دليل المملكة العراقية
لسنة 1935 ـ 1936


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 

(قضاء النجف الأشرف)

 

النجف، بلدة واسعة قائمة على رابية مرتفعة فوق أرض رملية فسيحة. تطل من الجهتين الشمالية والشرقية على مخيم واسع من القباب والقبور التي تعد بمئات الاُلوف، يدعى "وادي السلام".

وتطل من الجهة الغربية على بحر النجف الناشف، ويشاهد القادم من مسافة بعيدة مرقد الإمام عليّ (عليه السلام) تتجلى فوقه قبة فخمة كأنها قطعة من الذهب الإبريز تناطح السماء علواً وتفاخرها سمواً.

وهي أرض عربية قديمة كانت مصيداً أو متنزهاً للمناذرة. وبعد انقراض تلك الدولة ودخول المسلمين في العراق، ودفن الإمام عليّ (عليه السلام) فيها ابتدأ عمراتها على عهد الرشيد إثر معجزة ظهرت له فأقام قبة بيضاء، على القبر الشريف، بعد أن كان مخفياً اتقاء له من تعرض الخوارج، ووضع عليه قنديلا من الفيروزج المرصع بالجواهر النفيسة. وعظم شأنها في القرن الرابع للهجرة النبوية لما زارها عضد الدولة البويهي في جمادى الاُولى من سنة 371 للهجرة (981 م) وبذل أموالا طائلة لتشييد العمارة الجسيمة حول المشهد المشرف.


الصفحة 2


 

ثم انتقل إليها أرباب الصنائع والحرف وابتدأت تتقدم عمرانياً في القرن المذكور، فقصدها طلاب العلم والمعرفة، وأصبحت كعبة القصاد، ومنهل العلماء، وهي ـ اليوم ـ في العراق كالأزهر في مصر; يخرج منها في كلّ سنة عدد كبير من دعاة الدين ورجال الفضل والعلم الغزير.

هواء صيفها حار يابس، وفي الشتاء بارد قارس، وعندما تشتد الحرارة في الصيف يلتجيء سكانها إلى سراديب منحوتة نحتاً بديعاً يبلغ متوسط عمق الواحد منها عشرين متراً. وقد يخرج بعضهم إلى المزارع والبساتين التي تبعد عن المدينة ميلا واحداً، أو إلى جسر الكوفة; الذي يبعد عنها سبعة أميال طلباً لنقاوة الهواء. وقد أحصت الحكومة نفوسها أخيراً فكانوا 46064.

شوارعها مستقيمة وفسيحة ـ إلاّ البعض منها ـ وعمارتها جليلة ومرتفعة، وأسواقها عريضة ومنتظمة، ولا سيما السوق الكبير الذي يبتدىء من سور المدينة الشرقي وينتهي عند الصحن الشريف، ولاستقامته فإن الواقف على سور البلدة يرى داخل الحضرة الشريفة بكل سهولة.

وهي على بعد 48 ميلا من شرقي كربلاء، وفيها من المدارس الحكومية ثلاث، ومن الأهلية ثلاث، ومن العلمية الروحية العدد الكبير، ومن المساجد الشيء الكثير. وفي أكثر بيوتها مقابر خصوصية للعلماء وأهل الوجاهة والثراء.

والذي يؤسف له كثيراً بعد البلدة عن الفرات، والماء ركن من أركان الحياة ـ بلا ريب. وقد حفرت للنجف ترع وجداول كثيرة لايصال الماء اليها غير ان مايجري فيه منه لا يسد حاجة الأهلين فضلا عن الزائرين في كلّ عام. فقد دلت الاحصاآت الرسمية على ان متوسط عدد الزائرين للنجف في المواسم المخصوصة يتجاوز نصف مليون نسمة.


الصفحة 3


 

وفي التاريخ أساطير كثيرة، وروايات غريبة عن المساعي التي بذلها الايرانيون ورجال الثراء لإرواء سكان القرى تكاد تخرج عن المعقول.

وأخيراً ـ أي في عام 1348 هـ / 1929 م ربطت الكوفة بأنابيب كانت أحسن وسيلة لتأمين هذه الغاية.

والبلدة محاطة بسور فخم تصدعت بعض قطع منه بعد ثورة 1920 م. وكان لها أسوار عديدة تهدمت فلم يبق غير سورها الحالي، الذي شاده الصدر الأعظم نظام الدولة محمّد حسين خان العلاف، وزير فتح عليّ شاه (الـ) قاجاري، في عام 1232 هـ/ 1816 م.

ولهذا السور أربعة أبواب تسمى بأسماء مختلفة، فالذي يؤدي إلى الكوفة يسمى الباب الكبير، والذي إلى جانبه ـ ومنه يخرج الناس إلى كربلا ـ يدعى الباب الصغير أما المؤدي إلى البركة ومزارع النجف فيسمى باب الثلمة. ويسمى الباب الرابع باب الحويش ـ بالتصغير ـ أو باب اشتابية أي الطابية، وقد وضع هذا السور على هيئة حربية تصد الهاجمين على النجف والواقف على مرتفع ينظر إلى هذا السور يلمحه على هيئة أسد رابض يطوقه خندق وضع لهذه الغاية.

وللنجف أسماء; منها: النجف، والمشهد، والغري، وسميت بالنجف لأنها مرتفعة والنجف ـ لغةً ـ طف الوادي، وحاشيته المرتفعة، وسميت بالمشهد لأن فيها مرقد الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ومشهده، وهو لفظ العامة للروضة.

أما سبب تسميتها بالغري فحكاية تاريخية لطيفة ينقلها المؤرخون في كتبهم ويذكرها الحمويّ في معجمه(1).

____________

1- لقد حذفنا هنا ما ذكره دليل المملكة العراقية عن ياقوت الحموي في أسباب تسمية النجف بالغري لورود القصة كاملة في بحث (النجف قديماً) من هذا الجزء حذراً من التكرار.


الصفحة 4


 

وكانت هذه البقعة تعرف عند رجال البلدان بالذكوات البيض. والذكوات البيض هذه هي جبل الديك في محلة المشراق، وجبل شريشفان في محلة العمارة، وجبل باب الكبير، وآخر رابع.

وهي تبعد عن الثوية بثلاثة كيلومترات. وقد اختصت الثوية بمقابر قريش، ولكنها درست ولم يبق منها إلاّ قبر كميل بن زياد; أحد المشاهير من دعاة أهل البيت... ويتوسط مدينة النجف الأشرف مشهد الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). وهو وسط صحن عظيم مستطيل تتجلى فيه العظمة بأجلى مظاهرها، كما تتجلى فيه بداعة الفن، ونفاسة النقش، وجمال الريازة.

ويتقوم من طبقتين يبلغ ارتفاعهما زهاء 35 متراً. ويبلغ طول هذا الصحن 82 متراً، وعرضه 77 متراً. وفي كلّ ضلع من هذه الأضلاع 14 إيواناً، وفي كلّ ايوان غرفة هي مقبرة أحد المشاهير.

وفي الطبقة الثانية عدد من الأواوين والغرف بعدد الأواوين والغرف الموجودة في الطبقة السفلى.

والصحن على رحبة ـ مفروش بالرخام الأبيض. وله خمسة أبواب. وجدرانه مغشاة بالآجر القاشاني الملون البديع. وعلى حواشي الجدران العليا تجد الآيات القرآنية مسطورة بأحرف عربية جميلة متداخلة تسرالناظرين إليها،ويحيط بالصحن بهو واسع يظله من جهة الغرب فقط ساباط مرتفع تتوسطه سماية مستديرة.

ويلي هذا الصحن من جهة الشرق ايوان واسع كبير، يبلغ ارتفاعه قراب أربعين متراً، كما يبلغ طوله45 متراً،وهو مسقف; سقفه مع جدرانه كلها مغشاة بقطع الذهب، وفي ركنيه مئذنتان مرتفعتان مغشاتان بالذهب الإبريز ـ أيضاً ـ تؤثران في النفوس أثراً بليغاً، وقد أنفق على هذه التغشية السلطان نادرشاه وذلك في عام 1156 هـ ـ 1743 م.


الصفحة 5


 

ومن هذا الرواق الجزئي يدخل إلى الرواق الكلي المسقف، وجدران هذا الرواق الأخير مغشاة بقطع المرايا ذات الأشكال الهندسية البديعة والنخاريب المزوقة المختلفة.

ولهذا الرواق أربعة أبواب متقابلة، بابان منهما فضيان، يدعى أحدهما الباب الكبير، ويسمى الثاني باب المراد، وبابان من خشب الساج، أحدهما مغلق والآخر مفتوح يسميان باب الرحمة.

ويلي كلّ ما تقدم ـ الحضرة المقدسة; ذات الهيبة والجلال، والروعة الكريمة، واللآليء الثمينة. كما علقت فيها الثريات التي توقد فيها الشموع طول الليل.

وجدران هذه الحضرة مغشاة بالفسيفساء اللطيفة، والرخام الايطالي البديع وقطع المرايا المختلفة الأشكال والحجوم، والمصابيح الكهربائية العديدة. كما ان أرضها مفروشة بالرخام الأزرق اللطيف، وفيها أربعة أبواب من الفضة، وخامسة من البرونز.

ويتوسط هذه الحضرة ـ المرقد الغروي المطهر يحيط به مشبكان; أحدهما من الفضة الناصعة البياض، وهو الخارجي، والآخر من الحديد الفولاذي، وهو الداخلي.

وتعلو المشبك الأول كتابات من القرآن مع أبيات من الشعر لابن أبي الحديد. وفي كلّ ركن من أركانه الأربعة رمانة من الذهب الخالص، يبلغ قطرها زهاء النصف متر.

ويتوسط المشبك الحديدي الداخلي مصطبة من الخشب المرصع بالعاج والمنقوش عليه بعض الآيات القرآنية، وتحتها المرقد الشريف.


الصفحة 6


 

وفوق الضريح قنديل معلق بسلسلة من الذهب الخالص، مرصع بأثمن الأحجار اليتيمة. ومن جملتها; ماسة يبالغ في ثمنها كثيراً(1).

وتعلو الحضرة قبة جسيمة مغشاة بالذهب الإبريز، ومرتفعة إلى علو شاهق، والظاهر أنها أرفع قباب آل البيت جميعاً، وقد غشيت هذه القبة بالذهب في عام 1156 هـ وأنفق على تغشيتها السلطان نادر شاه.

____________

1- في أوائل هذا القرن الميلادي ـ اُغري لص من لصوص بغداد الأذكياء من قبل بعض التجار الأوروبيين الأجانب بمبلغ كبير ان هو استطاع أن يحتال ويستل هذه الماسة من الفانوس المعلق بسلسلة من أعلى سقف القبة إلى وسط الضريح، وجاء هذا اللص إلى النجف ودرس وضع هذا الفانوس المعلق بالسلسلة وكانت تحيط بالقبة من فوق السطح عدة شبابيك كانت هي وحدها مصدر النور والضوء المشع في سماء القبة وهدته الحيلة إلى أن يعد خيطاً غليظاً قوياً يربط رأسه بعدة سنارات من هذه السنارات التي يصطاد بها الأطفال والهواة السمك في الأنهار حتى إذا اُتيح له أن يصعد سطح القبة ويفتح أحد الشبابيك بعد نصف الليل وحين يكون الحرم والصحن خاليين ألقى بخيطه هذا على السلسلة المدلاة ثم جذب الفانوس المعلق به اليه بواسطة السنارة وانتزع منه الماسة المذكورة ونزل.

ورسم خطته هذه ودرسها من جميع وجوهها وظل عليه أن يحتال في الطريقة التي يستطيع فيها أن يصعد سطح القبة لينفذ هذه الخطة ثم ينزل ويختفي في احدى الزوايا حتى إذا فتحت أبواب الصحن عند الفجر اختلط بالناس وخرج من الصحن ولاذ بالفرار.

وهكذا كان فقد ظل يراقب باب السطح وينتظر أن يجد الفرصة التي تمكنه أن يختفي ليلا في الصحن قبل أن تغلق الأبواب حتى حانت تلك الفرصة وتم تنفيذ الخطة بكاملها وجذب اليه الفانوس عن طريق سحب السلسلة بالسنارة وأخرج الماسة ولكن الوقت قد ضاق وجاء المؤذن وهو أول من يفتح له حراس الحرم الباب ليرقى المنارة عند بزوغ الفجر فألفى باب السطح مفتوحاً ونادى الخدام فهرعوا وصعدوا إلى سطح الصحن وقبضوا على اللص وفي التحقيق معه من قبل الحكومة التركية اعترف وذكر أسماء بعض الوسطاء الذين أغروه.

منذ ذلك اليوم والسلسلة هذه مربوطة بعدة سلاسل من وسط القبة بحيث لا يستطيع أحد أن يسحبها لو أراد أن يفعل ما فعل اللص الأول، وقد بولغ في ثمن هذه الماسة وندرتها وروى الراوون عنها حكايات كثيرة.

ج  .  خ


الصفحة 7


 

وفي التاريخ النجفي ان عدد القباب التي شيدت على قبر الأمير (عليه السلام) بلغ ثمان، أولها قبة الرشيد ـ التي ألمعنا اليها في صدر هذا الفصل ـ وآخرها القبّة الحالية التي غشاها بالذهب نادر شاه في سنة 1156 هـ(1).

الدليل العراقي الرسمي
لسنة 1936

 

مرقد الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وجامع هذا المرقد العظيم في النجف الأشرف، والقادم إلى النجف يشاهد من مسافة بعيدة ـ القبة الذهبية الفخمة، تناطح السماء علواً، وفي ركنيها مئذنتين مرتفعتين مصفحتين بقطع الذهب، وصحن جامع النجف كبير جداً، وفخيم من حيث الهندسة، والبناء، والنقوش، والمرصعات، وللجامع خزانات وأقبية مترعة بتحف وطرف ثمينة محفوظة فيها تعد من أندر تحف العالم وأثمنها، ولا تفتح هذه الكنوز إلاّ قليلا(2).

ومما يظهر للسائح جلياً هو كون النجف معهد علم وأدب ودراسة للاُمة الإسلامية، كجامع الأزهر في مصر، فقد أخرجت من العلماء والجهابذة ما يعد بالاُلوف.

____________

1- دليل المملكة العراقية ص 950 ـ 954.

كان هذا فيما قبل سنة 1935 م أما اليوم فقد تغيرت النجف تغييراً كلياً وتبدلت معالمها وزال السور وقلعت الأبواب واتسعت رقعة النجف وحتى الصحن الشريف والضريح والرواق وكلّ ما مر من الأوصاف في هذا الدليل عن النجف قد تبدل.

ج  .  خ

2- الدليل العراقي الرسمي ص 688.


الصفحة 8


 

وفيها عدد غير قليل من المدارس العلمية:

كمدرسة الصدر، ومدرسة الشيخ مهدي، ومدرسة القوام، والمدرسة السلمية، ومدرسة الاير (و) اني، ومدرسة القزويني، ومدرسة البادكوبي، ومدرسة الهندي، ومدرسة الشربياني، ومدرسة الحاج ميرزا حسين الخليلي، ومدرسة الآخوند، ومدرسة البخاري، ومدرسة السيد كاظم اليزدي. وغيرها في الصحن الأشرف كثير. وأكثر هذه المدارس مبنية بشكل شرقي غريب صرفت عليها بدر الأموال حتى صارت كعبة القصاد من مختلف أنحاء العالم(1).

الجوامع والمساجد

جامع الأنصاري، مسجد بيت الأمير، تكية البكتاشية، جامع التُرك، جامع الجواهري، جامع حسينية السيد هاشم، جامع حسينية الصحن، مسجد الحنانة، جامع الخضراء، جامع الإمام زين العابدين، جامع الإمام زين العابدين حوالي النجف، مسجد الششترلية، جامع الطريحي، جامع الطوسي، جامع ومرقد سيّدنا عليّ بن أبي طالب، جامع عمران، جامع الغري، جامع كاشف الغطاء، جامع كميل، جامع المهدي، مسجد مقام المهدي، جامع الهندي، مرقد هود وصالح.

الدليل الجغرافي العراقي

النجف ـ المدينة الرئيسية في اللواء (لواء كربلاء) بعد كربلاء، وهي مقدّسة ـ أيضاً ـ لوجود مشهد الإمام عليّ (عليه السلام) فيها.

____________

1- الدليل العراقي الرسمي ص 689.


الصفحة 9


 

نفوسها (88809) نسمات، تقع على بعد 75 كيلومتراً من كربلاء شرقاً.

كانت مصيفاً للمناذرة ملوك الحيرة وبعد دفن الإمام عليّ (عليه السلام) فيها توسع عمرانها وانتقلت اليها الحركة العلمية فنبغ فيها عدد من العلماء والاُدباء والشعراء وفيها اليوم مدرسة دينية كبرى، يتخرج فيها عدد كبير من رجال العلم والدين(1).

____________

1- الدليل الرسمي العراقي ص 161.