تاريخ مرقد الإمام علي (عليه السلام)
والأطوار المبكرة للنجف الأشرف


تأليف
كريم مرزة الأسدي
شاعر وباحث عراقي ـ أمريكا


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 

مقدمة:

كلام الأمير... أمير الكلام...!!

"ما أحسن منظرك، وأطيب قعرك! اللّه اجعل قبري بها..."(1).

بهذه الكلمات الخالدة للإمام علي (عليه السلام)، تأطرت النجف قبل تأسيسها، وخلقت قبل ولادتها في عالم الغيب وقدسية الإمامة الطاهرة.

لك أن تقتنع.. ولك أن تتفسح وتتطلع.. الحقيقة واحدة، من أرض نجاف كالمسناة.. تصدّ الماء، وتطلّ على البساتين والنخل والأنهار، وهي قاحلة جدباء أو تكاد...!! إلى مدينة عامرة تنضح بالخير والبركة والعطاء.. من أطلال دارسة تعصف بها صرصر الرياح إلى حاضرة زاهية بأفكار العلماء ومجالس الشعراء... تكتسي بالابهة والهيبة والوقار.. من (ظهر الكوفة) و(نجف الحيرة) إلى (حيرة النجف) و (طهر الكوفة)... غلبت المكان وتحدت الزمان:


قم وارمق النجف الشريف بنظرة

يرتدّ طرفك وهو باك أرمد

تلك العظام أعزّ وجلّ ربّك قدرها

فتكاد لولا خوف ربّك تعبد

أبداً تباركها الوفود يحثها

من كلّ حدب شوقها المتوقد


هذا ما قال الشارع العربي السوري محمّد مجذوب.

ما قصة هذه البقعة الطاهرة والمدينة المقدسة التي نوّرت الدنيا، وجذبت الناس بفكرها الإسلامي، وأنفاسها العربية، ونزعتها الإنسانية؟ والحقيقة أنّ قصتها تطول وتطول، لذلك نقتصر على الخلاصة الموجزة عن مرقد الإمام،

____________

1- المجلسي، محمّد باقر: بحار الأنوار، ج42 / ص: 129، طبعة دار إحياء التراث ـ بيروت.


الصفحة 2


 

والأطوار المبكرة لمدينة النجف الأشرف، ولكن لابدّ لنا من إلقاء نظرة على النجف من حيث تسميتها وأسمائها لما لها من علاقة في معرفة طبيعتها الجغرافية وعمقها التأريخي، وعلّة اختيارها مدفناً.

النجف لغة:

"النجف محركة وبهاء: مكان لا يعلوه الماء، مستطيل منقاد، ويكون في بطن الوادي، وقد يكون ببطن الأرض. ج: نجاف. أو هي: أرض مستديرة مشرفة على ما حولها. والنجف محركة: التل أو قشور الصلّيان"(1). أما ابن دريد في (جمهرته) فيذهب إلى التخصيص قائلا "النجف علّو من الأرض وغلظ نحو نجف الكوفة، وكل شيء عرضته، فقد نجفته، ونصل نجيف ومنجوف إذا كان عريضاً وبه سُمي الرجل منجوفاً"(2). وعندما نصل إلى (تاج العروس) نرى أن الزبيدي أسهب في وصف النجف كمدينة فيها قبر الإمام علي (عليه السلام)، ولها مقابرها ومنازلها ; فينقل لنا عدّة أقول " قال الأزهري: النجفة مسنّاة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل أن يعلو مقاربها ومنازلها. وقال أبو العلاء العرضي: النجف قرية على باب الكوفة... وقال السلهي: بالفرع عينان يقال لأحدهما الغريض، وللآخر النجف يسقيان عشرين ألف نخلة وهو بظهر الكوفة كالمسناة، وبالقرب من هذا الموضع قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)"(3).

وفذلكة الأقوال: النجف أرض مرتفعة متسعة مكشوفة كالمسنّاة تصدّ الماء فلا يعلوها، وتشرف على ما حولها، يطرّها الجفاف، وهذا يعني أن هواءها صحّي غير مشبع بالرطوبة، وربّما لهذه الأسباب طلب الإمام (عليه السلام) أن يكون مدفنه

____________

1- الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص: 1104 ـ 1105، مؤسسة الرسالة، ط2، 1997م.

2- ابن دريد (جمهرة اللغة)، م2 / ص: 108، مطبعة دار المعارف العثمانية 1345 هـ.

3- الزبيدي: تاج العروس، م6 / ص: 251، السهلي هكذا ورد وهو السهيلي عبد الرحمن توفي 581هـ.


الصفحة 3


 

بها فتشرّفت به ونعتت بالنجف الأشرف. وهناك عدّة أسماء اُخرى للنجف الأشرف منها:

1 ـ خد العذراء:

وهو (ظهر الحيرة) إذ كانت تسميه العرب بهذا الاسم منذ عهد المناذرة، وكان معشاباً فيه نبت الشيح والقيصوم والخزامى والزعفران وشقائق النعمان والاقحوان، فمرّ النعمان بالشقائق فأعجبته فقال: مَن نزع من هذا شيئاً فانزعوا كتفه فسمّيت شقائق النعمان(1).

2 ـ اللسان:

وكان بظهر الكوفة الذي هو النجف يقال له اللسان على التشبيه أي (لسان البر)(2)، وكانت العرب تقول: أدلع البرّ لسانه في الريف، فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط وما كان يلي البطن منه فهو النجاف، قال عدي بن زيد:

 

ويح امّ دار حللنا بها

بين الثوية والمردمه

لسان لعربة ذو ولغة

تولّغ في الريف بالهندمه

 

وينقل (ياقوت) عن كتاب (الفتوح) " ولما أراد تمصير الكوفة، أشار عليه مَن رأى العراق من وجوه العرب باللسان، وظهر الكوفة يقال له لسان"(3).

3 ـ براثا:

تعني كما ورد في (القاموس) "البرث: الأرض السهلة، أو الجبل من الرمل السهل، أو أسهل االأرض وأحسنها، جمع براث"(4). وقال الأصمعي وابن الأعرابي: "البرث أرض لينة مستوية تنبت الشعير، والجمع من كلّ ذلك (براث) بالكسر و(أبراث وبروث) على القياس، وشاهد البرث للواحد قول الحصري:

 

على جانبي حائر مفرط

ببرث تبوأته معشب

____________

1- محبوبة: ج1 / ص: 4، الهامش نقلا عن كتاب الأذكياء (لابن الجوزي) بلا.

2- د. مصطفى جواد: موسوعات العتبات المقدّسة (قسم النجف)، ج1 / ص: 12. الزبيدي: م9 / ص: 334.

3- راجع الحموي: م5 / ص: 16.

4- الفيروزآبادي: القاموس، ص: 211.


الصفحة 4


 

والبرث الأرض البيضاء الرقيقة السهلة السريعة النبات"(1) ونرى هذه المواصفات تنطبق على أرض النجف، فمن الممكن أنها سُمّيت بهذا الاسم قديماً.

4 ـ ظهر الكوفة:

كثيراً ما كان يطلق على النجف قديماً (ظهر الكوفة)، فماذا تعني كلمتا (الظهر) و (البطن) عند العرب، عندما تطلقان على الأرض مجازاً؟ قال ابن سيده: " وطريق الظهر طريق البر، وذلك حين يكون ما لان وسهل ورقّ واطمأنّ ". وقال ابن شميل: "ظاهر الجبل أعلاه وظاهر كلّ شيء أعلاه استوى أو لم يستو ظاهره، وفي الأساس الظاهرة الأرض المشرفة"(2). ومن المعلوم أن النجف طريق البر بالنسبة للكوفة، وهي أرض مرتفعة مشرفة عليها.

5 ـ الربوة:

ما ارتفع من الأرض وجمعها ربى(3)، ومنه قوله تعالى: ( وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَة ذاتِ قَرار وَمَعِين )(4)، والربوة: النجف كما هو مفسّر(5). وبعض المفسرين يذهبون إلى أنها "أرض بيت المقدس أو الرملة أو دمشق أو مصر"(6). و(الربوة) التي تقع عليها مدينة (النجف) اليوم يرتفع أعلاها عن سطح البحر بمقدار خمسة وستين متراً، وتتكون من عشر طبقات، كما دوّنها عبد المحسن شلاش في دراسة له وعنوانها "آبار النجف ومجاريها"(7).

6 ـ الغري:

الغري الحسن الوجه أو البناء الجيد الحسن، أو كل ما يطلى

____________

1- الزبيدي: م1 / ص: 601، وراجع أيضاً ابن منظور: م1 / ص: 358، مادة "برث"، طبعة دار إحياء التراث ـ بيروت 1995.

2- الزبيدي: م3 / ص: 371 ـ 375.

3- الحموي: م 3 / ص: 26.

4- سورة المؤمنون، الآية: 50.

5- الشرقي، طالب: النجف الأشرف، ص: 10.

6- تفسير عبد اللّه شبر، ص: 333.

7- الأسدي، حسن: ثورة النجف، ص: 18 وما بعدها لمعرفة الطبقات، وزارة الإعلام العراقية 1975م.


الصفحة 5


 

بالغراء، والنسبة إليه (الغروي)، ومنه "الغريان وهما بناءان مشهوران بالكوفة عند الثوية حيث مرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، زعموا بناهما بعض ملوك الحيرة"(1).

7 ـ بانقيا:

بكسر النون، ناحية من نواحي الكوفة ورد ذكرها في (الفتوح)، ففي أخبار إبراهيم الخليل (عليه السلام) "خرج من بابل على حمار له ومعه ابن أخيه لوط يسوق غنماً، ويحمل دلواً على عاتقه حتي نزل (بانقيا) وكان طولها اثني عشر فرسخاً، وكانوا يزلزلون في كلّ ليلة، فلما بات إبراهيم عندهم لم يزلزلوا... فجاؤوه وعرضوا عليه المقام عندهم وبذلوا له البذول، فقال: إنما خرجت مهاجراً إلى ربّي، وخرج حتى أتى إلى النجف، فلما رآه رجع أدراجه، أي من حيث مضى، فتباشروا وظنوا أنه راغب فيما بذلوا له، فقال لهم: لمن تلك الأرض (يعني النجف)؟ قالوا: هي لنا، قال: فتبيعونها؟ قالوا: هي لك فواللّه ما تنبت شيئاً، فقال: لا أحبّها إلاّ شراء، فدفع إليهم غنيمات كنّ معه بها، والغنم يقال لها بالنبطية نقيا، فقال: أكره أن آخذها بغير ثمن"(2). وضمنها الأعشى منذ العصر الجاهلي بشعره قائلا:

 

فما نيل مصر إذ تسامى عبابه

ولا بحر بانقيا إذا راح مفعما

بأجود منه نائلا أن بعضهم

إذا سئل المعروف صدّ وجمجما(3)

 

وذكرها الأعشى مرة اُخرى. وإبان الفتوحات الإسلامية ورد ذكر (بانقيا) أيضاً، قال ضرار بن الأزور الأسدي:

 

أرقتُ ببانقيا ومَن يلق مثلما

لقيتُ ببانقيا من الحرب يأرقُ(4)

____________

1- الزبيدي: م10 / ص: 264.

2- الحموي: م 1 / ص: 331 ـ 332.

3- المصدر السابق.

4- الجاسم، أحمد: شعر بني أسد، ص: 456، محبوبة: ج1 / ص: 18 الهامش. الحموي: م1 / ص: 332.


الصفحة 6


 

8 ـ المشهد:

بالفتح وهي كلمة تعني المجمع من الناس، أو محضر الناس ومجمعهم، ومشاهد مكّة: المواطن التي يجتمعون بها(1)، وقد تستعمل كلمة (مشهد) لمكان استشهاد الشهيد والجمع (مشاهد)(2). ولما يحجّ الناس من كلّ حدب وصوب إلى العتبات المقدسة، ويجتمع الخلق فيها للزيارة، ومعظم الأئمة (عليهم السلام) استشهدوا قتلا أو سماً، فاقترنت الكلمة بجميعها; ولكن اختصت مدينة النجف الأشرف بـ (المشهد) بشكل مميز، لذا يقال لكل نجفي (مشهدي)، وإذا قيل (المشهدان)، فيعني ذلك النجف وكربلاء، والكلمة مستعملة منذ القدم، إذ يوردها الطبري وابن الأثير وغيرهما في كتبهم. وقال أبو اسحاق الصابي يمدح عضد الدولة عند زيارته للحرم العلوي الشريف:

 

توجهت نحو المشهد العلم الفرد

على اليمن والتوفيق والطائر السعد

 

وقال السيّد علي خان(3) صاحب السلافة عند زيارته المرقد العلوي ذاكراً المشهد:

 

ياصاح هذا (المشهد) الأقدس

قرّت به الأعين والأنفس

والنجف الأشرف بانت لنا

أعلامه والمعهد الأقدس

والقبّة البيضاء قد أشرقت

ينجاب عن لألائها الحندس(4)

 

9 ـ وادي السلام:

ويراد به جبانة النجف الواسعة، ودلالة لفظ (وادي السلام) على النجف من باب ذكر لفظ الجزء والمراد منه الكل، وتسمية الوادي

____________

1- الفيروزآبادي: ص: 372، ابن منظور: ج3 / ص: 241. الزبيدي: ج3 / ص: 373.

2- راجع المنجد في اللغة، باب "شهد"، ص: 406.

3- السيد علي خان، الملقب صدر الدين ابن الأمير نظام الدين ينتهي نسبه إلى زيد بن علي، ولد في المدينة 1052هـ، وتوفي سنة 1120هـ، له ديوان شعر 183 صفحة متوسطة، قيل عنه كما يروي السيّد الأمين: "الإمام الذي لم يسمع بمثله الدهر"، أعيان الشيعة، م8 / ص: 152.

4- محبوبة: ج 1 / ص: 12.


الصفحة 7


 

بـ (وادي السلام) لاعتقاد أن الأجسان والنفوس تنعم فيه بسلام وأمان من الوحشة والعذاب لقربها من مرقد الإمام علي (عليه السلام)(1). ويقال أن مرقدي آدم ونوح عليهما السلام إلى جانبي مرقد الإمام (عليه السلام)، أما هود وصالح عليهما السلام فمرقداهما في وادي السلام ولهما مزار يرتاده بعض الزوار، وانّ الإمام علياً (عليه السلام) حسب ما يذكر لنا ابن طاووس أشار إلى معرفته لقبريهما في حياته، وأوصى ابنه الحسن (عليه السلام) قائلا: "ادفنوني في هذا الظهر في قبر أخوي هود وصالح"(2). ويروي لنا صاحب "روضات الجنات": "أن أوّل مَن دفن بالنجف الذي هو ظهر الكوفة (خبات بن الأرت) من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الذي شهد بدراً وما بعدها.. نزل الكوفة ومات بها بعد أن شهد مع علي صفين والنهروان، وصلّى عليه علي (عليه السلام)..."(3).

والنجف تعجّ بمقابر الأنبياء والصحابة والملوك والسلاطين ولو أردنا ذكر مَن دفن في النجف من الصحابة(4) والتابعين وامراء الحمدانيين والفاطميين وسلاطين البويهيين والصفويين والقاجاريين ومدافن الجلائريين، والوزراء والشعراء والعلماء والعظماء لاحتجنا إلى كتاب مستقل، ولكن لا بأس من أن نروي هذه الحادثة لنبيّن مدى اهتمام بعض الرجال لكي يُدفنوا في النجف الأشرف، وللقارئ أن يقيس.

يذكر ابن الأثير في أحداث سنة 418هـ (1027م) "أما أبو القاسم ابن المغربي فتوفي في هذه السنة بميافارقين (ديار بكر)، وكان عمره ستاً وأربعين سنة، ولما أحسّ بالموت كتب كتاباً عن نفسه إلى كلّ مَن يعرفه من الأمراء

____________

1- الشرقي، طالب: ص: 9.

2- ابن طاووس: فرحة الغري، ص: 38.

3- الخونساري، محمّد باقر: روضات الجنات، ج4 / ص: 84. مكتبة اسماعيليان، قم 1390هـ.

4- يروي صاحب "فرحة الغري"، ص: 127 "توفي بالكوفة 313 من الصحابة لا يدرى قبر أحد منهم إلاّ قبر علي (عليه السلام) ".


الصفحة 8


 

والرؤساء الذين بينه وبيه الكوفة ويعرّفهم أن حظية له توفيت، وانّه سير تابوتها إلى مشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وخاطبهم في المراعاة لمَن في صحبته، وكان قصده أن لا يتعرض أحد لتابوته بمنع، وينطوي خبره. فلما توفي سار به أصحابه كما أمرهم، وأوصلوا الكتب، فلم يتعرض أحد إليه. فدفن بالمشهد، ولم يعلم أحد إلاّ بعد دفنه"(1). والمغربي المذكور هو وزير شرف الدولة البويهي، وهنالك شخصيات أعظم منه بكثير، ولكن لهذه الحادثة دلالة خاصة كما ذكرنا. ويوجد قبر ينسب إلى كميل بن زياد النخعي الذي قتله الحجاج سنة 82هـ، وهو من أصحاب الإمام علي (عليه السلام)، وموقعه على بضعة كيلومترات من مركز المدينة على شمال المتجه إلى الكوفة، وغطته مباني مدينة النجف وتعدّته إلى الكوفة حيث اتصلت الكوفة بالنجف عمرانياً.

أما الحنانة(2) وهي أقرب إلى النجف من قبر كميل وبالاتجاه نفسه، وتعتبر نهاية أرض الثوية، يحيط بها مسجد يسمى باسمها (مسجد الحنانة)، وهو كبير نسبياً وفيه مشهد رأس الإمام الحسين (عليه السلام) يقع في وسط المسجد، وعليه ضريح من الخشب، وقد قامت عليه قبة كُسيت بالقاشاني وشيدت بجانبها مأذنة حديدية الصنع سنة (1388هـ / 1968م)، وتقع الحنانة على أطراف موضع معروف منذ العصر الجاهلي يُسمى بـ "الثوية"، وكان بالثوية سجن للمناذرة (ملوك الحيرة)، وكان يُقال لمَن حُبس بها: ثوى، أي أقام، وتضم الثوية قبر أبي موسى الأشعري

____________

1- ابن الأثير: ج 9 / ص: 362.

2- تسمية "الحنانة": إما هي كلمة مشتقة من الحنين، وذلك عندما مرّت سبايا الإمام الحسين (عليه السلام) بموضع الثوية، إذ عبثوا برأسه الشريف ورؤوس أصحابه، فصدرت أصوات من الحنين جزعاً على ما حلّ بهم، فالكملة عربية الاشتقاق أصيلة، وقد تأتي من تحنّن عليه: أي ترحم، والحنان: الرحمة، أو أن الكلمة مشتقة من لفظة "حنّا"، و"حنا": دير نصراني قديم من أديرة الحيرة، كان في موضع المسجد عينه، وتطورت اللفظة من "حنّا" إلى "حنانة" بمرور الزمن، ودير حنّا قد بناه المنذر الأوّل بن النعمان الأوّل الذي حكم بين 418 ـ 462م، وكان ديراً عظيماً في أيامه.


الصفحة 9


 

والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه(1)، وذكر الثوية كثير من الشعراء ومنهم المتنبي إذ يقول:

 

وليلا توسدنا (الثوية) تحته

كأن ثراها عنبر في المرافق

بلاد إذ زار الحسان بغيرها

حصى تربها ثقبنه للمخانق

 

والمتنبي قد ذكر (البسيطة) أيضاً وهي أرض قريبة من الثوية، تقع عليها (محلة غازي) من الجديدة إذ يقول:

 

بسيطة مهلا سقيت القطارا

تركت عيون عبيدي حيارى(2)


والحقيقة لم يبق من أسماء النجف في يومنا هذا إلاّ النجف الأشرف و(وادي السلام) ويراد به الجبانة، و(الغري) وكثيراً ما تستعمل الكلمة في الشعر والنثر، ويطلق أحياناً على النجفيين بـ (المشاهدة) وعلي النجفي بـ (المشهدي)، ولا تطلق الكلمة على غيرهم من سكات العتبات المقدسة، ويعتز النجفي بهذا اللقب ويعتبره شرفاً له، ولكن كيف نشأت النجف وشيد المشهد الشريف؟ هذا ما سنتناوله باختصار في بحثنا المتواضع هذا. واللّه الموفق لكل خير.

مدفن الإمام علي (عليه السلام) ومكان مرقده الشريف:

بعد وفاة الإمام علي (عليه السلام) في ليلة إحدى وعشرين من رمضان الكريم سنة 40هـ (24/1/661م)، إثر ضربة اللعين عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وكان الإمام ابن ثلاث وستين سنة قمرية(3) ; ارتفعت الصيحة في داره من بناته ونسائه،

____________

1- محبوة: ج1 / ص: 248 ـ 249.

2- راجع البراقي، حسين: تاريخ الكوفة، ص: 144.

3- ولد الإمام (عليه السلام) في السنة الثلاثين بعد عام الفيل 600م في يوم الجمعة 13 رجب وذلك في البيت الحرام، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت اللّه تعالى سواه، وأبوه اسمه عبد مناف وكنيته أبو طالب، ويدل على أن اسم أبي طالب "عبد مناف"، أنا أباه عبد المطلب لما أوصاه بالنبي قال:

 

أوصيك يا عبد مناف بعدي

بموحد بعد أبيه فرد


راجع أعيان الشيعة، م 1 / ص: 323، وقيل توفي الإمام ليلة الأحد كما في شرح ابن أبي الحديد ومقاتل الطالبيين ومروج الذهب.

 


الصفحة 10


 

فعلم أهل الكوفة; فأقبل الرجال والنساء يهرعون أفواجاً أفواجاً وصاحوا صيحة عظيمة، فارتجت الكوفة بأهلها وكثر البكاء والنحيب وكثر الضجيج بالكوفة وقبائلها ودورها وجميع أقطارها كما هو الحال عند وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)(1)، ويذكر الشيخ المفيد في (الارشاد) "تولى غسله وتكفينه ابناه الحسن والحيسن عليهما السلام"(2)وقال الطبري: "غسّله ابناه الحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكبّر عليه الحسن تسع تكبيرات"(3)، وينقل السيد محسن الأمين في (أعيانه): "وقال أبو الفرج: غسّله الحسن وعبد اللّه بن عباس، وقال ابن الأثير: عبد اللّه بن جعفر مكان عبد اللّه بن عباس، وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة..."(4)، ويقول ابن أعثم: "فغسّله الحسن والحسين، ومحمّد بن الحنفية يصبّ على أيديهما الماء ثمّ كفن..."(5).

المهم غسله الإمامان الحسن والحسين عليهما السلام وربّما تناوب على مساعدتهما ابنه محمّد بن الحنفية وعبد اللّه بن جعفر وعبد اللّه بن عباس، فلابدّ أنهم كانوا مجتمعين، ثمّ كفن وكبّر عليه الإمام الحسن (عليه السلام)، وتختلف الروايات حول عدد التكبيرات أيضاً.

ولكن من أين جاءت بعض الاحتمالات الضعيفة حول مكان قبره الشريف والثابت بلا أدنى ريب أن موقعه في "الغري" حيث مشهده اليوم في النجف الأشرف؟ فلا يمكن لنا أن نعبر الموضوع دون التطرّق إلى هذه الاحتمالات

____________

1- أعيان الشيعة: م 1 / ص: 530.

2- الشيخ المفيد: الارشاد، ص: 12، الأعلمي ـ بيروت 1979 م.

3- الطبري: ج5 / ص: 148.

4- أعيان الشيعة: م 1 / ص: 530، دار التعارف ـ بيروت 1983م.

5- ابن أعثم: فتوح البلدان، م 1 / ص: 509.

 


الصفحة 11


 

ودحضها إلاّ إذا عبرنا النجف كلّها، فلا نجف بدون قبر الإمام، لأن القبر بحضرة الإمام هو شرفها وسرّ بقائها وعنوان شموخها، به طاولت الأيام، وتحدت الزمان، بل لو اهتمت الحكومات العراقية بالمشاهد المقدسة في العراق عمرانياً وسياحياً من حيث توفير المستلزمات الخدمية والاجتماعية، وتسهيل إقامة الزوار والسياح وتشجيع بناء صروح العلم والدراسة لدرّت هذه الأعمال من الخيرات على العراق ما يوازي ثروته الزراعية أو المعدنية، ولا يختلف اثنان انّ الكثير من بلدان العالم كـ (اسپانيا والمغرب مثلا) تعتمد تماماً على الصناعة السياحية ولا يوجد فيها من المراقد المقدسة التي يلتزم بزيارتها ورعايتها أكثر من ثلاثمائة مليون مسلم، ولكن لا حياة لمن تنادي.

يخبرنا التاريخ ـ والشي بالشيء يذكر ـ عن مدى اهتمام القدماء بالنجف، لما جرت المفاوضات التي دارت بين الشاه عباس الصفوي وبين حافظ أحمد الوزير العثماني [اقتراح اعطاء] بغداد إلى الايرانيين وما عداها من العراق إلى الترك فلم يقبل الترك، ثمّ تنازل الشاه الإيراني وطلب أن يعطى النجف وما عداها يكون للترك، فأجاب الوزير التركي قائلا: إنّ كلّ حجر من النجف يعادل عنده ألف إنسان، وما بغداد إلاّ حماها(1)!!

والسؤال الذي يطرح نفسه هل من المعقول أن يدرك الأجانب أهمية المراقد المقدسة في وطننا الحبيب أكثر من العراقيين أنفسهم؟! ونحن بدورنا نطرح هذا السؤال على السلطات المتعاقبة على حكم العراق من جيلنا حتى الأجيال الآتية بمشيئة اللّه، فهل من مجيب؟! نرجع إلى موضوعنا حيث جرّنا القلم من قبر الإمام إلى أهمية النجف الدينية والاقتصادية والاجتماعية والسياحية بشكل خاطف، ونذكر النقاط التالية:

____________

1- راجع ستيفن لونكريك: اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ترجمة جعفر الخياط، ص: 84 ـ 85 طبعة قم، الحادثة وقعت في حزيران 1036 هـ / 1626م.

 


الصفحة 12


 

1 ـ لقد وضعت بعض الآراء والأخبار غير الدقيقة عدّة احتمالات لمكان قبر الإمام (عليه السلام) حيث تقول دائرة المعارف الإسلامية (طبعتها الإنگليزية): "امّا ان الإمام دفن في الكوفة نفسه في الزواية القبلية للمسجد، أو على بعد فرسخين من الكوفة (أي في النجف)، أو انه نقل ليدفن بالقرب من قبر فاطمة، والرواية الرابعة تجعل قبره في قصر الإمارة"(1). نقول: هذه الروايات ـ كما دونت دائرة المعارف نفسها مصادرها ـ رجعنا إليها وإلى غيرها فوجدنا "ان الاصطخري وابن حوقل ذكرا أن قبر علي في أيامهما كان في زاوية جامع الكوفة الكبير، وقد أيّد ذلك كثير من الثقات، وعزّزه غيرهم من المصنّفين"(2)!! هذا ما دون (لسترنج) في كتابه "بلدان الخلافة الشرقية"، فرجعنا للاصطخري فوجدنا أنه ذكر "وقريب من الكوفة قبر علي (عليه السلام)، وقد اختلف في مكانه; فقيل أنه في زواية على باب جامع الكوفة، ورأيت في هذا الموضع دكان علاف. (!!) ومنهم مَن زعم (!!) انه من الكوفة على فرسخين وعليه قناطر وآثار مقابر..."(3).

أما ابن حوقل ـ وهو ممّن عاصر الاصطخري(4) ـ فنقول ابن حوقل يقول: "بالكوفة قبر أمير المؤمنين علي صلوات اللّه عليه، ويقال انه بموضع يلي زواية جامعها، وأخفي من أجل بني أمية خوفاً عليه، وفي هذا الموضع دكان علاّف (!!) ويزعم أكثر ولده (!!) أنّ قبره بالمكان الذي ظهر فيه قبره على فرسخين من الكوفة"(5). ويذهب ابن سعد في إحدى رواياته بقوله: "ودفن بالكوفة عند مسجد الجماعة في قصر الإمارة"(6). والمسعودي أيضاً لا يدري، فيذكر التنازع حول

____________

1- راجع The Ency of the lslam, Vol. Vll, pagc: 860.

2- لسترنج، كي: بلدان الخلافة الشرقية، ص: 104.

3- الاصطخري: المسالك والممالك، ص: 58.

4- الاصطخري توفي 346هـ / 957م، وتوفي ابن حوقل 367هـ / 977 م.

5- ابن حوقل: كتاب صورة الأرض، ص: 163.

6- ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج6 / ص: 91، طبعة ليده سنة 1938م.

 


الصفحة 13


 

مكان دفنه، أما في مسجد الكوفة، أو انه حمل إلى المدينة فدفن قرب قبر فاطمة، أو انه حمل في تابوت على جمل(1)، ومرّة يقول في عبارة منفردة انه دفن بالرحبة عند مسجد الكوفة(2).

مما تقدم يتضح لنا ان الآراء مضطربة غير مستقرة على خبر أكيد، تذهب شمالا ويميناً، ولا يجمع الأخبار السابقة، والتي سنوردها لاحقاً، سوى (الغري) حيث موضع مرقده الشريف في يومنا الحاضر بالنجف، ولو كان هنالك أدنى شكّ لوجود قبره في بقعة ما لشاهدت عدّة مشاهد يتبرك بها الناس، كما هو الحال بالنسبة للسيّدة زينب (عليها السلام) وهي أقل مقاماً من أبيها، وكذلك بالنسبة لرأس الإمام الحسين (عليه السلام)، ولما بقي هذا العلاّف في دكانه، ولا لقصر الإمارة أن يطويه الزمان.

وذكر الاصطخري وابن حوقل أن قبر الامام (عليه السلام) قد ظهر في النجف، وكلا الرجلين قد عاصرا البويهيين والحمدانيين، وهم ممّن اهتموا كثيراً بقبر الإمام، ولابدّ انّهم تيقنوا تماماً من صحة موقع القبر في النجف الأشرف، بل قد دفن جلّ أولاد أبي الهيجاء (عبد اللّه بن حمدان والد سيف الدولة) في النجف، وكذلك دفن أغلب ملوك البويهيين في النجف وأشهرهم عضد الدولة البويهي (ت372هـ / 982م); ولكن من أين جاءت هذه الاحتمالات، وكيف وردت هذه الروايات؟

2ـ ان الاحتمالات الواردة في الفقرة السابقة مصدرها كما يذكر ابن طاووس " إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر ابنه الحسن أن يحفر له أربعة قبور في أربعة مواضع: في المسجد، وفي الرحبة (قرب منزله)، وفي الغري، وفي دار جعدة بن هبيرة، وانما أراد بهذا أن لا يعلم أحد من أعدائه موضع قبره (عليه السلام) "(3). وينقل السيد

____________

1- المسعودي: مروج الذهب، م 2 / ص: 352، دار العلم ـ بيروت 1989م.

2- المصدر السابق، ص: 407.

3- ابن طاووس: فرحة الغري، ص: 32.

 


الصفحة 14


محسن الأمين في (أعيانه) "وحكى ابن أبي الحديد في شرح النهج عن أبي القاسم البلخي انه قال انّ علياً (عليه السلام) لما قتل قصد بنوه أن يخفوا قبره خوفاً من بني أمية أن يحدثوا في قبره حدثاً فأوهموا الناس في موضع قبره تلك الليلة وهي ليلة دفنه"(1).

ويؤكد الشيخ المفيد أن الحسن والحسين "بأمره حملاه إلى الغري من نجف الكوفة فدفناه هنك وعفيا موضع قبره بوصية كانت منه"(2) خوفاً أن يعلم به أعداؤه وأعوانهم فينبشوه مما يحمل أهله ومحبّيه على "المحاربة والمشاققة التي أغضى عنها (عليه السلام) في حالة حياته، فكيف لا يرضى بترك ما فيه مادة النزاع بعد وفاته؟"(3).

فاذن العمل كان مقصوداً بأمر الإمام نفسه، وذلك لتمويه، وعدم جعل القبر مادة للنزاع والحروب والاقتتال بين أهله ومحبّيه من جهة، وأعدائه ومناوئيه من جهة اُخرى، وكان له ما أراد، ومن هنا تعددت الروايات ووضعت الاحتمالات ممّن يعرف الحقيقة وسرّ أهل البيت.

3 ـ ولكن أهل البيت (عليهم السلام) يعرفون حق المعرفة مكان قبره الشريف، إذ يروى عن الإمام الحسن (عليه السلام) " خرجنا إلى الظهر بجنب الغري "(4) قريباً من النجف يسرة عن الغري، يمنة عن الحيرة، فدفن بين ذكوات(5) بيض وذلك " قبل طلوع الفجر، ودخل قبره الحسن والحسين ومحمّد بنو علي (عليه السلام) وعبد اللّه بن

____________

1- أعيان الشيعة: م 1 / ص: 534.

2- الشيخ المفيد: الارشاد، ص: 12.

3- ابن طاووس: فرحة الغري، ص: 25.

4- الاصفهاني: مقاتل الطالبيين، ص: 42، دار الاحياء ـ القاهرة 1949م.

5- الذكوة في اللغة: الجمرة الملتهبة، ويمكن أن يكون المراد بها التلال الصغيرة المحيطة بقبر الإمام علي (عليه السلام).

 


الصفحة 15


 

جعفر (رضي الله عنه)"(1). و "قال أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) إنك إذا أتيت الغري رأيت قبراً كبيراً وقبراً صغيراً، فأما الكبير فقبر أمير المؤمنين، أما الصغير فرأس الحسين بن علي (عليه السلام)"(2). وهنالك أحاديث مأثورة عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد دفن بين ذكوات بيض بعد اجتياز الثوية والقائم المائل نحو النجف، وهي التلال الصغيرة المحيطة بقبره الشريف وعليها دور البلدة المقدسة اليوم، إحداها في شمال القبر الشريف وتعرف بجبل الديك، والثانية في جنوبه الشرقي وتعرف بجبل النور، والثالثة في جنوبه الغربي وعرفت أخيراً بجبل شرفشاه(3).

4 ـ على كل حال فإن جميع مصادر الشيعة تؤكد بشكل حاسم انّ قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف حيث مشهده اليوم، وتعتبر الأمر غير قابل للتأويل، ووضع الاحتمالات ; لذلك يقول السيد محسن الأمين في (أعيانه) "أما الشيعة فمتفقون خلفاً عن سلف نقلا عن أئمتهم أبناء أمير المؤمنين (عليه السلام) انه لم يدفن إلاّ في الغري في الموضع المعروف الآن ووافقهم المحقّقون من علماء سائر المسلمين والأخبار فيه متواترة"(4).

5 ـ ومن هذه الأخبار المتواترة، يذكر كلّ من ابن أعثم الكوفي في (الفتوح): "دفن في جوف الليل الغائر بالموضع الذي يقال له الغري..."(5)، والأصفهاني في

____________

1- الشيخ المفيد: الارشاد، ص: 19، من رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام).

2- موسوعات العتبات المقدسة، ج6 / ص: 79.

3- جبل الديك: هو جبل مرتفع واقع شمال القبر الشريف ينسب إلى رجل يعرف بالديك، وكان لآل الديك محلة خاصة بهم، وكانت تعرف من قبل بمحلة عجرم. وجبل النور: هو أكمة مرتفعة تقع إلى جنوب المرقد الشريف وعليها ومسجد "آل الطريحي" في محلة البراق. أما شرفشاه فيقع جنوب المرقد الشريف من جهة الغرب، وينسب إلى شرفشاه عزّ الدين أحد العلماء، وتقع عليه محلة العمارة. راجع محبوبة: ج 1 / ص: 20 ـ 25.

4- أعيان الشيعة، م 1 / ص: 535.

5- فتوح البلدان، ج1 / ص: 509.

 


الصفحة 16


 

(مقاتل الطالبين): "حتى خرجنا إلى الظهر بجنب الغري"(1)، وابن الطقطقي في (الفخري) "أما مدفن أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنه دفن ليلا في الغري، ثمّ عفي قبره إلى أن ظهر حيث مشهده الآن"(2)، وأبي الفداء في (المختصر) "والأصح الذي ارتضاه ابن الأثير وغيره أن قبره هو المشهور بالنجف وهو الذي يزار اليوم"(3)، وابن الوردي في (تتمة المختصر) "والأصح الذي ارتضاه ابن الأثير وغيره انّه بالنجف"(4)، أما ابن الأثير في (الكامل) فيقول: "والأصح أنّ قبره هو الموضع الذي يزار ويتبرك به"(5).

6 ـ أردنا أن نعرض عن ذكر هذه الرواية الضعيفة والمحشورة بدون سند ولا أساس ; ولكن ارتأينا أن لا ندع لآخر فيها مطمعاً، وقد ذكرتها بعض المصادر، فلابدّ من الاشارة إليها والتعقيب عليها. ينقل ابن كثير في (البداية والنهاية) خبراً عن الخطيب البغدادي، وزاد فيه بما ينم عن عدم الدقة، والركون إلى العواطف، وهو ليس بحجّة في هذا المجال أيضاً، لأنه من مؤرخي القرن الثامن الهجري (توفي سنة 774هـ / 1372م)، والخبر يقول: "أما قبر الإمام بمشهد النجف، فلا دليل على ذلك ولا أصل، ويقال إنما ذاك قبر المغيرة بن شعبة حكاه الخطيب البغدادي"(6). ورجعنا إلى (تاريخ بغداد) للخطيب، فوجدنا ترجمة الإمام من صفحة (133 ـ 138) (الجزء الأوّل)، وفي نهاية الترجمة تماماً يذكر رواية ضعيفة عابرة لا دليل لها ولا أصل! يقال "هذا قبر المغيرة بن شعبة"(7)، ولما قلبنا

____________

1- مقاتل الطالبيين، ص: 42.

2- ابن الطقطقي، الفخري: ص: 90، مطبعة المعارف ـ مصر، الطبعة الثانية.

3- أبو الفداء: المختصر، م1 / ص: 93 (اللبناني).

4- ابن الوردي: تتمة المختصر، ج1 / ص: 249.

5- ابن الأثير: ج3 / ص: 261 (العلمية).

6- ابن كثير: البداية والنهاية، م 4 / ج 7 / ص: 263 (العلمية).

7- راجع الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج1 / ص: 138. توفي الخطيب البغدادي 463هـ 1072م، وبعد ذكر عدة روايات يقحم هذا الرواية بشكل عابر.

 


الصفحة 17


 

الصفحات ووصلنا إلى الصفحة (193) تعجبنا أن الخطيب نفسه يقول وبشكل قاطع: "سنة 50 فيها مات المغيرة بن شعبة ودفن بالكوفة بموضع يقال له الثوية"(1)، ولما تحقّقنا من "معجم البلدان" للحموي، و"تاج العروس" للزبيدي و"لسان العرب" لابن منظور، و"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير الجرزي، تأكدنا أنها جميعاً تذكر أن قبري أبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة في الثوية(2) أي بالقرب من "الحنانة"، وقد ذكرنا ذلك سابقاً وللّه في خلقه شؤون!

الأطوار المبكرة للنجف الأشرف:

النجف ليست مدينة كبقية المدن، قامت بين ليلة وضحاها بأمر من خليفة، أو طلب من سلطان، أو تلبية لحاجات مادية; بل مرّت بمخاض طويل في رحم الأيام والأعوام، فترات مد وسنوات جزر، تقبل إليها الدنيا إن سنحت الفرصة لها، وتهجرها كرهاً إن ضغط عليها ولاة أمر السياسة، نشأت وترعرعت بين عشق الناس، وولائهم للإمام المرتضى (عليه السلام) وتوسعت من فيض أجوائه الروحية، ولو أن محبوبة قد ذكر في كتابه "ماضي النجف وحاضرها"، انّ النجف كانت مأهولة ومعمورة، وكانت الحضارة قائمة بها على أساس عربية في عهد الملوك اللخميين يوم كانت الحيرة عاصمة لهم(3). أمانحن فلا نرى غير الديارات التي كانت منتشرة على أرض النجف، ورحلات الصيد والتنزه للملوك الساسانيين وأقيالهم اللخميين والخلفاء والأمراء والقادة في العصور الإسلامية من بعد، ولما يتمتع به النجف من مناخ طيب وهواء نقي، واطلالة جميلة على البساتين والنخيل من

____________

1- المصدر السابق، ص: 193.

2- راجع: "معجم البلدان" للحموي، ج2 / ص: 102. "تاج العروس" للزبيدي، م10، ص: 64. "لسان العرب" لابن منظور، ج 14 / ص: 127. "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن أثير الجرزي، ج1 / ص: 231.

3- محبوبة: ج1 / ص: 16.

 


الصفحة 18


 

ناحية، وعلى الصحراء والرمال من ناحية اُخرى.

يقول الشاعر المغني اسحاق بن إبراهيم الموصلي (ت عام 235هـ / 849م) يمدح الواثق ويذكر النجف واصفاً هواءه وتربته وموقعه بألطف العبارت وأدقها، وصدق الواثق على وصفه البديع:


ما إن رأى الناس في سهل ولا جبل

أصفى هواءً ولا أعذى من النجف(1)

كأنّ تربته مسك يفوح به

أو عنبر دافه العطار في صدفِ

حفّت ببرّ وبحر من جوانبها

فالبرّ في طرف والبحر في طرفِ

وبين ذاك بساتين يسيح بها

نهر يجيش بجاري سيله القصفِ

وما يزال نسيمٌ من أيامنه

يأتيك منه بريّاً روضة أُنفِ(2)

تلقاك منه قبيل الصبح رائحة

تشفي السقيم إذا أشفى على التلفِ

لو حلّه مدنف يرجو الشفاء به

إذاً شفاه من الأسقام والدنفِ(3)


ويذكرنا البيت الأخير بما قاله الجاحظ (ت 255 هـ / 868م) وهو من المعاصرين للموصلي في " البيان والتبيين ": "وهرب رجل من الطاعون إلى النجف أيام شريح(4)، فكتب إليه شريح: أما بعد، الفرار لن يبعد أجلا ولن يكثر رزقاً، وإنّ المقام لن يقرب أجلا ولن يقلّل رزقاً، وانّ مَن بالنجف من ذي قدرة

____________

1- الأغاني، ج5 / ص: 356. "لم ينزل الناس..." أعذى: أطيب الهواء، ويقال عن المكان يعذو إذا طاب هواؤه، ومنه الأرض العذاة وهي الأرض البعيدة عن الاحساء والنزوز والريف، وما جاء في "ماضي النجف وحاضرها" أغذى لعلّه خطأ مطبعي.

2- الأغاني، "نسيم من يمانية"، الروضة الأُنف بضم الهمزة والنون: التي لم يرعها أحد.

3- الحموي: معجم البلدان، ج5 / ص: 271. "الأغاني" للاصفهاني، ج5 / ص: 356.

4- شريح بن الحارث القاضي المشهور، استقضاه الخليفة عمر على الكوفة ثمّ عثمان واقرّه الإمام علي (عليه السلام)، وولاّه زياد قضاء البصرة، توفي سنة 72هـ، وشريح يتكلم بلسان عصره قبل اكتشاف الجراثيم والعدوى والحجر الصحّي، وإنّ للأمراض أسباباً يمكن دفعها بالوقاية والعلاج.

 


الصفحة 19


 

لقريب"(1).

ولهذا أيضاً إذا استبعدنا الاُمور الغيبية. وقف الإمام علي (عليه السلام) يطل على ظهر الكوفة ـ وهو النجف ـ قائلا: " ما أحسن منظرك وأطيب قعرك، اللهم اجعل قبري بها..."، ولكن كان النجف ـ كموقع ـ يعوزه الماء، والماء هو الحياة دائماً، ولما حلّ بها مَن هو أغلى من الماء، وأعزّ من الماء، ورد إليه الماء سلسبيلا زلالا، طوع البنان، فشبت فيه الحياة وتنفست به الأرواح، واللّه على كل شيء قدير.

ومهما يكن من أمر فيعتبر ترصيص الحجر على قبر الإمام بمثابة وضع الحجر الأساسي لمدينة النجف الأشرف التي أصبحت تلتهم الحيرة، وتهيمن على الكوفة، وتقدس كرابع مدينة في العالم الإسلامي بعد مكّة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف. ولكن كيف أصبحت هكذا؟! وكيف تطورت وسط هذه الأجواء المضطربة في عالم يتطلع إلى التسلط وينشد اللذة، ويكره المعارضة وكلّ رمز يستقطبها ويؤجج جذوتها...؟ تعال معي أيها القارئ الكريم نتصفح ما توفر لدينا من أخبار، والبحث غير مستكمل، ونحن نجهد أنفسنا قدر المستطاع للكتابة عن تاريخ النجف الأشرف من بداية بزوغ الحيرة حتى يومنا هذا، واللّه المستعان على صالح الأعمال.

الأمويون شأنهم شأن بني العباس، حاولوا جاهدين اخفاء معالم قبر الإمام ـ كما أراد له صاحبه ـ فبثو الروايات المتعددة حول مدفنه لتشتيت مركز الاستقطاب واطفاء جذوة الاشتعال، وسحق بؤرة الثورات، ولكن أنّى لهم ذلك فالنفوس الكبيرة والأرواح العظيمة لا تضمها اللحود، ولا تطمرها القبور، بل تبقى خالدة على مرّ العصور تتناقلها الدماء من جيل إلى جيل، تنمو سريعاً وتتكاثر اطراداً، شأنها شأن الأحياء، فإن خبر مدفنه ومكان لحده، أخذت الألسن تتناقله والأرجل تسعى له، والنفوس تهفو إليه حتى أصبح مزاراً وملاذاً ومأوى لجميع المؤمنين

____________

1- الجاحظ: البيان والتبيان، ج2 / ص: 203.

 


الصفحة 20


 

المستضعفين.

يحدثنا التاريخ أن العلويين والمحبين لأهل البيت والمشايعين لهم كانوا يزورون القبر(1)، وربما يجاهرون إذا اقتضى الأمر، ففي أحداث السنة السابعة والستين للهجرة (686م) يذكر الطبري: "عن سويد بن غفلة قال: بينما أنا أسير بظهر الكوفة إذ لحقني رجل فطعنني بمخصرة من خلفي، فالتفتُ إليه فقال: ما قولك في الشيخ؟ قلتُ: أي الشيوخ؟! قال: علي بن أبي طالب، قلتُ: انّي أشهد أني أحبه بسمعي وبصري وقلبي ولساني..."(2).

وهذا الخبر ينطوي على أمرين مهمين، أولهما: انّ قبر الإمام كان يزار سرّاً، وإذا اقتضى الأمر يعلن عن الزيارة والولاء بجرأة. وثانيهما: كانت هناك حراسة سرية تراقب الزوار وتتعقبهم لتسجل الغاية من الوجود في مثل هذا المكان، واستمر حال التعتيم على موضع القبر، وملاحقة زواره حتى قيام الخلافة العباسية عام 132هـ / 750م.

النجف في العصر العباسي الأوّل:

على ما يبدو لنا كان العباسيون والعلويون مهتمين لتأطير ضريح الإمام (عليه السلام)والالتفاف حوله كمركز لمواصلة دعوتهم واستقرار حكمهم، ولكن الخلافات التي نشبت بين العلويين والعباسيين وسيطرة بني العباس جعل المشروع طي الإهمال خشية من اعطاء أبناء علي أحقية في الخلافة، ففي الوقت الذي تذكر فيه الدكتورة سميرة الليثي " كانت أوّل زيارة للإمام جعفر الصادق للعراق في عهد الخليفة العباسي الأوّل أبي العباس السفاح، وقد توصل خلال هذه الزيارة إلى

____________

1- تذكر الدكتورة اليثي في "جهاد الشيعة" ص: 194، الهامش: "كان العلويون يعرفون مكان قبر عليّ ولكنهم أخفوه عن بني أمية" وكذلك راجع محمّد علي دخيل: "نجفيات"، ص: 20.

2- الطبري: ج6 / ص: 113 ـ 114.

 


الصفحة 21


 

معرفة مكان قبر علي بن أبي طالب في النجف"(1). ويؤكد الشرقي انّ "ظهور القبر كان لأول مرّة في أيام الصادق (عليه السلام) وبأمر منه، ففي رواية صفوان يقول: بعد أن دلّهم الإمام الصادق (عليه السلام) على موضع القبر الشريف، قلتُ: يا سيدي أتأذن لي أن أخبر أصحابنا من أهل الكوفة؟ قال: نعم. وأعطاني الدراهم وأصلحتُ القبر. ثمّ عفي القبر بسبب السيول الجارفة، وبقي حتى أيام داود بن علي العباسي المتوفى 133هـ / 750م، حيث أصلحه وعمل عليه صندوقاً، ثمّ عفي القبر الشريف مرّة ثانية حتى أيام هارون الرشيد العباسي حيث بنى القبر الشريف وشاد عليه قبة سنة 170هـ / 786م"(2).

ومن وجهة نظرنا انّ الرواية التي نقلها الشرقي عن الفضلي غير دقيقة من عدّة وجوه، لا وجه واحد، إذ أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) زار الكوفة في بداية العصر العباسي في زمن أبي العباس السفاح، وفي السنة نفسها توفي داود بن علي العباسي وهو عم أبي العباس السفاح سنة 133هـ، فما هذه العمارة التي تهدم وقت بنائها، وكيف وصلت السيول الجارفة إلى النجف؟ والنجف كما ذكرنا أرض مرتفعة كالمسناة تصد الماء فلا يعلوها؟ ثمّ انّ كلمة "وأصلحت القبر" تدل على أن القبر كان قائماً قبل الإمام الصادق (عليه السلام)، فكيف دلّهم عليه؟! أما متى شيّد هارون القبّة؟ فلنا معه وقفة تحليلية بعد عدة صفحات.

نحن نعتقد انّ هناك توافقاً زمنياً بين مجيء الإمام الصادق (عليه السلام) إلى الكوفة، إذ أمر ببناء القبر على حدّ رواية صفوان(3)، وعمل الصندوق من قبل داود بن علي

____________

1- د. الليثي: جهاد الشيعة، ص: 194، نقلا عن المظفر، محمّد حسين: الإمام الصادق، ج2 / ص: 137.

2- الشرقي، طالب: النجف الأشرف... عاداتها... تاريخها، ص: 18، نقلا عن الفضلي، عبد الهادي: دليل النجف الأشرف، ص: 23.

3- ينقل الشيخ محمّد جواد الفقيه في موسوعة النجف الأشرف، ج6 / ص: 35 رواية صفوان نفسها.

 


الصفحة 22


 

العباسي، فهما مشروع واحد تم في السنة نفسها، ثمّ هدم عمداً من قبل العباسيين لا بسبب السيول، ففي الوقت الذي تسالم فيه المؤرخون، وعلى رأسهم الشيخ محمّد بن الحسن الشهير بالديلمي، والنسابة الشهير صاحب "عمدة الطالب" والسيد ابن طاووس صاحب "فرحة الغري"، انّ أوّل مَن وضع صندوقاً على قبر أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو داود بن علي العباسي(1) المتوفى 133هـ / 750م بعد أن كان قبراً مخفياً(2).

نقول: في هذا الوقت ينتقل أبو العباس السفاح من الكوفة، المدينة الموالية للعلويين، إلى الأنبار على نهر الفرات، وأقام بها قصراً فخماً سماه "الهاشمية"(3)، ومن بعده يتخذ أبو جعفر المنصور "بغداد" عاصمة له، ليبتعدا عن الكوفة وشيعتها، وليهملا قبر الإمام في ظهرها بالنجف عن عمد ومعرفة بمكانته، وأهميته الدينية والدنيوية للمسلمين قاطبة.

من الضروري أن نذكر خبرين نراهما مهمين لبحثنا عن النجف يوردهما الطبري في تاريخه، أولهما في أحداث السنة الرابعة والأربعين بعد المائة يقول فيه: "لما قدم بعبد اللّه بن حسن وأهله مقيدين، فأشرف بهم على النجف، قال لأهله: أما ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية. قال: فليقه ابنا أخي الحسن وعلي مشتملين على سيفين، فقالا له: قد جئناك يابن رسول اللّه فمرنا

____________

1- كان هذا الرجل "داود بن علي" ـ على ما نرجح ـ متعاطفاً مع العلويين، أو أقل عداءً لهم إن شئت، وأكثر تنكيلا بالأمويين، فهو الذي قدم بصحبة وفد علوي برئاسة عبد اللّه بن الحسن بن الحسن وأخيه الحسن إلى الأنبار، فاستقبل أبو العباس وأبو جعفر الوفد بالحفاوة والتكريم وأنزلاه في دار الرحبة "د. الليثي: ص: 81 نقلا عن الخطيب البغدادي، ج7 / ص:271 ". ولا ريب أنّ هذا الموقف كان ينطوي على حنكة سياسية تقتضيها الظروف للانقضاض على محمّد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن.

2- الخاقاني: شعراء الغري، ج1 / ص: 10 ـ 12.

3- د. الليثي، ص: 78.

 


الصفحة 23


 

بالذي تريد، قال: قضيتما ولن تغنيا في هؤلاء شيئاً فانصرفا... "(1). فهذا الخبر يدل دلالة واضحة على أن النجف كانت قرية مأهولة قليلا بالسكان من العلويين، ولابد أنه كان هناك معلم للقبر على شكل من الأشكال، وعناية به.

ويكرر الطبري في أحداث السنة الخامسة والأربعين بعد المائة خبراً يروى عن ابن أبي المكارم "قال بعثني عيسى برأس محمّد (يقصد النفس الزكية) وبعث معي مائة من الجند، قال: فجئنا حتى إذا أشرفنا على النجف كبّرنا..."(2).

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا هذا التكبير على النجف لولا أهميته في وجدان الناس وقداسته في نفوسهم، ومن أين أتت هذه الأهمية أو القداسة لولا وجود قبر الإمام ومعرفة الناس أنّى مرقده الشريف تحديداً؟

ويحدث تطور ملفت للنظر في عهد الرشيد (حكم بين سنة 170 ـ 193هـ) إذ يقوم بتعمير القبة على المرقد الشريف، وتوجد بعض الروايات ترجع فعل الرشيد لدواع غيبية أثناء رحلة صيد إلى ظهر الكوفة، وتعني النجف، حيث كانت الفهود أو الكلاب والصقور تقف عند مكان محدّد ولا تتقدم عليه، فيتعجب الرشيد ويتساءل عن السبب، فيخبره أحد شيوخ الكوفة انّ بهذا المكان قبر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)(3)، فيأمر الرشيد ببناء القبة.

ونحن لا نميل لهذه الرواية بالرغم من شهرتها وقربها من الوجدان الشعبي والعقلية الدينية، لا من حيث مدى الإيمان بالفلسفة الإلهية، وكرامات الأولياء، بل كيف يعقل انّ خليفة بحجم هارون الرشيد الذي يفرض هيمنته من بحر الظلمات حتى أبواب الصين يجهل قبر شخصية لها قدسيتها الإسلامية الرفيعة كشخصية

____________

1- الطبري: ج 7 / ص: 546.

2- المصدر السابق، ص: 601.

3- راجع ابن طاووس: فرحة الغري، ص: 119. محبوبة: ج1 / ص: 41. دخيل: نجفيات، ص: 20، وغيرها.

 


الصفحة 24


 

الإمام (عليه السلام) الذي عمّ البرية كلها، بل وممّن قامت الخلافة العباسية نفسه باسمه؟!

على كل حال نحن لا نميل إلى رواية الصيد بفهودها وصقورها، إلاّ إذا كانت مصطنعة من الرشيد نفسه بهدف بناء القبة وامتصاص النقمة ـ كما سنذكر ـ ولكن نحن نعتقد بصحة الرواية الثانية التي يذكرها صاحب "فرحة الغري" في الصفحة نفسها التي ذكر بها الرواية السابقة عن الخليفة هارن الرشيد، ولا أعرف لماذا لم يركز عليها المؤرخون، في حين أنها أقرب إلى العقل والمنطق والتحليل العلمي؟! وتقول الرواية: إنّ الرشيد خرج ليلا إلى القبر الشريف، ومعه علي بن عيسى الهاشمي، وأبعد أصحابه عنه، وقام يصلّي عند الكثيب ويبكي ويقول: واللّه يا بن عم اني لأعرف حقك، ولا أنكر فضلك، ولكن ولدك يخرجون عليّ ويقصدون قتلي وسلب ملكي، واستمر على تكل الحالة إلى أن قرب الفجر، فصلّى صلاة الصبح عند القبر، وأمر فبني عليه قبّة وأخذ الناس في زيارته ودفن موتاهم حوله(1).

على مايبدو أن الرشيد كان يحب الإمام علياً (عليه السلام) صدقاً، ويكره أبناءه الثائرين عليه غيظاً، لذا قد انتهج "سياستين متغايرتين نحو العلويين وشيعتهم"(2)ففي الوقت الذي يزعم فيه أنّه أكثر الناس حبّاً للإمام علي (عليه السلام)، فقد روى السيوطي " أنّ الرشيد قال في مجلس من مجالسه: بلغني أنّ العامة يظنون فيّ بغض علي بن أبي طالب، واللّه ما أحب أحداً حبّي له، ولكن هؤلاء أشد الناس بغضاً لنا وطعناً علينا وسعياً إلى فساد ملكنا، بعد أن أخذنا بثأرهم، ومساهمتنا إياهم ما حويناه، حتى انّهم لأميل إلى نبي امية منهم إلينا، فأما ولده لصلبه فهم سادة الأهل، والسابقون إلى الفضل"(3). نقول في الوقت نفسه ـ ونحن قد نصدق

____________

1- المصدر السابق.

2- د. الليثي: جهاد الشيعة، ص: 303.

3- السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص: 293.

 


الصفحة 25


 

حبّ الرشيد الخالص للإمام علي (عليه السلام) ـ نراه يقضي على حركتي يحيى وادريس ابني عبد اللّه ويتعقبهم شرقاً وغرباً، وينتقم من الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بوضعه في السجن، ويضطهد زعماء العلويين(1)، لذلك نحن نرجح أنّ بناء القبة قد تم في سنة 180هـ لا في سنة 170هـ كما يذكر أغلب المؤرخين والباحثين(2)، والفرق بين التاريخين هو الموقف، هل كان البناء طوعاً أم كرهاً، وهل دوافعه عفوية أم بتخطيط مسبق لامتصاص نقمة العلويين وانصارهم وشيعتهم، ولاقناع عامة الناس بسياسته السمحاء ودماثة خلقه، وورعه لدينه؟ والرشيد استطاع أن يجمع النقيضين، فكان توازنه على كفتي منهج الأضداد، ترهيب وترغيب، قسوة ورحمة، حجّ وغزو، لهو وزهد، مجون وورع، حب وعداء، شدة ولين، وبالتالي دنيا ودين، وربما تصدر أفعاله عن عفوية مطلقة، أو تخضع لتخطيط مسبق عن ارادة واعية، انها أعمال الكبار تصدر من موقع القوة والاقتدار ولا تسأل عن السبب. لذلك اختلف الناس حوله بين مَن يرفعه إلى السماء وبين مَن يهبط به إلى الحضيض، وهذه من خصائص العباقرة العظام، ولا شكّ انّ الرشيد وأحد منهم، فهو الأكثر شهرة من بين كل الخلفاء العباسيين.

ونترك الرشيد لنتوجه إلى المأمون، إذ الأمين قد انشغل باللهو والمجون والغلمان والغلاميات، وأخيراً بالحرب الداخلية التي قضت عليه خلعاً وقتلا على

____________

1- راجع المصادر القديمة لأحداث سنة 176هـ / 780م. وكذلك الليثي، ص: 279 ـ 306.

2- راجع البهادلي، علي: النجف وجامعتها، ص: 27 نقلا عن المظفر: تاريخ الشيعة، ص: 243. الخاقاني: شعراء الغري، ج1 / ص: 10 ـ 12. الشرقي، طالب: النجف الأشرف، ص: 18 نقلا عن الفضلي، عبد الهادي: دليل النجف الأشرف، ص: 23. د. محمّد بحر العلوم يعتمد التاريخ 170 هـ "مجلة الموسم" العدد 18، ص: 93. محبوبة: ماضي النجف وحاضرها، ص: 41. أما الهامش (وبعد سنة 180هـ جاوره الناس، وينقل عن "نزهة القلوب" لحمد اللّه المستوفي ص: 134 (إنّها كانت في حدود 170هـ) ولكن يذكر محمّد جواد الفقيه في "موسعة النجف الأشرف" ج6 / ص: 35 "إنّ بناية الرشيد في سنة 180 هـ..." وهي الأصح حسب وجهة نظرنا.

 


الصفحة 26


 

يد طاهر بن الحسين سنة 198 هـ / 813م، فلم يلتفت إلى أمر مقابر ومشاهد أهل البيت، ولا إلى أمر العلويين قاطبة.

ليس غريباً أن يتجاهل المأمون قبر الإمام علي (عليه السلام)، ومرقده الشريف إبان فترة حكمه التي استمرت 198 ـ 218هـ، عقبى ثورة ابن طباطبا(1) وأبي السرايا(2)، ومقتل مائتي ألف رجل بعد التفاف أهل الكوفة حولهما، وكادت هذه الثورة التي استمرت من أواخر جمادى الآخر 199هـ إلى ربيع الثاني 200هـ (3) أن تؤدي بالخلافة العباسية لولا حنكة ودهاء هرثمة بن أعين، إذ قضى عليها بعد عشرة أشهر من اندلاعها. وما فتئت الكوفة توالي أهل بيت النبي (عليهم السلام) وتناصرهم، فقامت الحركة الثانية فيها سنة 202 هـ / 817 م، وتولى قيادتها العسكرية أبو عبد اللّه أخو أبي السرايا، والزعامة الدينية على بن محمّد بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)وكان والي الكوفة العباس بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، فقال أهل الكوفة لواليهم العلوي العباسي "إن كنت تدعو للمأمون ثمّ من بعده لأخيك ـ أي الإمام الرضا ـ فلا حاجة لنا في دعوتك، وإن كنت تدعو إلى أخيك أو بعض أهل بيتك أو إلى نفسك أجبناك"(4).

فهل نتوقع من بعد هذا أن يقوم المأمون بتشييد بؤرة للثورة عليه وعلى خلافته، ويوجه الأنظار من العباسيين إلى العلويين، وتجربة الإمام الرضا (عليه السلام)مازالت ماثلة أمام عينيه؟ ليس المأمون من الخلفاء الضعفاء البسطاء سياسياً، فهو داهية كبير يحسب لكل أمر حسابه بدقة متناهة، أفعال وأعماله كلّها مبنية على

____________

1- ابن طباطبا: هو محمّد بن إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وجميع السادة الطباطبائيين ينتسبون إليه.

2- أبو السرايا: هو السري ابن منصور من بني ربيعة بن ذهل بن شيبان، ذكر الطبري، ج7 / ص: 127 أنه من ولد هانئ بن قبيصة الشيباني.

3- راجع الطبري، ج8 / ص: 5. د. الليثي، ص: 318 ـ 334.

4- الطبري، ج 8 / ص: 560. د. الليثي، ص: 367.

 


الصفحة 27


 

تخطيط عقلي مسبق، فهو يعرف ما يريد، أما ادعاؤه "بالرضا من آل محمّد"، وبيعته للإمام الرضا (عليه السلام) كولي للعهد، فهي حيلة لجأ إليها بعد صراعه مع أخيه الأمين مباشرة ليكسب ودّ العلويين والمواليين لهم في خراسان، ويثبت أركان عرشة، وهذا ما حدث فعلا، فإن المؤرخين سنّة وشيعة كادوا أن يجمعوا على أن الإمام الرضا (عليه السلام) مات مسموماً بعنب المأمون(1). وبعد استشهاد الإمام خمدت الاضطرابات والفتن بين العباسيين في بغداد، ولا نريد بقولنا هذا ان ننفي عن المأمون عزمه وحلمه وكرمه وشجاعته وسماحته وعلمه وهيبته كما يدرجها المؤرخون، ولكن الصراع على السلطة يتجاوز كلّ هذه الصفات، فإنّ الملك لعقيم وانّ الدنيا لغرور.

وتستمر النجف على هذا الخفوف في عهد المعتصم والواثق، وحتى المتوكل طبعاً لميولهم للأتراك طوعاً أو كرهاً، والاعتماد على عناصرهم في تسيير اُمور الدولة، ولو أن الواثق بمدة خلافته القصيرة 227 ـ 232هـ أبدى مرونة تجاه العلويين، ورفض أن يوصي بالخلافة لابنه فقال "لا أتحمل أمركم حياً وميتاً"(2)، وكما قال صاحب الفخري "ولما ولي الواثق الخلافة أحسن إلى بني عمّه الطالبيين وبرّهم"(3). وعلى ما يبدو فإن الواثق كان يزور النجف، إذ يحدثنا صاحب " الأغاني " عن اسحاق الموصلي قال: " ما وصلني أحد من الخلفاء بمثل ما وصلني من الواثق، ولقد انحدرتُ معه إلى النجف، فقلت له: يا أمير المؤمنين قد قلتُ في النجف قصيدة، فقال: هاتها، فأنشدته:

____________

1- راجع الأصفهاني: مقاتل الطالبين، ص: 566. وابن الطقطقي: الفخري، ص: 199. والمسعودي: مروج الذهب، ج4 / ص: 28. الطبري: ج8 / ص: 568. وكل كتب الشيعة تجمع على أنه مات مسموماً بعنب المأمون.

2- د. الليثي: جهاد الشيعة، ص: 389.

3- ابن الطقطقي: الفخري، ص: 275.

 


الصفحة 28



يا راكب العيس لا تعجل بنا وقفِ

نحيّ داراً لسعدى ثمّ ننصرفِ(1)


وذكرنا القصيدة سابقاً.

النجف في العصر العباسي الثاني:

هذا العصر يبدأ منذ نفوذ الأتراك بشكل فعلي وسيطرتهم على مقاليد الحكم منذ أن تولى الخلافة المتوكل 232 ـ 247 هـ / 846 ـ 461م، وفي عهده تمّ هدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي الشعرة التي قصمت ظهر البعير، ففي أحداث سنة ست وثلاثين ومائتين 236 هـ / 850 م يورد الطبري وهو من معاصريها " وفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من اتيانه"(2).

ولكن ما هو السبب الموجب للقيام بهذا العمل الرهيب، بالرغم من أن المؤرخين عبروا عليه بمسحة البساطة والعفوية دون تعليق أو تحقيق سوى أبي الفرج الأصفهاني وهو قريب جداً من الحدث (248 ـ 356 هـ / 897 ـ 967م)؟ يذكر في "مقاتل الطالبيين" السبب أنّ احدى مغنيات المتوكل ذهبت مع بعض جواريها لزيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام) في شعبان، وعندما استفسر المتوكل عن سبب غيابهنّ، قيل له ذهبت للحجّ، وبعثت المغنية المحظية إحدى جواريها للمتوكل بطلب منه، فقال المتوكل للجارية "إلى أين حججتم في شعبان؟ قالت: إلى قبر الحسين..."(3)، فأمر بهدم القبر وما حوله من المنازل والدور. وينقل الطبري في أحداث السنة نفسها 236هـ "وفيها حجّ محمّد المنتصر، وحجّت معه جدته شجاع أم المتوكل، فشيعها المتوكل إلى النجف"(4). ماذا نستنتج من هذه

____________

1- الاصفهاني: الأغاني، ج5 / ص: 356 ـ 357.

2- الطبري: ج9 / ص: 185، وراجع أيضاً ابن الأثير، ج7 / ص: 55 (أحداث سنة 236هـ).

3- الأصفهاني: مقاتل الطالبيين، ص: 597 ـ 598.

4- الطبري: ج9 / ص: 185.

 


الصفحة 29


 

الأخبار المهمة بالنسبة لتاريخ النجف؟

1 ـ إنّ قبر الإمام الحسين (عليه السلام) سنة (236هـ / 850م) كانت تحيطه المنازل والدور، فكربلاء كان تعتبر مدينة صغيرة نسبياً، وبالتالي نستطيع أن نقول أنّ قبر الإمام علي (عليه السلام) بالنجف كان بالمثل أو أكثر اتساعاً.

2 ـ إنّ زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في شعبان، كانت متعارفاً عليها في ذلك العصر بل تعتبر (حجّة) في العرف الاجتماعي، فلابدّ انّه كانت هنالك زيارات مماثلة للنجف كعيد الغدير مثلا.

3 ـ إذا كانت مغنيات القصر وجواريه يسعين للزيارة خفية وباصرار، فما بالك بعامة الناس والمتدينين منهم، فزيارة شعبان كانت كبيرة ومؤثرة على مركز الخلافة، لذا أمر المتوكل بهدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، ولا نعتبر هذا القرار فردياً، بل بسبب شرخ (سياسي ـ اجتماعي ـ ديني) كبير، أدى إلى حدوث زلازل وبراكين عديدة في أرجاء الدولة العباسية من بعد.

4 ـ انّ طريق الحجّ كان يبدأ من مدينة النجف، والسبب لا يعود لموقع النجف على أبواب نجد فقط، إنما كانت هنالك طقوس دينية تجري، كزيارة الإمام وتوديعه، والدعاء بسلامة العودة، فلا يخفى انّ فريضة الحجّ كانت شاقة ومتعبة، وقد تكون مهلكة وفق مقاييس ذلك العصر.

5 ـ شيع المتوكل أمّه وابنه إلى النجف، فهل كان المتوكل يناصب العداء لأهل البيت كرهاً لهم، أم خشية من أعدائهم، وحرصاً على ديمومة عرشه؟ نحن نرى أنّ المتوكل وقع بين سيطرة الأتراك والنواصب والمناوئين لأهل البيت منذ نعومة أظفاره من جهة، وبين بعض الموالين والمحبين لأهل البيت من جهة أخرى، وننقل لك هاتين الروايتين:

يحدثنا ابن الجوزي في " منتظمه ": " اعتل المتوكل في أوّل خلافته فقال لئن برئتُ لأتصدّقن بدنانير كثيرة، فلما برئ جمع الفقهاء، فسألهم عن ذلك،

 


الصفحة 30


 

فاختلفوا، فبعث إلى علي بن محمّد بن علي بن موسى، فقال: تتصدّق بثلاثة وثمانين ديناراً. فعجب قوم من ذلك، وتعصب قوم عليه وقالوا: تسأله يا أمير المؤمنين من أين له هذا؟ فردّ الرسول إليه فقال: قل لأمير المؤمنين في هذا الوفاء بالنذر لأن اللّه تعالى قال: ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَة )(1)، فروى أهلنا جميعاً أن المواطن في الوقائع والسرايا والغزوات كانت ثلاثة وثمانين مواطناً، وانّ يوم حنين كان الرابع والثمانون، وكلّما زاد أمير المؤمنين في فعل الخير كان أنفع له وأجدى عليه في الدنيا والآخرة"(2).

والأسئلة التي تطرح نفسها في هذه الرواية التاريخية لماذا لجأ المتوكل للإمام علي الهادي (عليه السلام)؟! ولما عجب قوم من رأي الإمام؟ ومَن هؤلاء؟ ولماذا تعصب ضده قوم؟ ومَن هؤلاء؟ ولماذا انتصر رأي المتعصبين فردّ السؤال عليه؟ وماذا كان موقف المتوكل من جواب الإمام الأخير؟ ولا ندخل في فلسفة الحد الأدنى للإيفاء بحق النذر، وانّ الزيادة في فعل الخير أنفع وأجدى في الدنيا والآخرة.

ويذكر لنا ابن خلدون في "تاريخه": "كان المنتصر تنكّر على أبيه انحرافه عن سلفه فيما ذهبوا إليه من مذهب الاعتزال والتشيع لعلي، وربّما كان الندمان في مجلس المتوكل يفيضون في ثلب علي، فينكر المنتصر ذلك ويتهدّدهم ويقول للمتوكل: إن علياً هو كبير بيتنا وشيخ بني هاشم، فإن كنت لابد ثالبه فتولّ ذلك بنفسك، ولا تجعل لهؤلاء الصفاغين سبيلا إلى ذلك، فيستخف به ويشتمه، ويأمر وزيره عبيد اللّه بصفعه، ويتهدّده بالقتل ويصرح بخلعه"(3).

____________

1- سورة التوبة، الآية: 25.

2- ابن الجوزي، المنتظم...، ج 12 / ص: 75، أحداث سنة 254 هـ وفاة الإمام علي الهادي، راجع تاريخ بغداد، ج12، ص: 56 ـ 57.

3- ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج 3 / ص: 349، دار الفكر ـ بيروت 1988م.

 


الصفحة 31


 

نعم هنالك شرخ اجتماعي كبير، وصل للعظام، وازدواجية في نفسية المتوكل نفسه، تنحني أمام نفوذ الأتراك وسيطرتهم، وتميل للجناح المتعصب الناصبي الأقوى في القصر الجعفري، والواقع انّ الواثق كان يخشى على المتوكل من هذا الأمر، وعرف المتوكل نفسه انّه وقع في مأزق خطير، لذا فكر بنقل عاصمة الخلافة إلى دمشق حين أقام بها ثلاثة أشهر سنة 244هـ / 858 م(1)للخروج من دائرة الصراع، والتيارات المتلاطمة فيها، بالرغم من انّها مجالس شربه، وليالي انسه محل سمره، ولكنه ما استطاع ان ينفذ، لا بجلده ولا بعظمه، فدفع حياته ثمناً بسيف ابنه المنتصر، ومن ورائه سيوف بغا الصغير "الشرابي"، ووصيف وأتباعهم سنة 247هـ / 861م، والمنتصر الذي نعته أبوه مرّة بـ "المنتظر" وأخرى بـ " المستعجل "، هو الآخر بدوره مات مسموماً بعد ستة أشهر من خلافته ليتربع على عرش الخلافة العباسية "المستعين" بالأتراك فأصبح كما وصفه الشاعر:

 

خليفة في قفص

بين وصيف وبغا

يقول ما قالا له

كما تقول الببغا


ومن الجدير ذكره أن المنتصر في سنة 248هـ / 862م: "أمر الناس بزيارة قبر علي والحسين (عليه السلام)، فأمّن العلويين، وكانوا خائفين أيام أبيه"(2).

إنّ كلمة "أمر" التي أوردها ابن الأثير في "الكامل" تدل على معنى كبير بالنسبة لنشأة النجف وارتقائها بشكل تدريجي بين مدّ وجزر، ولا بأس أن نسلط الأضواء على قرن من الزمان الآتي بعد "المنتصر"، قبل أن نشرع بتحديد "النجف" مدينة.

____________

1- ابن الأثير: ج6 / ص: 160، دار الكتاب العربي 1997 م. الطبري: ج9 / ص: 210.

2- ابن الأثير: ج6 / ص: 188، وراجع المسعودي: مروج الذهب، ج4 / ص: 127.

 


الصفحة 32


 

ماذا بعد هدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، ونهج المتوكل ومقتله؟

وصفنا هدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام) بالعمل الرهيب، إذ أدّى هذا النهج إلى مقتل المتوكل نفسه، ومن بعد جرّ إلى موت ابنه المنتصر مسموماً كما ذكرنا، ثمّ توالت الانفجارات والثورات باسم أهل البيت بشكل متسارع، مما أدى إلى انعكاسها على نفسية المعتضد، وظهور دولة شيعية وعلوية ساهمت مساهمة فعالة في نمو النجف وازدهارها ورقيها واستمراريتها.

ظهر على الساحة في الكوفة رجب 250هـ / أيلول 864م أبو الحسين يحيي بن عمر الطالبي، ودعا إلى الرضا من آل محمّد، وكثف أمره وتابعه خلق كثير، منهم أهل البصائر والتدين، ومنهم من عامة الناس وسواد الكوفة(1)، ويقتل الرجل إبان ظهوره بأمر من القائد العباسي محمّد بن عبد اللّه بن طاهر وقد رثاه ابن الرومي بقصيدة مطولة رائعة:


أمامك فانظر أيّ نهجيك تنهج

طريقان شتّى، مستقيم وأعوج

بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم

لبلواكم عمّا قليل مفرّج


وهناك عدّة أسئلة تطرح نفسها علينا، لفهم هذا العصر المضطرب: كيف تجرأ ابن الرومي الشاعر المتطير البائس ـ وهو من موالي بني العباس ـ أن يرثي منشقاً على الخلافة، ومن عاصمة الخلافة؟! وكيف تعدّى الرثاء إلى الهجاء؟! ولماذا توقع الشاعر " عمّا قليل مفرّج "؟! إذن رأى الكيل قد طفح، ونرى انه كانت هناك استجابة من الجمهور لرثاء هؤلاء، وهجاء اولئك، وعلى ما يبدو أن العصر كان ملائماً لنهج التغيير، نعم قد طفح الكيل.. حتي أن رجلا قد دخل على محمّد بن عبد اللّه "فسمعهم يهنؤونه، فقال: أيها الأمير، انك لتهنّأ بقتل رجل لو

____________

1- ابن الجوزي، المنتظم...، ج12 / ص: 33. الطبري: ج9 / ص: 270. ابن الأثير: ج6 / ص: 200 (أحداث سنة 250هـ).

 


الصفحة 33


 

كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيّاً لعُزِّي به، فما ردّ عليه محمّد بن عبد اللّه شيئاً"(1).

ومن أحداث السنة نفسها 250هـ / 864م أن بزغ في رمضانها (تشرين الثاني) فجر الدولة العلوية بطبرستان، ويتزعمها الحسن بن زيد العلوي(2)(الداعي الكبير)، و"اجتمعت له مع طبرستان الري إلى حدّ همدان"(3)، بعد أن يظهر في يوم عرفة منها (كانون الثاني 865م) بالري أحمد بن عيسى، وادريس بن موسى العلويان، وصلّى أحمد بأهل الري صلاة العيد، ودعا للرضا من آل محمّد(4).

وما أن تطل سنة 251هـ / 865م حتى يطلق ابن الجوزي عبارته الدقيقة في "منتظمه" قائلا "تحركت العلوية في النواحي"(5)، فخرج الحسين بن زيد بن محمّد على طبرستان، وخرج بالري علي بن جعفر، وخرج الحسن بن أحمد الكوكبي بنواحي قزوين وزنجان فطرد عمال طاهر منها. وظهر بالكوفة رجل من الطالبيين يقال له الحسين بن محمّد بن حمزة وتبعه جماعة كثيرة، فأرسل "المستعين" إليه مزاحم بن خاقان، فلما دخل هذا "المزاحم" إلى الكوفة، رماه أهلها بالحجارة، فأحرقها بالنار، فاحترق منها سبعة أسواق، وفي رواية أحرق بالكوفة ألف دار(6). ولم تسلم مكّة حيث انتفض فيها اسماعيل بن يوسف العلوي فهرب جعفر بن الفضل العامل العباسي عليها(7).

____________

1- الطبري: ج9 / ص: 270. ابن الجوزي: ج12 / ص: 34. ابن الأثير: ج6 / ص: 200.

2- هو الحسن بن زيد بن محمّد بن اسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط، كبير العلويين تولى الحكم من 250 ـ 270هـ في طبرستان، يلقب بالداعي الكبير.

3- ابن الجوزي: ج12 / ص: 35. الطبري: ج9 / ص: 275.

4- الطبري: ج9 / ص: 275 ـ 276. ابن الأثير: ج6 / ص: 204.

5- ابن الجوزي: ج12 / ص: 49.

6- راجع ابن الجوزي: المصدر السابق ص: 49 ـ 50. الطبري: ج9 / ص: 346. ابن الأثير: ج6 / ص: 230 ـ 231، الكركي بدلاً من الكوكبي.

7- راجع ابن الأثير: ج6 / ص: 231. الطبري: ج9 / ص: 346.

 


الصفحة 34


 

هذه الثورات، ولك أن تسميها انتفاضات، لم تحدث بسبب عامل الصدفة جزماً، وإلاّ لماذا لم تحدث من قبل ومن بعد بهذه الكثرة والتعاقب الزمني المتسارع؟ هناك مخزون ثوري مكبوت، وضغوط متزايدة أدّت إلى هذه الانفجارات.

ونستمر معك في سرد الأحداث، لأنها بلورت التعاطف مع العلويين، وساعدت على التعجيل في ولادة مدينة النجف، ولنرى ما الذي خلّفه المتوكل، وأين سيرسو حفيده المتعضد؟ ففي سنة 255 هـ / حزيران 869م "لليلتين خلتا من رجل ظهر بالكوفة عيسى بن جعفر، وعلي بن زيد الحسنيان، فقتلا بها عبد اللّه بن محمّد بن داود بن عيسى"(1).

وفي مصر وفي السنة نفسها ظهر "إنسان علوي، ذكر أنه أحمد بن محمّد ابن عبد اللّه بن إبراهيم بن طباطبا، وكان ظهوره بين برقة والاسكندرية، وسار إلى الصعيد وكثر أتباعه، وادّعى الخلافة، فسيّر إليه أحمد بن طولون جيشاً فقاتلوه، وانهزم أصحابه، وثبت هو فقتل، وحمل رأسه إلى مصر"(2).

وفي سنة 256 هـ / 870م ظهر علي بن زيد العلوي (الطالبي) بالكوفة، واستولى عليها، وأزال عنها نائب الخليفة واستقرّ بها، فسيّر إليه الشاه بن ميكال في جيش كثيف، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم الشاه، وقتل جماعة كثيرة من أصحابه، ولكن نجا الشاه(3).

ويذكر لنا ابن الأثير في أحداث هذه السنة خروج ابن الصوفي العلوي بصعيد مصر، وذكر انّه إبراهيم بن محمّد بن يحيى... وملك مدينة إسنا، وعرفته

____________

1- الطبري: ج9 / ص: 388. ابن الأثير: ج6 / ص: 272. ابن الجوزي: ج12 / ص: 79 يذكر "المدينة" بدلا من "الكوفة" وهو غير صحيح على ما نعتقد.

2- ابن الأثير: ج6 / ص: 272.

3- الطبري: ج9 / ص: 474. ابن الأثير: ج6 / ص: 291.

 


الصفحة 35


 

البلاد، فسير إليه أحمد بن طولون جيشاً فهزمه العلوي(1).

وماذا بعد؟! قد خرج أمر المناداة باسم أهل البيت من نطاق العلويين وآلهم إلى عامة الناس، فأصبح حقّاً مشاعاً للجميع ينادون به، وربما ينتسبون إليهم، فصاحب الزنج(2) يزعم أنه من العلويين، وثورته تستمر من 255 ـ 270هـ / 869 ـ 883م، وكادت هذه الثورة أن تزعزع أركان الخلافة العباسية في بغداد لولا أن يحسم الموفق"(3) بالسطوة والحزم الأمر لصالح العباسيين، وذلك بعد (خراب البصرة). ولا نريد دراسة تحليلية لهذه الثورة، ما لها وما عليها، ولكنها حدثت في هذا العصر، ورسم لنا ابن الرومي صوراً قاتمة ورهيبة لأحداثها، والقصيدة رائعة ومطولة، ليرجع لها مَن شاء في ديوانه:

 

إنّ هذا من الاُمور لأمر

كاد أن لا يقوم في الأوهام

أيّ هول رأوا بهم أي هول

حَقّ منه يشيب رأس الغلام

ألف ألف في ساعة قتلوهم

ثم ساقوا السباء كالأغنام

أين ضوضاء ذلك الخلق فيها

أين أسواقها ذوات الزحام

سلّط البثق والحريق عليهم

فتداعت أركانها بانهدام


وما إن خمدت هذه الثورة الزنجية، وخمدت معها البصرة الزاهرة "معدن الخيرات وقبة الإسلام، وفرضة البلدان" ـ كما نعتها ابن الرومي ـ حتى يشرع القرامطة من الكوفة مقر العلويين، وحاضنة اللغة والثورات والدين، وذلك سنة

____________

1- ابن الأثير: ج6 / ص: 291.

2- صاحب الزنج: ادعى أنه علي بن محمّد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويقال انّه من عبد القيس واسمه علي بن محمّد بن عبد الرحيم من قرية من قرى الري، وامّه ابن علي بن رحيب (من بني أسد بن خزيمة) ويلقب بالورزنيني نسبة إلى قرية ورزنين وهي من قرى الري كما ذكرنا.

3- الموفق: هو أبو أحمد الموفق باللّه، واسمه طلحة بن جعفر المتوكل توفي 278هـ / 891م وكان والياً للعهد، والحاكم الفعلي في عهد أخيه المعتمد، والخلفاء العباسيون بعد المعتمد كلّهم من نسله.

 


الصفحة 36


 

278هـ / 891م، ويتزعمهم "حمدان قرمط"(1)، ويزعم "انّه داعية لأهل البيت، للمنتظر منهم"(2)، ثمّ تتسع حركتهم في البحرين سنة 286هـ / 899م ويقودهم "أبو السعيد الجنابي"(3) إلى أن ينتهي أمرهم بعد أجيال وأجيال على أيدي الأمراء العلويين في البحرين 419هـ / 1027م.

وماذا بقي لنا من القرن الآتي بعد المنتصر ومقتل المتوكل؟!

الفاطميون يؤسسون دولتهم في تونس منذ 297هـ / 909م، إذ رأسها عبيد اللّه المهدي، وتمتد إلى مصر ثمّ للشام، وتشغل حيزاً كبيراً في التاريخ الإسلامي حتى نهاية حكم العاضد لدين اللّه "عبد اللّه بن يوسف بن الحافظ" سنة 567 هـ / 1171م. والحمدانيون هم أيضاً من الموالين لأهل بيت النبي (عليهم السلام)، فيرفع حمدان بن حمدون التغلبي رايتهم سنة 279هـ / 892م، وتفرض دولتهم هيمنتها على الموصل وحلب، وتستمر حتى 381هـ / 991م. وكذلك البويهيون وهم اُسرة فارسية من أصل ديلمي مشايعة لأهل البيت(4)، وحكمت من 320 ـ 447هـ / 932

____________

1- حمدان قرمط: وهو الذي يُنسب إليه القرمطة، وبدأ أمرهم سنة 278هـ، إما نسبة إليه، أو إلى رجل من ناحية خوزستان قدم إلى سواد الكوفة، أظهر التزهيد والتقشف، وسانده "كرميته"، ويسمى بذلك لحمرة عينيه، وكرميته بالنبطية أحمر العينين وخفف إلى قرمط. راجع الطبري: ج10 / ص: 23 وما بعدها. ونقل ابن الجوزي في "المنتظم" ج12 ص: 287 ستة أقوال لتسمية القرامط.

2- ابن خلدون: ج3 / ص: 419.

3- هو الحسن بن مهرام توفي 301هـ / 913م داعي القرامطة، أصله من جنابة بفارس، أخضع البحرين سنة 286هـ / 899م... وابنه سليمان (أبو طاهر الجنابي) توفي 322هـ / 944م أشهر ملوك القرامطة في البحرين، دخل مكّة 317هـ / 930م، واقتلع الحجر الأسود ونقله إلى هجر بالبحرين.

4- الفاطميون: شيعة اسماعيلية يعتقدون بإمامة إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، ويؤكد ابن خلدون (ج 3 / ص: 449) نسبتهم إلى إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق "ولا يلتفت لإنكار هذا النسب" ثمّ يأتي بأدلته على صحة نسبهم للإمام جعفر الصادق ص: 450 "وظهور كلمتهم أو شيء على صدق نسبتهم.." ولكنهم انشقوا في عهد أحمد المستعلي (487 ـ 495هـ / 1094 ـ 1101 م) ابن المستنصر باللّه الفاطمي، وفي (558هـ / 1162م) تم الغاء الشعائر الدينية والامتناع من إقامة الفرائض لطائفة منهم وهم "التراريون أو الحشاشون" أتباع آغا خان حالياً، أما الطائفة الأخرى فهي "السبعية أو البهرة".

والحمدانيون هم شيعة اثنا عشرية، ولا خلاف حول ذلك وديوان أبي فراس الحمداني يتضمن عدة قصائد يعدّد فيها الأئمة. والبويهيون أيضاً من الطائفة الشيعية. ويرى المسعودي في "مروج الذهب"، وابن حلوقل في "تفضيل ترك..."، وابن خلدون في "تاريخه" أنهم كانوا زيدية. أما ابن الأثير فيرى انهم من الشيعة الاثني عشرية الغلاة. ولكن (H. Gibb) في (... lslam and Goverment)page: 8 - يشكك في رواية ابن الأثير من حيث كونهم غلاة، ولا يعتقد بأنهم كانوا زيدية، بل انهم ربما كانوا اثني عشرية كما يتضح من سلوكهم في أيامهم الأخيرة. راجع "البويهيون والخلافة العباسية" د. إبراهيم سلمان، ص: 185.

 


الصفحة 37


 

ـ 1055م، واستولت على بغداد مقر الخلافة العباسية 334 هـ / 945م، وفرضت البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام)، والاحتفال بعيد الغدير في 352هـ / 963م، كما سنذكر من بعد.

نقول: في مثل هذه الأجواء، لابد أن تزدهر النجف، ويتسابق الخلفاء والملوك والأمراء والسلاطين على رعايتها عمرانياً واجتماعياً واقتصادياً، ويحيطونها بهالة من التقديس والاجلال، وفق مقاييس عصرهم الذي تسابق على آل محمّد (عليهم السلام)، ولا ريب انّ الامام علياً (عليه السلام) هو أبو الشهداء والثوار، الذي به يفتخرون وإليه ينتسبون.

النجف مدينة (282هـ / 895م):

من وجهة نظرنا أن النجف أصبحت مدينة بشكل مشروع، ولم يعد هنالك من يزعزع كيانها، ولا مَن يخشى السكن فيها، والإقامة بها منذ عهد المعتضد(1)العباسي (279 ـ 289 هـ / 892 ـ 902 م). أما قبله وحتى في عهد المعتمد (256 ـ 279هـ / 870 ـ 892 م). وأخيه "الموفق" ولي العهد وصاحب السلطة والقرار،

____________

1- المعتضد باللّه هو أحمد بن طلحة، أبو العباس الخليفة العباسي السادس عشر، ولد في بغداد سنة 242 هـ / 857 م كان عادلا شجاعاً، أرجع للخلافة هيبتها وأصلح اُمور بيت المال، توفي سنة 289 هـ / 902 م.


 


الصفحة 38


 

فلم تكن النجف كمشروع سكن آمن، ولم يتمكن الناس من زيارة قبر الإمام بشكل علني ومسموح به، إذ ينقل صاحب "فرحة الغري" رواية عن "محمّد بن علي بن رحيم الشيباني قال: مضيت أنا ووالدي علي بن رحيم، وعمي حسين بن رحيم وأنا صبي في سنة نيف وستين ومائتين، بالليل معنا جماعة متخفين إلى الغري لزيارة قبر مولانا أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فلما جئنا إلى القبر، وكان يومئذ قبر حوله حجارة لسنده، ولا بناء عنده، وليس في طريقه غير قائم الغري"(1).

ولكن لماذا في عهد المعتضد، وما هو الحافز الذي عضّد المعتضد للانفتاح على العلويين وشيعتهم وبالتالي بناء مشاهد أئمتهم والاحتفاء بها؟

أولاً:

انّ عهد المعتضد ـ كما ذكرنا ـ جاء بعد سلسلة من ثورات العلويين وانتفاضاتهم وحركاتهم، فكان لابد من هذا الانتفاح لامتصاص غضب الجماهير وسخطها للظلم الذي أحاط آل النبي (عليهم السلام) وغصب حقّهم وساعد على استمرارية هذا الانفتاح وتطويره الدولة الشيعية التي توالت على العالم الإسلامي بعد عهد المعتضد كالحمدانيين والفاطميين والبويهيين، عدا العلويين في طبرستان، فإنّ تأسيس دولتهم سبق عهد المعتضد، ولكنهم ساهموا مساهمة فعالة في هذا الانفتاح وازدهاره، وحتى القراطمة لم يعبثوا بالنجف، بل على ما يبدوا كانوا يبدون اهتماماً ملحوظاً بها(2)، والحقيقة أن الحركة القرمطية ذات أصول شيعية، انطلقت من الكوفة، وكان لها في الكوفة أنصار وأعداء.

____________

1- ابن طاووس: فرحة الغري، ص: 141.

2- يذكر ابن الجوزي: المنتظم، ج13 / ص: 248 ـ 249، في أحداث سنة 313هـ تبع أبو طاهر الجنابي القرمطي القوافل ورجال السلطان حتى صار إلى القادسية... ثمّ رحل إلى الكوفة وخرج إليه أهل الكوفة وأصحاب السلطان فحاربوه فغلبهم، وأقام بظاهر الكوفة سبعة أيام يدخل البلد بالنهار ويخرج بالليل فيبيت في معسكره. وفي "المنتظم" ج13 / ص: 263، أحداث سنة 315هـ، قد الهجري (أبو طاهر الجنابي) بمقدمته في مائتي رجل، فنزلت مقدمته في النجف ونزل هو بدير هند بحضرة خندق الكوفة.

 


الصفحة 39


 

ثانياً:

انّ المعتضد ـ كما يصفه المؤرخون ـ كان عادلا، صاحب قوة وبأس، وقد بذل محاولات عديدة لإعادة الهيبة للخلافة العباسية، واستطاع أن يدعم اقتصادها المنهار بسياسته الحكيمة، وقوة بصيرته(1)، والاستقرار الاقتصادي كما لا يخفى يغطي على جميع الحركات، فلم تقم أية حركة علوية في عهده، سوى القرامطة، وهي ليست حركة علوية على كل حال.

ثالثاً:

ان المعتضد ـ كما يبدو لنا ـ كان يخزن في عقله الباطن حبّاً للإمام علي (عليه السلام)، وولاءً له، إذ يحدثنا الطبري في "تاريخه" ـ وهو ممّن عاصر المعتضد واعتمد ابن الأثير في " الكامل " وابن الجوزي في " المنتظم " روايته ـ يقول الطبري: "كان محمّد بن زيد العلوي(2)، قد وجّه من طبرستان إلى محمّد بن ورد العطار باثنتين وثلاثين ألف دينار ليفرقها على أهل بيته ببغداد والكوفة، فسعى به إلى المعتضد، فأُحضر محمّد عند بدر(3)، وأنهى بدر إلى المعتضد ذلك، فقال له المعتضد: أما تذكر الرؤيا التي أخبرتك بها؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: رأيت في النوم كأني أريد ناحية النهروان وأنا في جيش، إذ مررتُ برجل واقف على تل يصلي، ولا يلتفت إليّ فعجبت، فلما فرغ من صلاته قال لي: أقبل، فأقبلت إليه. فقال لي: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا علي بن أبي طالب، خذ هذه (مسحاة كانت بين يديه) فاضرب بها الأرض، فأخذتها فضربت ضربات، فقال لي: انه سيلي من ولدك هذا الأمر بعدد الضربات، فأوصهم بولدي خيراً، وأمر بدر بإطلاق المال

____________

1- راجع U.S.A ,1985 244-245 Pagc: (Photocop). lrcnc, l. Abamski, B.)... Baghdad to Damascus (From 2- محمّد بن العلوي: تولى الحكم على طبرستان بعد أخيه الحسن (الداعي الكبير) وذلك عام 270هـ، وقتل عام 287هـ ويدعى بالداعي الصغير، ويذكر ابن طاووس نسبه كالآتي: محمّد بن زيد بن الحسن بن محمّد بن إسماعيل جالب الحجارة بن الحسن دفين الحاجز ابن زيد الجواد بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).

3- بدر كان غلاماً للمعتضد فولاه الشرطة عند تسلمه الخلافة.

 


الصفحة 40


 

والرجل، وأمره أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن يوجه ما يريد ظاهراً، وأن يفرق ما يأتيه ظاهراً، وتقدم بمعنوته على ذلك"(1). إنّ هذه الحادثة التي حدثت سنة 282هـ / 895 م تبين انّ المعتضد قد فتح الباب على مصراعيها لرعاية العلويين والاهتمام بهم وفسح المجال لتعمير مشاهد الأئمة وتشييد القبب عليها، فتعتبر هذه الإشارة الحافز المباشر لاعلان النجف مدينة.

رابعاً:

لم يكتف المعتضد بهذا الانفتاح، وكأنما أراد تأكيد نهجه، ففي سنة 284 هـ / 897م "عز المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بانشاء كتاب يقرأ على الناس بذلك، فخوّفه عبيد اللّه بن سليمان اضطراب العامة وحذّره الفتنة، فلم يلتفت إلى قوله وعملت النسخ(2)، وقرئت بالجانبيين في ويوم الأربعاء لست بقين من جمادى الاُولى... وتقدم إلى الذين يسقون الماء في الجامع أن لا يترحموا على معاوية ولا يذكروه"(3). وفي مثل هذه الأجواء لابدّ أن يتشجع العلويون وأنصارهم من شيعة أهل البيت للمزيد من الاهتمام والعناية بمشاهد الأئمة (عليهم السلام)، وزيارتها وبالتالي للسكنى بجوارها.

خامساً:

لابدّ من الإشارة أخيراً إلى انّ المعتضد إلى جانب هذا الاهتمام البالغ بالعلويين أو بالأحرى بالإمام علي (عليه السلام) وبأحقيته بالخلافة طبعاً أو تطبعاً، كان شديد البأس والانتقام من الخوارج، إذ يحدثنا ابن الجوزي في أحداث سنة 280 هـ / 893 م: " وجّه يوسف بن أبي الساج اثنتين وثلاثين نفساً من الخوارج من طريق الموصل فضربت أعناق خمسة وعشرين منهم وصلبوا، وحبس باقيهم"(4).

____________

1- راجع الطبري: ج10 / ص: 41 ـ 42، ابن الأثير: ج7 / ص: 474.

2- راجع الطبري: ج 10 / ص: 54 ومابعدها.

3- ابن الجوزي: ج 12 / ص: 371 ـ 372. وكذلك الطبري: ج10 / ص: 54، ابن الأثير: أحداث سنة 284هـ.

4- ابن الجوزي: ج12 / ص: 333.

 


الصفحة 41


 

هذا كلّه يجعلنا نطمئن إلى أن المعتضد وعصره كانا يصبان في نفس المنحى لرعاية مشاهد الأئمة (عليهم السلام)، ومراقدهم المقدسة وبالتالي الاهتمام بالنجف. وانّ محمّد بن زيد العلوي استناداً إلى هذا الانفتاح قد بسط يديه كلياً لبناء قبة على ضريح الإمام علي (عليه السلام)، وأحاطها بحائط وسور اشتمل على سبعين طاقاً(1)، وقد ذكر ذلك ابن طاووس بقوله "وهو (محمّد بن زيد العلوي) بنى المشهد الشريف الغروي أيام المعتضد"(2). وقد ذكر هذه العمارة ابن أبي الحديد في شرحه ج 2 / صفحة 45 و 46، ولكنه اقتصر على ذكر القبة فقط. وفي تاريخ طبرستان الفارسي ج 1 / صفحة 95: "انّ المتوكل العباسي خرب عمارة النجف كما خرب عمارة الحسين (عليه السلام)، وأعادها محمّد بن زيد الداعي، وأعاد جميع القبور الدارسة للطالبيين"(3). ولكن لم نعثر في كتب التاريخ التي اعتمدنا عليها في دراستنا، انّ المتوكل قد خرب عمارة النجف، والطبري كان معاصراً للحدث، فلو كان حدث مثل هذا في عصره، فلا نعتقد انه لا يذكره ولو اشارة.

ومهما يكن من أمر، فقد "طرأت على هذه العمارة عمارة الرئيس الجليل يحيى بن عمر القائم بالكوفة، فإنّه عمّر مرقد جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) من خالص ماله، وكان يحيى هذا من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام)، قتل سنة 250هـ، وحمل رأسه في قوصرة إلى المستعين العباسي "(4)، وذكرنا خبره سابقاً، ورثاء ابن الرومي له، وهذا ابنه عمر الذي تكفل ببناء العمارة الجديدة. ولم تمض فترة

____________

1- راجع الخاقاني: شعراء الغري، ج 1 / ص: 10 ـ 12، محبوبة: ج 1 / ص: 42 ـ 43. وينقل السيد الأمين في "الأعيان" ج9 / ص: 337 الهامش "وفي عهد الداعي محمّد بن زيد الذي كان في طبرستان أرسل من طرفه أموالا وعمر مشهد الإمام الحسين (عليه السلام)".

2- ابن طاووس: فرحة الغري، ص: 128.

3- محبوبة: ج1 / ص: 43.

4- الخاقاني: شعراء الغري، ج 1 / ص: 11 ـ 12. محبوبة: ج 1 / ص: 43.

 


الصفحة 42


 

طويلة حتى جاء إلى النجف أبو الهيجاء عبد اللّه بن حمدان(1) (ت 317هـ / 929م) فابتنى على القبر قبة عظيمة مرتفعة الأركان من كل جانب لها أبواب وسترها بفاخر الستور، وفرشها بثمين الحصر الساماني، وجعل عليها حصاراً منيعاً، كما يذكر ابن حوقل في "صورة الأرض"(2)، وهو ممن عاصر الحدث.

وهكذا أخذ الحكام والسلاطين يتسابقون على ابداء الاهتمام الكبير والرعاية القصوى للمرقد الشريف والمدينة المباركة، كتسابقهم على تكريس عروشهم والبقاء على سلطتهم، واهتمامهم للنفوذ في نفوس الناس وقلوبهم، لأن أهل بيت النبي (عليهم السلام)أصبحوا رمزاً للمبدأ والمظلومية والشهاد والفداء والتعفف ونكران الذات طوال العصرين الأموي والعباسي، ولا ريب أنّ الإمام علياً (عليه السلام) كان أبا الشهداء جميعاً.

ونكتفي بهذا القدر، والحق ليس كل مَن رفع رايتهم سار على دربهم، فكم مرّة أصبح أهل البيت جسراً للمعارضين السياسيين أو الدينيين الذين يتطلعون لاستلام السلطة وارتقاء العرش، وبعدها "لا خبرٌ جاء ولا وحي نزل"، فما أصدق دعبل الخزاعي حيث قال:

 

أرى فيأهم في غيرهم متقسماً

وأيديهم من فيئهم صفرات

 

النجف في العصر البويهي:

ونواصل مسيرتنا النجفية، فما أن يأتي البويهيون إلى العراق ويدخلوا بغداد سنة 334هـ /945م) بقيادة معز الدولة(3)، حتى سارع إلى رفع الشعائر الحسينية،

____________

1- أبو الهيجاء عبد اللّه بن حمدان هو والد سيف الدولة الحمداني، أصبح أميراً على الموصل سنة 292هـ / 904م وتوفي سنة 317هـ / 929م.

2- راجع ابن الحوقل "صورة الأرض"، ص: 240. (توفي ابن حوقل 367 هـ / 977م).

3- معز الدولة البويهي: هو أبو الحسن أحمد بن بويه (303 ـ 357هـ / 915 ـ 965م) أحد الإخوة الثلاثة الذين أسّسوا الدولة البويهية، استولى على واسط بعد عدّة محاولات، دخل بغداد 334هـ / 945م، خلع عليه المستكفي لقب "أمير الأمراء".

 


الصفحة 43


 

وذرف الدموع الكربلائية، والاحتفال بعيد الغدير كما يحدثنا ابن الأثير في أحداث سنة 352هـ / 963م قائلا "في هذه السنة عاشر المحرم، أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق، البيع والشراء، وأن يظهروا النياحة، ولبسوا قباباً عملوها بالمسوح، وأن تخرج النساء منشرات الشعور مسوّدات الوجوه قد شققن ثيابهن، يدرن في البلد بالنوائح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي رضي اللّه عنهما، ففعل الناس ذلك... وفي ثامن عشر ذي الحجّة أمر معز الدولة بإظهار الزينة في البلد، وأشعلت النيران بملجس الشرطة، وأظهر الفرح، وفتحت الأسواق بالليل كما يفعل ليالي الأعياد، فعل ذلك فرحاً بعيد الغدير، يعني غدير خم، وضربت الدبادب والبوقات، وكان يوماً مشهوداً..."(1).

ومن تلك السنة خرج البكاء والحزن على الإمام الحسين (عليه السلام) من السر إلى الجهر، ومن نطاق العلويين والمتعلقين بهم إلى عامة الناس خاصتهم وعوامهم، وأخذت النجف تتسع بناءً وتعجّ بالزوار، وتوارد العلماء إليها للدراسة والبحث والتفقه بأمور الدين والدنيا، وما أن توفي معزّ الدولة حتى تولى ابنه عزّ الدولة (بختيار) السلطنة، وبقيت النجف على حالها من القداسة والسكينة والتطور النسبي، ولما جاء عضد الدولة البويهي(2) سنة 367هـ / 977م اهتمّ هذا السلطان بأمر النجف اهتماماً بالغاً، وبلغت أوج عظمتها في تلك الحقبة، إذ بالغ عضد الدولة في إجراء التعميرات والاصلاحات سنة 368هـ / 978م. وبعد أن استقرت الأحوال في بغداد، أسرع بتعمير المشهد العلوي وأقام عمارة عظيمة على قبر الإمام علي (عليه السلام)، وأنفق عليه أموالا كثيرة، وستر حيطان المشهد بخشب الساج

____________

1- ابن الأثير: ج8 / ص: 549 ـ 550، أحداث سنة 352هـ.

2- عضد الدولة البويهي: هو أبو شجاع فناخسرو ابن ركن الدولة بن علي بن بويه الديلمي، ولد بأصفهان 324هـ / 935م، وتوفي سنة 372هـ / 982م، ودفن بالنجف في الصحن الشريف وكانت امارته في العراق خمس سنين ونصفاً.

 


الصفحة 44


 

المنقوش، ووقف له الأوقاف الوفيرة وبنى عليه قبة بيضاء(1)، وفيها يقول ابن الحجاج الشاعر(2):

 

يا صاحب القبة البيضاء في النجف

مَن زار قبرك واستشفى لديك شفي

زوروا أبا الحسن الهادي لعلّكم

تحظون بالأجر والاقبال والزّلفِ

حتّى إذا طفت سبعاً حول قبته

تأمّل الباب تلقا وجهه فقفِ

وقل سلام من اللّه السلام على

أهل السلام وأهل العلم والشرفِ(3)


ومما يجب ذكره في هذا الصدد أنّ صاحب "روضات الجنات" ذكر خبراً ونقله السيد الأمين في "الأعيان" عن "الرياض"، ويعتمده الأميني في "الغدير" وغيرهم من الباحثين والمؤرخين يتلاقفونه كأنه حقيقة، والخبر يقول: "انّ السلطان معسود بن بويه الديلمي بنى سور مشهد النجف الأشرف، وفرغ من تعمير القبة الزاكية، وتجصيص خارجها وداخلها، ودخل الحضرة الشريفة، وقبل القبة المنيفة، وجلس على حسن الأدب، فوقف أبو عبد اللّه (حسين بن عبد اللّه ابن الحجاج) بين يديه، وأنشد قصيديته التي أولها (يا صاحب القبة البيضاء في النجف) ـ هكذا ـ كان الشريف المرتضى حاضراً، فنهره عند وصوله لهجاء ابن

____________

1- يذكر الخاقاني في "شعراء الغري" ج1 / ص: 10 ـ 12 "انّ عضد الدولة أنشأ عمارة ضخمة جداً وذلك عامة 338هـ" وهو خطأ. وينقل الأعلمي في "موسوعته الشيعية" ج18 / ص: 64 خبر نباء القبة البيضاء والسور حول النجف من قبل عضد الدولة في سنة 387هـ وهو خطأ أيضاً كما لا يخفى. أما ماجاء في "ارشاد القلوب" للديلمي ص: 436 ونقله السيد الأمين في الأعيان ج 8 / ص: 423 بأن "عضد الدولة أقام في النجف قريباً من سنة هو وعساكره" فلا نميل لهذا الخبر من حيث مدة الإقامة بالنجف، فعضد الدولة كما يحدثنا التاريخ قد رحل من بغداد بعد مقتل بختيار ووزيره ابن بقية إلى الموصل فملكها ثمّ توجه إلى ميافارقين وديار بكر وانشغل بفتحها سنة 368هـ...

2- ابن الحجاج: هو أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد بن محمّد بن جعفر بن محمد بن الحجاج النيلي البغدادي من كبار علماء الشيعة وشعرائهم المتوفى سنة 391هـ / 1001م، وكانت ولادته من النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، عاش عمراً طويلا بحدود 130 سنة.

3- الأميني: الغدير، ج4 / ص: 89، دار الكتب الإسلامية، طهران 1408هـ.

 


الصفحة 45


 

سكرة الشاعرة" ولا نرغب باتمام الرواية بيما فيها من حلم رآه الشريف، ورأى الشاعر الحلم نفسه، ورأى الشريف الإمام علياً (عليه السلام)، وطلب منه أن يعتذر من الشاعر، وفي الصباح اعتذر الأوّل للثاني، ثمّ أنشد الشاعر قصيدته كاملة أمام السلطان مرة ثانية(1).

يبدو لنا أن هذه الرواية موضوعة في العصر السلجوقي، وغير مسبوكة تماماً، فلا يوجد سلطان اسمه "مسعود بن بويه" إذ لم نعثر على أية ترجمة لهذا "المسعود" في كلّ الكتب التاريخية، بل حتى من قبل المؤرخين الذين تناقلوا الرواية أنفسهم، وإذا وافقنا محقق الغدير بهامشه أنّ المقصود بـ "مسعود" ربّما كان "عضد الدولة"، ولكن كلّ المؤرخين يجمعون على أن اسم عضد الدولة (فناخسرو)، ثمّ أن ادراج الشريف المرتضى بأحداثها فيه إشكال كبير، إذ يبلغ عمره إبان بناء القبة والسور ثلاث عشرة سنة (مواليد 355هـ / 966 م)، وهذا لا يحوز عقلا، أن يصحب الشريف بمثل هذا العمر السلطان الكبير، وينهر الشاعر وعمره قد تجاوز المائة بحضرته، وكيف توالى إمارة الطالبيين بهذا العمر؟!!

ومهما يكن من أمر فقد كان عضد الدولة يزور المشهد العلوي في كلّ سنة بموكبه العظيم، وهو أوّل من عيّن السادات والخدمة للمشهد المقدس بعد إتمام العمارة، وأجرى لهم الأرزاق، وبالغ بلزوم تنظيم شؤون الحضرة المقدسة، وفي الوقت نفسه حصن المدينة ببناء سور منيع حولها، وهو أوّل من أقام السور عليها(2) ووسّع البلدة، حيث أصبحت حول المرقد المطهر بلاد صغيرة محيطة به، وشجّع العلويين وغيرهم للشخوص إلى النجف، والسكن حول مشهد الإمام

____________

1- راجع المصدر السابق، ص: 97 يجعله السلطان مسعود بن بابويه. الأمين: الأعيان، ج 5 / ص: 429 ـ 430. الخونساري: روضات الجنات، ج3 / ص: 161. وفي "بلدان الخلافة الشرقية" ص: 104، ينقل لسترنج عن المستوفي في أنه في سنة 366هـ شيّد عضد الدولة البويهي الضريح، ولا نعتقد بصحة التاريخ.

2- الأمين: الأعيان، ج8 / ص: 423.

 


الصفحة 46


 

علي (عليه السلام)، وقدر محيط المدينة حينذاك بـ "2500" خطوة(1). وذكر بعض المؤرخين أنّ عدد نفوس النجف عند زيارة عضد الدولة سنة 371هـ / 981 م كان ما يقرب من 6000 نسمة بينهم من العلويين 1700 نسمة(2).

ويذكر لنا ابن طاووس في "فرحة الغري" عن هذه الزيارة التي تمت في جمادى الاُولى من السنة المذكورة للمشهدين الشريفين الطاهري الغروي والحائري قائلا: بعد خروجه من المشهد الحائري " توجه إلى الكوفة لخمس بقين من جمادى الآخرة، ودخلها وتوجه إلى المشهد الغروي يوم الاثنين ثاني يوم وروده، وزار الحرم الشريف، وطرح في الصندوق دراهم، فأصاب كلّ واحد منهم واحد وعشرون درهماً، وكان عدد العلويين ألفاً وسبعمائة اسم، وفرّق على المجاورين وغيرهم خمسمائة ألف درهم، وعلى المتردّدين خمسمائة ألف درهم، وعلى الناحية ألف درهم، وعلى الفقراء والفقهاء ثلاثة دراهم على المرتبين من الخازن والبواب... "(3).

وأنشد أبو اسحاق الصابي يمدح عضد الدولة في هذه الزيارة بقصيدة مطلعها:

 

توجهت نحو المشهد العلم الفرد

على اليمن والتوفيق والطائر السعدِ

تزور أمير المؤمنين فيا له

ويا لك من مجد منيخ على مجدِ


وبقي لنا أن نذكر عن عضد الدولة بأنه فكر بإيصال الماء إلى النجف خدمة لسكّانها والزوار، وربما كان يطمح أيضاً لتوسيع المدينة، فأصلح قناة قديمة، وأجرى الماء فيها وسمّيت باسمه "قناة عضد الدولة" أو "قناة آل بويه"، وبقيت النجف لعدة قرون تسقي منها، وحفر آباراً عميقة محكمة البناء في النجف،

____________

1- لسترنج: بلدان الخلافة الشرقية، ص: 104.

2- الأمين: الأعيان، ج8 / ص: 423.

3- ابن طاووس: فرحة الغري، ص: 133.

 


الصفحة 47


 

ووصل بينها بقنوات محكمة يسير فيها الفارس فيجري الماء من بئر إلى بئر، ثمّ يخرج منه إلى جهة المغرب(1).

وقد توفي عضد الدولة البويهي في السنة التالية من زيارته، أي في سنة 372هـ / 982م ونقل إلى النجف ودفن في الصحن الشريف، وفي سنة 1315هـ / 1897 م ظهر للعيان قبره " وعليه صخرة منقوش عليها آية ( وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ )، ومرسوم بعد ذلك اسم فناخسرو ـ عضد الدولة ـ والتصريح بدفنه، ومن حواليه قبور بني بويه"(2).

أطلنا المقام مع عضد الدولة، لأنه ترك آثاراً كبيرة وأعمالا جليلة في النجف بالرغم من قصر فترة حكمه للعراق، وسنمضي قدماً في العصر البويهي، فيحدثنا ابن الأثير في أحداث سنة 400هـ / 1009م "وفيها مرض أبو محمّد بن سهلان، فاشتدّ مرضه، فنذر إن عوفي بنى سوراً على مشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فعوفي، فأمر ببناء سور عليه، فبنى في هذه السنة، تولى بناءه أبو اسحاق الأرجاني"(3).

وفي "المنتظم" يذكر ابن الجوزي "في جمادى الاُولى بدئ ببناء السور على المشهد بالحائر وكان أبو محمّد الحسن بن الفضل بن سهلان قد زار هذا المشهد، وأحبّ أن يؤثر فيه أثراً، ثمّ ما نذر لاجله أن يعمل عليه سوراً حصيناً مانعاً لكثرة مَن يطرق الموضع من العرب، وشرع في قضاء هذا النذر، ففعل وغير السور، وأحكم وعلّى وعرّض، ونصبت عليه أبواب وثيقة وبعضها حديد، وتمّم وفرغ منه وتحصن المشهد به، وحسن الأثر فيه"(4). ولا نعلم لماذا ذكر ابن

____________

1- الأمين: الأعيان، ج8 / ص: 424.

2- محبوبة: ص: 237.

3- ابن الأثير: ج9 / ص: 219 ـ دار بيروت 1965 م. وأبو محمّد الحسن بن سهلان هو عميد أصحاب الجيوش استوزره سلطان الدولة في سنة 406هـ.

4- ابن الجوزي: المنتظم، ج15 / ص: 70.

 


الصفحة 48


 

الجوزي "الحائر"، فهل كانا سورين، أحدهما للنجف والآخر لكربلاء، أم المقصود به سور النجف، إذ يذكر ابن كثير في "البداية والنهاية"، وتروى عنه بعض القصص أنه قد استمر إلى أواخر القرن السادس(1)؟

وبعد بناء هذا السور بسنة واحدة، أي في سنة 401هـ / 1010م يخطب قرواس بن المقلد أمير بني عقيل للحاكم بأمر اللّه العلوي (الفاطمي) صاحب مصر بأعماله كلّها وهي الموصل والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها، فأمر بهاء الدولة عميد جيوشه بحرب قرواس، فأرسل إليه يعتذر وقطع خطبة الفاطميين، وأعاد خطبة القادر العباسي(2). ومن هذا الخبر الذي نقلناه عن ابن الأثير بتصرف، يتضح لنا أن الفاطميين كانت لهم أطماع في العراق، وعلى الخصوص منطقة الكوفة، إذ يحدثنا هذه المرة صاحب "المنتظم" في أحداث سنة 428هـ / 1036 م بأن صاحب مصر ـ يعني به المستنصر باللّه الفاطمي ـ "قد بعث مالا لينفقه على نهر الكوفة، فجاء أهل الكوفة يستأذنون الخليفة، فجمع الفقهاء لذلك في جمادى الآخرة، فقالوا: هذا مال من فيء المسلمين وصرفه في مصالحهم صواب، فأذن في ذلك"(3).

ولكن لماذا الكوفة؟ وماذا بالكوفة بالنسبة لصاحب مصر العلوي (الفاطمي)

____________

1- راجع محبوبة: ج1 / ص: 210. والخبر مذكور في "البداية والنهاية"، ج11 / ص: 342. مكتبة المعارف، 1966م. فيذكر في أحداث سنة 400هـ "وفيها كمل السور على مشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الذي بناه أبو اسحاق الاجاني (كذا)، وذلك أنّ أبا محمّد بن سهلان مرض فنذر إن عوفي ليبنينه فعوفي". ويعود مرة اُخرى في ج12 / ص: 16 فيذكر "وفيها من الأعيان الحسن بن الفضل بن سهلان، أبو محمد الرامهرمزي، وزير سلطان الدولة، (ت414هـ) وهو الذي بنى سور الحائر عند مشهد الحسين، قتل في شعبان منها". فنؤكد لم نزل غير متحققين هل تمّ بناء سور على الحائر الحسيني الشريف أم لا؟ أما بالنسبة لسور النجف وهو مجال بحثنا فنحن على يقين من بنائه من قبل الوزير ابن سهلان.

2- راجع ابن الأثير: ج7 / ص: 571 (العلمية). وابن كثير: البداية والنهاية، ج11 / ص: 343.

3- ابن الجوزي: المنتظم، ج 15 / ص: 256. ابن كثير: البداية والنهاية، ج12 / ص: 40.

 


الصفحة 49


 

غير الإمام علي (عليه السلام)؟ وما قيمة المال الذي يذهب أهل الكوفة للخليفة العباسي القائم ليستأذنوه، فيجمع الفقهاء لأجله؟ كان هنالك ـ بلا ريب ـ اهتماماً خاصاً بالنجف ومنطقتها، بل تسابق بين الحمدانيين والبويهيين والفاطميين على رعاية شيعة أهل البيت وأنصارهم، والعناية البالغة بمراقد أئمتهم، وإلى هذا ذهب ابن كثير في "البداية والنهاية" أحداث سنة 413هـ / 1022م في معرض كلامه عن الشيخ المفيد(1)، إبان وفاته قائلا "كانت له وجاهة عند ملوك الأطراف، لميل كثير من أهل ذلك الزمان إلى التشيع، وكان مجلسه يحضره خلق كثير من العلماء، من سائر الطوائف"(2).

فلا نستغرب بمثل هذه الأجواء، والانعطاف الشعبي الحاد نحو نهج أهل البيت أن يقوم الملك جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة البويهي بزيارة المشهدين الطاهرين الحائري والغروي، يمشي حافياً قبل أن يصل إلى كل مشهد منهما بنحو فرسخ(3)، وذلك سنة 431هـ / 1039م، والحقيقة نحن الآن في أواخر العصر البويهي حيث سيطرة الأتراك، وضعف الدلة البويهية، وازدياد القلاقل الداخلية في العراق، وحدوث الفتن الطائفية بين الشيعة والسنة في بغداد اعتباراً من 443هـ / 1051م "ولم تزل تنجم وتخبو بين الفينة والأخرى حتى اتسع نطاقها بأمر طغرل بيك أوّل ملوك السلجوقية، فإنه ورد بغداد في سنة 447هـ "(4).

وأمر طغرب بيك باحراق مكتبة سابور بن أردشير(5) الشهيرة، ولم يسلم

____________

1- الشيخ المفيد: محمّد بن محمّد بن النعان (ت413هـ / 1022م) فقيه الشيعة في عصره، نشأ وتوفي ببغداد، مؤلف مكثر، ويعرف أيضاً بابن المعلم.

2- ابن كثير: البداية والنهاية، ج12 / ص: 15، أحداث سنة 413هـ.

3- راجع ابن الأثير: ج9 / ص: 516، دار بيروت 1965م.

4- "النهاية ونكتها" المقدمة عن حياة الشيخ الطوسي بقلم آغا بزرك الطهراني، ص: 9.

5- سابور بن أردشير: هو شابور (شاه پور) بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي ولد بشيراز سنة 336هـ وتوفي سنة 416هـ، مدحه أبو العلاء المعري بقصيدة مشهورة وذكر فيها المكتبة قائلا:

 

وغنّت لنا في دار سابور قينة

من الورق مطراب الأصائل مهباب


وقد بنى المكتبة في محلة بين السورن في الكرخ سنة 381هـ على مثال "بيت الحكمة" وقال عنها محمّد كرد علي في "خطط الشام" ج6 / ص: 185، ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الأسفار، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلفين "النهاية ونكتها" ص: 10، المقدمة.

 


الصفحة 50


 

الشيخ الطوسي "شيخ الطائفة"(1) الذي تولى زعامة الطائفة بعد وفاة استاذه الشريف المرتضى سنة 436هـ / 1044م من نيران هذه الفتنة الهوجاء، إذ أحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام، وقال ابن الجوزي في "المنتظم" أحداث سنة 448 هـ / 1056 م "وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره"(2). ثمّ قال في حوادث سنة 449هـ: "وفي صفر في هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ، وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكوخ وأضيف إليه 3 سناجيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فاحرق الجميع"(3).

هاجر الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف، وفي اعتقادنا انّ هجرته للنجف لم تأت اعتباطاً، بل كانت هنالك دراسة علمية حوزوية في النجف سبقت عصره ثمّ ازدادت الهجرة إليها بعد الفتن الطائفية التي اشعل نيرانها السلاجقة، ومجيء الشيخ الطوسي إليها، إذ توارد الفقهاء عليها قبل مجيء شيخ الطائفة، بل أخذ العلماء ينتسبون إليها قبل عصره فيها، ومنهم أحمد بن عبد اللّه الغروي (نسبة إلى الغري)، وشرف الدين بن علي النجفي، وقد وصف الشيخ الطوسي نفسه الأخير

____________

1- الشيخ الطوسي: هو أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي، ولد في طوس في شهر رمضان سنة 385هـ، وهاجر إلى العراق سنة 408هـ، ونزل بغداد فتتلمذ على يد الشيخ المفيد ثمّ على يد الشريف المرتضى حيث لازمه لمدة 23سنة حتى توفي سنة 436هـ، فتفرد بزعامة الطائفة، وهاجر إلى النجف سنة 448هـ بعد حدوث الفتن والقلاقل في بغداد، فصيّرها مركزاً للعلم وجامعة إسلامية كبرى وتوفي سنة 460هـ.

2- راجع ابن الجوزي: المنتظم، ج8 / ص: 173. "النهاية ونكتها" المقدمة ص: 11.

3- المصدر السابق، ج8، ص: 179.

 


الصفحة 51


 

بعد هجرته للنجف بقوله "كان صالحاً فاضلا"(1)، ولابد أنه كان لهؤلاء العلماء طلبة علم تتلمذوا على أيديهم، لذلك يقول الشهيد السيد محمّد باقر الصدر "إن مؤرخي هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف لم يشيروا إطلاقاً إلى أن تلامذته في بغداد قد رافقوه والتحقوا بدار هجرته"(2). ومن الجدير بالذكر أن ابن الأثير في "الكامل" ذهب إلى أن دراسة العلم في النجف بدأت منذ القرن الثالث الهجري، وبلغت أوج عظمتها في عهد عضد الدولة البويهي حيث أطلق الصلات لأهل العلم ورجال الحديث المقيمين في الغري (كما ارتأى ابن الأثير من سنة 555 ـ 633هـ / 1160 ـ 1234م)، وان قصيدة ابن الحجاج التي أثبتنا مطلعها في هذا البحث، والتي يبدو انها القيت أمام عضد الدولة بحضرة الإمام علي (عليه السلام) يشير أحد أبياتها بصراحة إلى أن دراسة العلم في النجف سبقت شيخ الطائفة "الطوسي" فاقرأ معي ما يقول:

 

وقل سلام من اللّه السلام على

أهل السلام وأهل العلم والشرفِ


ولا نستطيع أن ننقل لك بهذه الخلاصة الخاطفة من تاريخ النجف عن جامعتها وبداياتها وكيفية نشوئها (مازلنا في كتابنا المخطوط لم نصل إلى هذه المرحلة الزمنية)، ولكن نرى على الأرجح أنها سبقت جامعة الأزهر الشريف

____________

1- راجع موسوعة النجف الأشرف، ج6 / ص: 25، مقالة بقلم محمّد جواد الفقيه.

2- راجع "العالم الجديد" ص: 64، طبعة النجف. راجع "دائرة معارف القرن العشرن" ج4 / ص: 620، محمّد فريد وجدي إذ يذكر "شرع في بناء الأزهر سنة 359هـ، وكمل بناؤه سنة 361هـ، وعمر بقراءة العلم سنة 380هـ، فهو أقدم مدرسة في العالم". والعبارة "فهو أقدم مدرسة في العالم بعد مدرسة بولونيا بايطاليا فقد قدمته بأكثر من أربعة قرون" غير صحيحة، إنّ جامعة الأزهر سبقت جامعة بولونيا بـ "129 سنة" وليس العكس، إذ تأسست جامعة بولونيا في القرن الحادي عشر (1119م / 513هـ). وللدكتور السيد محمّد بحر العلوم دراسة عن "الجامعة العلمية في النجف عبر أيامها الطويلة" نشرت في "مجلة الموسم" العدد 18 سنة 1994م / 1414هـ، فليرجع إليها مَن شاء، لأن هذا البحث كتبناه عن "قبر الإمام والأطوار المبكرة للنجلف الأشرف".

 


الصفحة 52


 

(380هـ / 990م) وجامعة بولونيا الإيطالية (513هـ / 1119م) ولا نميل إلى ما ذهب إليه الأستاذ محمّد فريد وجدي في "دائرة معارفه" بأن الأزهر "أقدم مدرسة في العالم"، فلعلّ جامعة النجف قد سبقته بقرن من الزمان، بل تعتبر امتداداً لمدرسة الكوفة ومعاهدها وحلقاتها وندواتا العلمية والفقهية والشعرية. وقد تطورت بعد مجيء الشيخ الطوسي إليها، إذ ركزت أسسها وثبتت علومها باسلوب منهجي متميز، أقرب إلى ماتوصلت إليه الدراسات الحديث لتطور عملية التعليم من حيث فتح باب الاجتهاد الفكري، واختيار الأساتذة من قبل الطلاب أنفسهم، وكذلك المواد التي يرغب الطاب دراستها ـ في حدود المتاح ـ بل تحديد المكان والزمان بما يلائم الطالب واستاذه، اضافة إلى تناول مراحل الدراسة (المقدمات والسطوح وبحث الخارج) وكيفية اختيار الطالب ومنحه الإجازة في الاجتهاد وتدرجه للوصول إلى المرجعية دون المرور بنظام الامتحانات المألوف. ولكن الذي يؤخذ على جامعة النجف الأشرف انها اختصّت بالعلوم الدينية فقط، فلم تهتم بالعلوم الدنيوية والتجريبية، ونأمل أن توازن جهودها ولو بعد حين وحين.

على كل حال فبعد هجرة الشيخ الطوسي للنجف الأشرف عامة 448 هـ / 1056م تطورت جامعة النجف كثيراً من حيث تنظيم الدراسة وعدد الطلاب ومناهج التعليم والتغطية الاقتصادية والمنزلة الاجتماعية، وعموماً كان الشيخ الطوسي (قدس سره) قد فتح باب التدريس على طريقة الاجتهاد المتبعة اليوم في النجف، وهو أوّل مَن جمع من علماء النجف بين الحديث والفقه والأصول في مؤلفاته...

ونكتفي بهذا القدر من دراستنا عن النجف الأشرف، ونعتذر عن التقصير والكمال للّه وحده، وهو الموفق لكل خير.