في مواجهة العزلة
القدس والنجف في المؤتمر الإسلامي
العام (1931م)


تأليف
الدكتور محمّد حافظ يعقوب
كاتب وباحث فلسطيني ـ باريس


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 


(إنّ الغاية من عقد هذا المؤتمر هي الدفاع عن المقدسات الإسلامية التي في فلسطين وإعداد الوسائل الكفيلة بذلك)

محمد أمين الحسيني في حديث للأهرام القاهريّة
بتاريخ 4 / 11 / 1931 م(1)         


مقدمة

فرضيتي الرئيسية في هذه الدراسة هي الآتية:

1 ـ شكّل المؤتمر الإسلامي العام في القدس 1931م قمة العمل العام، أي السياسي والاجتماعي والثقافي، لجيل كامل من الرجالات الكبار الّذين حاولوا أن ينهضوا بالعالم الّذي ينتسبون إليه، بضعفه وتمزقه وتشرذمه، وأن يعيدوا تركيبه حول هويّة مركزية، تتجاوز الهويات والعصبيات المحلية، هي الإسلام. فبالنسبة لهذا النفر من جيل النبلاء، لم يكن العمل السياسي يبعد عن العمل الديني، وكلاهما عن العمل الأهلي. فليست السياسة والدين بالنسبة لهم غير عمل غايته حفظ وجود الجماعة الّذي كان مهدداً من الانهيار. وهم لم ينظروا لمساعيهم في تأطير جماعاتهم وتنظيمها وتوجيه قواها وتحديد أهداف حركتها العامة غير انّه تحرير لها من العناصر التي ولّدت الضعف الماثل، وأفضت بالجماعة المحلية، كما بالأمة كلّها، إلى الحالة التي كانت عليها. كان العالم الإسلامي كلّه محاصراً بالاستعمار المباشر وبالسيادات المنتهكة لزعامات من غير حول ولم يك أي من المؤتمرين من هذا النمط الأخير من الزعامة. كانوا كلّهم من أولئك الرجال الّذين

____________

1- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي بالقدس 1350هـ /1931م. إعداد د. أحمد بن ميلاد، بيروت 1988م. دار الغرب الإسلامي، ص: 86 ويحتوي الكتاب على ملحق يتضمن عدداً كبيراً من الرسائل التي جرى تبادلها بخصوص المؤتمر الإسلامي العام في القدس بين الثعالبي والحسيني ورشيد رضا وعلوبة باشا وآخرين كثيرين.


الصفحة 2


 

توصلوا، لأسباب تتصل بهم وبالجماعات التي التفت حولهم، إلى أن يصبحوا وقت المؤتمر، في قلب الشرعية التمثيلية لجماعاتهم المخصوصة. كانوا، بلغة اليوم، مندوبي المجتمع المدني، وفي الحقيقة ممثلي هوية الجماعة الوطنية التي ترى فيهم مندوبيها. هذا ينطبق على مندوبي فلسطين وسورية ولبنان والعراق والمغرب والهند ومصر وغيرهم. أما السمة المشتركة التي تجمع بينهم جميعاً، فهي الوعي بالحصار أو بالحقيقة بضرورة فكفكته واختراقه ورفع التحديات التي تتجسد فيه.

ولامجال هنا للاستفاضة في هذه النقطة بالذات. تكفينا الاشارة إلى مانعرفه جميعاً بخصوص أن الهويات لا تستيقظ ولا تتحفّز من غير تهديد، وأنها لا تطّور استراتيجية دفاعها إلاّ حين يصبح وجود الجماعة في وعيها مهدداً، وبالأصح حين تيكثّف الوعي بالتهديد ويتحفّز. وكانت فلسطين في نظر المؤتمرين جميعهم من غير استثناء هي نقطة المركز في هذا الوعي الكثيف بالتهديد، وشكّلت بالضرورة نقطة الالتقاء المركزية التي جمعتهم لمواجهة التهديد الّذي يحيط بالقدس بما هم هوية كلية أو مشتركة، وكان الوعي بالتهديد هو حافز هذا الجمع. وبيان ذلك أوضح من أن نعلّله بالتفصيل. فليست القدس مدينة اعتيادية، إنّها مدينة مقدّسة. وهي في وعي المسلمين جزء من هويتهم التاريخية، ومركز من مراكز هذه الهوية أي واحدة من المعالم التي تتعرف فيها الهوية على نفسها في التاريخ.

وهم يُجمعون كلّهم، على اختلاف جنسياتهم ومذاهبهم، على مكانتها المحورية في هويتهم كمسلمين. فهي بعبارات ابن بطوطة (ت: 756هـ /1355م): "بيت المقدس شرّفه اللّه، ثالث المسجدين الشريفين في مرتبة الفضل، ومصعد رسول اللّه، ومعراجه إلى السماء". وهي كما يقول المقدسي (ت:375هـ /985م): "بلدة جمعت الدنيا والآخرة، فمن كان من أبناء الدنيا، وأراد الآخرة وجد سوقها. وأن كان من أبناء الآخرة فدعته نفسه إلى نعمة الدنيا، وجدها. وأما الحسن، فلا ترى أحسن من بنيانها، ولا أنزه من مسجدها (...) جمع اللّه تعالى فيها فواكه الأغوار، والسهل والجبال، والأشياء المتضادة..وأما الفضل فلأنها عَرَصة القيامة، ومنها المحشر، وإليها المنشر، وإنما فُضّلت مكة والمدينة بالكعبة والنبيّ. ويوم

 


الصفحة 3


 

القيامة يُزفإن إليها فتحوي الفضل كلّه. وأما الكبر فالخلائق كلّهم يحشرون إليه"(1). و"بيت المقدس هو المسجد الاقصى الّذي بارك اللّه حوله" بحسب المسعودي (332هـ /942م) في مروج الذهب. ففيه "من آثار الأنبياء مربط البراق الّذي ركبه النبي تحت ركن المسجد (...) ومنارة ابراهيم خليل الرحمن، (...) والقبة التي عرج النبي منها إلى السماء، والقبة التي صلّى فيها النبي بالنبيّين (...) ومُصلى جبريل، ومصلى الخضر"(2). إلى ذلك، فإنّ من بين "أهل الشام وأطرافها"، كما يذكر ناصر خسرو الّذي وصل إلى القدس في 5 رمضان 438 هـ (16 آذار/مارس 1047م) مَن يحجّ إلى القدس "من لا يستطيع الذهاب إلى مكة من أهل هذه الولايات. فيتوجه إلى الموقف، ويضحي ضحية العيد، كما هي العادة"(3).

2 ـ كان المؤتمر الإسلامي العام ثمرة مساع فلسطينة حثيثة لتوسيع جبهة التصدي للخطر الصهيوني وتعزيز مقاومة الفلسطينيين بالقوى العربية والإسلامية. وتعود فكرته، كما يقول الحاج محمّد أمين الحسيني في تصريح لجريدة الأهرام في 4/11/1931م "إلى اليوم الّذي شعرت فيه فلسطين بضعفها إزاء الطامعين فرأت أن تتقوّى بجيرانّها"(4). فلم يكن الصراع بالنسبة للفلسطينيين محلياً، بل شاملاً يمس العرب والمسلمين كلهم، ويتوجب بالضرورة تعبئتهم فيه. ففي موسم الحج للعام 1922م قام الوفد الفلسطيني الممثل للجنة التنفيذية الفلسطينية المتكون من الشيخ محمّد عبد القادر المظفر وأديب أبو ضبة بتوجيه (نداء عام إلى الأمة الإسلامية من إخوانهم مسلمي بيت المقدس وسائر فلسطين) جاء فيه: "وإنا كحرّاس أمناء ساهرين على ما عهد اللّه إلينا من حفظ ثالث الحرمين الّذي شرّفه اللّه بالإسراء، وأول قبلة للإسلام، قد أوقفنا نفسنا للدفاع عنه، وحقنا فيه حق المصري والحجازي والمغربي والفارسي والتركي والأفغاني والهندي والجاوي، وكلّ مَن نطق بالشهادتين في مشارق الأرض ومغاربها لا أقل ولا أكثر.. (وإننا) إلى

____________

1- المقدسي (شمس الدين أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن أبي بكر البنّاء البشّاري): أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. نشر دي غوية ـ لندن، ص: 165.

2- ابن عبد ربه: العقيد الفريد، 1945م، ج3/ص: 261.

3- رحلة ناصر خسرو: ترجمة عيسى الخشاب; لجنة التأليف والترجمة والنشر: ص19.

4- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي بالقدس. سبق ذكره، ص: 86.


الصفحة 4


 

نصرة هذا الدين ندعوكم أيها المسلمون بقلوب دامية وأفئدة متفطّرة". ووزّع الوفد في الموسم نفسه بيانات مماثلة "للأمة المصرية الرشيدة من إخوانهم وجيرانهم الفلسطينيين"، ولـ "الأمة العراقية الأبية من إخوانهم المسلمين في فلسطين"(1). وقد ظلت الزعامة الفلسطينية، التي كانت أخذت تتجسد في خط الحاج محمّد أمين الحسيني، توثق صلاتها برجالات البلاد العربية على وجه الخصوص والعالم الإسلامي على وجه العموم وتعمل على تعبئتهم في صراعها ضد الصهاينة والبريطانيين. ولم يكن المطلب الفلسطيني في تلك السنوات المبكرة مستحيلاً أو لا يتناسب مع منطق الأشياء. فـ "تود فلسطين لو ظلّت المؤازرة المعنوية من إخوانها قوية...فإنّ ذلك يبرهن للّجنة (لجنة التحقيق البريطانية في أحداث البراق) أنّ سوريا الجنوبية ليست بعزلة عن شقيقتها القريبة (لبنان) ولا عن شقيقاتها اللواتي هنّ أبعد قليلاً كالعراق والحجاز ونجد"، كما كتب الحاج أمين الحسيني إلى محمّد جميل بيهم البيروتي في 12 أيلول 1929م، على سبيل المثال لا الحصر(2).

ولا يجافي الإسرائيلي تسفي ألبيلغ الحقيقة كثيراً حين يكتب أن "الأحداث التي أطلق عليها العرب اسم "ثورة البراق"،.. والحملة الدعائية التي أدارها المجلس الإسلامي الأعلى بشكل مركّز منذ مطلع العشرينات،... قرّبت العالم العربي والإسلامي لموضوع الدفاع عن فلسطين والأماكن المقدسة"(3).

3 ـ لا حاجة إلى التأكيد على ما هو بيّن بخصوص أن القضية الفلسطينية اندرجت في صميم وعي العراقيين بهويتهم الوطنية ومشكلاتها في الوقت نفسه. فقد كانت أصداء الأحداث الفلسطينية، منذ العشرينات، كثيفة في جسم الجماعة العراقية التي كانت بدأت تتعرّف على ذاتها كهوية وطنية حديثة. ولم يتردّد الأعيان العراقيون بطبيعة الحال لا عن تلبية النداء الفلسطيني، ولا عن ادراجه في

____________

1- بيان نويهض الحوت: القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 ـ 1948م. بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية. ص: 195 ـ 196.

2- د. حسّان حلاّق; موقف لبنان من القضية الفلسطينية، 1918 ـ 1952م (عهد الانتداب الفرنسي وعهد الاستقلال). بيروت 1982م، مركز الأبحاث. ص: 33.

3- تسفي البيلغ: المفتي الأكبر، ترجمة مصطفى كبها. عكا 1991 ـ دار الأسوار. ص: 58 ـ 59.


الصفحة 5


 

المعارك التي كانوا يخوضونها، إن لتنظيم صفوفهم ضد الانتداب البريطاني على العراق، أو لبلورة استراتيجية هوية جماعتهم في التاريخ، فإلى جانب المقالات التحليلية التي كانت الصحافة تنشرها بخصوص القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني وقضية البراق، عمت المظاهرات شوارع المدن العراقية كلّها في العشرينات والثلاثينات ليس للتنديد بالاحتلال البريطاني للعراق وللتأكيد على المطالب الوطنية العراقية الخاصة فحسب، بل وللتنديد بالمشروع الصهيوني وتصريح بلفور ولرفع المطالب الفلسطينية في وقف الهجرة الصهيونية والدفاع عن هويتها العربية والإسلامية.

ولأسباب تتصل بطبيعة التكوين الوطني للعراق الحديث، كان علماء النجف في مقدم ا لعراقيين الّذين نصروا، بالتأييد الكثيف، القضية الفلسطينية، بل كيف يمكن للنجف ألاّ يقف إلى جانب القدس وهو الّذي كان منذ البدايات في مركز المقاومة الضارية للاحتلال البريطاني، أو في مقدم رافضي المعاهدة المفروضة مع بريطانيا ومستنكري ارتباط الانتخابات التشريعية بها؟ بل كيف يمكن ألاّ يكون كذلك ونحن نعلم أن النجف، الّذي يقع "بين المدن المقدّسة، الرابعة في المرتبة، وهي مكة والمدينة والقدس"(1)، وأن المجتدين الكبار كانوا في مقدّم ثورة العشرين، وبعد تأسيس الملكية، على رأس المعترضين على الانتداب والمعاهدة؟

ولا تتيح المعطيات المتوفرة لدينا الآن سبر ما كان يدور في وجدان ذلك الرعيل من الرجال المخضرمين وهم يشهدون التغيرات العاصفة تحيط بعالمهم الّذي لهم، عالمهم الّذي سعوا إلى تكييفه وإعادة صياغته بما يتناسب مع تطلعاتهم واجتهاداتهم وخصوصاً مع ما يرون انه يشكل أس الوجود الّذي إليه ينتسبون، غير أننا نعرف أن الدين لم يكن بالنسبة لهم جميعهم عقيدة أو نسقاً من الشعائر فحسب، بل كان كذلك شبكة متراكبة من التعاضدات التي لا تنتهي لدى تخوم الجماعة العضوية الضيقة، ولا تتوقف لدى مصالحها المحدودة. فبخلاف ما قد

____________

1- د. عبد اللّه النفيسي: دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث. الكويت 1976 ـ لانا، ص: 49.


الصفحة 6


 

يتبادر إلى الذهن، لم تكن الجماعة المحلية بالنسبة لهم غير قاعدة ضرورية تتيح الانفتاح على الاعالم الواسع كله، بتشابكاته وتعقيداته جميعها. وكان المؤتمر الإسلامي مناسبة صالحة للتأكيد على هذا المعنى.

وما يهمنا من التاريخ هنا هو أنه يحتوي على إشارات قابلة للتفسير، فليس التاريخ حوادث ماضية، متتابعة أو مترابطة فحسب، إنه كذلك مدلولات، أي معان رمزية، وإذن سياسية، يبحث عنها المحلّلون وتسهم أجيالهم المتلاحقة في تفسيرها أي في وضعها في دائرة ا لمعقولية. وأقترح هنا تفسيراً سأعلّله فيما بعد وبيانه باختصار هو التالي: شكّلت المشاركة الكثيفة للإمام محمّد حسين آل كاشف الغطاء في المؤتمر الإسلامي العام في القدس تكريساً للخط الّذي كان يتعزّز في النجف، وهو الخط الّذي كان يرى ضرورة كسر العزلة التقليدية لجمهور الشيعة في العراق أولاً وفي البلاد العربية ثانياً، عن مركز صنع القرار السياسي أي الدولة.

وأن تعزيز هذا الخط جاء كسراً لتاريخ طويل من ا لتكيف مع شروط العمل العام في العهد العثماني. فإلى أن بنية العمل السياسي التقليدي في السلطنة العثمانية كانت تتقرّر في العاصمة البعيدة على مستوى الإدارة المركزية والمناصب المدنية العليا في الولايات، فهي كانت على المستوى المحلي مدنية، وتلعب على مستوى الفقهاء والأفندية من أصحاب النفوذ والجاه، وهما شرطا الحظوة. هكذا ما كانت السياسة "العثمانية" تتيح ملياً للقبائل البدوية والأرياف وزعمائهم بأكثر من تمثيل شكلي أو جزئي على مستوى الجامعة المحلية وعصبياتها الدنيا. وكان الجسم البشري للشيعة في العراق قبلياً وزراعياً. هذا أضعف بالتأكيد من حضورهم السياسي. غير أنّ الشيعة كانت تأقلمت عملياً مع البنية السياسية العامة التي تتيح للجماعة المحلية بأن تجدّد وجودها كجماعة بمعزل عن سلطة الدولة المركزية التي لم تكن تدخلية على غرار السلطة في الدولة الحديثة. فلم يكونوا يتحركون بغرض المشاركة كشيعة في صنع القرار. كان هناك نوع من التأقلم مع عزلتهم السياسية، ونوع من التبرير الفقهي لهذه العزلة. فإلى أن التشيع هو بحد ذاته انتساب كامل، وأن السياسية الدنيوية لم تكن تشغل الفقهاء، إلاّ أن التشيع حمل

 


الصفحة 7


 

معنى احتجاجياً على السياسة وفحش الولاة وعسف الحكومة. هذا يفسر جزئياً تحول قبائل عربية كاملة إلى التشيع في القرن التاسع عشر. غير أنه يسهم كذلك في قراءة التاريخ الخاص للمرجعية النجفية والصدى الأيجابي الذي لقيته لديها أفكار حركة النهضة بالقياس إلى أعيان السنة في بغداد على وجه الخصوص.

ليس ما تقدم سوى صورة خطاطية مقترحة ولا تخلو من الابتسار والتعسف بالطبع. فقد نشأت الدولة الحديثة في العراق، وكان على الشيعة أن يتكيفوا معها كمعطى أول أو كشرط عام لكل عمل سياسي عام. ولم يكونوا من صلب هذه الدولة. وهذه الأخيرة كانت دولة نبلاء تحدروا مباشرة من الإدارة العثمانية، ويحيطون بملك من غير عصبية محلية تسنده بالضرورة في موازين القوى. وما كان الانگليز يريدون لا الاستجابة لمطالب الشيعة التي تتعارض ومصالحهم، ولا إشراك الشيعة الّذين وقفوا إلى جانب العثمانيين وقاموا بثورة العشرين ورفضوا المعاهدة وطالبوا بالاستقلال، وما اختلف فقهاء النجف وأعيان الشيعة بدورهم حول قرار مقاطعة الدولة. غير أنّ غزلة الشيعة لم تكن مطلقة، فكان بعض نبلاء المدن منهم فيصلياً، واشترك آخرون بصورة جزئية أو بصورة شكلية وهامشية في إدارة الدولة والوزارات. أما الأكثرية الشيعية فكانت، كمثل الجسم الأكثري للعراق كلّه، من أبناء العوام، أي على هامش "التاريخ". وسرعان ما أخذت المطالبة بالاشتراك الفعلي في صنع القرار في الدولة وفي الحصول على حصة أكبر في أجهزتها، تظهر إلى السطح بين الأوساط الشيعية النافذة(1). ثم أن الشيعة لم يكونوا يتحركون كشيعة، أي ككتلة موحدة لا تقبل الانقسام. فلا الزعماء المدنيون الّذين شرعوا في تأسيس الأحزاب، ولا زعماء العشائر ولا الفقهاء أنفسهم كانوا مجمعين على قرار واحد. ولم يك ذلك ممكناً في الواقع، فكما في كل كتلة اجتماعية كبيرة، لعبت المصالح والعصبيات المحلية والجهوية والعائلية ثم الأحزاب السياسية دورها في البعثرة والتشرذم السياسيين. هكذا يبرز الدور الكبير الّذي لعبه الإمام محمّد حسين آل كاشف الغطاء في النجف في معارضة الميول

____________

1- د. فرهاد ابراهيم: الطائفية والسياسة في العالم العربي. نموذج الشيعة في العراق. القاهرة 1996م ـ مكتبة مدبولي. ص: 123.


الصفحة 8


 

الطائفية بالمعنى السياسي البحت للكلمة، أو في التأكيد على أن "كل القصد الإصلاح من وجهة عامة للأمة العراقية بجميع عناصرها وكافة مذاهبها على السواء"(1).

ومهما يكن الأمر، فقد غدا خط فك العزلة التاريخية هذا يترجم نفسه، في النجف ذاته، على شكل صعود فعلي لمكانة الشيخ آل كاشف الغطاء، وفي المجتمع على صورة تفويض قوي بل مبايعة سياسية حقيقية تعزّزت في حادث "مرقد الكاظمين" (1927م) وبلغت ذروتها في "ميثاق النجف" (1935م) الأمر الّذي سمح باقتراح افتراضين: أولهما ان اشتراك كاشف الغطاء في المؤتمر الإسلامي العام يندرج في هذه السيرورة التي أتاحت تكريس مرجعيته الدينية والسياسية الدهرية، وتعزيزها لها في آن. أما الأفتراض الثاني فهو أن وجه الشبه بين سيرورة صعود النجفي كاشف الغطاء والمقدسي أمين الحسيني في مركز الشرعية التمثيلية هو كبير ويستحق بحد ذاته التنويه. غير أنّ هذا قصة أخرى.

المؤتمر: الغايات والعقبات

كان المؤتمر في الحقيقة آخر المحاولات السياسية، بالمعنى الدقيق للكلمة، لإخراج الفلسطينيين من عزلتهم الفعلية في مواجهة بريطانيا والصهيونية و "العالم المتحضر". فقد اُريد منه أن يكون على الصعيد الفلسطيني، رداً عظيماً في مواجهة صهيونية غدت قادرة في الغرب الّذي كان دخل في الأزمة الإقتصادية (السياسية) الكبرى التي عصفت به منذ عام 1929م، أن تعبىء القوى الدولية الفاعلة لصالحها، وعلى الأطروحة السياسية الصهيونية التي عبّر عنها حاييم وايزمن في العام 1930م وعضدها الغرب بخصوص أن فلسطين، بوعد بلفور، ما عادت تخص أهلها، بل يهود العالم: "إنّ وعد بلفور والانتداب قد نزعا فلسطين نهائياً من إطارها في الشرق الأوسط لربطها بالجماعية اليهودية بالعالم وبالمشكلة اليهودية العالمية. إنّ الحقوق التي فاز بها الشعب اليهودي على فلسطين ليست

____________

1- عبد الرزاق الحسني: تاريخ الوزارات العراقية، ج/4 ص: 208. عن: غسان سلامة; المجتمع والدولة في المشرق العربي. بيروت 1987م، مركز دراسات الوحدة العربية، ص: 89. وعن ميثاق النجف، انظر: الحسني; تاريخ الوزارات العراقية. ج4/ ص: 101.


الصفحة 9


 

مشروطة البتة أكثرية السكان الحاليين ولا يمكن ربطها بإرادتهم"(1).

ولم يكُ قرار الدعوة لعقد مؤتمر إسلامي عام في القدس يخلو من مجازفات أو مخاطر حقيقية تهدّد بالفشل، فقد كان على المؤتمر أن يتغلب على مجموعة واسعة من العقبات والعراقيل التي لا يمكن الاستهانة بها، فلم تأت المعارضة من السلطات البريطانية أو من الصهيونية فقط، بل من الأوساط العربية والإسلامية كذلك.

على مستوى فلسطيني محلي أولاً. هناك المعارضون التقليديون لسياسة التصعيد التي كان الحاج أمين الحسيني وحلفاؤه في الحركة الوطنية يدفعون باتجاهها. والمعارضون هم تحالف غير متماسك من زعامات الأسر المناوئة تقليدياً للأسرة الحسينية، كآل النشاشيبي الّذين رأوا في المؤتمر تكريساً لزعامة الحاج أمين الحسيني وتهميشاً لهم بالضرورة. وهناك مجموعة مبعثرة من الأعيان المنادين بالتعاون مع إدارة الانتداب على قاعدة "خذ وطالب"، وبفك الارتباط بالعالم العربي والإسلامي باعتبار أنّ قضية فلسطين تخص أهلها الفلسطينيين، وانه لا جدوى من العرب الممزقين والمتضاربي الأهواء والارادات. وهناك أنصار الأمير عبد اللّه بن الحسين الّذي لم يستطع أن يرى في إمارته الصغيرة في شرقي الأردن غير محطة له على طريق توسيعها غرباً وشرقاً وشمالاً، من ناحية، ورأى في عقد المؤتمر تهديداً لطموحاته في تمثيل الفلسطينيين وفي ضمهم إلى سلطته باعتبار أن مجرد عقده يعني تكريساً لخط الحاج أمين الحسيني الّذي لا يكنّ له أي ود، من ناحية ثانية.

تحرك خصوم المؤتمر بايعاز من الحكومة البريطانية وعلى الأغلب بتنسيق مع الأمير عبد اللّه وبتحريض منه ضد المؤتمر، فنشروا بياناً يقولون فيه أن الحاج أمين ورجاله لا يمثلون مسلمي فلسطين كلهم(2)، وأشاعوا أن الحكومة البريطانية أخذت عهداً على الحاج أمين في ألاّ يبحث في المؤتمر السياسة البريطانية وألاّ يجري التعرّض لصك الانتداب. واتخذوا من جريدتي "مرآة الشرق" و"الصراط

____________

1- Intenaional Journal of Middle East Studies, Vol:14 (1982). P.: 329-341.

2- تسفي البيلغ: المفتي الأكبر، ترجمة مصطفى كبها. عكا 1991م ـ دار الأسوار، ص:63.


الصفحة 10


 

المستقيم" منبراً لهم. ولما فشلوا في منع عقده، دعوا إلى مؤتمر معاكس عقدوه في فندق الملك داود أثناء انعقاد المؤتمر الإسلامي العام أطلقوا عليه اسم "مؤتمر الأمة الإسلامية الفلسطينية"; وكان على رأس هذا المؤتمر كبار المعارضين أمثال الشيخ أسعد الشقيري وعمر صالح البرغوتي وفخري النشاشيبي وراغب النشاشيبي. وباعتراف أكرم زعيتر في أوراقه الخاصة، وكان شاباً لا ينتمي إلى أي من الطرفين، فإنّ "انعقاد المؤتمر المشاغب أثناء انعقاد المؤتمر العام كان فضيحة أثارت نفور الشعب واشمئزازه"(1).

ومع أن الهيئة الداعية للمؤتمر تعمدت أن تخلو الدعوة إليه من أية إشارة "إلى النفير العام" و"الجهاد" وغيرها مما يمكن اعتباره "استفزازاً" و"تحريضاً"، وأن يتسم نصها بالعمومية التي تضمن القبول العام، و/أو تحد من توتر المعترضين إن لم تنزع اعتراضاتهم، إلاّ أن ذلك لم يحل دون اشتعال موجة صاخبة من التحريضات والاعتراضات التي كان لا بدّ من التغلّب عليها أو الالتفاف عليها وتفاديها، والتي أضافت عبثاً جديداً على الداعين له. وقد اضطرّ العاملون على عقده وأنصاره من أمثال عبد العزيز الثعالبي والأمير شكيب أرسلان والشيخ علي عبد الرزاق وغيرهم إلى التحرك الكثيف لـ "تبديد الشكوك" ورفع التشويش عن المؤتمر. ووجد الحاج أمين الحسيني نفسه مدفوعاً إلى تكرار التصريح تلو التصريح وإلى كتابة عشرات الرسائل للتأكيد، كما فعل في رسالته، على سبيل المثال لا الحصر، إلى محب الدين الخطيب بتاريخ 9 جمادى الثانية 1350هـ (19/10/1931م) على أن المؤتمر سيتجنب "بصورة جازمة الخوض في أي بحث يكون سبباً لأي شقاق واختلاف"(2).

تألّفت اللجنة التحضيرية للمؤتمر الإسلامي العام من الحاج محمّد أمين الحسيني رئيساً ومن أمين التميمي ومحمّد عزّة دروزة وأحمد حلمي عبد الباقي ومحمود الداودي وحسن أبو السعود وعجاج نويهض إلى جانب الزعيم التونسي

____________

1- بيان نويهض الحوت: القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 ـ 1948م. بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية. ص: 245.

2- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. سبق ذكره، ص: 220 ـ 221.


الصفحة 11


 

الشيخ عبد العزيز الثعالبي(1). وأرسلت الدعوات باسم "رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ومفتي الديار القدسية". وجاء في الدعوة أن فريقاً "من أهل الرأي النافذ والغيرة الحافزة من أهل هذه البلاد وغيرها من الأقطار الإسلامية" ارتأى "القيام بدعوة واسعة النطاق لعقد مؤتمر إسلامي عام في بيت المقدس يُدعى إليه أعيان الأمة وكبراء رجالها من سائر الأقطار الّذين عهدت فيهم الغيرة والحمية والعلم الصحيح والرأي السديد والبصر النافذ للبحث في حالة الأمة الحاضرة، وفي صيانة الأماكن المقدسة الإسلامية من الأيدي الممتدة الطامعة بها، وفي شؤون أخرى تهم المسلمين جميعاً وتعود عليهم بالخير العميم..."(2). وأعلن الحاج أمين الحسيني في تصريح صحافي نشرته جريدة الجهاد بين فيه أن غاية المؤتمرين هي "العمل لوقاية الدين الإسلامي من العوارض التي انتابته وأدت إلى التقهقر المحسوس في الكتلة الإسلامية العامة". وأضاف قائلاً إن فكرة المؤتمر ليست جديدة، "والاقتراحات ترد علينا كتابة ومشافهة من عظماء المسلمين بضرورة عقد مثل هذا المؤتمر"(3).

لم تخف المعاني السياسية للمؤتمر لا على سلطات الانتداب ولا على الحركة الصهيونية بطبيعة الحال. فما أن نشرت اللجنة التحضيرية بيانها في (1/9/1931م) بخصوص النية لعقد المؤتمر، وأرسلت الدفعة الأولى من الدعوات، ووضح تصميم الحاج أمين الحسيني واللجنة التحضيرية على عقد المؤتمر، وشرع يعد له قبل أشهر من موعد انعقاده، حتّى أخذت الدعاية المناوئة له تنشط بقوة. ولأسباب لا تحتمل التفسير لشدة وضوحها، شرع الصهيونيون يروّجون في فلسطين وخارجها أن المؤتمر سوف يبحث مسألة الخلافة واختيار خليفة جديد، وأن الثعالبي ومولانا شوكت علي والحسيني يعملون ثلاثتهم على أن يؤتى بعبد المجيد، آخر السلاطين العثمانيين (وكان وقتها في نيس بفرنسا)، من أجل تنصيبه خليفة على المسلمين. وكتبت جريدة الديلي تلغراف بهذا

____________

1- محمّد عزت دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها. 1951م، الطبعة الثانية 1961م. صيدا ـ المطبعة العصرية. ج1/ص: 79.

2- صورة الدعوة في محفوظات مركز الأبحاث الفلسطينية، ولديّ صورة عنها.

3- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. سبق ذكره، ص: 54.


الصفحة 12


 

الخصوص "أن المساعي التي بذلها مولانا شوكت علي في الزمن الأخير لعقد مؤتمر إسلامي في القدس بقصد إعادة الخلافة، أثارت قلق الدول الإسلامية لأنه يريد عرض الخلافة على الخليفة العثماني الأخير. وهذا يأباه الملك فيصل والأمير عبد اللّه والملك ابن سعود والإمام يحيى. وقد منّت مصر نفسها غير مرة بالخلافة ولكن أشد المعارضة للمشروع يأتي من جانب تركيا لأنها تكره إحياء حركة السلطة الزمنية الدينية. وقد زار سفير تركيا وزارة الخارجية البريطانية أمس وفاوضها في الأمر"(1).

تلخّص ما كتبه الديلي تلغراف البريطانية تلخيصاً يكاد يكون أميناً شدة المعارضة للمؤتمر واتساع جبهة المعارضين وسعة نفوذهم، فضلاً عن رسمها بأمانة لصورة العالم العربي في ذلك الوقت. غير أن التهديد الكبير الّذي تعرّض له المؤتمر جاء في الحقيقة من حيث لا يتوقّع أحد، من مصر، في رسالة بتاريخ 28/10/1931م يكتب محمّد علي الطاهر، (وهو صحافي فلسطيني يقيم في القاهرة وبمثابة وكيل الحاج أمين والحركة الوطنية الفلسطينية والسورية في مصر)، في رسالة إلى الحاج أمين يقول فيها: "...بلغني أن الحكومة نبّهت على الأزهريين علماء وطلبة بعدم الاشتراك في المؤتمر وبعدم الاتصال به وبالأخص الطلبة الغرباء كالهنود والجاويين وغيرهم. ويراقب الجواسيس كل هؤلاء بكل دقة حتّى أنني بتّ أخشى نفي الأستاذ الثعالبي لأن خصوم المؤتمر جنّوا تقريباً"(2).

جاء الاعتراض المصري من جانبين، القصر الملكي أولاً والأزهر ثانياً. ولكل منهما أسبابه، فقد غضب الملك أحمد فؤاد عندما سمع بأن المؤتمر سوف يبحث في موضوع الخلافة، وهو الّذي كان يمنّي نفسه منذ عدة سنوات بلقب خليفة المسلمين، وكان حاول من غير جدوى في مرتين سابقتين توجيه رياح الخلافة نحو سفينته، فأوعز إلى رئيس وزرائه اسماعيل صدقي باشا لمعالجة الأمر. اقترحت الحكومة في البداية تأجيل المؤتمر "مقابل اعتماد مالي ترصده الحكومة

____________

1- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. سبق ذكره، ص: 33.

2- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. سبق ذكره، ص: 233.


الصفحة 13


 

المصرية لشراء الأراضي في فلسطين وانقاذها من مخالب الاستعمار اليهودي"(1).

ولأسباب لا تستحق الشرح لشدة وضوحها، رفضت الهيئة الداعية للمؤتمر عرض الملك أحمد فؤاد، فأثار هذا الأخير بواسطة حكومة إسماعيل صدقي حملة واسعة ضد المؤتمر في الصحف، وخصوصاً في المقطم، وحرّض الأزهر على التحرك. فقد دفع شيخ الأزهر (الشيخ الظواهري المعيّن حديثاً خلفاً للشيخ المراغي) شيوخ الأزهر و"طلبة الزقازيق ودسوق وطنطا للتظاهر ضد المؤتمر الإسلامي"(2).

وكان اعتقادهم أو بالأصح السبب المعلن من هذه التظاهرة، ان إنشاء جامعة إسلامية في القدس سوف يشكل خطراً على مكانة الأزهر باعتبارها ستكون منافسة له. واضطرّ الحاج أمين الحسيني في تصريح للأهرام في 5/11/1931م إلى التوضيح بهذا الخصوص بأن المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين فكّر "في انشاء جامعة في القدس لمنافسة الجامعة العبرية...إذ ليس في فلسطين مدارس عالية".

وقد شنّت المقطم وعدد من الصحف الأخرى حملة مركزة ضد المؤتمر وأخذت تشكّك بالداعين إليه أمثال الثعالبي وشوكت علي وعلي عبد الرازق الّذي انتصر للمؤتمر وأخذ يدعو له ويبيّن ضرورة عقده والفائدة المرجوة منه.

وروّجت المقطم وغيرها تلك الإشاعات التي كانت المعارضة الفلسطينية تذيعها عن المؤتمر بما في ذلك الغمز في وطنية الحاج أمين وما كانوا يشيعون عنه من أنه تعهد بعدم تطرق المؤتمر لصك الانتداب ولسياسة الدولة المنتدبة. وأخذت الأقاويل تنتشر في القاهرة عن منظمي المؤتمر والداعين له(3). اتهم

____________

1- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. سبق ذكره، ص: 74.

2- سميح شبيب: محمّد علي الطاهر; تجربته الصحافية في مصر. نيقوسا 1990م، شرق برس. ص: 239.

3- يتحدث محمّد عزة دروزة: (القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، ج1/ص: 80) عن "جمعية سرية باطنية" أرسلت الكتب إلى بعض رجال الإسلام في مصر والعراق تحمل على إهمال أمر الخلافة وتطلب التفكير في توسيدها إلى أهلها في مؤتمر القدس". ويضيف دروزة أنه لم "يستبعد الملاحظون أن تكون هذه الحركة دسيسة يهودية بسبيل إحباط المؤتمر".


الصفحة 14


 

مولانا شوكت علي بالعمل لصالح الانگليز. يكتب الثعالبي إلى الحاج أمين في رسالة مؤرخة في 4 جمادى الثانية 1350هـ (16/10/1931م) إنّ مولانا شوكت علي "متّهم بين نبهاء المصريين بموالاة الانگليز ومجافاة وطنه. وأغلب الناس يتنكرون للمؤتمر لاعتقادهم أنه مشروع خاص بمولانا شوكت علي يقوم به لمآرب ذاتية منافية لمصلحة المسلمين ومصلحة الشرق"(1). هكذا بلغ التوتر في مصر حداً دفع محب الدين الخطيب، وهو أحد المدعوين للمؤتمر، إلى أن يكتب إلى الحاج أمين الحسيني بتاريخ 29/10/1931م رسالة مطولة يحرضه فيها على الشيخ علي عبد الرازق أولاً وعلى عبد العزيز الثعالبي ثانياً. فقد فهم الناس من دفاع الأخير عن المؤتمر "ومن إشاعة الخلافة البابوية (أنه) سيُسام نيافة عبد المجيد أفندي بلقبها على ما رواه مراسل "المقطم" وصدقه الناس. إنّ الناس فهموا من هذا وذاك أن المؤتمر مؤتمر بيت عبد الرازق وأن فكرة الثعالبي التي أعلنها في مجلة المعرفة للفصل بين الدين والسياسة سنحتفل في مؤتمر القدس بتطبيقها والعمل بها.

وقد زاد الأمر شرّاً على شر الشتيمة التي وجّهها علي عبد الرزاق في مقالاته لجلالة ملك مصر والموازنة بينه وبين عبد المجيد أفندي وأنه إذ أنكر فريق على عبد المجيد أفندي أن يكون خليفة فقد طلبها مَن هو أقل منه وأضعف، إلى غير ذلك من الشتائم التي قد يجد لها عذراً إذا سألته المحكمة عنها ولكن هو لم يقصد غير ذلك والسراي لم تفهم إلاّ ذلك...أرجو سيدي أن يتأكد بأن الّذين يسهرون في بيت عبد الرازق هم أقلية في العالم الإسلامي..إن الإصلاح الحقيقي الإسلامي لا يقوم إلاّ برضى العالم الإسلامي وهذا شيء لا يمكن الجمع بينه وبين الدخائل التي ينطوي عليها عبد الرازق وكل مَن يختلف إليه"(2).

وفي رسالة سابقة وجّهها إلى الحاج أمين بتاريخ 14/10/1931م سلّط محب الدين الخطيب انتقادات عنيفة بحق الشيخ الثعالبي وآرائه، وأكّد على "...هذيان الثعالبي بالخلافة البابوية فكلّ مسلم على وجه الأرض يقاتل هذه

____________

1- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. سبق ذكره، ص: 149.

2- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. سبق ذكره، ص: 223 ـ 224.


 


الصفحة 15


 

الفكرة لأنها تنقض مبادىء الإسلام في هذا الموضوع...وتتذكرون رأي العالم الإسلامي بعلي عبد الرازق وآرائه"(1).

لم يكن امام انصار المؤتمر سوى التحرك السريع. فأصدر الحاج أمين الحسيني من القدس تصريحاً نشرته الأهرام في عددها الصادر يوم الإثنين في 19/10/1931م يبيّن فيه أن "ما يُقال من أن المؤتمر سيُعقد من أجل النظر في شؤون الخلافة وتنصيب السلطان عبد المجيد خليفة على المسلمين، إنما هو دعاية صهيونية يُراد بها التشويش على أغراض المؤتمر وغاياته"(2). أما الثعالبي فسيردد أمام الجميع أن جريدة المقطم "لم يزل صدرها مفتوحاً لنشر الأصوات الضعيفة المخنوقة التي يرددها البعض من شيوخ الأزهر.. وهذا الفريق.. إذا تكلّم فإنما يتكلّم بلسان مَن يستكتبه من الأجانب وأذنابهم"(3). ويضيف بخصوص شيوخ الأزهر هؤلاء أنهم مالؤوا "علانية أعداء المسلمين وهم يريدون بهم شراً في فلسطين...فقد وَجِلوا أن يكون من أغراض المؤتمر تأسيس جامعة إسلامية في بيت المقدس تنافس الأزهر"(4).

كما نشر الثعالبي في المقطم بتاريخ 24/10/1931م تكذيباً مماثلاً لتكذيب الحسيني أكدّ فيه على أن المؤتمر لن يبحث في مسألة الخلافة "وليس ذلك لأن مسألة الخلافة لا تستحق اهتمامنا، ولكن لاعتقادنا بأن الوقت غير مناسب أبداً لفتح باب هذه المسألة، فإنّ أغلب البلاد الإسلامية تحت السيطرة الأجنبية، لا تملك لنفسها نفوذاً أو سلطاناً. وللخلافة شروط أهمها الاستقلال التام، فمن الخدع الاشتغال بها في الوقت الحاضر"(5). ومن المعروف أن الثعالبي يعتبر أن الخلافة هي "صورة الحكم الذاتي للمسلمين في نظر الشرع الإسلامي ومن أركانها الحرية والاستقلال"(6).

____________

1- المصدر السابق، ص: 219.

2- المصدر السابق، ص: 38.

3- المصدر السابق، ص: 58.

4- المصدر السابق، ص: 43 ـ 44.

5- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. سبق ذكره، ص: 38.

6- المصدر السابق، ص: 71.

 


الصفحة 16


 

أما الشيخ علي عبد الرازق فقد هبّ لنصرة المؤتمر في مقال تعبوي نشرته جريدة السياسة بتاريخ 26/10/1931م بيّن فيه أن "المؤتمر فرصة صالحة هيأها اللّه ليتقارب فيها الصالحون من المسلمين يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر ويأتمرون بينهم بمعروف ويتناهون عن منكر...هلموا إلى المؤتمر الإسلامي يا حماة الإسلام ورجال المسلمين، حرام أن تضيّعوا الفرصة فأقدموا غير متردّدين". ساهم القدوم الفجائي للحاج أمين الحسيني إلى القاهرة مساء الرابع من تشرين الثاني /نوفمبر 1931م في تخفيف حدة الحملة المصرية ضد المؤتمر، وإن لم يتمكن من إخمادها نهائياً. فلم تكُ مصر كلّها ضد المؤتمر بطبيعة الحال. فهناك المؤيدون لعقد أمثال محمّد علي باشا علوبة وعلي عبد الرازق ورشيد رضا وغيرهم. وهناك المعارضة السياسية التي تريد النيل من حكومة إسماعيل صدقي التي تنكل بها وبرجالاتها. "وإذا كانت مصر قد تردّدت في الإشتراك رسمياً في هذا المؤتمر"، كما كتبت المؤرخة د. عايدة سليم، "فإنّ الداعين إليه كانوا أكثر حرصاً على اشتراك مصر إدراكاً منهم بمركزها ودورها المؤثر في مثل هذه القضايا"(1). وفور وصول الحاج أمين الحسيني، استقبل في فندقه أركان حزب الوفد المعارض ورئيسه مصطفى النحاس الّذين جاؤوا مويدين. ثمّ قابل رئيس الوزراء إسماعيل صدقي الّذي "اقتنع" بتأكيدات الحاج أمين. وبعد المقابلة أرسل هذا الأخير إلى الأول رسالة خاصة أكّد له فيها أن الأبحاث في المؤتمر ستكون بعيدة كل البعد عن الشؤون التي تمس الشؤون المصرية البحتة من سياسية وقومية أو تتعرض للأزهر الشريف، كما أوضح أن الجامعة في القدس يقصد منها خدمة مسلمي فلسطين، ونفى الشائعات حول البحث في شؤون الخلافة"(2).

والواقع أن أنصار عقد المؤتمر من المصريين عملوا جهوداً كبيرة لتليين موقف الحكومة وتخفيف حدة التوتر ولجم الشائعات(3). وقد لعب الوزير السابق

____________

1- د. عايدة سليم: مصر والقضية الفلسطينية. القاهرة 1986م. دار الفكر. ص:26.

2- جريدة الجامعة العربية، 11/11/1931م. عن بيان نويهض الحوت ـ القيادات والمؤسسات، ص: 244.

3- لأخذ فكرة عن الموقف الرسمي والشعبي المصري من القضية الفلسطينية وقتئذ، يمكن العودة للدكتورة عايدة سليم: مصر والقضية الفلسطينية. سبق ذكره، ص: 21 ـ 27.

 


الصفحة 17


 

محمّد علي علوبة باشا، من حزب الأحرار الدستوريين المعارض لحكومة اسماعيل صدقي والرئيس اللاحق للجنة البرلمانية لنصرة فلسطين، لعب دوراً كبيراً في التوسط لدى الحكومة ومعارضي المؤتمر، وفي الإصرار بالمقابل على الحاج أمين الحسيني في أن يتعهد بوضوح في أن ينحصر بحث المؤتمر في قضايا أربع محددة لأنّ "الجميع يريدون أن يطمئنوا حتّى يحددوا موقفهم نهائياً ويؤدّون أن توافونا بكتاب يفيد موافقة لجنتكم" عليها، باعتبار أنها "المبادىء التي يمكن أن يتفق عليها المصريون جميعاً ولا يرضون البحث في غيرها"(1).

أما هذه القضايا فهي كما أورد في رسالته بتاريخ 7 رجب 1350هـ (17/11/1931م) قضية البراق، والسكة الحديدية الحجازية، والقاموس العربي والموسوعة العربية، وجامعة المسجد الأقصى. وأجابه الجاج أمين في رسالة مؤرخة في 15 رجب (25/11) يخبره بموافقة اللجنة التحضيرية "على أن تكون المبادىء والأبحاث "المذكورة "كلائحة للأبحاث تضعها بين يدي المؤتمر للبحث فيها"(2).

أعمال المؤتمر

هل كان في نية منظمي المؤتمر إشراك ممثلين رسميين للدول الإسلامية في المؤتمر، كما يقول البيلغ، ثم عدلوا عن ذلك فيما بعد بسبب المعارضة الرسمية القوية التي قوبلت بها فكرة المؤتمر وخصوصاً في العالم العربي(3)؟ لا توحي المعطيات التي بحوزتنا اليوم ما يُثبت ذلك. ولا يفصح السيّد البيلغ عن مصدر المعلومة التي استند إليها. ومهما يكن الأمر، فقد كان جلّ العالم الإسلامي وقتئذ تحت السيطرة الأجنبية المباشرة، ولم ينظر معظم الحكّام المسلمين بعين الارتياح كما يظهر إلى مؤتمر غايته الفعلية الاصطدام ببريطانيا، من ناحية، وتكريس القدس مركزاً سياسياً عربياً وإسلامياً، من ناحية ثانية. ولم يكن الحاج أمين الحسيني وأنصاره العرب الآخرون أمثال الأمير شكيب أرسلان وعبد العزيز

____________

1- نص الرسالة في: عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. ص: 189 ـ 190.

2- نص الرسالة في: عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. ص: 193.

3- نسفي البيلغ: المفتي الأكبر، ترجمة مصطفى كبها. عكا 1991م، دار الأسوار، ص: 63.

 


الصفحة 18


 

الثعالبي وغيرهم بالرهط الّذي يريح الملوك والزعماء.

ألم يكتب أحد نشطاء الداعين إلى المؤتمر والعاملين له، وهو صاحب الشورى محمّد علي الطاهر، أن العالم الإسلامي "مع الأسف مملوء بعظماء مزيفين وزعماء كاذبين وهم الّذين يخدرون الأعصاب ويعطلون حركات الأمم الإسلامية"(1).

اكتفى المؤتمر إذن بدعوة "عدد عظيم من أعلام المسلمين ورجالاتهم وذوي الرأي والبصيرة فيهم"(2)، فكان بذلك على المستوى الرمزي على الأقل، من أعظم المؤتمرات التي عرفتها فلسطين وربما المنطقة العربية كلّها حتّى ذلك الوقت. والواقع أن أهمية المؤتمر ليست في عدد الحضور الكبير فقط، بل وقبل ذلك في نوعيتهم ومكانتهم الفعلية بين الناس. فقد حضره 153 مندوباً يمثلون 22 بلداً عربياً وإسلامياً، وجلّهم من أصحاب الرأي والنفوذ. فقد حضره حشد من كبار علماء الدين، ومن كبار الشخصيات الوطنية، ومن كبار المفكرين. حضر الشيخ محمّد رشيد رضا، الإمام محمّد حسين آل كاشف الغطاء، الشيخ محمّد مصطفى المراغي (شيخ الأزهر السابق)، الشيخ محسن الأمين (من جبل عامل)، الشيخ مفتيج سالم (رئيس مجلس علماء البوسنة والهرسك)، الشيخ محمّد عبد اللطيف درّاز، والشيخ محمّد الغنيمي التفتازاني، عبد العزيز الثعالبي، مولانا شوكت علي، غلام رسول مهر، عبد الرحمن صديقي، الشاعر محمّد إقبال، والشاعر محمّد بهجة الأثري، شكري القوتلي، سعد اللّه الجابري، رياض الصلح، عمر الداعوق، محمّد جميل بيهم، علي ناصر الدين، مصطفى الغلابيني، سعيد الشيخ ثابت، محمّد بنونة، محمّد مكي الناصري، محمّد علوبة باشا، عبد الرحمن عزام، الأمير سعيد الجزائري، خير الدين الزركلي، محمّد عزة دروزة، عجاج نويهض، ووفود من سيلان وكاشغر والقفقاس وجاوة ونيجيريا وأورال وألبانيا ويوغسلافيا

____________

1- جريدة البلاغ، القاهرة في 1/11/1931م. انظر النص الكامل للمقال في: سميح شبيب: محمّد علي الطاهر، تجربته الصحافية في مصر. نيقوسيا 1990م. القدس ـ برس. ص: 235 ـ 237.

2- مقرّرات المؤتمر الإسلامي العام في دورته الأولى 1931م: بيت المقدس. مطبعة دار الأيتام الإسلامية الصناعية بالقدس. المقدمة.

 


الصفحة 19


 

وكامبالا وأوغندا وأمريكا الشمالية والجنوبية والهند. وشارك في المؤتمر رئيسان سابقان للحكومة هما حسن خالد باشا (الأردن)، ضياء الدين الطباطبائي الصدر الأعظم السابق لإيران، في حين مثل محمّد بن محمّد زبارة إمام اليمن والشيخ كامل القصاب الملك ابن سعود.

افتتح المؤتمر ليلة الإسراء والمعراج في 27 رجب 1350هـ (7 كانون الأول/ديسمبر 1931م) واستمر لمدة عشرة أيام. وفي عشية الافتتاح في المسجد الأقصى، ألقى الحاج أمين الحسيني كلمة الافتتاح، وتعاقب على المنصة الطباطبائي ورشيد رضا وعبد الرحمن عزام، وألقى الإمام محمّد حسين آل كاشف الغطاء كلمة شاملة أشار فيها إلى الوحدة الإسلامية وضرورة تمكينها، وأسهب "بشأن الدسائس الخاطئة التي أحاطت بالمؤتمر"(1). وفي كلمته فسّر الإمام كاشف الغطاء قوله تعالى (باركنا حوله) بأن "البركة ليست في وجود الأشجار والأنهار وإنما في مثل هذا الاجتماع الّذي ضمّ علماء العالم ومشاهيره"(2). وفي يوم الجمعة التالي، الموافق لأول شعبان، كان الحدث الكبير وقوف "سماحة المجتهد الكبير الحجة العلاّمة محمّد حسين آل كاشف الغطاء إمام الشيعة" في المسجد الأقصى ليؤم جموع المصلين الّذين بلغ عددهم زهاء عشرة آلاف مصل. وجاء في كلمة الحاج أمين الحسيني "إنّ أكثر الأقطار الإسلامية قد فقدت عزّها وسلطانها وأصيبت جميعها بمحن وكوارث عديدة أثقلت كاهلها ولكن فلسطين هذه البلاد المقدسة التي قامت بالدعوة إلى هذه المؤتمر أصيبت زيادة على ذلك كلّه بمصيبة خطيرة تهدّد كيانها بإنشاء وطن قومي صهيوني في هذه البلاد العربية المقدسة"، وبخصوص الغاية من عقد المؤتمر أضاف الحسيني "أن الاعتداء على أمة من الأمم أو مهاجمة دين من الأديان أو مخاصمة أحد في هذا العالم، وإنما القصد أن يعمل المسلمون لصالحهم يداً واحدة وصفاً واحداً"(3).

وفي صبيحة اليوم التالي، عقد المؤتمر جلسته الأولى في مدرسة روضة

____________

1- مقرّرات المؤتمر الإسلامي العام في دورته الأولى، ص: 20.

2- بيان نويهض الحوت: القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 ـ 1948م.

3- بيان نويهض الحوت: القيادات والمؤسسات السياسية، سبق ذكره. ص: 245.

 


الصفحة 20


 

المعارف، حيث تصدرت القاعة صورة كبيرة للسيّد جمال الدين الأفغاني، وشكل المؤتمر هيئة إدارية تكونت من ضياء الدين الطباطبائي، ومحمّد اقبال، ومحمّد علي باشا علوبة، ومحمّد إقبال، والسيّد محمّد بن محمّد زبارة، وشكري القوتلي ورياض الصلح وأحمد حلمي باشا ومحمود الدجاني، ورؤوف باشا وابراهيم واعظ (نائب عراقي)، وعزة دروزة وعبد القادر المظفر، وبرئاسة الحاج أمين الحسيني(1). وتوزع المؤتمرون على ثمان لجان هي:

1 - لجنة الدستور. 2 ـ لجنة الدعاية والنشر. 3 ـ لجنة المالية والتنظيم. 4 ـ لجنة الثقافة وجامعة المسجد الأقصى. 5 ـ لجنة السكة الحديدية الحجازية. 6 ـ لجنة الأماكن المقدسة والبراق الشريف. 7 ـ لجنة الدعوة والارشاد. 8 ـ لجنة المقترحات(2).

من أبرز القرارات التي أصدرها المؤتمر إقرار دستور دائم له، وأن دوراته تعقد كل سنتين، وإنشاء "جامعة في بيت المقدس تُسمى "جامعة المسجد الأقصى الإسلامية"، ومشروع معجم اللغة العربية يؤلف على أحدث نمط وصلت إليه الأمم الراقية تُذكر فيه المصطلحات العلمية والفنية الحديثة وتُشرح فيه الكلمات شرحاً يتّفق وآخر ما وصل إليه العلم". وأن "مركز أعمال المؤتمر مدينة بيت المقدس" وانتخاب لجنة تنفيذية من بين أعضائه مكونة من خمسة وعشرين شخصاً، وانتخاب مكتب دائم متكون من سبعة أعضاء من أعضاء المؤتمر، وتأسيس لجان فرعية في مختلف الأقطار الإسلامية وأن "رئيس المؤتمر يرأس اللجنة التنفيذية أثناء انعقادها"(3).

وأقرّ المؤتمرون تأسيس مكتب رئيسي للدعاية ومكاتب فرعية للدعاية في البلاد التي يعيّنها، وأن الوسائل التي يستخدمها هي، بالإضافة للكتب والمجلات والجرائد والمحاضرات، "إنشاء المدارس واستخدام التمثيل والسينما والتصوير

____________

1- مقرّرات المؤتمر الإسلامي العام في دورته الأولى 1931م: بيت المقدس. مطبعة دار الأيتام الإسلامية الصناعية بالقدس. ص: 3.

2- مقرّرات المؤتمر الإسلامي العام في دورته الأولى: ص: 4.

3- مقرّرات المؤتمر الإسلامي العام في دورته الأولى: ص: 5 ـ 7.

 


الصفحة 21


 

وغيرها وسائل للدعاية مع مراعاة أحكام الشريعة الإسلامية"(1).

بخصوص الخط الحديدي الحجازي، أصدر المؤتمر قراراً لاتخاذ "التدابير الفعّالة لاسترداد أقسام هذا الخط المغتصبة وتوحيد أجزائه وتشغيله من قبل هيئة إسلامية عليا" باعتبار انّ الخط الحديدي الحجازي وفروعه قد اُنشىء بأموال المسلمين وإعاناتهم (..) وأنه وقف إسلامي صحيح. وأعلن احتجاجه على فظائع ايطاليا في طرابس ـ برقة، واستنكر تصرفات روسيا البلشفية ضد المسلمين وعدوانها على المقدسات الإسلامية في الأورال والقفقاس وغيرها، وطالب الحكومة الفرنسية بإلغاء الظهير القاضي بتنصير مسلمي البربر. وقد تُليت في المؤتمر كلمة الأمير شكيب أرسلان بعث بها من جنيف وتضمنت اقتراحاً جرى إقراره بـ "بمقاطعة كل دولة ترهق المسلمين عسراً". وجاء في القرار المتصل بهذا الخصوص "إعلان استنكار المؤتمر لأي نوع من أنواع الاستعمار في أي قطر من الأقطار الإسلامية، وذلك لأنّ الاستعمار لا يتفق مع الحق العام ومبادىء الدين الإسلامي القويم، والاحتجاج بشدة على كل سلطة تستعمل نفوذها وقوتها في مصادرة الحرية الدينية وسن قوانين لتحويل الناس عن شعائرهم ولغتهم وتقاليدهم الإسلامية، واعتبار كل مسلم يساعد هذه السلطات الاستعمارية على ذلك حرصاً على مصلحته الشخصية عدواً للإسلام والمسلمين مهما كانت منزلته"(2). كما كان من الاقتراحات الهامة أيضاً مؤازرة انتخاب بطريرك عربي للمسيحين الأرثوذكس. فقد وردت برقية للمؤتمر من نخلة كتن بهذا الشأن إلى المؤتمر ولاقت تجاوباً وخاصة من صلاح الدين بيهم مندوب بيروت وأحد أعضاء اللجنة التنفيذية المنتخبة من قبل المؤتمر. فقد قرّر المؤتمر "شكر نصارى فلسطين وشرق الأردن على عواطفهم التي أبدوها نحو المؤتمر" وتحية المؤتمر الأرثوذكسي المنعقد في يافا واعتبار قضية الأرثوذكس جزءاً من القضية العربية الكبرى التي هي قضية الشرق وإلفات نظر الحكومة إلى وجوب تمكينهم من

____________

1- مقرّرات المؤتمر الإسلامي العام في دورته الأولى، ص: 10.

2- المصدر السابق، ص: 21.

 


الصفحة 22


 

انتخاب بطريرك عربي لهم"(1).

أما أعظم قرارات المؤتمر خطورة فهو موضوع الأماكن المقدسة الإسلامية في القطر الفلسطيني المعرض لمطامع الصهيونية اليهودية والاستعمارية. فقد أقر المؤتمر مقاطعة جميع المصنوعات الصهيونية في جميع الأقطار الإسلامية، وتأسيس شركة زراعية كبرى في فلسطين يشترك فيها العالم الإسلامي تكون غايتها إنقاذ أراضي المسلمين في فلسطين; والتنبيه بخطر الصهيونية على فلسطين ومقدسات المسلمين فيها. وعلى البلدان الإسلامية المجاورة واعلان استنكار قرار لجنة البراق الدولية، والاستمرار في الاحتجاجات ضد الهجرة الصهيونية وغيرها من المظالم. و"دعوة العالم الإسلامي لشراء الأراضي المعرّضة للضياع من أيديهم(2). ومن قرارات المؤتمر كذلك طبع الخطاب القيّم الّذي ألقاه في المؤتمر الإمام الحجة محمّد حسين آل كاشف الغطاء بشأن الوحدة الإسلامية ونموها، وبشأن الدسائس الخاطئة التي احيطت بالمؤتمر. وقد قبل مع الشكر تطوع السر محمّد إقبال بترجمته إلى اللغة الأوردية ونشره في الهند، وتطوع عبد القهار أفندي مذكر بترجمته إلى لغة الملايو ونشره في أصقاع جزر الجاوي(3). وقرّر المؤتمر كذلك تكبير صورة السيّد جمال الدين الأفغاني لتعليقها في قاعة المؤتمر وأخذ نسخة عنها تقدم لكل عضو على حدة(4).

ثم انتخب المؤتمر لجنة تنفيذية مكونة من خمسة وعشرين من أعضائه، هم (بحسب الترتيب الإبجدي): بشير العداوي (برقة); الحاج توفيق حماد (فلسطين); الشيخ مفتيج سالم (البوسنة); سعيد ثابت (العراق); الأمير سعيد الجزائري (دمشق); سعيد شامل (القفقاس); سليمان باشا السودي (شرق الأردن) مولانا شوكت علي (الهند); صلاح الدين بيهم (بيروت); ضياء الدين الطباطبائي (ايران); عبد الرحمن عزام (مصر); عبد العزيز الثعالبي (تونس); عبد القادر المظفر (فلسطين); عبد القهّار مذكر (جاوا); عوني عبد الهادي (فلسطين); عياض

____________

1- مقرّرات المؤتمر الإسلامي العام في دورته الأولى، ص: 22.

2- المصدر السابق، ص: 18.

3- المصدر السابق، ص: 20.

4- المصدر السابق، ص: 22.

 


الصفحة 23


 

اسحاقي (صاحب جريدة ملي يول); غلام رسول مهر (الهند); محمّد إقبال (الهند); الإمام محمّد حسين آل كاشف الغطاء (العراق); محمّد رشيد رضا (القاهرة); محمّد بن زبارة (اليمن); محمّد علي باشا علوبة (مصر); الحاج محمّد العربي بنونة (المغرب); وانتخبت اللجنة التنفيذية مكتباً لها من سبعة أعضاء هم الطباطبائي (سكرتيراً عاماً)، علوبة (أميناً للمال); رياض الصلح (مساعداً للسكرتير) وعضوية كل من شامل والثعالبي والحسيني ونبيه العظمة(1).

في المعاني والدلالات

1 ـ يكفي المؤتمرات، إن لم تطلق حركة أنها تندرج في إطار انتاج المعاني السياسية أو توكيدها وابراز وجهتها العامة. والحال فإنّ الغرض المركزي من المؤتمر، ولا 0أقوال الوحيد، كان بالضبط رمزياً أو معنوياً: إثبات أن للفلسطينيين ظهيراً يسندهم هو العالم الإسلامي كلّه. وأن هذا الظهير ليس خامداً كما قد يتهيأ لغير العارفين. فلئن كان الصهاينة يؤكدون أن فلسطين تخص يهود العالم كلّهم وليس العدد المحدود من الّذين هاجروا إليها في السنوات الأخيرة فقط، فإنّ فلسطين هي أيضاً قضية مئات الملايين من العرب والمسلمين في الهند والسند والفيلبيين وجاوه واليمن والعراق وايران وغيرهم. يكتب الحاج أمين الحسيني إلى الأستاذ عبد العزيز الثعالبي (وكان يقيم في القاهرة) في رسالة بتاريخ 14 رمضان 1350 (20/1/1931م) أي بعد شهر واحد من انعقاد المؤتمر "..وأنتم أدرى الناس بأن من أهم غايات المؤتمر..أن يتشكل مركز إسلامي قوي يعضده العالم الإسلامي أمام الوكالة اليهودية والجمعية الصهيونية اللتين يعضدهما العالم اليهودي قاطبة"(2).

ومع أن المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين لم يدع المسلمين، كما كتب الثعالبي وقتئذ، "إلى النفير، بل دعاهم إلى الاجتماع لإنعام الفكر والتدبير لدفع العلني المفتوح، فقد كانت معانيه السياسية الكبيرة أكثر من واضحة. نشرت نيويورك تايمز من مراسلها في القدس في 14/12/1931م، أن المؤتمر "وقف

____________

1- مقرّرات المؤتمر الإسلامي العام في دورته الأولى، ص: 23 ـ 26.

2- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. سبق ذكره، ص: 387.

 


الصفحة 24


 

ضد مزيد من الهجرة والاستعمار اليهوديين في فلسطين"(1). ونشرت الصحيفة La Bourse Egyptienneبتاريخ 3/11/1931م أي قبل انعقاد المؤتمر أن المفتي الّذي يستهدف "القضاء على الفكرة الصهيونية قضاء مبرماً (..) أراد الآن أن يهيج مسلمي العالم وأن يدعوهم إلى السعي لإلغاء هذا الوعد (تصريح بلفور) ومقاومة هذه التعهدات"(2). ولم يتردّد المدعوون جميعهم بدورهم كذلك عن التأكيد على المعنى نفسه إن في كلماتهم وقراراهم أو في مواقفهم فيما بعد فبالنسبة لهم كما بالنسبة لخصومهم، كان محتوى المؤتمر دينياً ولكن نواته الحقيقية كانت سياسة من غير لبس. وقد تحدّد المحتوى السياسي للمؤتمر في اللحظة التي ظهر أنه سيكون مؤتمر قادة الفكر والحركة الوطنية في العالمين العربي والإسلامي. وليس الحضور النوعي الكثيف السوري واللبناني والعراقي والفلسطيني والمصري فضلاً عن الهندي غير توكيد على هذا المعنى وابرازه.

2 ـ نحن هنا إزاء حدث تاريخي كبير لأنه بالضبط فعل رمزي أي سياسي بامتياز. ونحن نعلم أن إنتاج المعاني السياسية الكبرى (أو توكيدها وقولبتها وإعادة انتاجها) يقع في داخل الثقافات المحلية وعوالمها التي تدخل بدورها في حركة تفاعل مع الثقافات المحيطة أو مع الثقافات المسيطرة عالمياً. ونحن نعلم أن التفاعلات الثقافية لا تحدث في التاريخ كما تحدث الزلازل. فلا تجتاح الثقافة السائدة الثقافات المحلية اجتياح الفيضانات. وفي العمق، لا تتضمن سيرورة إنتاج الثقافات المحلية آليات دفاع فقط، بل وقبل ذلك إعادة تجديد هويتها المهددة في التاريخ، وزرقاً للعناصر المركزية التي تشكل أسها بأسباب البقاء.

صحيح أن المؤتمر كان في أساسه مؤتمر نصرة القدس وفلسطين وحماية الأماكن المقدسة، بل ونصرة الخط الّذي يمثله الحاج أمين الحسيني فيها، أي الخط الّذي يرى ترابطاً وثيقاً بين قضايا العرب والمسلمين وتضامنهم في مواجهة المخاطر التي تحيط بهم; غير أن المؤتمر كان كذلك هو مؤتمر التيار الإصلاحي

____________

1- Robet John & Sami Hadawi; The Palestine Diary. Vol. 1, 1914 - 1945,Beirut 1970.

The Palestine Research Centre. Page: 238.

2- عبد العزيز الثعالبي: خلفيات المؤتمر الإسلامي. سبق ذكره، ص: 60.

 


الصفحة 25


 

الّذي وضع الأفغاني وصحبه لبناته الأولى. وما الّذي يعينه تصدير المؤتمر بصورة كبيرة للسيّد جمال الدين الأفغاني، وتوزيع صورته على المؤتمرين كافة غير أن المؤتمر كذلك مؤتمر خط الأفغاني في الإصلاح والمقاومة. أليس محمّد رشيد رضا أستاذ أمين الحسيني حين كان يدرس في القاهرة وظل على صلة وثيقة به بعد ذلك؟ أليس الثعالبي من المتأثرين بالشيخ محمّد عبده والأفغاني ورشيد رضا وكان على احتكاك مباشر باثنين منهم(1)؟ ومَن هو الأمير شكيب أرسلان ومصطفى الغلاييني وجميل بيهم ومحمّد حسين آل كاشف الغطاء وغيرهم وغيرهم؟

بطبيعة الحال، لكل من المؤتمرين همومه المحلية والوطنية الخاصة، المصرية والعراقية والسورية والتونسية والداغستانية والجاوية والهندية وغيرها. وفي وعي كل منهم من الأسباب ما يكفي لتركيز جهوده على هذه الهموم. غير أن حضورهم جميعاً بهذا الشكل الكثيف يحمل هو كذلك فك العزلة التي تحيط بكل جماعة على حدة. وكان المؤتمر بهذا المعنى مؤتمر الخط الّذي يسعى، في داخل كل حركة وطينة على حدة، إلى إخراج جماعته من العزلة التي فرضتها الظروف التي نشأت منذ الاحتلالات، ومقابل الخط الإنعزالي الّذي كان بدأ يتبلور هنا وهناك في بلاد العرب والمسلمين.

ولو دقّقنا لوجدنا أن المؤتمر يتضمن دلالتين مترابطتين: أولاهما فكرية والثانية اجتماعية أو سوسيولوجية. حين عقد المؤتمر الإسلامي العام في مطلع الثلاثينات، لم يكُ عالم النبلاء التقليدي قد انهار بعد في مناطق المشرق العربي التي كانت عثمانية إلى عهد قريب. ولم تكن الفئات الاجتماعية الجديدة الصاعدة من الأغنياء الجدد والتجار والمضاربين والمقاولين والوكلاء وأبناء الحرف الحرة، قد ثبتت أقدامها ورسمت طريقها عمّمت قاموسها الخاص بعد. فإلى أنها كانت مازالت طرية العود هشة الجسد قلقة اللغة وباهتة الحضور سياسياً وثقافياً، كانت في جل الحالات من إفرازات العالم النبيل نفسه أو ملتصقة به إلى حد بعيد. لم تكُ

____________

1- حمادي الساحلي: الشيخ عبد العزيز الثعالبي وتفكيره الإصلاحي. حوليات الجامعة التونسية. 1989م.

 


الصفحة 26


 

خرجت بعد من معطف النبلاء، ولم تؤسّس بمحلاتها وأنديتها ومقاهيها ولغتها الجديدة قبل أن تشرع في تأسيس أحزابها العقدية التي ستعرفها هوياتنا وثقافاتنا بدءاً من العقد الثالث من هذا القرن. ولا تخرج فلسطين عن القاعدة بالتأكيد. فقد كان عليها أن تحمي نفسها من خطر كان يتعاظم مع الزمن، ويتزايد وضوحه مع الأيام. ولم يك أمام الجماعات غير أن تخلق مركزها المعنوي لدى العالم النبيل نفسه. عالم الجاه والمحتد الكريم.

ومع الملكيات العقارية والزراعية كانت كما يكتب أحد كبار أحفاد الأسر الملاّكة في منطقة نابلس "دليل الإمارة والعزة ويتضخم مظهرهم بنسبتها"(1) غير أن ملكية الأراضي الواسعة ليست شرطاً كافياً ـ بحد ذاتها ـ للقيادة العامة للجامعة كلها. ربما كانت شرطاً ضرورياً من شروط العصبيات المحلية أو الدنيا. غير أنها لا يمكن أن تكون كافية لكي تتحول إلى عصبية عليا تخترق العصبيات الدنيا، العشرية الجهوية والمدنية والريفية والمذهبية وغيرها. ثمة شروط إضافية منها علو الهمة وحب القيادة والحنكة والتصميم والجرأة. ومنها القدرة على الائتلاف وإقامة التحالفات والحوار والتخطيط وقول كلمة الفصل. وهي شروط اتسم بها جلّ المؤتمرين، وفي مقدمتهم محمّد أمين الحسيني ومحمّد حسين آل كاشف الغطاء، فقد نجح كلاهما بسرعة كبيرة نسبياً في أن يجسّد بصفاته الشخصية وإقدامه وسعة بصيرته مركز وطنية أو هوية جديدة في أن يغدو مقر تطلعات الناس جميعهم.

ليس غرضنا هنا تحليل سيرورة تكوين الزعامات فهذا يخرج عن موضوعنا الحالي. فما يعنينا هو المعنى الخاص، النجفي، لاشتراك الإمام محمّد حسين آل كاشف الغطاء في مؤتمر القدس العام. فمنذ كتابه الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية (جزءان، صدرت طبعته الأولى في عام 1909م أي بعد الدستور العثماني مباشرة، وصدرت الطبعة الثانية في صيدا 1912 ـ 1913م) وضع آل كاشف الغطاء اللبنة الأولى في مسيرة تحوله إلى واحد من كبار "المجتهدين

____________

1- احسان النمر: تاريخ جبل نابلس والبلقاء. ج2/ص: 459. عن محمّد حافظ يعقوب: نظرة جديدة إلى تاريخ القضية الفلسطينية 1917 ـ 1947م. بيروت 1947م ـ دار الطليعة. ص:55.

 


الصفحة 27


 

الشيعة في العراق الملكي". فيه جادل في السؤال الّذي كان وما زال ساخناً بخصوص تأخر المسلمين وأسباب هذا التأخر. ودعا إلى تجديد الإسلام وتنقيته من الخرافات والبدع الشعبية والتعصب. وأكّد على دور اللغة العربية في صيانة الإسلام، وعلى "السعي إلى وحدة السنة والشيعة" لحفظ كيان المسلمين. ودعا "جميع المسلمين ألا يدخروا جهداً في حماية وطنهم وأمتهم وصيانة حرمة دولتهم وملتهم". وقد أعاد في كلمته أمام المؤتمر الإسلامي العام بالقدس التأكيد على المعاني نفسها تقريباً.

عُرف الشيخ آل كاشف الغطاء عن طريق "التجديد في الاجتهاد والفتاوي وسعة العلم وعن طريق الأدب"، غير أنه حين عاد من مؤتمر القدس "اتسعت شهرته أكثر...وأقبلت الصحف وحتى الصحف الأجنبية تتوسم في هذا الاتحاد، اتحاد المذاهب والطوائف الإسلامية تحت زعامة كاشف الغطاء خطورة كبيرة"(1). والحقيقة أن اشتراك الإمام محمّد مع قادة حركة الإصلاح كان مؤكداً على أن الإصلاح "واجب ديني واجتماعي ووطني يقع على عاتق المجتهدين". وعلى مستوى العزلة الثانية، فإن الإمام محمّد حسين آل كاشف الغطاء، كما تفيد التقارير السرية للمخابرات البريطانية، لعب دوراً هاماً في قرار المجتهدين في النجف بإلغاء الحظر الديني على توظف الشيعة في وظائف الحكومة، وأنه حارب تلك الاتجاهات التي ظهرت لدى زعماء الشعية في العام 1927م على خلفية الأحداث الطائفية المعروفة بحادثة "مرقد الكاظمية" الداعية إما لتقسيم البلاد أو لعودة الإدارة البريطانية. وأنه كان ضد الدعوة هذه كلياً(2).

أختتم بملاحظتين: أولاهما أن دلالة هذا الحدث أي المؤتمر ليست دينية أو سياسية فقط. إنها كذلك مؤشّر على وصول كبار رجالات ذلك العهد المخضرمين، إلى قمة تأثيرهم وذروة نشاطهم وحدوده في الوقت نفسه. وثانيهما أن مأساة هذا الجيل المخضرم كلّه تكاد تتلخص في أنه عاش بالضبط في الفترة التأسيسية للجماعات الوطنية الحديثة التي تكونت في أنه عاش بالضبط في الفترة

____________

1- جعفر الخليلي: هكذا عرفتهم. ج1. منشورات الشريف الرضي ـ قم 1963. ص: 231.

2- اسحق نقاش: شيعة العراق. دار المدى ـ. ص: 216 ـ 217.

 


الصفحة 28


 

التأسيسية للجماعات الوطنية الحديثة التي تكونت في رحم عالمهم التقليدي ووفر لها شروط الانقضاض عليه في الوقت نفسه.

ومن الصعب الحديث في هذه الحالة عن تواصل بين الأجيال، بل عن قطيعة فعلية لا مجال للبحث فيها هنا.