النجف بين ثقافتين:
(البرية والمدنية)


تأليف
الدكتور علي كريم سعيد
كاتب وباحث عراقي ـ هولندا


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 

على خلاف حواضر العراق المكتظة الأخرى تميزت النجف بظروف مختلفة نسبياً، فقد عاشت وتداخلت فيها منذ قرون ثقافتان مختلفان في آن واحد:

الأولى:

وتغلب عليها البيئة الصحراوية التي تنتمي إلى حضارة "المدينة الحرة" الاستقلالية المرتبطة شكلياً بالدولة المركزية، فقد عاشت المدينة قروناً خارج السيطرة الفعلية، ممّا جعلها تتمتع بذائقة خاصة هي ذائقة الحرية وتتعامل بنديِّة مع الحكومة. وكانت استقلاليتها تلك واحدة من أهم أسباب لجوء العلماء المحققين إليها واستقرار المرجعية الإسلامية الشيعية فيها بعد إقامة الإمام الطوسي بها ليس فقط تقرباً من مدينة العلم العلوية، وإنّما أيضاً كي يستفيد من بأسها ويحتمي بها وينأى ببقية علماء المسلمين من ضغط امراء وسلاطين الجور ووعاظهم.

ولم تمنع قسوة الطبيعة وشدة الحر والجفاف والرمال وعواصف [الطوز] من أن تتراكم حول مقام الإمام علي(عليه السلام) في النجف عبر القرون كنوز معرفية هائلة من مخطوطات ومكتبات عامرة تزين المدينة وتجعلها بيتاً للشعر والأدب والفقه والأصول، يأتي إليها طلاب العلم والمبرزون من جهات عالمية كثيرة ليلتحقوا بحاشيتها وليأخذوا من بيت علم رسخه أول فيلسوف في الإسلام(1)، وليعطوا من

____________

1- كان الإمام علي(عليه السلام) من على منبر الكوفة أول مَن أعطى للفكر النظري الإسلامي قضاياه ومشكلاته الرئيسية الكلامية والفلسفية، فخطب وتحدث وحاور بمفاهيم ما زالت طرية وتثير حيوية الفكر حتّى يومنا الحاضر كمقولات الجبر والاختيار والقدر الحاتم والعيني والقياسي والقبح والجمال والخير والشر والزهد والتصوف والعقل والنقل والتأويل والتفسير "القرآن حمال أوجه" والقرآن الناطق والقرآن الصامت، وأهمية المحاولة والمجازفة مادام الاستغفار موجوداً "عجبتُ لمَن يقنط ومعه الاستغفار"، وهو الّذي أشار إلى أى الأسود الدؤلي عندما عرض عليه طرقاً متباينة في أخذ الآيات والنطق بها بحسب اللهجات العربية المختلفة التي كتبت فيها الآيات والسور، فأشار عليه الإمام(عليه السلام) أن ينحو بنحو لهجة قريش وهو ما أخذ به أبو الأسود الدؤلي واستنبط معاييره ثم الاصمعي، فصارت القرشية رسمياً فصحى العرب، اللغة التي يقر مثقفو العالم عبقريتها.


الصفحة 2


 

ثقافاتهم الشيء الكثير فتتمازج وتتنوع بها الثقافة النجفية وبالتالي العراقية التي ظلت مشعة قرون عديدة.

الثانية:

وهي التمدن المعاصر الّذي تعايش متداخلاً مع برّيتها في جسد سكان المدينة. فقد حصل مع بدايات تسلل السلطة المركزية وثقافتها والايديولوجيات الكثيرة المستوردة إلى دواوين المدينة وشبابها الّذين أظهروا استجابة وحماساً في التعامل مع انتاج الحضارة الأوربية المعاصرة، سواء ذلك الّذي تسلّل إلى كيانهم عن طريق موظفي الحكومة الدارسين في أوربا، أو عبر المجلات الأدبية والثقافية الصادرة في لبنان ومصر أو عبر إيران وبعض الحواضر العربية الإسلامية نتيجة للروابط بين علماء النجف والطلبة القادمين إليها للتزود بالعلوم الإسلامية القرآنية والإنسانية وعلوم اللغة العربية المتقدمة جداً فيها.

وهكذا ظلّت المدينة المقدسة ومحيطها تعيش الاستقلال والتبعية في آن واحد، برّية ومتمدنة، عصية وتقاوم بصورة متواصلة، لم تكلّ ولم يكلّ خصومها فتعبت وتعبوا من كثرة ما اصطرعوا.

وكانت آخر الصراعات والممانعات انتفاضتها في 1956م وفي صفر 1977م وفي آذار/شعبان 1991م. وعلى سبيل المثال: كانت المدينة قد ثارت احتجاجاً ضد العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر، وكان جزء من احتجاج جماهيرها الّذين سقط منهم قتلى كثيرون موجهاً ضد موقف الحكومة العراقية الممالىء للحلفاء في ضرب مصر عبد الناصر، خصوصاً بعد أن قاد نوري سعيد بنفسه الحملة الحكومية الفورية والحاسمة لقمع انتفاضة 1956م في النجف وبغداد والحي والتظاهرات التي عمت مختلف المدن العراقية "رغم تصريحاته المناورة وادعاء حكومته تمثيل الخط القومي".

وفي مواجهة ذلك أقدمت الحكومة العراقية على إصدار ارادة ملكية تتضمن "إعلان الأحكام العرفية بصورة مؤقتة في جميع أنحاء العراق ضد المتضامنين مع مصر إلى حين صدور إرادة ملكية بإنهائها"(1).

____________

1- عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، جزء 10/ص: 100 ـ عن كتاب صلاح الخرسان، حزب الدعوة الإسلامية: حقائق ووثائق ص: 47.


الصفحة 3


 

وبسبب موقف السلطة القاسي ضد انتفاضة الشعب المؤيدة لمصر عبد الناصر أبرق آية اللّه السيّد محسن الحكيم إلى الملك فيصل الثاني يقول له فيها "جلالة الملك العظيم...إنّ اراقة الدماء البرئية بشكلها الوحشي الفظيع في بلدنا المقدس، لتدعو إلى القلق والاستنكار العظيمين، ومن المؤسف إغضاء الحكومة عن ذلك كله وسلوكها طريق الإرهاب لعموم الطبقات....السيّد محسن الحكيم"(1).

من التمازج الثقافي إلى قلق الوعي:

إنّ تذوق أبناء النجف طعم الاستقلال والحرية وبنفس الوقت معرفتهم بالتطورات الحضارية العالمية جعلهم أكثر صلابة وأكثر ثقة بأنفسهم وبعقولهم، فامتزاج الوعي المدني بالثقة الآتية من البادية أعطى ارادة قوية منعتهم من الاستسلام للهيمنة التي طالما سعت إليها السلطة. وقد أرست تلك الحالة أرضية صلبة لأهم عوامل الابداع وهو "القلق الواعي"، "القلق المبدع" الّذي خلق الحبوبي والشبيبي وبحر العلوم وصاحب الجواهر وكاشف الغطاء والجزائري والخوئي واليعقوبي وحسين مروة والمظفر والصافي النجفي ومهدي المخزومي والشهيد الصدر والوائلي ومدارس الفقه والنحو والعلم وبقية العلماء الأعلام وغيرهم كثيرون، واولئك الّذين اختصم أبناء مدنهم مع النجفيين حول انتمائهم مثل الشاعر مصطفى جمال الدين الّذي طالب بانتمائه إليهم بحكم النشأة والثقافة أهالي النجف وبحكم ولادته أهالي سوق الشيوخ.

وكان التمازج بين الثقافتين ومسلكين تعايشا في عصر واحد سببا لقلق المدينة والواعي العميق وحذرهم وعدم استسلامها لمحاولات إخضاعها، فخاض أبناؤها الأحرار منذ بداية القرن حتّى ستيناته صراعاً ثقافياً ودينياً وأدبياً أثبتوا خلاله للجميع أنّ الحضارة المتقدمة ليست فقط إنتاج الآلات والأسلحة وبعض المظاهر السطحية، بل هي أيضاً الأدب والشعر والذوق الرفيع وحضارة وآداب التعايش، وقاوموا بالسلاح والفكر إلى جانب اخوانهم أبناء الفرات

____________

1- عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات...مصدر سابق، ص: 48.


الصفحة 4


 

الأوسط وبقية أبناء العراق ضد تسلل الهيمنة سواء أتت من الأجنبي أو من الحكومة المحلية في بغداد التي لم تكن تعاملها مع السكان البسطاء أرحم من المحتلين الأجانب. لكن المعركة لم تحسم لصالح السلطة المركزية إلاّ ظاهرياً بعد مجيء سلطة البكر ـ صدام.

إذن فالبيئتان البرّية والمدنية اللتان عاشتهما المدينة بنفس الوقت جعلتاها رقيقة وحذرة كالغزال، وحادة في ممانعتها وتفردها كالأسد. وهي خصال لا تتوفر إلاّ بمدن قليلة في العالم كلّه مثل بغداد وروما وأثينا وشيراز ولندن وبرلين وباريس والقاهرة ومكة...الخ، وهي بيئة مدنية عميقة يغلب عليها الحذر المجلل بروح برية غير قابلة للمس أو الاختراق من قبل الأغراب، ولا تسمح بدخول حياتها سوى لجوارها ولزوارها من المسلمين وإلى الملتحقين بمدارسها من أبناء العالمين العربي والإسلامي بعد أن يجلبوا تزكية من علماء ووجهاء موثوقين في بلادهم، وبسبب حذرها المذكور لم يسجل تاريخ المدينة السابق للقرن العشرين وجود علماء خونة أو متلاعبين بين صفوفها، رغم عدم غياب الصراع الفكري فقهاً واصولاً داخل حوزاتها وفي حضرتها الشريفة، فقد عاشت كل تاريخها السابق مستقلة وغير خاضعة وبوجهين: الأول مدني عريق والآخر صحراوي "بري".

ـ مدني:

بمعنى أهمية أفعالها وعدم بدائية إنتاجها العلمي الإنساني فضلاً عن رفاهية وتنوع آدابها التي هي أبعد ما تكون عن قسوة الأرياف والصحاري.

ـ برّي:

بمعنى الحر الأصيل الّذي تحكمه الفطرة.

وبذلك تحولت المدينة إلى نقطة التقاء حضارتي التمدن المعاصرة بالبادية العربية بما تمثله من خصال الحذر والفروسية والكرم.

وقد ازدادت الحضارة العراقية العريقة تنوعاً وخصباً مع استقرار المرجعية الإسلامية فيها وتحولها إلى قبلة للزائرين، ولأن النجف نفسها كانت أساساً مركزاً تجارياً ومناخة لجمال سكان البادية يتبادلون بواسطتها السلع وذلك قبل أن تتطور التجارة. يبيعون الملح ومنتوجات الشَعَر والوَبَر ويتزودون بالسلع المدنية والمواد المصنعة من ا لنخيل كالتمور المطبوخة والحصران وأشياء اخرى مستوردة كالتبغ والسكر والشاي والقهوة والأقمشة، وظلّ ذلك النوع من التجارة ملحوظاً جداً

 


الصفحة 5


 

حتّى بداية الستينات من القرن العشرين.

ولذلك كانت النجف تحتج بمدنيتها على الصحراء عندما تطغى خصالها وتقترب من الهيمنة، وتستعين بخشونة الصحراء وببرّية أعرافها عندما تترهل مدنيتها وتشعر بضعف أبنائها واستكانتهم وطلبهم العافية، وذلك خوفاً عليهم من الاستسلام ومن الاكتفاء بالملذات أو الانخراط في مؤسّسات الحكومة الديكتاتورية التي كانت خاضعة أبداً لديكتاتوريات تابعة للخارج في حين لم ترَ النجف ولم يَرَ أبناؤها وعلماؤها أنّ هناك جهة تمتلك من الحق الديني أو التاريخي أنسب وأفضل منها للاتباع، فهي وبسبب ما تمتلكه في أعماقها من قوة فكرية وروحية ومن معاصرة غير متهافتة، تعرف وتتعلم لكنها تحذر وتحتاط.

وقد دامت أجواء المدينة المذكورة قروناً حتّى انّ العثمانيين الّذين حكموا العراق أكثر من أربعمائة سنة لم يطؤوها بجيوشهم كما فعلوا في مناطق اخرى، فكانوا يكتفون بارسال حكام وحراس للاشراف على التابعية التشكلية التي ارتبطت بها مدينة النجف بولاية بغداد. وكان لصلابة المواقف الايمانية للعلماء والقدوة الحسنة تأثير على ثقة سكان المدينة غير المحدودة بذاتهم والتي تجلت في المحافظة على ذاتها والمحيطين بها لقرون عديدة بعيداً عن ذراع السلطة وتجلّت أيضاً في تركها أبناءها واللائذين بها يعيشون أجواء داخلية حرة، وتحكم سلوكهم تقاليد صارمة تحمي الفرد القوي كما الضعيف، وهي تماثل بذلك صرامة تقاليد البادية حيث تسود "ديمقراطية الثأر"(1) ومبدأ العودة للمراجع والحكماء في المنازعات، ولذلك لم تكن تقاليد المدينة لتسمح للقوي باذلال الضعيف، فالمدينة بكاملها تصبح عشيرة المظلوم إن حصل ضده ظلم. في حين ومن نفس المنطلق نظر أهلها للسلطة المركزية باعتبارها قوة خارجة على القانون والأصول ولا تستحق الاحترام والتعاون لكونها تضطهد وتستضعف الأحرار وغير المسلحين والمسالمين من أبناء المجتمع العراقي لصالح المستعمر الأجنبي.

____________

1- "ديمقراطية الثأر" مصطلح وضعه الكاتب على أمل كتابة بحث حوله ما زال لم يكتمل...حيث تؤدي تقاليد العربي واصراره على أخذ الثأر إلى جعل أي شخص يفكر اكثر من مرة قبل أن يرتكب جريمة.


الصفحة 6


 

وكان ابن بطوطة الّذي زار النجف في 727هـ /1326م قد أكدّ اعتياد النجف تاريخياً على الحرية عندما قال: "وليس في هذه المدينة مغرم ولا مكاس ولا وال إنّما يحكم عليهم نقيب الأشراف وأهلها تجار يسافرون في الأقطار وهم أهل شجاعة وكرم ولا يضام جارهم، صحبتهم في الأسفار فحمدت صحبتهم". وقال: "انّها مدينة حسنة في أرض فسيحة صلبة من أحسن مدن العراق وأكثرها ناساً وأتقنها بناءاً، ولها أسواق حسنة نظيفة"(1).

لقد بدأت حالة مدينة النجف المتماسكة تتكسر وتفقد مميزاتها تدريجياً منذ عشرينات القرن العشرين حينما:

أولاً:

بدأ، بمساعدة استشاريين انگليز ومرافقين شرقيين تاريخهم غير معروف، تغلغل الدولة الديكتاتورية ومؤسساتها القسرية في حياة وحرية الناس بعد سيطرتها على المقدرات والموارد والسلاح وبعد بناء وتوسيع جيشها المنظم المنتشر في قواعد تقع على مشارف حواضر البلاد الرئيسية وجعله موالياً لرغبات حفنة من السياسيين الّذين يخدمون مصالح ضيقة ومخططات استعمارية، لكن المدينة الجبارة العصية على الأعداء قاومت زحف السلطة المتخلفة نحوها وأدركت أنّ خضوعها لضغط القوة الغاشمة إنّما هو بداية التغلب على العراق بأكمله، فقاومت وأطاحت برؤوس المبعوثين والولاة وضباط الحملات وخاضت حروباً وحصارات ضد جيوش الاحتلال واضطر أبناؤها إلى أكل الميتة وشرب مج الماء وبناء أسوار هدّمت حكومة صدام حسين آخرها "سور النجف من طرف البراق والحويش" وقد كان سكانها يحتمون خلف جدرانه درءاً للخطر الآتي من الجيوش الغازية ومن بعض شركائهم في الوطن. وقد كان السيّد محمّد سعيد الجبوبي أول مَن سلّ السيف في العراق عام 1917م داعياً لمقاومة الإنگليز وأفتى بالجهاد ثم واصل المسيرة بعده محمّد تقي الشيرازي وشيخ الشريعة فقاد الأول الثورة العراقية 1920م روحياً وسياسياً، وقاد الثاني حملة المطالبة بالاستقلال ونيل الحرية للعراق. ويذكر أنّ جوانب أخرى من سور النجف كانت قد تصدعت عام 1920م خلال حصار الجيوش الإنگليزية لها وإعلانها الجهاد والحرب ضدها

____________

1- ابن بطوطة، رحلة ابن بطوطة، ج1/ص: 198 ـ 199. عن موسوعة النجف، ج1.


الصفحة 7


 

وكان قرار هدم السور من أسوأ قرارات الحكومة العراقية التي لم تتحمل أن يكون للمدينة سور يفتخر به الأبناء ويشهد لهم عندما يروون للأجيال تاريخ صبر وكفاح الآباء والأجداد. وكان الأجدر بالسلطة أن تفخر هي الأخرى بحاضر المدينة وماضيها وبما تحمله للبلاد من سمعة طيبة وتنوع علمي وأدبي وسياحي مفيد يصل إلى مستوى العالمية.

ثانياً:

بدأ تغلغل الايديولوجيات الواردة "علمانية وملحدة وفاشية ونازية" بما حملته من عصبيات فكرية واجتماعية وشوفينية كان هدفها الأول إضعاف المراكز العاطفية القبلية والدينية والحركات السياسية (النظام الأسري ومراكز الحوزات والتنظيمات والعلوم والثقافة الرفيعة التي ما كان لها أن تتحقق لولا القلق المستمر الّذي أحاط بالأجواء وأدى إلى اكتسابها القوة والابداع)(1).

____________

1- جاء اختيار العرب للكوفة "وبالتالي النجف الحالية ومحيطها" لأسباب أهمها حاجتهم إلى مياه الفرات العذبة وما تدرّه بساتينه وأراضيه الزراعية (شمال وشرق المدينة) من خيرات ضرورية لتحقيق تمركز سكاني كاف للإنتاج والدفاع عن دولتهم إذا ما تعرضت إلى غزو خارجي فضلاً عن تأسيس جيش كبير للفتح ونشر الدعوة الجديدة. وأيضاً لوقوعها من الجنوب والغرب على كتف البادية (الهضبة الغربية) وتقع في نهايتها الحدود العربية السعودية. شتاؤها بارد قارس وصيفها حار يابس، وعندما يشتد القيظ يلجأ سكانها إلى سراديب منحوتة في جوف الأرض الصخرية. وحول لقاء الحياة الحضرية بالبرية فيها قال ابن قتيبة: "كانت العرب تقول: أدلع البر لسانه في الريف، فكان يلي الفرات منه فهو الملطاط (بين الحيرة وبحر النجف)". وقال ياقوت الحموي: "اللسان في أرض العراق...واللسان لسان البر الّذي أدلعه في الريف كما هي عليه الكوفة اليوم والحيرة قبل اليوم". وقال الشاعر:

 

برية غرست والسواد

كغرس المضيغة في اللهزمة

 

والسواد هو كنية لأرض العراق. وقال اسحاق بن ابراهيم الموصلي:

 

ياراكب العيس لا تعجل بنا وقف

نحيي داراً لسلمى ثم ننصرف

لم ينزل الناس من سهل ومن جبل

أصفى هواء ولا أغذى من النجف

حفت ببر وبحر من جوانبها

فالبر من طرف والبحر من طرف

وبين ذاك بساتين تسيح بها

نهر يجيش مجاري سيله القصف

وما يزال نسيم من يمانية

يأتيك منها بريا روضه أنف


راجع: أبو الفرج الأصفهاني، كتاب الأغاني ص: 356 ومعجم البلدان جزء 5/ص: 271 وموسوعة العتبات المقدسة، قسم النجف ص: 61 ـ 62، بحث مقدم من الدكتور مصطفى جواد، مأخوذ من: جعفر هادي الدجيلي، موسوعة النجف، جزء 1/ص: 111. وذكر عمر أهل الكوفة قائلاً: "هم رمح اللّه وكنز الإيمان وجمجمة العرب يحرزون ثغورهم ويمدون أهل الأمصار". وقال عنها سلمان: "الكوفة قبة الإسلام". موسوعة النجف ص: 76.


الصفحة 8


 

ونتيجة ذلك عاشت النجف تحت ضغط وتدخل عوامل جديدة كثيرة، منها ما هو أمني عسكري من قبل الدولة ومستعمرها واذنابها المسيرين لأجهزتها وإدارتها، وغزو داخلي فكري من قبل أبنائها المتأثرين بالأفكار والمناهج الشمولية الاجتماعية أو النازية الساحرة والمحكمة التنظيم الواردة غالباً من اوروپا وذلك أدخل إلى حياة البلاد المستقرة قلقاً وصراعاً بين ثقافتها الكلاسيكية والدينية والثقافات والمناهج الحديثة والمعاصرة والتي حوّلها معتنقوها المحليون أفراداً وأحزاباً سياسية ناشئة إلى معتقدات شبه مقدسة.

انتصار القسوة مؤقتاً:

وقد استمر الصراع المذكور حتّى جاءت سنوات الستينات وحكوماتها التي وضعت، لأول مرة في تاريخ العراق، ضمن خططها "التقدمية!!" القضاء على مركز المدينة العلمي والثقافي والديني واستخدمت من أجله الترهيب البشع والترغيب باستخدام أموال الدولة الطائلة ومكاسبها. ومنذ بدء الهجوم المنظم الّذي استغرق حتّى الآن أكثر من سبعين عاماً، أدرك مثقفو المدينة والعراق برمته أنّ مدينتهم الاستثنائية تتعرض لهجوم يستهدف تدمير مركزها العالمي وثقافتها، وأحسوا أنّ مدينتهم الاستثنائية في بأسها البري وفي مدينتها المتميزة محاصرة داخل صحراء من النزاعات التي تخلفت منذ قرون، منذ أن قضى أبو حامد الغزالي وتابعوه على النشاط الفكري الفلسفي والعقلي العام وجعلوا جداراً عالياً يفصل بين العقل والنقل وفرضوا ذلك قسراً بين أوساط المفكرين السنة الّذين تعرض بعضهم إلى الملاحقة والتقتيل، في حين نجحت المراكز الشيعية في النأي بنفسها عن تأثيرات فتاواه وفتاوى ابن تيمية وغيرهما، فعاشت وعلى رأسها النجف مئات السنين مستقلة وتنتج فكراً وأدباً قوياً وعميقاً أو على الأقل تحافظ على صورة الفكر الإسلامي القوي العتيق من الاندثار والاضمحلال، وتمكنت من انقاذ ما تبقى من فكر المعتزلة بعد أن التهمت النيران وتهم الزندقة كل إنتاجهم الفقهي والأصولي والأدبي.

تلك الحالة التي تعايشت فيها الروح البرية مع روح التمدن كانت قد خلقت ما يكفي من القلق والوعي لكي تنشأ بين جنبات المدينة المقدسة واحدة من أهم

 


الصفحة 9


 

مدارس الأدب والفكر في التاريخ، مدرسة انتصبت واقفة رغم العزلة المفروضة والمقصودة التي دامت قروناً عديدة، مدرسة قامت بإرادة وقدرات ذاتية للعراقيين والعرب وعلماء من العالم الإسلامي الواسع "لبنة لبنة وخطوة خطوة" وبصبر وصمود، فحقّقت أشياء كثيرة بينها قوة البصيرة وشدة المراس وروح الاعتماد على النفس والقدرة غير المحدودة على تحمل العواقب. لكن أبناءها خسروا، بسبب ريادتها ووجود القيادة الدينية في ضيافتهم، راحة البال، وأصبحوا محط أنظار بقية إخوانهم العراقيين يطالبونهم أحياناً بما ليس بمقدورهم القيام به ويعتقدون أنّ من حقوق النجف على ابنائها عدم تفرغهم لأنفسهم. وغالباً ما شكل عتب الآخرين عليهم دافعاً لبعض المتطوعين منهم إلى تقدم الصفوف نحو أنواع يائسة من المقاومة دفاعاً عن الكرامة وعن سمعة التحدي الموروثة، لعل المجازفة تخفف من ضغط عتب اخوانهم عليهم. انّه عتب المظلوم على المظلوم وهو غالباً ما يحصل بعد يأس الآخرين من:

أولا:

عدم قدرتهم على مواجهة القسوة المدمرة التي يمارسها ضدهم الظالم الحقيقي فيستديروا ليخلقوا المشاكل لبعضهم تفريغاً لشحنة الغضب والاحباط الكامنة في أعماقهم.

ثانياً:

ومن عدم قدرتهم على مواجهة روح الرعاع النامية التي تبحث عن الخلاص بتحميل شركائهم في تحمل المسؤولية الوطنية وفي تحمل أعباء نتائج أعمال الحاكم الظالم.

ومع الأسف نجد هذه الظاهرة تتعمق وتزداد سوءاً كلما نجحت السلطات في تشجيع روح الرعاع بين أوساط البسطاء وبين أوساط الباحثين عن طريق ملتوية للهرب من المواجهة ضد مصدر الظلم الأساسي.

الجواهري نموذجاً للقلق المبدع:

وفي وسط اللجة المتلاطمة الانفعالية المتغيرة أنجبت البيئة النجفية القلقة رجالاً ارتقوا في عملهم وأدبهم ومكانتهم إلى مستوى العالمية، ونشطت عقول مثقفي المدينة المقدسة باحثة بصورة إرادية وغير ارادية عن اجدى الوسائل للدفاع عن النفس فأنتجت أدوات ومفاهيم ومدارس علمية يزينها الشعر والأدب

 


الصفحة 10


 

الإنساني والسياسي الرفيع. لقد أنجبت بيئة النجف القلقة رجالاً عالميين جاؤوا من رحم المعاناة والقلق الصادر عن مرحلة تحول متحركة، وكان أبرز عظمائهم هم الّذين عاشوا منذ بداية القرن مرحلة التحول أو مرحلة تشديد الضغط الحكومي لإفقاد المدينة بكارتها وحاولوا الدفاع عنها مثل الحبوبي الشبيبي وكاشف الغطاء والحكيم والجواهري والصدر وغيرهم كثيرون وقد مررنا على ذكر آخرين منهم في مكان آخر من هذا الموضوع. وإذا أخذنا الجواهري نموذجاً للمدرسة النجفية القلقة سنرى أنّ شاعريته قد منعته من التقيد بقيود ضيقة بل نجده يتجاوز الحدود ويجمع بين شاعرية المتنبي ومعرفة أبي علاء المعري وفروسية البحتري وصوفية بشار، فكان قطعة أصيلة ومعبرة ومطابقة لصورة النجف التي أردنا رسمها وتقريبها للذهن فيما تقدم من صفحات. تمرد الجواهري عندما لم يكن بعد في قاموس أبناء المدينة أية فكرة عن التمرد بسبب قضايا عامة، وتمكن من جعل بيت الشعر والكلمة أقوى تأثيراً من ترسانة أسلحة. فكان رائداً يرى صورة المستقبل قبل حضورها، ولم يكن مقلداً أو تابعاً.

ينطبق عليه مفهوم "شاهد القرن" أكثر من انطباقه على المفكر الجزائري مالك بن نبي فقد كان أكثر بلاغة وأعرف بأسرار العربية التي أعطاها من سنينه "المائة" ثمانين عاماً من الشعر الأثير الرقيق والشجاع الّذي ملأالقرن كله مواقف وطنية وقومية وفكراً عميقاً.

كان شاهداً على قرن يعادل بحق كل تاريخ البشرية السابق منذ أن تأسست المجتمعات الإنسانية السياسية حتّى بداية القرن العشرين، فلقد شهد خلالها أخطر وأهم التطورات العالمية، وشهد مذنب هالي مرتين، كان شاعراً في الأولى وفي الثانية ورحل بعد الثانية باثنتي عشر عاماً.

قرّبه الملك فيصل الأول وسلّمه مهام رئيسية في البلاط ووعده بمستقبل وحياة هانئة وموفورة لكنه ابتعد. ورغب إليه ملوك ورؤساء أن يتذكرهم شعراً فنأى بنفسه عنهم إلاّ مَن شاء هو رد تحيته بلغة الشعر، فقد كان أديباً ذاتياً وسياسياً بنفس الآن، تدرج من الدعوة للإصلاح الديني والتحرّر من الأجنبي إلى رفض الظلم الّذي مارسته السلطات.


الصفحة 11


 

كان شاهداً وراقب القرن مرة من فوق كما يرصد النسر الغابة، وراقبه مرة أخرى من داخله وهو داخل لجة الصراع. لم يكن شاهداً على القرن فقط وإنّما كان رمزاً للحضارة العتيقة المليئة بالفروسية والحرية والتعايش الآمن بين الناس، مازجاً بين الأصالة من جهة والحداثة وآفاق المستقبل من جهة أخرى.

لكن الجواهري وهو المتمتع بيفاعة الشباب ودلال الأهل وبحبوبة الأدب الرفيع وجوار حضرة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) كان قد أدرك أهمية استيعاب حضارة القرن المعاصرة الزاحفة من الغرب نحو الشرق العربي الإسلامي، وفي استقبال ذلك الزحف الحضاري الغربي وقف وهو الشاب وراء الأعلام كالسيّد محمّد سعيد الحبوبي والشيخ جواد الشبيبي الّذين استقبلوا بترحاب جوانب الحضارة الاورپية الايجابية وهبوا ناشطين بوجه جوانبها السلبية فنجحوا في حث مدينتهم ومحيطها "الفرات الأوسط" بل والعراق كله للمقاومة، فكافح الجميع ضد الزحف الجديد الّذي أراد اخضاعهم وتمزيق فطرتهم وتغليفها بأطر تؤدي إلى فقدان الفكر السليم، وكانت إحدى أهم علامات الهجوم البشع ما سمي "بدقة" الجنرال عاكف عندما ضرب مدينة الحلة ونكل بأهلها، وإعدام الإنگليز للكوكبة الثائرة في النجف: كاظم صبي ونجم وكريم وغيرهم كثيرون.

وكانت خبرة الكفاح الطويلة قد ألهمت أدباء المدينة طرقاً إبداعية لتجسيدها ونقلها للأجيال القادمة، فخصها الشعراء بقريض معجز، ومثّلهم جميعاً الجواهري حينما طار محلقاً إلى عوالم لا يرقى إليها البشر بسهولة، فارتفع مرة أخرى بآداب العربية من المحلية إلى العالمية. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ الأحداث والشخصيات والألوان التي صاغها الجواهري شعراً ستخلد في الذاكرة العربية طويلاً، فقد عاش بداية مسلسل أو مخطط الهيمنة الّذي ظلّت السلطات تضغط بواسطته على مدينة النجف، فلاحظ بوضوح عدم رضوخ مدينته وأسف لإصرار السلطات على إخضاعها كسبيل لإخضاع العراق كلّه. لقد كاد العراق بسبب قلقه الواعي أن يصبح واحداً من مراكز الابداع المهمة في الشرق الأوسط وربما العالم لولا سقوطه وهو في غفلة بين أيد جاهلة.

ومنذ بداية الصراع أدرك الجواهري أهمية دوره كشاعر فسجل أهم

 


الصفحة 12


 

المشاهد والمواقف شعراً ابداعياً قوياً يصعب على المتخصصين التلاعب به أو تزويره واهتم بجانبين:

الأول:

أهمية شعره كحافظ للتاريخ فيقول: "أنا الموثق الأمين في ما أكتب وأدون".

الثاني:

أهمية الشعر للشهادة (كما كان قد فعل ذلك الشيخ الأميني في موسوعته "الغدير")، أي أهمية الشعر كأداة إعلامية وخزانة تاريخية، فالشعر ليس كأي لون من ألوان التعبير بل هو غرض صعب المنال وتضمين المعجز منه أحداثاً تاريخية يعني توثيقها وتثبيت وجودها.

ولعلنا لا ننسى أنّ الشعر إذا ما ذُكر تقفز النجف بل يقفز العراق كله إلى المخيلة، وإذا ما جرى الحديث عن النحو والمنطق وعلوم القرآن والفقه والأصول تقفز هي أيضاً، وإذا فُهرست التقاليد والعادات العالمية المتميزة والأصيلة سسيدخل اسم النجف في القائمة بغض النظر عن نوع التقاليد المختارة.

وممّا يؤسف له أنّ الجواهري كان قد رحل عن الحياة بعد قرن كامل من الكفاح المتنوع وهو يشاهد فصلاً أليماً من حياة بلاده يتكرر من حوالي ثمانين عاماً، يلعب آخر أدواره صدام حسين الّذي يصر على وضع نفسه أمام خيارين أحلاهما مرُّ: إما أن يخضع العراق العريق بكامله لجهله وهمجيته، وهو ما لن يتحقق ويحصل أبداً، أو تدميره وحرقه وهو مايحصل فعلياً كل يوم تقريباً في السنوات الأخيرة. إنّها محاولة دامية ولكنها فاشلة للسيطرة على العراق وعلى المدينة الجريحة التي ساعدها على تحمل أعباء الصمود أنّ مدن العراق هي الأخرى ظلّت تعاني من نفس المحاولة الآثمة، وبصمودها ومقاومتها ساعدت وبوعي غريزي على توزيع قوى السلطة وتخفيف ضغطها على النجف.

وأخيراً فقد أعلت مدرسة النجف دائماً من شأن منسوبيها وعلمتهم الأصالة والاعتماد على الذات وشجاعة الدفاع عن مصالح الناس وعن روح الاستقلال لديهم. في حين يشعر طالب العلم فيها بالمسؤولية وربما الاعتدال كلما ارتقى مرتبة علمية أكبر لأنّ اتساع علمه يجعله مسؤولاً أمام الناس وأمام السلطة التي هي شاء أم أبى، مسؤولة عن مستقبله وعائلته وعن غذائه وكسائه.


الصفحة 13


 

ولقد أثر الفكر الصادر أساساً عن الحوزة العلمية النجفية في بقية المراكز الإسلامية داخل وخارج العراق فاكتسب بذلك الصفة العالمية رغم وجود رغبة عارمة لدى خصومه في تغييبه، وليس غريباً أن تستمع الآن في أقصى بلاد الشرق إلى بعض مثقفي شعوبها يتحدثون العربية بلهجتها ومصطلحاتها النجفية(1). غير انّ نجاحات المدينة الكثيرة لم تكن مصدر رضى السلطة التي بدلاً من مكافأتها كانت تكيد لها، لكن النجف كانت قد تعودت الصبر والصمود والانتظار بعد كل جائحة تصيبها، وكثيراً ما تحملت مرارة الحرمان وأعباء العزلة والكلف الباهظة من أجل أن يسمع الآخرون ما لديها ولكي تظل ممتكلة لإرادتها، شامخة غير متخلفة عن أخواتها مكة والمدينة وبغداد والقاهرة ودمشق وقم واستانبول.

ولم يدفع أبناء النجف وحدهم الثمن الباهظ لاستقلال مدينتهم بل ساهم معهم بلا تردد الغالبية العظمى من العراقيين، فضلاً عن تلامذتها ومدرسيها إذ لا يطالب مدرسو الحوزة لقاء دروسهم سوى بأجر الحد الأدنى الضروري لحياة حرة كريمة، رغم أنّ مادتهم الدراسية تعتبر عملاً مركزاً لم ينجحوا في تحصيلها إلاّ بعد سنوات طويلة من الكد والاجتهاد، ولا يدفع التلاميذ أجراً لقاء التحاقهم بصفوفها، بل يحصلون على منحة يوفرها العلماء الأعلام من الحقوق الشرعية التي يدفعها طوعاً أتباعهم في العراق والعالم ومن عوائد الأوقاف. وبعدها تتكفل الحسينيات والمدارس الدينية والمقامات بإيوائهم مجاناً طوال فترة الدراسة التي ربما تدوم سنوات عديدة، ويتم كل ذلك باعتبار أنّ الطلبة والمدرسين مستحقون وليسوا مأجورين.

وتلتثم حلقات الدرس في المساجد وفي الصحن الشريف كجامع الطوسي ومسجد الهندي الّذي درّس فيها الأنصاري الكبير ودرس فيه السيّد جمال الدين الأفغاني، وجامع الخضراء الّذي اعتاد الإمام الخوئي التدريس فيه، ومسجد سوق المسابك الّذي كان يصلّي ويدرس فيه الشيخ محمّد رضا المظفر قبل أن تنتقل دروسه إلى منتدى النشر.

لقد كان نأي مدرسة النجف العلمية بتلامذتها وعلمائها ليس فقط عن

____________

1- مقابلة مع المؤرخ العراقي الأستاذ محمّد سعيد الطريحي عام 1999م في لايدن بهولندا.


الصفحة 14


 

الارتباط بالسلطة ومصالحها وأموالها، بل أيضاً عن الانخراط في أي حزب أو تيار سياسي وسيلة من وسائل صمودها واستمراريتها. ولم يحصل أبداً أن تمكنت حركة سياسية حاكمة أو معارضة من السيطرة على الحوزة الدينية أو حتى لعب دور حاسم فيها، حتّى أنّ الزعيم عبد الكريم الّذي تمتع بتعاطف كبير من قبل علمائها وطلبتها، امتنع عليه كسب تأييدهم المطلق بل ظلوا يراقبونه ويختلفون معه كلّما ابتعد عن الشريعة. بل ولم تتمكن حتى الحركات الإسلامية من السيطرة عليها رغم وحدة الاتجاه.

ويذكر أن الزعيم الديني في الحوزة العلمية النجفية لا يأخذ مكانته برخصة يمنحها "الحاكم" بل تأتيه بسبب علمه وبعد اتفاق العلماء والمدرسين (أهل الخبرة) على كفاءته وهي مكانة يكتسبها العالم مع الوقت ومع اختيار الناس لعلمه وخصاله.