كلمة مركز كربلاء
للبحوث والدراسات


تأليف
الدكتور رؤوف محمد علي الأنصاري
عضو الهيئة المؤسسة لمركز كربلاء للبحوث والدراسات


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف


 


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وأهل بيته الطاهرين.

يحتضن العراق (بلاد ما بين النهرين) مدناً أثرية وتاريخية عريقة لعبت دوراً حضارياً وانسانياً متميزاً عبر العصور. ففي عصور ماقبل الإسلام ظهرت مدن حضارية، كأور وبابل والوركاء وأريدو والحيرة في جنوب ووسط العراق، ونينوى وآشور ونمرود والحضر في شمال العراق، حيث ازدهرت فيها العلوم والآداب والمعرفة والفنون والعمران.

أما في العهود الإسلامية فشهد العراق نشوء مدن حضارية كانت لها مكانتها المتميزة والبارزة في العالم الإسلامي، وكانت ولقرون عديدة من مراكز الحضارة الإسلامية، ومن هذه المدن: البصرة والكوفة وبغداد.

وهناك حواضر إسلامية كبيرة في العراق نشأت بفعل وجود الأضرحة التي تتمثل في جوامع ومراقد أئمة أهل البيت(عليهم السلام). فبفعل وجود هذه الأضرحة والعوامل الحضارية والروحية الخاصة بالعالم الإسلامي التي سطع نورها من بيت الله الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة ، راحت هذه المدن تنمو تدريجياً ومن دون تدخل من سلطة أو ارادة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، لتتحول من نوى لمزارات دينية نائية إلى حواضر دينية كبيرة سرعان ماوجدت نفسها تلعب دوراً حضارياً بارزاً ومتزايداً مع مرور العصور الإسلامية اللاحقة، إذ ذاع صيتها لأهميتها الروحية والدينية والثقافية والعمرانية، كما أنّها أصبحت معالم يقصدها المسلمون من شتى أنحاء المعمورة لزيارة أضرحتها وإقامة الشعائر والطقوس الدينية وخصوصاً بعد أداء مراسم الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وتركز في العراق عدد من هذه الحواضر وهي: النجف الأشرف وكربلاء


الصفحة 2


 

المقدسة والكاظمية وسامراء الحالية.

وتتمتع هذه المدن جميعاً بمكانة مرموقة وتحظى باهتمام كبير من لدن المسلمين، إضافة إلى شأنها الديني البحت الذي يخص المسلمين عموماً في مختلف مناطق العالم وعلى اختلاف اجناسهم.

وقد أضحت أرض النجف بعد احتضانها رفات أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) ـ والتي نتشرف اليوم بتكريمها ـ وبمرور الزمن إحدى أهم الحواضر الدينية في العالم الإسلامي، وأصبحت خلال عهود مختلفة مركزاً من مراكز الاشعاع الحضاري والثقافي والروحي وخاصة بعد هجرة الشيخ الطوسي إليها قادماً من بغداد في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، حيث تألقت كنموذج متميز ومتجدّد للعلوم والمعرفة فكان لجامعتها وحوزتها العلمية الدور البارز في احياء القيم الروحية والفكرية والدينية والإنسانية وعبر قرون عديدة، لكنّها تعرضت خلال العقود الثلاثة الأخيرة للكثير من الظلم والاضطهاد والاهمال المتعمد ومحاولات تعطيل دورها الديني والحضاري المتميز، وذلك بسبب الاستبداد والتخلّف الفكري والحضاري للحكومة الحالية في العراق، اضافة للتعصب والتمييز الطائفي والنظرة الضيقة لدى المسؤولين.

إنّ تجربة إقامة الندوات العلمية للتعريف بالمدن التاريخية والحضارية وفق النهج العلمي الحقيقي والدقيق، هي إحدى مظاهر إحياء التراث الحضاري الإنساني، من اجل وضع دراسات وبحوث علمية موثقة لكتّاب وباحثين وعلماء من أقطار عدة في سبيل تقديم ماهو أفضل وأعم وأشمل، وبعيداً عن عيون الرقابة الرسمية لبعض الدول وبالخصوص العراق، والتي لا يروق لها تقديم الحقيقة على ماهي عليها وكما هو مذكور في المصادر والكتب التاريخية والعلمية والشواهد الحالية.

وقد بادر مركز كربلاء للبحوث والدراسات بامكاناته المتواضعة والبسيطة إلى عقد ندوته الأولى عن مدينة كربلاء ودورها الحضاري التي انعقدت في ديوان الكوفة بلندن خلال الفترة 30 ـ 31 من شهر آذار عام 1996م، وطبع كتاباً عن تلك الندوة ووزّع على الكثير من مراكز البحث العلمي والجامعات والمؤسسات


الصفحة 3


 

الدينية والعلمية في العالم، ويتمنى القائمون على هذه الندوات أن تكون موضع اهتمام ورعاية ومشاركة المؤسسات الدينية والثقافية على مدى أوسع وأشمل.

وبهذه المناسبة نشكر كل مَن ساند وشارك في هذا العمل المبارك ونتمنى أن نواصل هذا الجهد لانجاز أعمال أخرى في هذا المضمار.

وفقنا الله وإيّاكم لخدمة التراث الحضاري الانساني.

وشكراً لكم جميعاً.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.