي السري عام 1918م، تشكلت في كربلاء الجمعية الإسلامية في كربلاء، وفي الكاظمية الجمعية الإسلامية في الكاظمية. وقد انصب نشاط تلك الأحزاب على تهيئة الظروف اللازمة للثورة المسلحة ضد الإنكَليز حيث كانت هذه التجمعات وبقيادة المرجعية الدينية في مدنها تعبئ الجماهير المجاهدة باتجاه الثورة. وبفضل انتماء الكثير من رؤساء العشائر في صفوف تلك الجمعيات، كانت النتائج الفاعلة في ثورة العشرين.

نلاحظ انه من خلال تشكيل هذه الجمعيات التي تضم العلماء ورجال الدين وارتباطها بمراجعها في قراراتها، والمسيرة التي كان يخطط لها في اشعال نار الثورة وانطلاقها من المساجد التي يحتفل فيها بالمناسبات الدينية وحضور الحشد الجماهيري فيها لهذه المناسبات، قامت السلطة بمراقبة تلك الفعاليات والحد منها او خلق مناسبات في نفس الوقت محاولة بذلك اشغال الجماهير الدينية وابعادها عن علمائها ورؤساء الجمعيات المؤسسة لغرض الثورة.

ان هذا الاتجاه الديني في تحريك الجماهير سياسياً تحت مظلة العمل الإسلامية والهدف الثوري انطلق من مدن المراقد المقدسة، من النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية. وما الجمعيات واعضاؤها وهيكليتها الشيعية إلاَّ لتفجير ثورة العشرين في العراق.

دور رجال الدين:

كان لدور العلماء – كما أشرنا – في تعبئة الجماهير للثورة أثره الكبير في الاستجابة لهم فالشيخ مهدي الخالصي والسيد هبة الدين الشهرستاني كانا حلقة الوصل بين القيادة وبين علماء الدين في الكاظمية وجماهيرها، كما ان السيّد أبو القاسم الكاشاني كان حلقة الوصل بين القيادة وإيران، والميرزا أحمد الخراساني كان الحلقة بين اليادة وجماهير وعشائر النجف الأشرف، والأخيران كانا حلقة الوصل مع عشائر الفرات الأوسط.

ان منهج الإمام الشيرازي في القيادة كان يعتمد على الشورى، ومن هنا فقد شكّل في البداية مجلس شورى للعلماء، كما شكّل فيما بعد وعلى أثر فتواه بجواز حمل السلاح ضد الإنكَليز مجلساً لأدارة الحرب ضد القوات الإنكَليزية، يتشكل من رؤساء العشائر الثائرة، ومن الوجهاء وكبار زعماء الثورة، وعلى رأسهم الحاج عبد الواحد الحاج سكر(19).

كما كان منهج الإمام الشيرازي في الثورة قد تميز بما تميزت به الحركة الثورية الإسلامية في ذلك الوقت من المبادئ الثلاثة:

1- النفي المطلق للإستعمار ورفض المهادنة معه.

2- الوحدة الاسلامية.

3- الاعتماد على الفكر الإسلامي في الحركة.

كما كان الإمام الشيرازي منذ توليه الزعامة الدينية والسياسية، سعى عبر توجيهاته ووكلائه، ورسله، إلى تهيئة الأرضية الشعبية لتفجير الثورة بوجه الإنكليز، وقد أصدر عدة فتاوى حدد فيها واجب الشعب في قضية الاستفتاء وفي حرمة التعاون مع السلطات المحتلة. ولم يكن الإمام الشيرازي تنقصه الشجاعة في اصدار فتوى يلزم فيها الشعب بوجوب حمل السلاح، إنما كانت حكمته تقتضي أن يجعل الفتوى كيف مسلّط على رأس الإنكَليز دون استخدامه. إلاَّ في الحالات التي تفقد فيها جميع الآمال والحلول(20).

وفي فترة المفاوضات بين ممثلي الإنكَليز والزعامة الدينية والشعب، وفشل تلك المفاوضات أصدر الإمام الشيرازي فتواه المشهورة وهذا نصها: (( مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويحق عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكَليز عن قبول مطالبهم )).

وانتشرت الفتوى على نطاق واسع في كل مكان مع مبعوثين خصوصيين من علماء الدين لتحريض الجماهير على حمل السلاح ومقاومة القوات الإنكَليزية بالقوة، وكان بعض العلماء والخطباء والشخصيات الدينية من أقدر الناس على تعبئة الجماهير من أمثال أبو القاسم الكاشاني والسيد صالح الحلي، والسيد محمد الصدر(21).

وأخذت المدن الجنوبية المحيطة بالنجف وكربلاء والكاظمية، تتحرك اثر الفتوى واتساع انتشار العلماء والشخصيات الأخرى في جبهات المعركة، وتحرك الاستعمار الإنكليزي بعناده ومؤامراته لتطويق التحركات، فكان الثوار يقودهم العلماء ورؤساء العشائر يبذلون الغالي والرخيص لفك حصار الاستعمار عن المدن. وانتكست مدينة الحلة، فبلغ ذلك الإمام الشيرازي، فأمر السيد هبة الدين الشهرستاني كاتبه ومستشاره باستفسار الخبر من السيد علوان الياسري ... فكتب يقول: (( أما حالتنا الحاضرة فكما يحب الله وتحبون، وان مصادقة الجيش العربي مع القوة المعادية في الحلة ليست أخبارها كما بلغتكم ... وهاك حقيقتها، مولاي وردتنا مكاتيب من بعض العشائر تريد الهجوم على الحلة، وطبق خطتهم أن يكون هجومهم مما يليهم ويكون هجومنا مما يلينا حتى يكون الهجوم عمومياً، والظفر من الله، وبعد هذا الترتيب حشدنا جيوشنا للهجوم ولكن ويا للأسف ان الوضعية بين العشائر تغيّرت دون اشعارنا ))(22).

من الأمور المعروفة ان الزعامة الدينية الشيعية في العراق والتي لعبت دوراً خطيراً في تفجير وأجيج ثورة 1920م الوطنية، كانت تنطلق في تفكيرها السياسي من منكلق ديني اسلامي عام لا يختص بطائفة ذهبية معينة، شيعية أو سنية، ولا بفئة اثنية دون أخرى، عربية أو كردية أو تركية أو غيرها.

لقد ذهب علماء الدين الشيعة، العرب منهم والايرانيون على رأس قوافل المجاهدين إلى ساحات القتال في الشعيبة وغيرها لمحاربة القوات البريطانية. أمرُ الزعامة الدينية الشيعية في العراق بأن تحرير العراق من الاحتلال البريطاني شرط أساسي لتأسيس الحكم الوطني الجديد. وأكّد هذا المعنى اصرارهم على متابعة الشوط في سياستهم ضد الاحتلال البريطاني والسير فيه إلى النهاية، وقد تجلى هذا بالدور المشرف في تفجيرهم ثورة 1920م.

ومن علماء الشيعة الذين شاركوا في المعارك ضد الاحتلال:

1- آية الله السيد أبو القاسم الكاشاني.

2- آية الله الشيخ جواد الجواهري.

3- آية الله السيد محمد سعيد الحبوبي.

4- آية الله السيد محسن الحكيم.

5- آية الله السيد علي الداماد.

6- آية الله السيد مصطفى الكاشاني.

7- آية الله السيد محمد علي بحر العلوم.

8- السيد محمد نجل آية الله السيد اليزدي.

9- آية الله الشيخ اسحاق الرشتي.

10- ميرزا مهدي الآخوند.

جلّ اولئك العلماء من النجف الأشرف أو ممن يقيم في النجف وقد حملوا راية الجهاد ونزلوا إلى ساحة القتال حتى اللحظات الأخيرة.

يقول الأستاذ عبد الحليم الرهيمي: في مدينة النجف قام عدد كبير من العلماء بأدوار مهمة في حركة الجهاد، وكان أبرزهم المجتهد محمد سعيد الحبوبي (( ويعتبر من كبار الفقهاء المجدّدين وبرز كشاعر مجدد أيضاً وكان أول من أفتى عام 1908م بشرعية تأسيس مدارس حديثة في بغداد لتعليم اللغات الأجنبية، وهو من عائلة نجفية مشهورة من السادة العاملين في التجارة، قاد المجاهدين في جبهة الشعبية، وبعد الانكسار في المعركة وعودته مع المجاهدين إلى مناطقهم، توفي قرب مدينة الناصرية في منطقة سُميت (دار الجهاد) وذلك في الثاني من شعبان 1333هـ الموافق 1915م، وقد اعتبرت وفاته نكسة كبيرة لحركة الجهاد في العراق )).

ان السيد الحبوبي قام بدور رئيسي في الثورة، حيث كان أول من بادر إلى قيادة مجموعات المجاهدين والتوجه بهم إلى الجبهة، وقد التف حوله عدد من العلماء في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية الذين قاموا بدور فعّال في تعبئة عشائر الفرات الأوسط وحثّها على الجهاد(23).

ولقد شارك مع العلماء غالبية قطاعات الشعب من المثقفين والعشائر، والتجار، وكان لهم دور كبير في تحريك وتأجيج الثورة في النجف. وكان أغلبية المثقفين من المجاهدين يلتقون في مكتبة الأستاذ الفاضل عبد الحميد زاهد وهو صاحب المكتبة الوطنية في بغداد، وهذه المكتبة أخذت من احدى ايوانات الصحن الحيدري مكاناً لها، وكانت بعض الصحف اليومية والمجلات العربية تصل إلى هذه المكتبة، شجّع هؤلاء المثقفين بملازمة هذه المكتبة، وبمرور الأيام أصبحت هذه المكتبة كندوة تضم الطبقة الأدبية والمثقفة.

وبرزت طبقة مفكرة مجاهدة تبنت فكرة مكافحة الاستعمار والثورة عليه منذ عام 1918م، حتى انبثاقها يوم 2 تموز 1920م، وفي مقدمة هذه الطبقة: الشيخ عبد الكريم الجزائري، الشيخ محمد رضا الشبيبي، السيد محمد سعيد كمال الدين، السيد محمد رضا الصافي، الشيخ باقر الشبيبي، السيد حسن كمال الدين، الشيخ علي الشرقي، الشيخ محمد جواد الجزائري، السيد سعد صالح، السيد أحمد الصافي، السيد محمد علي كمال الدين، وغيرهم.

وهناك طبقة روحية عُليا تولت معظم الأعمال خلال الثورة إلى انتهائها وهم: الشيخ عبد الكريم الجزائري، الشيخ محمد جواد الجواهري، الشيخ عبد الرضا راضي، الشيخ مهدي الملا كاظم. والشيخ الجزائري أهم عضو في الطبقتين الروحية والمتجددة، وهو همزة الوصل بين جميع الطبقات، بل كان أحد أهم من في الثورة لأنه محور الحركة ومجرى التفكير للثورة والثوار والعلماء والمجتهدين والمثقفين يسانده في جهاده الشيخ جواد الجواهري وزعماء القبائل مع بعض أفراد الطبقة الأولى المثقفة.

كما كانت هناك طبقة أخرى هم: الحاج محسن شلاش، الشيخ محمد حسن الجواهري، عبد الأمير الشكري، محسن عجينة، يوسف عجينة، السيد علي الحلي، الشيخ عبد الغني الجواهري، الشيخ عبد الحسين مطر.

والطبقة الرابعة هم: عبد الحميد الزاهد، الشيخ باقر الجواهري، الحاج عبد النبي الشكري، الحاج حمود معله، عبد الحميد مرزة، الحاج علي كبة، امين شمسة، السيد علوان الخرسان، الحاج سعيد مرزة، الحاج رؤوف شلاش، السيد جواد زيني.

الطبقة الخامسة هم: السيد يحيى الحبوبي، السيد رضا الخرسان، مكي الشكري، عبود مرزة، عبد الرزاق الحاج مسعود، السيد حسين الرفيعي، الشيخ محمد علي قسام، الشيخ حسين الصحاف، الشيخ محمد الشبيبي، الشيخ عبد علي الطرفي، عبد الحسين الحلي، الشيخ محمد الوائلي، الشيخ حسين الشيخ مهدي، الشيخ محمد حسن محبوبة، السيد محمد زوين، الشيخ جعفر قسام، عبد الرسول شريف، السيد علي هادي الحبوبي.

والطبقة السادسة هم: الشيخ سعيد الخليلي، الملا علي الدلال وابنه سلمان الملا علي، علي بن قاسم افندي، السيد صالح البغدادي، الشيخ حسين الحلي، محمد علي الصراف، رؤوف الجواهري، الشيخ محمد علي الخليلي، نعمة الشيخ كاظم.

وهناك طبقة اشتغل بعض أفرادها مع الطبقة الأولى المتجددة وكان لهم الأثر الفعّال في تشجيع الحزب العامل، لأنهم من الطبقة المسلحة. ونذكر منهم: السيد هادي زوين، السيد كريم السيد سلمان، السيد كاظم السيد سلمان، عبد الرزاق عدوه، محمد أبو شبع، رسول تويج، تومان عدوه، حمود الحار، الحاج محمد الحاج عبد الله الهندي، عبد الصاحب هويدي.

وقد تبع السيد هادي من نجفيي الحيرة المسلحين وغيرهم ما لا يقل عن ألف مسلح، وتبع محمد أبو شبع ورسول تويج ما لا يقل عن خمسمائة من نجفيي الكوفة وغيرهم، وتبع الباقين ما لا يقل عن مائة وخمسين مسلحاً باسم الجيش الوطني المحارب، وصرف محمد الهندي على الجيش الوطني ما لا يقل من عشرين ألف روبية من خالص ماله.

وكانت مكتبة الزاهد مركزاً للمراجعة في أوقات مختلفة، وهي في عين الوقت مرتبطة بمركز الحزب السري كل الارتباط، وهذا الحزب أعضاؤه هم أغلب أفراد الطبقة الأولى(24).

اسباب الثورة (ثورة العشرين):

كانت المنطقة تغلي بالثورات والحركات، والتطلعات الخارجية كانت سبباً مهماً في اثارة الداخل الذي كان يعاني من سطوة الاحتلال الإنكَليزي ما يرهقه ويذله.

ان اعلان الحسين بن علي، شريف مكة المكرمة، الثورة على الترك في اليوم التاسع من شهر شعبان 1334هـ الموافق 10 حزيران 1916م دفع الإنكليز إلى دعم ثورته كثيراً.

ان أخبار الثورة التي قام بها الأحرار في مصر في آ1ار 1919م في وجه الطغيان الإنكَليزي، والأعمال الخارقة التي أتوا بها لمكافحة الاستعمار البريطاني، ألهبت الحماسة في نفوس العراقيين، يضاف إلى ذلك قيام الحكومة الفيصلية في الشام قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى، وانخراط معظم الضباط العراقيين فيها، وتمتعهم بالمراكز المهمة في دواوينها، وسعي (حزب العهد العراقي) في دمشق ليكون للعراق حكومة عربية. وكانت في مقدمة الأسباب المباشرة للثورة وجود القوات البريطانية ذاتها، فما ان أعلنت برطانيا عن محاولتها لتثبيت أوضاعها وفرض الانتداب، بعد اعلان قرارت مؤتمر – سان ريمو – وانتهاء أعماله واقراره بوضع العراق تحت الانتداب البرطاني حتى اندلع لهيب الثورة العراقية(25).

يرى الأستاذ عبد الرزاق الحسني ان تلك الأسباب أثارت العراق سياسياً وخصوصاً بعد أن ظهرت نيات الإنكليز نحو مستقبل البلاد، فتحركت الجماهير العراقية بكافة طبقاتها وهيئاتها، ومما دفع هذه الجماهير بحركتها السياسية سوء الإدارة المحتلة بأعمالها فدفعت بالعراقيين نحو الثورة:

أ – بيانات الحملة العسكرية: بخصوص محافظتها على المراقد المقدسة على أن يمر الحجاج أو الزوار الهنود القادمون من الهند وألا يعترضهم أحد في طريقهم. وعند احتلال القوات الإنكَليزية مدينة البصرة اصدر القائد العسكري كوكس بياناً إلى أهل البصرة ذكر فيه الأهالي بأن الجيش البريطاني انما يحارب الحكومة التركية، لا الأهلين الذين يضمر لهم كل خير وفلاح.

ويلاحظ ان تلك البيانات كان المقصود منا زعزعة الوحدة الإسلامية، واثارة النفرة بين العراقيين والحكومة العثمانية، جرياً على قاعدة ((فرّق تسد)). وفي يوم 14 شباط 1915م أذاع السير بيرسي كوكس بلاغاً خطيراً هذا نصه:

(( إلى جميع مَن يعنيهم المر: يعلم الجميع، ان مناطق العراق فيما بين الفاو والقرنة، قد أصبحت الآن محتلة من قبل القوات البريطانية منذ شهرين مضيا. لقد بينا مراراً إلى الجمهور، ان الحكومة البريطانية قد اضطرت ضد رغبتها إلى محاربة تركية بسبب الأعمال العدوانية التي قامت بها الحكومة التركية بتحريض من ألمانيا غير ان أعمال القوات البريطانية الحربية موجهة نحو الحكومة التركية وجنودها فقط، أما العرب فان الحكومة البريطانية ليست لها رغبة في أن تعاملهم كأعداء لها، طالما ظلوا هم أنفسهم أصدقاء ومحايدين، وطالما امتنعوا من حمل السلاح ضد جيوشها، بل ان الحكومة البريطانية على العكس ترغب في تحرير العرب من ظلم الترك، وتيسير التقدم لهم، وزيادة رفاههم وصناعتهم.

لقد أبدى الكثير من شيوخ العرب والقبائل في ولاية البصرة، مدركهم مصالحهم الخاصة ورغبتهم في التسليم إلى السلطات البريطانية، أو وقفوا بعيداً عن الحركات الحربية، بين الحكومتين بمحض ارادتهم، غير ان بعض الأشخاص من الطائشين قد أغراهم العدو على حمل السلاح لمساعدته ضد الجيوش البريطانية.

لقد أصدرنا هذا التنبيه لنحذر جميع الشيوخ، والقبائل في ولاية البصرة، وبضمنها مناطق البصرة، والقرنة، والعمارة المنتفك. ان اولئك الذين ينحرفون عن طريق الصداقة والحياد، ويحملون السلاح لمعاونة العدو، ستستحوذ الحكومة البريطانية على أملاكهم التي تقع ضمن النفوذ البريطاني، وسوف يُعلن في حينه عندما ينفذ أمثال ذلك. هذا ما وجب بيانه )).

بأمر قائد القوات

ب. ف. كوكس رئيس الحكام السياسيين(26)

ب- احتياجات الجيش المحلية: وقد أدّت احتياجات الجيش المحلية إلى اصدار عدد كبير من البيانات والاعلانات والأوامر المعقدة، هيمنت على العلاقات بين الجيش والأهلين، فكانت شديدة الوطأة صعبة التنفيذ بحيث انتقدها العسكريون قبل السياسيين.

موقف علماء الدين:

ان من أسباب الثورة واندلاع لهبها في نظر الكثير من الباحثين والمؤرخين هو موقف رجال الدين. ولا يخفى ان المجتهدين من علماء الشيعة الإمامية، مرجع جميع أبناء هذه الطائفة في تلقي الفتاوى والأحكام الدينية، وهم يعتقدون ان علماءهم نوّاب أئمتهم فلا يخالفون لهم أمراً، ولا فتوى، ولا حكماً من الأحكام الشرعية. وقد ظهرت من قديم الزمان طبقات مختلفة من العلماء المذكورين، واختلفت اجتهاداتهم في كيفية كفاح الغزاة من الاستعماريين، فكان بعضهم، منطلقاً من حالة الضعف، يقصره القيام بوظائفه الدينية، وقسم آخر يعتقد با الاسلام لا يجتمع مع السيطرة الأجنبية تحت صعيد واحد مهما كانت الأصول، فعلى المسلم أن يستميت في الدفاع عن نفسه، متى هاجمه أو أراد الاستيلاء مستمر غاشم.

وقد كان من هذين التوجهين جماعات في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء، فلما اندلع لهيب الحرب العالمية الأولى جرت مناقشات ومداولات كثيرة، في المحافل الدينية الموجودة في هذه المدن المقدسة، في موضوع الجهاد والقتال، فكان فريق يدعو إلى المسالمة بسبب ضعف الاستعداد وقلة وسائل الدفاع، وعدم ملائمة الظروف للقتال، وكانت أكثرية العلماء والطلاّب، ولاسيّما العرب من دعاة الحرب والدفاع عن بيضة الإسلام، وقد تغلب هذا الحزب أخيراً، فكان لآرائه وفتاواه النفوذ الواسع على جمهور الناس في العراق(27).

ولا غرو في هذا الرأي والتحمس فقد قاد رجال الدين الرأي العام في أيام الانقلاب الدستوري وفي أثناء الحرب العالمية فكانوا من أصدق العامة المتفانين في سبيل مبادئهم، ومن أخلص الزعماء المؤمنين بعقائدهم، وكان كل ما لديهم في هذه القيادة الايمان والعقيدة الدينية التي اتنفروا بها الناس للجهاد سواءاً أكان ذلك في الحرب العالمية أم في ثورة العشرين – الثورة الكبرى – وهذا ما أزعج الاستعمار البريطاني والذي لم يضع في حساباته أهمية هذا الدور الكبير.

ولما تقدم نائب الحاكم الملكي العام في العراق (أي. تي. ولسن) باستفتاء طرحه للعراقيين يتضمن ثلاثة أسئلة:

1- هل العراقيون يرغبون في دولة عربية واحدة، تحت الوصاية البريطانية تمتد من الحدود الشمالية لولاية الموصل حتى الخليج ((العربي)) الفارسي؟

2- هل يرغبون، في هذه الحالة، في رئيس عربي بالإسم يرأس هذه الدولة الجديدة؟

3- مَن هو الرئيس الذي يريدونه في هذه الحالة؟

ان هذا الاستفتاء أثار موجة غضب واستياء في مناطق النجف، كربلاء، الكاظمية، والحلة، والموصل، واشدها وأعنفها مدينة النجف، فقد كانت هذه المدينة قذىً في عين البريطانيين وسياستهم، كما يصفها السير برسي كوكس، وكانت المدينة الأولى التي تحسست بثقل الاستعمار، واول مدينة عراقية فكّرت بالتخلص من الاستعمار البريطاني، بالنظر لما قد تشبعت من روح الحرية والنزوع إلى الديمقراطية، بسبب ما كانت تلقاه من دروس متواصلة عن فلسفة نهضة الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام)، وبسبب كونها مهد العلماء ومركز الروحانية، ولذا فقد اهتم بها الحاكم الملكي العام اهتماماً عظيماً، وأراد أن يعرف رأي سكانها والمحيطين بها في مستقبل بلادهم، معرفة دقيقة، فسافر إليها في اليوم الحادي عشر من شهر كانون الأول سنة 1918م بعد أن أوعز إلى المبجر نوربري، الحاكم السياسي للواء الشامية والنجف، أن يدعو علماء النجف وأشرافها، وزعماء القبائل وساداتها، في أبي صخير والشامية للاجتماع بهم(28).

وبعد ان اجتمع الحاكم العام مع مجموعة نذكر منهم: الشيخ محمد رضا الشبيبي، والحاج عبد المحسن شلاش، والسيد هادي الرفيعي، والشيخ عبد الواحد سكر، والسيد علوان الياسري، وبعد المناقشات وابداء الآراء احتدم الموقف بينهم وبين الحاكم العام. طلبوا تأجيل الاجتماع إلى الغد، لدرس المواضيع الثلاث فوافق، حيث ذهب الحضور إلى الزعيم الروحي الجليل السيد محمد كاظم اليزدي لطرح الموضوع عليه، فأشار عليهم السيد اليزدي بالاجتماع وتداول الأمر فيما بينهم حيث اجتمعوا في دار ((الشيخ محمد جواد صاحب الجواهر )) حضره رهط من العلماء والزعماء والمتمولين والمتعلمين، والأشراف والسادات وغيرهم، وجرى نقاش حول مسألة الحاكم العام، وتشعبت الآراء، وداهمتهم الشرطة فشتتهم أيدي سبا.

انتفاضة النجف:

جميع أبناء العراق استجابوا لنداء الثورة بالرغم من ان بؤرة الثورة الرئيسية وقيادتها كانت في المدن المقدسة والفرات الأوسط بشكل خاص ... وبينما كانت مدينة النجف تشكو من قلّة الطعام، قدم إلى النجف شيخ من قبيلة عنزة محمّلاً برسالة من قبل ((ليشمان)) – وهو ضابط انكَليزي اشتهر بقمعه لأنتفاضة النجف – إلى حميد خان المنصوب من قبل الإنكَليز لمساعدته على حمل كمية كبيرة من الحبوب على متن قافلة قوامها 120 جملاً مرسلة من قبل شيخ مشايخ عنزة (فهد بن هذال) حليف الإنكَليز الحميم، ولم يكن بوسع النجف أن توفر هذه الكمية من الحبوب لقبيلة وهابية هاجمت مدنهم وأهانت مقدساتهم وقتلت رجالهم في حملات نهب سابقة، ثم تجلس على بساط القصر تنتظر الجماعة أو العون على يد المحتلين الإنكَليز، لذلك ثارت الجماهير وخرجت في مظاهرة اتجهت نحو محط قافلة عنزة فنشبت معركة ونهب، وفوضى شاملة، فقدم النجف ضابط الارتباط السياسي المقيم في الشامية الكولونيل بلفور، ليسوي الأمور بالتي هي أحسن، ولكنه فشل في مهمته وخرج من النجف تحت حراسة مشددة، وامتدت ثورة أهالي النجف إلى حواليها حيث هاجم الأهالي مكاتب الحكومة في الكوفة وأبي صخير وانتصر الثوّار في الجولة الأولى(29).

ان الضغط المادي والمعنوي وواقعة قافلة ابن هذال هيأت النفوس للثورة، كما اجتمع أعضاء جمعية النهضة الذين اجتمعوا في 19 آذار في النجف الأشرف وقرروا بالاجماع البدء بالثورة عن طريق اغتيال الضابط مارشال حيث سيؤدي ذلك إلى سلسلة ردود فعل من جانب الإنكَليز وضدهم، تؤدي في النهاية إلى قيام ثورة عامة في الفرات الأوسط.

وبالفعل تمَّ اغتيال مارشال على يد عشرين شخصاً تنكروا في ثياب الشبانا (البوليس المحلي) ودخلوا مقر الإدارة المركزية البريطانية في خان عطية أبو كلل تحت شعار انهم يحملون رسالة مستعجلة إلى المارشال(30).

من المقاومة إلى الثورة:

ان تشكيل الجمعيات الوطنية وتعبئة الجماهير بالعمل ضد الاحتلال والتفاف المواطيني حول مرجعيتهم يساندهم بذلك رؤساء العشائر والجماهير، كان بمثابة بدء التحركات والمناوشات في المدن المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية وسامراء، ضد الإنكَليز وسريان تلك التحركات إلى المناطق الأخرى مما أدى إلى اصدامات بين الثائرين وحكومة لاحتلال، وأخذت النار تشتعل وتبرز بوادر الثورة الكبرى ملوحة بالأفق لتحرير العراق من احتلال العدو لها.

((في الأسبوع الأول من 1918م كانت قوات بريطانية قد أخذت مواقعها في الكوفة، وكلّفت دورة عسكرية بالتجول حول سور النجف، فأُطلقت عليها النار وقتل اثنان من أفرادها )).

وأعاد هذا الحادث إلى الأذهان مرة أخرى فكرة المواجهة بين الشيعة والإنكَليز وأعطى انطباعاً عاجلاً، ربما شخص على طاولة العسكريين البريطانيين بان السهولة التي دخلت فيها قواتهم إلى بغداد سوف لا تتكرر في مدينة النجف.

ففي بغداد لم يواجه البريطانيون مقاومة، بعد أن انسحب الجيش التركي منها إلى مواقع دفاعية في سامراء، ولم يكن أهالي مدينة بغداد في وضع يساعدهم على المقاومة، فوجهت ضربة قوية لحركة الجهاد، ولكن البقية الباقية من السكان لم يساهموا أساساً في عمل ضد الاحتلال مما سهل أمر السيطرة على بغداد.

وأغلب الظن ان ادارة الاحتلال أدركت، بان الرد بالمثل ومهاجمة النجفيين سيضعهم في مأزق أمام المسلمين سواء في العراق وفي خارجه كالهند وإيران وبعض البلاد العربية.

كما ان رد الفعل قد يسحب الفريقين إلى مواجهة عسكرية، فاكتفت بارسال طائرة عسكرية حلقت على ارتفاع منخفض في سماء النجف بقصد الارهاب، فاطلقت عليها النار بغزارة من جميع المحلات(31).

(( وبالاجمال فانّ المشروع المطروح في النجف، والذي يقف وراءه علماء بارزون، خلاصة مخلصة لتلك الجهود العظيمة التي بذلها الاصلاحيون الاسلاميون في مدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي، فقد جعل واضعو المشروع الإسلام حلاً لمشكلات المجتمع، لكنهم لم يغلقوا الأبواب أمام التجارب العالمية ))(32).

وقد وضع هذا المشروع علماء ومجتهدون منهم الشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ محمد جواد الجزائري والسيد محمد علي بحر العلوم والسيخ محمد علي الدمشقي الذين أسسوا لتنفيذه تنظيماً حزبياً، وأقاموا له هيكلاً ونظاماً داخلياً، وهو ((حزب النهضة الإسلامي)) وكانت الأحزاب تسمى على الأغلب جمعيات، فغلبت عليها هذه التسمية وأصبح معروفاً باسم ((جمعية النهضة الإسلامية))(33).

وفي متابعتي لمطالعة الشيعة والدولة القومية في العراق من موضوع النجف والإنكَليز ص: 89 إلى ص: 106، لاحظت ان الكاتب الأستاذ حسن العلوي يصف السيد اليزدي المرجع الديني، بانه كان من أتباع الإنكليز وانه ساعد بموقفه على وأد الثورة في النجف، وهذا خلاف ا أعلفه وأتتبعه في ان موقف لسيد اليزدي، كان على خلاف هذا الرأي وانه كان مفكراً في تصرفه ومتأنياً ودقيقاً في تعامله مع حكومة الاحتلال، ولا أدري ما الذي دعا الكاتب إلى أن يصفه بهذا الوصف؟ وربما يرى الأستاذ العلوي ان المجتهد قد يختلف في رأيه مع الآخرين ولكن لا يعني ذلك عصياناً وتمرداً في رأيه مع غيره، فالمرجع السيد اليزدي عُرف عنه انه كان يتعقل الأمور ويتصرف بحكمة ودقة. ولربما كان يرى في عدم اظهار موقفه العدائي لحكم الاحتلال مجالاً لحل كثير من الأمور التي تتعلق بادارة البلد والأمة، ومنها الجانب الاقتصادي والسياسي.

حكومة النجف الثورية:

لقد شهدت حركة المعارضة الإسلامية هذه، أولى تحركاتها مع بداية انحسار حركة الجهاد، أي في أعقاب معركة الشعيبة، حيث عقدت لقاءات ومؤتمرات متتالية بين عدد من العلماء في النجف وكربلاء، وزعماء العشائر في الشامية والناصرية والشطرة ... وغيرها من مناطق الفرات الأوسط، وكان الرأي السائد فيها هو الإعداد للثورة على الإنكَليز ومحاربتهم، غير ان التشكيل العملي لهذه المقاومة لم يبدأ، إلاَّ بعد احتلال بغداد، وعلى وجه التحديد، في أواخر العام 1917م وأوائل 1918م، حيث دخلت حركة المعارضة اعتباراً من ذلك التاريخ في مواجهات سياسية وعسكرية قوية مع سلطات الاحتلال كان أهمها: المواجهة المسلحة الموضعية التي مثلتها ((ثورة النجف)) خلال آذار – نيسان 1918م.

والمواجهات السياسية ابان عملية الاستفتاء التي أجرتها الادارة الإنكليز في أواخر 1918م وأوائل 1919م، رغم المواجهة المسلحة الشاملة التي مثلتها ((ثورة العشرين)) خلال حزيران – تشرين الثاني 1920م، والتي شكلت ذروة المواجهات السياسية والمسلحة ضد الإنكَليز، حيث أعقبت ذلك فترة من المواجهات السياسية ضد الانتداب، وضد المشروع الإنكَليزي لإقامة دولة محلية (محدثة) وتابعة للغرب(34).

لقد شكلت النجف منذ بداية الاحتلال، مركزاً أساسياً لحركة الجهاد، واثر التصادم مع الادارة العثمانية المحلية وطردها في آيار 1917م. أقام زعماؤها المحليون اارة ذاتية لتسيير شؤون الأهالي، وهي ادارة يصفها ((لونكرك)) بانها أشبه بحكومة مؤقتة، وخلال السنتين تمتعت بهما المدينة بوضع مستقل عن الادارتين العثمانية والإنكَليزية، أقام علماؤها وزعماؤها صلات وثيقة، بمعظم أنحاء العراق والعالم الخارجي ولاسيما زعماء ورؤساء عشائر الفرات الأوسط(35).

كان العراقيون قد انتظموا في ترتيب تشكيل حكومة وطنية لتسيير دفة البلاد بعد ان بلغ الأمر ذروته مع الاحتلال وبدؤوا ينزلون ضرباتهم بالمحتل، فثورة العراقيين في وجه الظلم والاستبداد والجور والاستعباد كانت تزداد يوماً بعد يوم فنظموا شؤونهم مادياً وحربياً، وأخذوا يشكلون في المدن التي يستولون عليها حكومة محلية، وتقف على تنظيمها هيئات علمية.

(( ففي مدينة النجف انشئ مجلس بلدي قوامه ثمانية أشخاص لكل محلة من محلات المدينة الأربع شخصان، والثمانية هم:

محلة المشراق: 1- عبد الرزاق شمسة 2- عباس شمسة.

محلة البراق: 1- أحمد ناجي 2- محمد جواد عجينة.

محلة العمارة: 1- كردي أبو كلل 2- علوان الخرسان.

محلة الحويش: 1- سعيد كمال الدين 2- حسين الظاهر.

وكانت وظائف هذا المجلس جمع الضرائب، وجباية الرسوم المحلية والاشراف على الأمور الصحية، والقضايا البلدية، ولهذا انشؤوا حرساً خاصاً للأمن ومراقبين صحيين للنظافة، وموظفين ماليين للجباية. وقامت إلى جانب المجلس البلدي هيئتان محليتان:

الأولى: هيئة أعضاء مجلس الادارة وكانت مكونة من:

1- الشيخ جواد صاحب الجواهر رئيساً

2- الحاج عبد المحسن شلاش ناظراً للمالية

3- السيد مهدي السيد سلمان رئيساً للقوة الاجرائية

الثانية: هيئة القوة التنفيذية وكانت مكونة من:

1- كردي آل عطية ابو كلل.

2- الحاج حسين آل ظاهر.

3- السيد علي جريو.

4- السيد مهدي السيد سلمان.

5- الحاج عبد الله الشمرتي.

6- غيدان عدوه.

7- الحاج حسون سربه.

8- الحاج محمد الشرباوي.

وإلى جانب هاتين الهيئتين قامت ((الهيئة العلمية الدينية العليا )) فكانت تشرف على شؤون الثورة العامة، وتدير امورها وتصدر التعليمات المقتضية لهيأتي ((المجلس البلدي)) و((القوة التنفيذية )) وتقضي في المشكلات التي تحصل آنياً، أي أنها كانت تجتمع إثر كل حادثة أو مشكلة لتجد لها الحلول والمنافذ وكان الاجتماع برئاسة شيخ الشريعة، أما أعضاء هذه الهيئة العلمية العليا فكانوا:

1- الشيخ فتح الله شيخ الشريعة. 2- الشيخ عبد الكريم الجزائري.

3- الشيخ جواد الجواهري. 4- الشيخ مهدي الملا كاظم.

5- الشيخ موسى تقي زاير دهام. 6- الشيخ اسحاق حبيب الله.

7- الشيخ مشكور الحولاوي. 8- الشيخ علي الحلي.

9- الشيخ عبد الرضا الشيخ راضي. 10- الشيخ أحمد الملا كاظم.

11- السيد محمد علي بحر العلوم. 12- السيد محمد رضا الصافي.

13- السيد علي السيد حسن. 14- الشيخ علي المانع(36).

وهكذا وعلى اثر هذه التشكيلات العملية لبدء انطلاقة الثورة، سارت بقية المدن الثائرة بتنظيم شؤونها وتشكيل الهيئات فيها، ومنها مدينة كربلاء ومحل اقامة الإمام الشيرازي.

ان ثورة النجف كانت أول ثورة في العراق على الإنكَليز، وهي لم تستمر طويلاً إذ سرعان ما تمكن الإنكليز من القضاء عليها في مهدها، ولكنها على الرغم من قصر عمرها تُعتبر حدثاً مهماً من الناحية السياسية والاجتماعية، فهي تعطينا صورة حية من صور المجتمع العراقي في تلك المرحلة، ومن الممكن القول انها من الأحداث التي تهم الباحث الاجتماعي والمؤرخ في آن واحد، أو لعل أهميتها الاجتماعية أكبر من أهميتها التاريخية(37).

ثمار الثورة:

لما تمَّ للبريطانيين احلالت بغداد في 11 آذار 1917م بعد اتفاقية سايكس بيكو، اتخذت دوائر الاحتلال البريطاني بموجبها قرارات خطيرة بكيفية احلال المناطق العراقية في البصرة والناصرية والحي وبدره، وتنظيم شؤون الاحتلال والتمثيل في المدن وكيفية تشغيل الموظفين في تلك الادارات، ونتيجة التحركات الانتفاضية والثورية للمناطق المقدسة كالنجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، كان قرار الاحتلال البريطاني ان تكون لـ(( أماكن الشيعة المقدسة )) ادارة مستقلة غير خاضعة للهيمنة البريطانية المباشرة على أن ينتبه إلى عدم ادخال أراضي سقي، أو قابلة للسقي فيها.

أما كيف تسرّب الاحتلال إلى النجف والمدن المقدسة الأخرى وبدأت المدينة تدك بالمدافع ودنسها دخول الجيش، فقد سبق أن أشرنا في البحث إلى رفض المواطنين وفي مقدمتهم العلماء الأعلام السيطرة الأجنبية مهما كانت صفتها ونتيجة لهذا الرفض القاسي كان الشيعة قد تحملوا عبئاً كبيراً جداً ودفعوا الثمن باهضاً حتى يومنا هذا وسيأتي البحث عنه مفصلاً.

قرّر مجلس الحلفاء الأعلى في 25 نيسان سنة 1920م فرض ((الانتداب البريطاني)) على العراق، وأخذ وزير الخارجية البريطاني اللورد وكرزن يفكر في كيفية ادارة العراق في الوقت الذي اخذت روح الاستقلالية تسري بين مواطنيه بسرعة فائقة رافضين كل هيمنة أجنبية، فكان تفكير الوزير – كما صرح في خطابه في مجلس اللوردات – حول حاكم يجمع عليه رضى العراقيين، في الوقت الذي كان لهب الثورة قد تفجر بشكل خطير، واندلعت ألسنتها تسير في جميع أنحاء العراق سريان النار في الهشيم حتى لم يبقَ للاستعمار موضع قدم في حين كانوا يتصورون أن لهم الأيادي المتعاونة فيها، الأمر الذي دفع بالبريطانيين إلى التعجيل في اختيار الحاكم العربي للعراق لوضع الحد لهذا اللهيب المستعر وتكونت فكرتهم باستدعاء الأمير فيصلاً الموجود في درعا، وبدأت المحاولات والمراسلات والاعتراضات حتى تحقق أن فيصل هو الوحيد بين زعماء العرب الذي يدرك المشكلات العملية في ادارة حكومة متمدنة، بموجب الطرق العربية، ولهذا أشارت الأصابع إلى تسلمه لحكم العراق.

(( فقرّرت الحكومة البريطانية دعوة الأمير فيصل إلى انكَلترا فوراً، فجاء إلى لندن في 2 كانون الأول 1920م وقابل الملك جورج الخامس في اليوم الرابع من هذا الشهر لتقديم الشكر على الهدايا التي أهداها الملك جورج إلى والده الملك حسين ))(38).

(( في يوم 21 تشرين الأول 1920م جمع السير برسي كوكس مجلسه الاستشاري المكون من ((السير بونام كارتر)) ناظر العدلية والكولونيل هاول ناظر المالية ومساعده الكولونيل سيلتر، والميجر بولارد ناظر الأشغال، والمستر فلبي ناظر الداخلية، والمس بل السكرتيرة الشرقية لفخامته، وعرض عليهم مشروعه قائلاً: انه يرى أن يسلك طريقاً خاصاً في تنفيذ السياسة المقررة في البلاغ الصادر في 17 حزيران فيحافظ على الروح الوثابة، ويشذ في طريقة البناء، وانه يرى أن يؤلف حكومة مؤقتة، تكون كالجسر بينه وبين الشعب العراقي وتأخذ على عاتقها تعبيد الطريق لأقامة الحكم المقرر، دون أن يمس جوهر السياسة المرسومة. وأضاف إلى ما تقدم، أنه قرر الاستعانة بالسيّد عبد الرحمن الكَيلاني ((نقيب اشراف بغداد)) ليوليه رئاسة هذه الحكومة، لما له من المنزلة الاجتماعية والمقام الروحي، وذلك بعد أن اعترضته صعوبات وعقبات جمة في ترشيح غيره ))(39).

وبعد فراغه من المناقشات والتصورات مع اعضاء مجلسه (أي السير برسي كوكس) واجهته صعوبات من معظم الوجوه والأشراف لمخاوفهم المختلفة من هذا الطرح، كما ان علماء الكاظمية أصرّوا على تشكيل حكومة تنتخب من الشعب، وأخيراً تكونت الحكومة المؤقتة على النحو التالي:

1- السيد عبد الرحمن النقيب (نقيب بغداد) رئيساً لمجلس الوزراء.

2- طالب النقيب وزيراً للداخلية.

3- ساسون حزقيل وزيراً للمالية.

4- مصطفى الآلوسي وزيراً للعدلية.

5- جعفر العسكري وزيراً للدفاع.

6- السيد محمد مهدي بحر العلوم وزيراً للصحة والمعارف.

7- عبد اللطيف المنديل وزيراً للتجارة.

8- السيد محمد علي فاضل وزيراً للأوقاف.

9- عزّت باشا الكركوكي وزيراً للثقافة.

ثم توصل السير برسي كوكس إلى تشكيل مجلس استشاري لمجلس الوزراء يتناول المخصصات الوزارية ولا عمل لهم رسمياً إلاَّ إذا دعوا للاشتراك في جلساته وهم:

1- الشيخ ضاري السعدون المنتفك

2- عبد الجبار الخياط بغداد

3- عبد الغني كبة بغداد

4- عبد المجيد الشاوي بغداد

5- فخر الدين جميل بغداد

6- عبد الرحمن الحيدري بغداد

7- محمد الصيمود الكوت

8- عجيل السرمد الكوت

9- أحمد الصانع البصرة

10- سالم الخيون المنتفك

11- الحاج نجم البدراوي العمارة

12- داود اليوسفاني الموصل

وكانت مخصصات رئيس الوزراء سبعة آلاف روبية شهرياً. وثلاثة آلاف روبية للوزير سواء كانت له وزارة أم لم تكن(40).

دور النجف في ثورة العشرين:

لثورة العشرين أهمية خاصة، حيث ان 130 ألف ثائر من الفلاحين والبدو وسكان المدن، شهروا السلاح في وجه أقوى دولة امبريالية في ذلك الحين، وقاتلوا قواتها المتفوقة عدداً وعدة لأكثر من خمسة أشهر بشجاعة لم يسبق لها مثيل(41).

وان الانتفاضات التي قام بها الشعب العراقي، والتي انطلقت من المدن المقدسة ابتداءاً من النجف الأشرف، دفعت بسريانها ضد الاستعمار البريطاني خلال 1920 و 1924 و 1926 و 1927 و 1928م والانتفاضة الجبارة التي حدثت خلال الأعوام 1935 – 1938م سجلت أحداثاً مجيدة في تاريخ النضال التحرري للشعب العراقي(42). الحدث العظيم الذي حدث في ميثاق النجف 23 آذار 1935م الموجه من الشعب العراقي لمرجع المسلمين الشيعة آنذاك الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(43).

واستمر العراق بعطائه حتى كانت اتفاقية بورتسموث 1948م حيث أحبطها الشعب بثورته ومزّق اتفاقيتها، وامتدت اعوام الجهاد حتى عام 1956م عندما قام العدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي والاسرائيلي، على الشقيقة مصر، فكان الشعب العراقي يقف بالمرصاد لحكومة العراق فتظاهر مستنكراً، وسقط الضحايا في رصاص نوري السعيد.

ويقول السيد عدنان ابراهيم السراج: (( قاوم العراقيون الاحتلال الإنكَليزي مع القوات العثمانية وكانت القوات المساعدة للعثمانيين من العشائر بقيادة علماء النجف(44) الأشرف وكربلاء والكاظمية ... الخ ))(45).

ويتابع قوله: (( في احداث 1956م المتمثل بالعدوان الثلاثي على مصر، كان للنجف موقف مشرّف شجب هذا الاعتداء، فخرجت تظاهرات في الشوارع والأسواق، واستمر الاضراب في النجف اسبوعاً كاملاً اتخذ العنف طابعاً له، فعمدت السلطة إلى القوة، واطلقت النار على بعض المتظاهرين في مرقد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، فقتل اثنان ))(46).

في عام 1959م وعندما كان المد الشيوعي في العراق قد تفاقمت تصرفاته (امتدت الهجمة الشيوعية لتطاول التيار الديني والمرجعية في النجف، وبدأت حالة من المواجهة في النجف بعد وضع علامة (لا) على دور علماء الدين بغية مهاجمتها ليلاً)(47). ان هذه النماذج من المواقف التي وقفتها النجف الأشرف بمراجعها العظام وعلمائها الأعلام وشعبها المتفاني، جعلتها تكون غرفة عمليات للمجاهدين للانطلاقة الأولى للثورة ابتداءاً من سنة 1917م بدء الحركة الجماهيرية ضد الاستعمار الإنكَليزي وامتداداً واستمراراً بجميع الأحداث والانتفاضات والحركات التي مرت على عراقنا الحبيب حتى يومنا هذا.

ونتيجة لهذا الموقف العلماني تجاه المستعمر الأجنبي يحدثنا الأستاذ عبد الكريم الأزري فيقول: (( فان جميع المطلعين على تاريخ العراق الحديث، ولاسيّما بعد قيام الثورة الكبرى سنة 1920م يعرفون جيداً ان الشيعة كانوا ضحية الانتقام الإنكَليزي لمواقفهم الوطنية الصلبة العنيدة ضد الإنكليز الذين وجدوا انه من الصعب التفاهم مع زعماء الشيعة واعتبروهم حملة لواء التطرف في الوطنية، واستبعدوهم عن جميع المناصب، وهضموا حقوقهم، بل وهدروها هدراً، وقاوموهم بكل شدة وقسوة، وقربوا عوضاً عنهم، مَن سموهم ((بالمعتدلين)) وسلموهم مقاليد الحكم(48).

كان الملك فيصل الأول واعياً لموضوع استبعاد الشيعة عن الحكم وقد رفضه ووضح ذلك في مذكرته التي اصبحت وصية من بعده مؤكداً فيها ضرورة مشاركة الأغلبية السكانية في العراق في اتخاذ القرار السياسي(49).

الحقد القديم يطال الشيعة:

ان ثورة العشرين كانت نتيجة ضراع طويل بين قوى الاستعمار البريطاني وبين الشعب العراقي المتمثل في مراجعه العظام ومسيرة العلماء الذي وقفوا صفاً واحداً لتحريره فأوقعوا بالمستعمر ضربات موجعة لم تكن بحسبانه ... وأخيراً استسلم لما ألم به من الخسائر فقرر مكرهاً ترك العراق بعد أن يعطى البلد استقلاله. فهل ترك العراق؟ وترك شيعة العراق الذين طردوه ؟!

لقد ترك الاستعمار البريطاني للشيعة ما يعانونه حتى يومنا هذا مروراً بكل الأدوار التي جاءت لتحكمه باسم استقلال العراق، حيث يعيش الشيعة في غليان ثورات وحركات ونتفاضات لمطالبتهم بحقوقهم السياسية التب فقدوها ولم يحصلوا عليها. ان شعب العراق يعاني في كل دقيقة من قمع وارهاب واضطهاد، وهناك مَن يعاني الغربة القاتلة، وفراق الوطن المذبوح بمدية الدكتاتورية، ويعاني كل شبر من رماله المضجرة بدماء الشهادء الأبرار، ومن أنين آلاف المسجونين، وتضور المعتقلين الذين لا يُعدّون، انها مأساة امة هي الغالبية الساحة .. كل صور المعاناة المرهقة، وعلى مسمع من العالم الحر، ومرأى منه، وقد غفا الصمت المثقل بالهموم على شفاهه، وباتت الكلمة الجريئة مشنوقة على لسانه.

انهم يؤسسون جمعيات لحقوق الحيوان، ويدافعون عن مظلومية الحيوان وكيف يذبح الخروف، في الوقت الذي يُذبح فيه آلاف من البشر في العراق، وما من مؤسسة تدافع عن حقوقه المهدورة.

منذ ثورة العشرين والإنكَليز عرفوا ان الشيعة بالتحديد يشكلون غالبية العراق – في أكثر الاحصائيات الرسمية – في النسبة السكانية في العراق، فعمدوا إلى وضع دستور لتصعيد الأقلية إلى حكم البلاد وحرمان الأغلبية السيعية من حقّها الوطني ويضعون التبرير السخيف لتحقيق مآربهم، لأنهم تكبدوا الخسائر من اولئك الشيعة الذي اذاقوهم العذاب في ثورتهم وحطموا شوكة الامبراطورية البريطانية وألحقوا بها خزياً وعاراً ... فأصبحوا للشيعة أعداءاً.

وبعد أن خرج الإنكَليز مكرهين من العراق تركوا دستوراً ينفذ ارادتهم الحاقدة ويمنع الشيعة من الحصول على حقوقهم الوطنية فالشيعة لا تتمتع:

أ- بحق المشاركة في الحكم بالشكل العادل كما يتمتع به الآخرون، ولا يحق لهم صياغة القرار السياسي في وطنهم.

ب- كما لا يحق لهم اقامة شعائرهم وطقوسهم بحرية كسائر الأديان والمذاهب.

جـ- ولا يتمتعون بحق اقامتهم في بلدهم الذي ولدوا فيه، وبمناطق عيشهم التي قضوا فيها السنين الطوال.

د- ولا يتمتعون بحق المواطنة المتساوية، وممارسة حقهم في التعبير عن رأيهم إلى جانب المواطن الآخر.

هـ - وكذلك لا تمتعون بحق كونهم الأغلبية السكانية والتي تشكل الهوية الوطنية والقومية والثقافية للبلاد.

إذ يجري تمييز صارخ ضدهم – أي الشيعة – من أجل تغيير هذه الهوية بل في سحقها، ويجري على مر السنين ترحيل الكثير منهم إلى الخارج الوطن بحجة واخرى والتشكيك بمواطنتهم، وتصفيتهم جسدياً والابادة الجماعية، ومحاولة مسخ التراث الثقافي والحضاري، وتدمير بنيتهم الروحية والعلمية، وتشتيت جامعتهم الدينية ومعاهدهم العلمية، كجامعة النجف، وحوزتها العلمية، والاعتداء على مرجعيتهم الدينية، وقتل علمائهم وتدمير وهدم مساجدهم، وحرق نفائس مكتباتهم، والاعتداء على مراقد أئمتهم المقدسة، وتغيير معالم مدنهم التاريخية.

هذه السياسة الطائفية الهوجاء هي جزء من الطائفية السياسية التي تمارسها الأنظمة المتعاقبة على الحكم في العراق على مر السنين، وفي جميع مراحل الحكام بين الصعود والنزول حسب متطلبات الظروف وطائفية الحاكمين. وفي الوقت الذي يقوم الشعب العراقي بانتفاضاته ورفضه للاستعمار وأذنابه ومعاهداته فمن ثورة العشرين إلى انقلاب بكر صدقي 1936م إلى انقلاب رشيد عالي الكَيلاني 1941م إلى وثبة بورتسموث 1948م إلى انقلاب محمد نجيب في مصر 1955م، ومأساة النجف واستئزار نور الدين محمود في 1955م، إلى المعارضة في حلف بغداد عام 1955م والعدوان الثلاثي على مصر 1956م، إلى الإنقلاب الجمهوري في 1958م ومنه إلى الوحدة بين مصر وسوريا من نفس العام، إلى الانقلاب الدموي البعثي الأسود في 1963م والانقلاب البعثي الأخير في 1968م وحتى يومنا هذا، تعطي النجف خاصة والشيعة عامة قرابين من الدماء بعلمائها وبمراجعها وشبابها وشيوخها نساءً ورجالاً وحتى اطفالاً.

وتحاول السياسة الطائفية هذه الظهور بمظهر الضحية لتبرير انتهاكاتها الصارخة لحقوق الانسان، وممارساتها الارهابية والقمعية ذد أبناء البلد الأصليين، وبالطبع فان السياسة تلك مرتبطة بطبيعة النظام السياسي، ونهجه وبعموم التقاليد الموروثة في المجتمع العربي، بغض النظر عن حجمها كماً أو كيفاً.

جذور المشكلة الطائفية:

ورجوعاً إلى تاريخ جذور هذه المشكلة المؤلمة ودافعها الحقيقي، فقد كان هناك اتجاه سياسي تغلب على جميع الاتجاهات الأُخرى، وشكل بداية جديدة لظهور عرب المسلمين الشيعة على المسرح السياسي العراقي، فبعد انتهاء اضطهادهم من قبل الدولة العثمانية، بدأ جهاد علماء الشيعة ضد المستعمر البريطاني من جل الاستقلال، واقامة الدولة العراقية، ونهضوا بالقسط الأكبر من هذا الجهاد وبالكفاح الكبير من خلال تفجيرهم وقيادتهم لـ((ثورة العشرين)) أولاً، ثم من خلال مناداتهم بملك عربي انسجاماً مع عروبتهم ثانياً(50).

وقد اتضح بعد تقديم الضحايا والاستقرار على استقلاليتهم من خلال المرجعية الدينية في النجف، وفتاواها التي تجد صدى التنفيذ المباشر من قبل جماهير الأغلبية الشيعية في جميع انحاء العالم الإسلامي. ومن جراء هذا الشعور الرافض للمستعمر البريطاني كرست سياسة تقديم الأقلية المؤيدة لقبول الأمر الواقع، على الأغلبية، وعوملت هذه الغالبية كأقلية مضطهدة عاشت أوضاعاً تعرضت فيها لا للتمييز في المعاملة – الذي لا تقرّه مواثيق حقوق الانسان – فحسب، بل لحملات تصفية جماعية وابادة شاملة.

ورغم ان العهد الملكي الذي جيء به بعد ثورة العشرين حتى عام 1958م، لم يشهد تصفيات جسدية لهذه الأغلبية كما حدث في الأزمنة من بعده، إلاَّ ان سياسة التمييز الطائفي كانت قائمة – حينذاك – وكانت أحد اسس النظام السياسي الذي قام على أساس من هذا التمييز الذي لم يغيره عهد في هذه الوزارة أو تلك، وتميزت بشكل واضح في المناصب الحكومية، حيث شكلت من عام 1920م وحتى تاريخنا الحالي وزارات ورئاسات كان نصيب الأغلبية الشيعية اشبه بالانعدام. كما تمثلت هذه الطائفية في البرلمانات أيضاً، واستمراراً في سائر مرافق الدولة، ومجالاتها الواسعة.

أما مركز سلطة الجيش والقوات المسلحة، فلم يكن للشيعة إلاَّ العدد الرمزي القليل جداً وذلك على هامش القوات المسلحة، وهو في الواقع ستاراً للتغطية الطائفية السياسية السائدة، والتي وضع اساسها القانوني (قانون الجنسية) الذي صاغه البريطانيون، حيث وزعوا السكان العراقيين إلى فئتين في تبعيتها هما ((فئة عثمانية)) في تبعيتها و (فئة ايرانية) في تبعيتها. مما يلغي أصلاً الأصل العراقي لسكان العراق، وقد أصبحت الفئة العثمانية تمثل السكان الأصليين للبلاد، وتُحد من يغداد إلى الشمال والغرب، أما الفئة الأخرى فتشملها مناطق بغداد إلى الجنوب والشرق، واستناداً إلى هذا التقسيم البريطاني كان يتم نفي المعارضة السياسية والدينية الشيعية إلى إيران، للتخلص من نفوذهم، وتأثيرهم في العراق، وهو الأساس الذي اتبعه بحذافيره نظام صدام منذ عام 1969م، في تهجير السكان العراقيين العرب الذين كان الكثير منهم يعمل حتى في القطاعات العسكرية والتجارية والدينية، والثقافية الاجتماعية. وحتى الاكراد شملهم هذا التقسيم ولحقهم أخيراً التركمان والآشوريون، وجرد هذا القطاع الكبير من حقوق المواطنة، ومصادرة مستمسكاتهم وأموالهم للتخلص من ثقلهم الاجتماعي والسياسي والديني، ومن ارتباط العراق بتاريخهم الطويل وبتشكيلهم الهوية الوطنية والقومية والثقافية للبلاد.

وقد حاول صدام بعد حملات التهجير القسرية للعراقيين فتح الباب لبعض مواطني الدول العربية لأستيطانهم مناطق الجنوب لتغيير الخارطة العراقية ولرفع نسبة الطائفية بعد منحهم الجنسية العراقية على حساب العراقيين الأصليين.

نماذج من معاناة الشعب العراقي في عهد صدام:

وسأتعرض إلى بعض النماذج من آلام ومعاناة الأغلبية السكانية الشيعية على يد الحكم الصدامي وبمرأى من العالم الحر وجمعيات حقوق الإنسان ومجلس الأمن الدولي وغيرهم:

1- اقادام صدام على تدمير وابادة قرى ومدن الأهوار في جنوب العراق بالسلاح الكيمياوي، والحرق الشامل، والذي اودي بحياة الآلاف من أبناء القبائل الشيعية العربية وتشريد الآلاف منهم والقضاء على حياة تلك البيئة الفريدة التي تتمتع بعمق حضاري وانساني يعود إلى آلاف السنين.

2- انتفاضة الجماهير العراقية 1991م، ورد فعل صدام ونظامه عليها وهو خاسر ومهان في حرب الخليج مع الكويت. انه قمعها بابشع الأساليب وراح ضحيتها أكثر من نصف مليون عراقي.

3- حرب صادم مع الجارة المسلمة – الجمهورية الإسلامية الإيرانية – والتي راح ضحيتها ما يزيد على مليون قتيل ومعوق وجريح، والتي استمرت ثمان سنوات، اضافة إلى دمار البيئة، والبنية التحتية.

4- فاذا ما اضفنا رقم الخسائر البشرية وغيرها إلى حصيلة خسارة حرب الخليج الثانية، تنكشف الحقيقة المروعة وهي ان قرابة اكثر من ملبونين من عرب الشيعة طحنتهم سياسة النظام العدوانية خلال عقد من الزمن بسلاح ودعم اوربي امريكي للقضاء على الشيعة في البلدين وفي العراق خصوصاً انتقاماً من موقف الشيعة في ثورة العشرين. وإذا ما دقّقنا في نسبة العرب الشيعة المشردين، والذين يعيش البعض منهم في المخيمات على الحدود في ايران وفي داخلها وفي سوريا اضافة إلى اولئك المهجرين والمهاجرين الفارين من ضيم النظام وفتكه، وحماية لحياتهم من قمعه واضطهاده، والمنتشرين في أرجاء العالم، تتضح لنا أبعاد المأساة المروعة التي لحقت بالشيعة العراقيين.

5- نضيف إلى هذا انتهاك صدام وبشكل سافر ومنذ منتصف السبعينات لحرمة علماء المسلمين الشيعة وتشريع مبدأ اغتيالهم ومطاردتهم واعتقالهم وفقدانهم في سجونه، إلى انتهاك حرمة الجامعات العلمية، والمساجد، واحراق المكتبات، وبكل وقاحة واستهتار وبمرأى من العالم الإسلامي والعرب والغربي. وقد أعدم الكصير من علماء الدين وكبارهم حتى طالت يداه المراجع العظام، ولا زال الكثير منهم لا يُعرف عن مصير بعد اعتقالهم ومنذ أكثر من عشر سنوات.

6- كما ان صداماً شتت جامعة النجف العلمية وحوزتها الدينية، ذات الألف عام من العمر، وهي احدى أربع جامعات عالمية اسلامية: جامعة القرويين في المغرب، والزيتونة في تونس، والأزهر في القاهرة، والنجف الأشرف في العراق، هذه الجامعات التي أنمت الفكر العربي والإسلامي طوال سنوات عمرها الزاهر.

7- ولم يكتف صدام بهذا بل اعتدى على المراقد المقدسة للإمامين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في النجف الأشرف وابنيه الإمام الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام) في كربلاء، حيث دكت صواريخه هذه المراقد المقدسة، وعمد إلى تغيير المعالم الحضارية والتراثية في المدينتين النجف الأشرف وكربلاء.

8- ولو تابعنا تلك الروح الطائفية البغيضة في نفس صدام لرأينا ابان الانتفاضة الشعبية في عام 1991م، والتي عبر فيها الشعب العراقي البطل عن رفضه القاطع لنظام صدام الدكتاتوري، كيف ان النظام ألغم ودمر أكثر من 120 مسجداً، في مدينة كربلاء، و13 مدرسة ومعهداً علمياً في النجف الأشرف، واحرقت أكثر من خمس مكتبات عامة في النجف الأشرف كانت تحوي نفائس المخطوطات والكتب الإسلامية، كما تمَّ هدم قبور المسلمين في المقبرة العامة في النجف الأشرف، وتدمير المعالم والرموز الشيعية في هذه المدن المقدسة. جاء كل ذلك منسجماً مع شعار النظام الصدامي، الذي رفعته قوات الحرس الجمهوري ابان دكها وقصفها لهاتين المدينتين النجف الأشرف وكربلاء المقدستين ((لا شيعة بعد اليوم)). ان رفع هذا الشعار على دبابات ومصفحات جيش صدام ودخوله المدينتين المقدستين وقصف المراقد المقدسة وقتل الآلاف من الأبرياء إلى جانب قتل الأبرياء في مناطق الجنوب الأخرى، وما هو إلاَّ بدافع الانتقام الطائفي وتحقيق المخطط الاستعماري البغيض، في حين لم تعترض أية دولة عربية أو اسلامية – عدا الجمهورية الإسلامية في ايران – أو اية دولة في عالمنا الحاضر، اضافة إلى اعتقاله المرجع الديني الأعلى للطائفة الإسلامية الشيعية الإمام الخوئي (قدس سره) ونقله إلى بغداد.

وكان العالم كلّه يشهاد تلك العنجهية الصدامية واللامبالاة والاستهانة بالبشرية ترتسم على شفتيه! فماذا كان رد الدول الكبرى وغيرها، في الوقت الذي كانت النجف الأشرف أول من يسجل موقفاً في استنكارها واحتجاجاتها الدينية والوطنية في مناصرة شعوب العالم في كل مكان؟

الخاتمة:

ان النجف الأشرف شارك بجامعته العلمية وحوزته الدينية، وبكل ثقله وامكاناته الفكرية، المحن التي مرت بها شعوبنا العربية الإسلامية، وسجل في كل قضية مصيرية لهذه الأمة، طوال العقود المنصرمة موقفاً مشرفاً أملاه عليه الواجب الأخوي، والغيرة العربية، بداية من القضية الفلسطينية، ومروراً بالجزائرية، والتونسية، والمغربية، والسورية، والمصرية، وأخيراً الكويتية.

وسجل كل ذلك – بكل فخر واعتزا – في صفحات تاريخ هذا البلد العربي العراقي جهاداً، وفكراً ... ولكن – ويا للأسف – لم تعكس هذه المواقف المبدئية رد فعل مناسب وحجم هذه المأساة. فلم تنعكس صدى هذه المحنة لدى أخواننا العرب بما ينسجم وعمق المأساة، بل العكس فقد تركوا شعبنا المظلوم للحاكم ينفذ فيه مؤامراته دون رحمة أو رأفة، وبقي الأشقاء، والاصدقاء يرقبون العملية المأساوية وما من متحرك للإنقاذ.

ان الشيعة في عراقنا الحبيب عندما ثاروا قبل ثورة العشرين واستمروا في ثورة العشرين وما بعدها وطردوا المستعمر الانكليزي شرّ طردة من بلاد الرافدين فاشترك الشعب مع قيادته العلمائية المتمثلة بالمرجعية الرشيدة ... دفعوا ثمن ذلك العمل البطولي حيث نفذ ما سنّه الإنكليز من دستور طائفي بغيض مدركين ان كل حاكم يستلم زمام الحكم في العراق يسارع إلى تطبيق الدستور ليتجاهل الأغلبية السكانية في الوقت الذي يصرح الملك فيصل الأول مؤسس الدولة العراقية في مذكرته التي اصبحت وصية بعده بقوله: ((ان الضرائب على الشيعي، والموت على الشيعي، والمناصب للسني، ما الذي هو للشيعي ؟ ))(51).

ان سياسة التمييز الطائفي، والتي هي اليوم تجسيد واقعي للطائفية السياسية لنظام الحكم في العراق منذ تشكيل الدولة العراقية في العشرينات من قرننا هذا والتي صورت الغالبية العربية من سكان العراق بمظهر ((الأقلية)) لتبرير اضطهادها سياسياً ودينياً وثقافياً، بالرغم من مساهمتها الفاعلة، والجادة في بناء العراق ... ادى ذلك إلى أن يعيش هؤلاء أوضاعاً شاذة واستثنائية.

وللتأكيد على ما يُعامل به جنوب العراق ووسطه امتداداً من مدينة النجف الأشرف وانتهاءً في مدينة البصرة مروراً على بغداد وضواحيها .. ما سمعنا ورأينا ما حلّ بأهوار العراق واستنهضنا همم المجتمعات الدولية بالاضافة للعربية والإسلامية واستغثنا لمساعدتهم، وكأن شيئاً لم يكن، قتل ابناء الأهوار بأفتك الأسلحة المحرمة، وشرّد آلاف ... فلا عين رأت، ولا أذن سمعت ‍‍‍‍!!

ان قرارات الأمم المتحدة منها ما يُنفذ فور اقرارها ومنها ما يوضع على الرف رغم اهميتها وضرورتها. منذ غزو صدام للكويت في 2/8/1990م وقف المجتمع الدولي في وجه صدام، وظهر ذلك بجلاء في قرارات الأمم المتحدة التي وصلت قرابة الثلاثين قراراً، ومن أجل تحديد نقاط الخلل، وعدم التوازن في السياسة الدولية تجاه شعبنا المضطر نستدرج المفارقة التالية بين قرارين صدرا عن المجلس الدولي في فترة متقاربة واحدة وضمن اجراءات مماثلة كمثل بسيط عن حديثنا هذا:

الأول: قرار 687 الصادر في 2 نيسان 1991م والذي يُعتبر اطول قرار تصدره الأمم المتحدة منذ تأسيسها، تناول تدمير الأسلحة العراقية الكيمياوية والبايولوجية، والصواريخ، ومسألة العقوبات والتعويضات، كما تناول معالجة عواقب الحرب المدمرة. أما مرتكب الجريمة صدام التكريتي فيبقى طليق اليد، يقتل ويسجن ويشرد ويعبث في أرض الرافدين وجوارها فساداً، ويهدد المنطقة ويختلق بين فترة واخرى حرباً، ويهدد كيان دول ... كل ذلك ولم يشر القرار إليه بشيء !! اوجد حاكماً منذ البداية لينفذ أوامر أسياده وبالذات مسخ الهوية العربية الشيعية، ويحقق لأسياده ما يصبون إليه.

ان الإدارة الدولية بذلت اهتماماً كبيراً في تنفيذ هذا القرار، وقد اسندت مهمة تنفيذه مبدئياً إلى السفير – رالف اكيوس – من ادارة الأمم المتحدة – بصفة الرئيس التنفيذي للجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة المكلفة بازالة الأسلحة العراقية المحظورة – ومنذ صدور القرار وحتى استقالته، وتعيين السفير بتلر محله زارت اللجنة العراق اكثر من سبعين بعثة من الأمم المتحدة لتنفيذ بنود القرار، وامتلكت تلك البعثات الصلاحيات الواسعة في الوصول وتفتيش أي منطقة في العراق دون أي مانع، ولم يستطع العراق من الوقوف امام هذا الموقف الدولي، والامتناع من الاستجابة إليه بل انصاع ممتثلاً اوامره بكل مذلة، رغم ما فيها من غمط لحقوق العراق إذ كان بالامكان الاستفادة من بعض هذه المؤسسات للصالح العام العراقي، بان تتحول إلى طاقة يستفاد منها في المجالات الإنسانية والعلمية، اضافة إلى ذلك فقد تكلف تنفيذ هذا القرار مليارات من الدولارات تحملها شعب العراق المظلوم.

الثاني: قرار 688 الصادر في 5 نيسان 1991م، وهو القرار الوحيد الذي انتصر لجانب الشعب العراقي، والذي ينص على ضمان حقوق الإنسان في العراق، ويدين القمع الذي يتعرض إليه من قبل النظام.

وفي صيف 1991م عُين ((فن دير شتويل)) وزير الخارجية الهولندي السابق مقرراً خاصاً لحقوق الإنسان في العراق، ومنفذاً للقرار 688، وبذل جهداً في مهمته الإنسانمية محققاً وباحثاً عن انتهاكات حقوق الانسان في العراق. فمنذ صدور هذا القرار وحتى يومنا هذا زارت العراق بعثتان، ومثيلها لدراسة انتهاكات النظام للاجئين العراقيين في الجنوب والشمال، ويقدم تقريره المفصل عن انتهاكات حقوق الانسان في العراق، كلما سنحت له الفرصة في كل اجتماع للأمم المتحدة مدعماً تقريره بالأدلة والوثائق مضيفاً توجيهاته وتوصياته العديدة لحماية حقوق الإنسان من قمع النظام وابادته، وكانت من أهم تلك التوصيات:

أ- ضوروة انتشار المراقبين الدوليين في كافة انحاء العراق، وقد اقتراحه في شباط 1992م ووافقت الجمعية العمومية على الاقتراح بالأغلبية، وذلك للحد من اعتداءات السلطة على المواطنين.

ب- في نوفمبر 1992م لفت المقرر الخاص انتباه العالم إلى الكارثة البئية التي لحقت بالأهوار نتيجة استمرار النظام في عمليات التجفيف الواسعة، وتدمير حضارة قديمة يمتد عمرها إلى آلاف السنين، وتهجير سكانها المستوطنين منذ عشرات السنين أو اكثر إلى المناطق لم يألفوها ولم يتمكنوا من العيش فيها لأسباب بيئية.

ج- في شباط 1994م حدد (فان دير شتويل) وشخص مسؤولية الجرائم التي ارتكبت تجاه الشعب العراقي برأس النظام، وطالب بمحاكمته كمجرم حرب. والغريب جداً ان الأمم المتحدة لم تنفذ أياً من الاقتراحات الخاصة بالحد من ارهاب وقمع النظام تجاه الشعب الذي يحمله قرار 688.

سؤالنا وسؤال شعبنا الذي يرتسم على شفاه الملايين من العراقيين وغير العراقيين من اصحاب الضمائر الحية ! لماذا جندت الأمم المتحدة كل امكانياتها لتنفيذ قرار 687، واهملت متابعة قرار 688 الخاص بالشعب العراقي؟!! أو لماذا نفذ قرار 678 بحذافيره وجندت له الأمم المتحدة كل الامكانيات؟! نستنتج من متابعة الأمور:

1- إن الأمم المتحدة وقفت مكتوفة اليدين في انتفاضة الشعب العراقي (آذار 1991م) والتي شجعها رئيس التحالف الدولي الرئيس جورج بوش، فلم تصدر الأمم المتحدة قراراً تحفظ به حقوق الإنسان في العراق من الكارثة المأساوية التي جابهها الثوار العراقيون من انقضاض النظام عليهم، في الوقت الذي يرى فيه جيش الحلفاء وبقيادة شوارزكوف آلاف المنتفضين يتساقطون قتلى برصاص صدام وبطائراته التي أجازوا له استعمالها، وهي ترمي أنواع القنابل عليهم.

2- خلو كل القرارت المتعددة الصادرة من المنظمة الدولية بعد الانتفاضة المجيدة، وخاصة قرار مجلس الأمن الدولي 687 من تحديد مسؤولية مفجر الحربين الإيرانية والكويتية، ومحاكمة المعتدي، وأبقي مرتكب الجريمتين طليقاً حراً يمارس كل أساليب القمع والاضطهاد مع الشعب العراقي، وبكل حريته، دون رادع أو محاسب.

3- لم تضع الأمم المتحدة آلية تطبيق الحظر الاقتصادي المفروض على العراق ليقصر ضرره على النظام دون الاضرار بالشعب، وتركته ليصبح ضرره على الشعب أكثر بكثير جداً من ضرره على النظام.

ومن هذا كله يتضح ان هناك تناقضاً واضحاً بين المصالح الدولية ومصالح الشعوب، مما يجعل سياسة المنظمة الدولية في ظروف الهيمنة (الأحادية) غير متوازنة، ويبدو ان احد أسباب ذلك هو ((غربة الشعوب)) وعدم وجود التضامن في وحدة الموقف العام لنصرة الشعوب المضطهدة.

وبهذا الجهد اليسير من البحث في أهمية النجف الأشرف ودورها المشرف في ثورة العشرين وما تلاها من الحركات والانتفاضات، أسال الله تعالى أن يأخذ بيد شعبنا العراقي البطل لما فيه خيره وصلاحه في اختياره حكومة شرعية وطنية ينتخبها ابناؤه البررة من بين رجالاته المجاهدين وان يعيد للنجف الأشرف وكربلاء والكاظمية وسامراء، المدن المقدسة في عراقنا الحبيب كرامتها وعزّتها بعد هذا الشوط الطويل من الجهاد وللمراجع العظام والعلماء الأعلام والشعب المجاهد عزتهم وحريتهم وكرامتهم، انه سميع مجيب.

 

الهوامش

(1) راجع محمد بحر العلوم: الدراسة وتاريخها في النجف / موسوعة العتبات المقدسة – جعفر الخليلي – قسم النجف، ج2، طبع بيروت – دار التعارف 1966م.

(2) قد خفُت بريق النجف الأشرف بعد الطوسي وبزغ نجمها مرة أخرى في القرن التاسع والعاشر الهجري، وقد ذكر الكاتب ذلك في الصفحة 228 بقوله: ((وازدهرت النجف ثانية بعد ...)) [اللجنة].

(3) لا شك ان انتقال السيد بحر العلوم (رحمه الله) إلى النجف الأشرف قد أعطاها زخماً قوياً وفتح عهدها الجديد غير ان ذلك لا يعني الإحكام التام حيث كانت مدرسة كربلاء بما فيها من أفذاذ منهم شريف العلماء المازندراني استاذ الشيخ الأنصاري ومن بعده من كبار الفقهاء والأعلام [اللجنة].

(4) دائر المعارف الإسلامية الشيعية، ج3/ص: 415.

(5) مصدر سابق، الدكتور السيد محمد بحر العلوم / موسوعة العتبات المقدسة، ج2.

(6) السيد مصطفى جمال الدين، مقدمة الديوان، ص: 13 – 27.

(7) ديوان علي الشرقي، ص15 – 16، طبع بغداد.

(8) محمد جواد مغنية: امامة علي والعقل، ص: 48.

(9)ضياء الدين زين الدين: علي في التزام الحق، ص: 331.

(10) المستدرك (م . س)، 3: 12: 128، والذهبي في تلخيص المستدرك، ج3/ص: 121، وابن عساكر في الترجمة، ج2/ ص: 188، 266، 268.

(11) كنز العمال (م . س)، ج6/ ص: 155 (حديث 2578)، وفي المنتخب، ج5/ ص: 32 والحاكم في المستدرك، ج3/ ص: 128.

(12) السيد حسن الأمين: دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، ج3 / ص: 414. والدكتور السيد بحر العلوم في موسوعة العتبات المقدسة، قسم النجف، ج2/ ص: 28 – 32.

(13) د. عبد الهادي الفضلي: تاريخ التشريع الإسلامي، ص: 333 – 334.

(14) المصدر السابق، ص: 399.

(15) المصدر السابق، ص: 401.

(16) حسن شبر: العمل الحزبي في العراق، ج1 / ص: 74.

(17) المصدر السابق، ج1 /ص: 61.

(18) المصدر السابق، ج1/ ص: 63.

(19) مذكرات السيد محمد علي كمال الدين من رجال الثورة العراقية، ص: 100.

(20) مذكرات السيد محمد علي كمال الدين من رجال الثورة العراقية، ص: 284.

(21) المصدر السابق، ص: 287.

(22) المصدر السابق، ص: 299.

(23) عبد الرحيم الرهيمي: تاريخ الحركة الإسلامية في العراق، ص: 165.

(24) مذكرات السيد محمد علي كمال الدين من رجال الثورة العراقية، ص: 25 – 27.

(25) حليم أحمد: موجز تاريخ العراق الحديث، ص: 62.

(26) عبد الرزاق الحسني: الثورة العراقية الكبرى، ص: 80.

(27)عبد الرزاق الحسني: الثورة العراقية الكبرى، ص: 84.

(28) عبد الرزاق الحسني: الثورة العراقية الكبرى، ص: 40.

(29) عباس محمد كاظم: ثورة الخامس عشر من شعبان (ثورة العشرين)، ص: 196.

(30) المصدر السابق، ص: 196.

(31) حسن العلوي: الشيعة والدولة القومية في العراق، ص: 88.

(32) المصدر السابق، ص: 93.

(33) حسن العلوي: الشيعة والدولة القومية في العراق، ص: 94.

(34) عبد الحليم الرهيمي: تاريخ الحركة الإسلامية في العراق، ص: 189.

(35) المصدر السابق، ص: 190.

(36) عبد الرزاق الحسني: الثورة العراقية الكبرى، ص: 80.

(37) د. علي الوردي: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج5/ ص: 205.

(38) عبد الرزاق الحسني: الثورة العراقية الكبرى، ص: 264.

(39) المصدر السابق، ص: 249.

(40) عبد الرزاق الحسني: الثورة العراقية الكبرى، ص: 251.

(41) ل. ن كونلوف: ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق، ص: 267.

(42) المصدر السابق، ص: 270.

(43) مرفق ميثاق النجف لحركة 1935م. وللوقوف على نصه يراجع: ج4/ ص: 101 من تاريخ الوزارات العراقية لمؤلفه عبد الرزاق الحسني، الطبعة الخامسة الموسعة.

(44)عدنان ابراهيم السراج، الإمام محسن الحكيم، ص: 203.

(45) المصدر السابق، ص: 203.

(46) المصدر السابق، ص: 203.

(47) المصدر السابق، ص: 219.

(48) عبد الكريم الأزري: مشكلة الحكم في العراق، ص: 144.

(49) المصدر السابق، مذكرة الملك فيصل الأول.

(50) من محاضرة لسماحة الدكتور السيد محمد بحر العلوم

(51) عبد الكريم الأزري: مشكلة الحكم في العراق، ص: 4.