ارتباط الهند بالنجف الأشرف

 

محمّد سعيد الطريحي

تعود صلة العراق بالهند إلى عهود سحيقة في القدم بدأت مع فجر الحضارة في بلاد الرافدين، وهناك رأي شائع في الهند وفي الدراسات التي تتناول تأريخ العنصر الآري في الهند يشير إلى انّ الآريين جاؤوا إلى الهند من العراق وانّ بلاد فارس كانت همزة الوصل بيهما. ومن البواعث الأساسية على هذا الاعتقاد أوجه الشبه القائمة بين الحياة القائمة في العراق مع حضارة (موهنجو دارو) MohenjoDaro التي اكتشفت خرائبها في السند (بپاكستان الحالية) وما وجد فيها من اللقى الأثرية الشبيهة بآثار العراق القديمة، ومن البواعث المهمة الأخرى التشابه بين الاعتقادات الآرية والاعتقادات التي كانت سائدة في العراق.

وقد عثر في الهند على كتابات قديمة يرجع عهدها إلى 1400 سنة قبل الميلاد وتحتوي على معاهدات عقدت بين ملكين عاشا 1400 سنة قبل الميلاد وهما: سُبي لولياما (Subbi Luliama) ملك الحيتيين (Hittites) ومتى يوازار (Mattiuaza) ملك ميتاني (Mitani) في العراق الشمالية.

وقد ذكرت في الكتابات الآلهة الميتانية وهي تقرأ هكذا: مترا Mitra وفرونا Varuna وإندرا Indra ونساتياس Nasatyas أو أسوويوس Asvius وهذا الآلهة الخمسة مذكورة في الكتاب الهندي المقدس (- Veda Rig) رك ويدا(1)، وهذا يدلل على انّ ملوك العراق الشمالية في القرن الرابع عشر قبل الميلاد أو قبله كانوا يعبدون الآلهة الويدية، والقبائل التي جاءت بعبادة هذه الآلهة ـ ولعلها جاءت من ايران الشرقية ـ لابد من إنّها كانت تعبدها في موطنها الحقيقي في القرن السادس عشر قبل الميلاد أو نحوه. وقد كانت المدينة الويدية إذ ذاك مزدهرة، وهذا أيضاً

____________

1- (رك ويد) أي العالم الأقدس أول كتب التشريع للآريين وهو عبارة عن مجموعة شعرية تضم مائة ألف بيت من الشعر فيها قصص وتشريع وقد كتب على مراحل واضيف له على مدى قرون أمور كثيرة تتناول ما كان يحتاجه الناس يومذاك.


الصفحة 2


 

يدلل على انّ القوم كانوا على صلة بالفرس والعراقيين القدامى وقد تكون هجرة العراقيين إلى الهند هجرة تدريجية تمت على مراحل كانت بلاد فارس احدى مراحلها، وبمرور الزمن ترسخت أقدامها في الهند.

ومن الدلائل الأخرى على تلك الصلة القديمة وجود الألفاظ السنسكريتية ذات الأصل البابلي ومن ذلك كلمة تائيمتا Taimataالتي وردت في اتهرواويدا واصلها في البابلية تائيمة Taimata وعلى الأغلب هي اصل كلمة تميمية (العربية) ومنها كلمة (تائيمتو) وهو اسم لتنين البحر العظيم تمتو Tamtuوترجع إلى الاسطورة البابلية التي تقوم ان ابسو (Apsu) و(تائيمة) وجدا قبل خلق السماوات وكلمة أبسو كذلك كلمة ويدية جاءت مركبة (ابسو كشيت Apsu Kashit) وهي في البابلية بمعنى بحر.

وورد في (اتهرواويدا) كلمتا (ألي جى Aligi) و(وي لاجى Vilagi) وهما اسمان لثعبانين، قيل انهما كلمتان من اللغة الأكدية ولعل كلمة (وي لاجي) اصلها Biligi وهو اسم احد الآلهة الآشورية. وفي (اتهرواويدا) كلمة اخرى هي (تبوواTabuva) اشتقت من (تبو Tabu) لعل معناها كفارة اثم. وقيل في (اتهرواويدا) انّ السم يبطل عمله برقية (تبو) واصل هذه الكلمات لفظة (توبة) السامية الأصل والمتداولة في العربية.

وجاء في كتاب (ستاباتها برهماناSata Patha Brahmana) كلمة هيلاوو Helauo وكتب أيضاً هائي لو، ويستخدمها المحاربون للتعبير عن حماسهم عند الحرب واصلها من كلمة هيلاوا أو أيلاوا العراقية القديمة ويظهر منها الإستعانة بالآلهة عند الشدة و (أيلو) الآلهة باللغة الأكدية.

وفي ملحمة (مهابهارتاوانابارا) اشارة إلى عبادة أيدوكاس Edukas بزيارة الأضرحة المسماة (كل جك Kaliyuga) وكلمة أيدوكاس تصحيف لكلمة جلوكا Jaluka أو جروكا Jaruka، وأصل هذه الكلمة مأخوذة من الكلمة البابلية (زيكورت Zigurut) أو الزقورة وهي أصل الكلمة المتداولة الآن (الزيارة). وقد أجمع علماء السنسكريتية على انّ كلمة (ايدوكاس)المذكورة ترادف كلمة (جلوكا) وهي اسم لكل بناية حفظت فيها عظام الموتى.


الصفحة 3


 

وقد استعملت في القرنين الخامس والسادس للميلاد عملة هندية باسم (كرشابانا) وكرشا اصلها من (كرشو Karshu) الآشورية ومعناها السكة، ولعلها الأصل للفظة (القرش) المتداولة الآن في بعض البلاد العربية.

ومما يدلل على تلك الصلات القائمة بين (سومر) و(موهنجو دارو) ماوجد من الأختام المتشابهة كما يدل عليها ظهور (الناجا) أي الثعبان ذو الغطاء، بين الآثار التي وجدت في قرية بابلية عيلامية وهي ما يُسمى الآن تل أسمر (بالقرب من بغداد) وكشف عن أختام وخرزات خزفية هي في رأي المكتشف ـ ويوافقه سيرجون مارشال ـ قد جاءتها من موهنجو ـ دارو حوالي سنة 2000 قبل الميلاد.

وبالاعتماد على تلك الاشارات وغيرها يجزم (ماكدونل Macdonell) بانّ هذه المدينة الزاهرة في السند استمدت اصولها من سومر بينما يعتقد (وولي Woolley) انّ الثقافة السومرية والهندوسية القديمة قد جاءتا معاً من اصل مشترك وثقافة مشتركة في بلوجستان أو بالقرب منها، ولقد دهش الباحثون حين رأوا انّ الأختام المتشابهة الموجودة في بابل وفي الهند ترجع إلى اقدم مراحل الثقافة في أرض ما بين النهرين أي إلى المرحلة السابقة لسومر وإلى آخر مرحلة من مراحل المدينة السندية، وهذا ما يوحي بفكرة اخرى حول اساسيات هذا البحث مفادها انّ السومريين انفسهم قد نقلوا ثقافتهم عن الهند كما ان وجود الملامح المتشابهة بين وجوه السومريين وسكان وادي الهند قد يوحي بان السومريين كانوا من الأصل الهندي، ويبرز الاعتقاد هذا في وقت لم تتكشف فيه اصول السومريين الأولى حتّى الآن ويبقى الرد العلمي على كل ما ورد مقروناً بالكشوف الأثرية المستقبلية والدراسات العلمية الكفيلة بالإجابة عن تلك الأسئلة المتحيرة (مَن سبق مَن)؟

وما يهمنا الآن ان تلك الصلات كانت حقيقية ومزدهرة وهو مايدل على ثقافة مشتركة وتجارة متبادلة بين العراق والهند منذ أقدم عصور الحضارة. أما في العصر الإسلامي فقد كانت الصلات مستمرة، ولأهمية الهند بالنسبة للدولة الإسلامية فقد أرسل الإمام علي(عليه السلام) احد قواده في الكوفة من قبيلة عبد القيس

 


الصفحة 4


 

لفتح السند وضمها إلى البلاد الإسلامية.

وتبرز العلاقات العراقية ـ الهندية بشكل واضح في العهد العباسي فقد تداول العراقيون كتب الحكمة والحساب الهندي ولا نزال إلى اليوم ننسب أرقامنا إلى الهند فنقول الأرقام الهندية. وكانت في بغداد يومذاك جالية هندية غالبيتها من المنجمين والأطباء، وقد عرفنا عن طريق الجاحظ ان: يحيى بن خالد البرمكي اجتلب اطباء الهند مثل: منكه، وبازيكر، وقلبرقل، وسندباذ، وبهلة الهندي، وهناك مجال واسع لدرس النزاع والمنافسة بين الطب الهندي والطب الآرامي، ثم انّ اللغة الهندية كانت معروفة في بغداد يترجم عنها المترجمون.

قال الجاحظ: "وأما الهند فوجدناهم يُقدَّمون في النجوم والحساب. ولهم الخط الهندي خاصة ويُقدّمون في الطب. ولهم اسرار الطب وعلاج فاحش الأدواء خاصة ولهم خرط التماثيل ونحت الصور بالأصباغ...واشباه ذلك. ولهم الشطرنج وهي اشرف لعبة واكثرها تدبيراً وفطنة، ولهم السيوف القلعية، وهم ألعب الناس بها، ولهم الرقى النافذة في السموم والأوجاع ولهم غناء معجب. ولهم الكنكلة وهي وتر واحد يمر على قرعة فيقوم مقام أوتار العود، والصنج ولهم ضروب الرقض والخفة...ولهم الثقافة عند الثقاف خاصة ولهم معرفة المناصفة، ولهم السحر والتدخين...ولهم شعر كثير وخطب طوال وعنهم اخذ كتاب كليلة ودمنة ولهم رأي ونجدة...".

وكان السنديون من حذّاق الطهاة، ومشهوري صنّاع الأحذية، حتّى غدت النعال السندية مضرب المثل...وقد اتصفوا بالدهاء، والنفوذ في المعاملات والأمانة ممّا جعل أرباب بيوت الصرف يستخدمونهم في اعمالهم، على حد قول الجاحظ: "ومن مخافرهم انّ الصيارفة لا يولّون اكيستهم وبيوت صرفهم إلاّ السند وأولاد السند لأنهم وجدوهم انفذ في امور الصرف واحفظ وآمن..."(1).

أما ارتباط الهند بالنجف فهو يرجع إلى فجر التاريخ حيث كانت السفن تبحر من بحر النجف إلى الهند، أما في العهد الإسلامي فهو يعود إلى خلافة الإمام علي(عليه السلام) وتشيّع عدد من أهل السند بواسطة القائد العبدي الّذي مرّ ذكره وقد بعثه

____________

1- فضل السودان على البيضان، ص: 84 ـ 85.


الصفحة 5


 

لإخضاع السند، وقد كان لتلك البذرة ان نمت وترعرعت وانتجت الكثير من القبائل الهندية والسندية والمتشيعة التي تدين بالولاء لأهل البيت(عليهم السلام) وتتجه صوب النجف الأشرف بقوافل الزائرين التي تقصد لثم الأعتاب العلوية الشريفة والصلاة عند القبة المنيفة لما ورد في الأحاديث الصحيحة في فضل هذه البقعة وقدسيتها وفضل الدفن في تربتها والتختم بحصبائها ومجاورتها وثواب المبيت والصلاة عند المرقد المطهر...وفي ذلك يقول الشاعر الهندي السيّد علي نقي النقوي:


نجف وما أدراك ما نجف

للناس والأملاك معتكف

حرم إذا لاذ الطريد به

يرعاه عن صرف الردى كنف

وحديقة تزهو الورى طرباً

إذ فاح طيباً روضها الأنف

المجد خيم في مرابعه

وعلى فناه طنّب الشرف

وبه الهدى ألقى عصاه فلا

حول له عنه ومنصرف

العلم أودعه الإله به

كمصون درّ ضمه الصدف

ذا شيخنا ا لطوسي شيد به

لربوع شرع المصطفى شرف

فهو الّذي اتخذ (الغري) له

مأوى به العلياء تعتكف

روض سقاه فضل بارئه

بصبيب هاطلة لها وطف


لقد ازدادت الصلة بين النجف والهند وتوثقت منذ قرون وخاصة بعد ظهور الدولة الشيعية في الهند، فقد كان ملوك تلك الدولة يغدقون على المشهد الشريف الهدايا النفيسة ويقومون بزيارة النجف ما اتيح لهم الوقت من اجل ذلك، كما كان رعايا تلك الدولة من الأغنياء يوصون بدفنهم في النجف فكانت ترسل الأجساد للدفن مع صعوبة المواصلات يومذاك. كما اغدق امراء الهند بعطاياهم على اهل العلم من مجاوري النجف وكانوا يصرفون الأموال الطائلة لسفر الشباب المتدين النابه لأجل الدراسة العلمية في النجف، فتكونت في النجف جالية هندية ظهر من بينها الكثير من العلماء والأطباء والتجار والسياسيين وكثير منهم تعرب بعد حين وكان لهذه الجالية مؤسساتها الخاصة، كالمسجد والحمام والمدرسة والمسافر خانه (الفندق) أو كما يُسمى في النجف الآن (خان الهنود) وللجالية مقابرهم الخاصة في بيوتهم أو في وادي السلام.


الصفحة 6


 

مدرسة الهندي:

من المدارس المعروفة في النجف كانت آهلة بطلبة العلم أسست في حدود سنة 1328هـ، في محلة المشراق وقد أنفق عليها رجل من اهل (لاهور) اسمه ناصر على خان.

 

مسجد الهندي:

وهو من أكبر مساجد النجف (لم يفرغ من العبادة ليلاً ونهاراً وفي اوقات الفرائض تقام فيه جماعتان. وهو معتكف النجفيين ومحل عبادتهم وهو اجل مكان عندهم بعد الحرم العلوي). شيّد أوائل القرن الثالث عشر الهجري، في عهد الشيخ حسين نجف الكبير، ومؤسسة أحد صلحاء الهند وهو المرحوم الحاج خان محمّد، وقد قرر حينه أن لا يضع أول حجر في أساسه إلاّ رجل لم يبت ليلة من الليالي على جنابة ولم يترك صلاة الليل مدة عمره فأحجم الحاضرون وقام هو بنفسه فوضع أول حجر في أساسه. وقد ارخ هذه العمارة السيّد رضا الهندي بهذه الأبيات المكتوبة في أعلى الباب الرئيسي بالحجر القاشاني:

 

للذكر هذا مسجد جامع

فلا تكن فيه من الغافلين

وادخل إليه خاضعاً خاشعاً

عليك ذلك البائس المستكين

واتخذ الواحد(1) عوناً على

طاعته إذ هو نعم المعين

مؤرخاً كبر وهلل وكن

مصلياً واركع مع الراكعين

وقد كانت الأرض التي فيها المسجد والحمام وقيسارية الحاج علي آغا والسوق المتصل بها المقارب للصحن الشريف كلها لعائلة هندية شريفة ثرية تقطن النجف قبل زمن وينتسب إليها ميرزا علي أنور الملقب بالمفل الهندي وكان أحد شهود معركة الخميس الأدبية، وقد توفي في النجف وأرّخ وفاته السيّد صادق الفحام بأبيات مثبتة في ديوانه المخطوط قال فيها:

 

يازائراً خير قبر ضم خير فتىً

له بجنب عليّ أوثق الأمل

قف باكياً واحد التاريخ مجتهداً

وقل لقد أزهر الجنات (نور علي)

____________

1- إشارة إلى إضافة عدد واحد إلى مجموع التاريخ.


الصفحة 7


 

وعرف منها أيضاً مير فاضل بن مير نظام الهندي، كانت له أملاك كثيرة في هذه المنطقة وقد باع بعضها وهي (محل قيسارية حاج علي آغا) بعد وفاته للشيخ حسين نجف بحسب وكالته عن بنته العلوية حاني بنت مير نظام وعن أمها المسماة بورا بنت ميرزا علي أنور الهندي على السيّد حسين الرفيعي. ومن أملاكه ساحة المسجد والسوق المتصل بالقيسارية المجاورة للصحن الشريف من جهة القبلة.

وبقي الاسم على هذا السوق إلى عصرنا الحاضر فانّه يعرف بسوق الهنود، وقد ذهب هذا السوق عند إنشاء الشارع المحيط بالصحن الشريف.

وفي يوم 15 شوال 1375هـ اشترى الإمام السيّد محسن الحكيم الدارين المتصلين بمسجد الهندي ووسع المسجد وشيّد مقبرة لاسرته ومحلاً للتدريس وعمر عامة المسجد، وممن أرّخ هذه العمارة الجديدة السيّد موسى بحر العلوم بقوله:


حي الالى قد شيّد الدين بهم

للّه زلفى عملوا فأتقنوا

وهذه آثارهم مشهودة

تحسد عين المرء فيها الأذن

فالبيت إبراهيم بانية هدى

أرخ "وباني البيت هذا محسن"

 

1376هـ


وقال السيّد محمّد الحلي:

جامع الهندي قد وسعه

حجّة اللّه حكيم الزمن

قل به ما شئت أرخ "او فقل

تلك آيات الحكيم المحسن"

 

1377هـ


نهر الهندية:

من المبرات المهمة التي قام بها ملوك الهند الشيعة ما بعثوه من الأموال الطائلة لحفر النهر المشهور الآن (بنهر الهندية) على نهر الفرات الّذي يبتدىء من المسيب وقد شق من عرض هذا النهر جدول اُجري الماء منه في قناة إلى منخفض النجف وكان ذلك سنة 1208هـ، وجاء تاريخه (صدقة جارية). انّ تلك الأعمال العمرانية أتاحت ظهور أهوار كثيرة في منطقة الفرات الأوسط ومن ذلك

 


الصفحة 8


 

هور النجف، وهو الدخن والعوينة وأبو طرفة وهور الكفل وبحيرة يونس وبحر الشنافية حتّى كان الراكب يأتي في سفينة من البصرة إلى النجف، وبهذا الطريق سلك الزوار الهنود الّذي كانوا يقدمون إلى العراق بواسطة السفن إلى خليج البصرة ومنها إلى النجف عبر الفرات. وقد بلغ تقديس الهنود لتربة النجف وكربلاء إلى حد أنهم أصدروا امراً بجلب سفينة كاملة من التراب المقدس نقلوه إلى الهند واسّسوا بذلك مقربة خاصة تعرف اليوم بقبرستان شاه جراغ في مدينة حيدر آباد الدكن.

وكان ظهور نهر الهندية ايذاناً بالانتعاش الزراعي والسكاني للعشائر المحيطة به، فقد نزلت على حافتيه عشائر آل فتلة والعوابد وبني حسن، كما تشكلت بعض المدن كالهندية (طويريج) والكوفة الحديثة التي اطلق عليها أول هذا القرن "شريعة الكوفة" أو "الجسر" كما قامت مدينة الشامية أو "أم البعرور" وكل ذلك بسبب المحاولات الهندية لايصال الماء إلى النجف، فالنجف مدينة بعيدة عن الماء وترتفع كالمسناة أمام السهول المحيطة بها وهناك محاولات اخرى كثيرة قام بها ملوك فارس وغيرهم من اجل إيصال الماء إليها، والمشهور انّ هذا المشروع كان باقتراح السيّد علي الكبير احد أعلام كربلاء على الملك آصف الدولة (احد ملوك دولة أود الشيعة في لكنو Luoknow) وبتشجيع من الإمام السيّد دلدار علي (عالم الهند الكبير)(1).

وكانت القناة التي اجريت إلى النجف قد ردمت فيما بعد ولما رأى الإمام الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر اشتداد الأمر على النجف وتحقق عدم صلاحية الاستقاء من ماء البحر المر جمع المنهدسين وبذل الأموال الطائلة فحفر نهراً من نهر آصف الدولة (نهر الهندية المذكور) وأوصله إلى النجف قاطعاً تلك الرمال والآكام حتّى وصل إلى موضع يقال له "الطبيل" على أربعة أميال من شمال غربي النجف، فوقف العمل لارتفاع الأرض عند الموضع المذكور، فاستعان صاحب الجواهر بملك أورده مرة أخرى ووضعت الترتيبات لايصال الماء بحفر

____________

1- راجع: ماضي النجف وحاضرها، ج1/ ص: 195. ومجلة لغة العرب، الجزء2 من السنة الثامنة، ص: 134 ـ 135.


الصفحة 9


 

قناة من ذلك المكان مستوية بعمق بعيد القعر إلى أن يصل إلى أقصى الحفر أولاً وهو مكان يبعد عن سور النجف بضع خطوات وما لبث صاحب الجواهر جاداً في المشروع حتّى توفاه اللّه ثم أكمل بعد ذلك بدعم من السيّد أسد اللّه الرشتي نجل السيّد محمّد باقر المشهور بحجة الإسلام المتوفى سنة 1292هـ، وأجري الماء في شهر رمضان 1288هـ وفي ذلك يقول الشيخ محمّد الجزائري:

 

شربوا الماء زلالاً

بعد شرب الآجانات

فاشرب الماء وأرخ

"إشرب الماء الفرات"

 

1288هـ

 

وقد ذكر السيّد جعفر بحر العلوم في تحفة العالم ما لفظه: "بذل العلامة صاحب الجواهر على كريه ثمانين ألف تومان على نفقة ثريا جاه محمّد أمجد علي شاه الهندي المتوفى يوم 21 صفر 1263هـ وتخلف مكانه ابن السلطان محمّد واجد علي شاه".

قال الشيخ جعفر محبوبة: "وقفتُ على مكتوب مطول أرسله الشيخ(رحمه الله) إلى بعض الأعيان من أهالي الهند تاريخه 1265هـ يحثه فيه على هذا المشروع". وفي الحصون المنيعة للشيخ علي كاشف الغطاء: "ارسل السيّد حسين السيّد دلدار علي اللكنوي إلى الشيخ صاحب الجواهر لكّاً وخمسين ألف روپية لأجل حفر النهر".

ووقع بيدي عدد من الرسائل المخطوطة الموجهة إلى السيّد حسين بن السيّد دلدار علي من قبل علماء العراق في النجف وكربلاء وفيها يحثونه على المساعدات الخيرية في الأمكنة المقدسة وجاء في إحدى هذه الرسائل إشارة إلى طلب المال من أجل اكمال مشروع حفر النهر إلى النجف "لا يخفى على منية نفسي، وحديثي في مجلس انسي أني لم أزل أردد ذكركما في فؤادي، وأنشر حديث فخركما في كل ناد، وكم أحرر رسالة الوداد و أكرر الوكة الإتحاد وأرادف الرسائل واتابع بينها وأواصل وأتالي فيها بالأثر...متفحصاً عن إكمال دراهم النهر..."(1).

ومن اعمال هذا العلامة السيّد حسين بن السيّد دلدار علي انّه بعث خمس

____________

1- أوراق الذهب (مخطوط).


الصفحة 10


 

عشرة ألف روپية لبناء مشهدي مسلم بن عقيل وهاني بن عروةعليهما السلام كما ارسل أيضاً إلى السيّد ابراهيم صاحب الضوابط بكربلاء ثلاثين ألف روپية لتذهيب ايوان العباس إلى غير ذلك من الآثار الباقية.

 

سور سامراء وعمارته بالأموال الهندية:

اثر كبير في العراق، اُقيم باموال هندية وهو سور عظيم له اربعة ابواب كبار تكاد تكون متجهة نحو الجهات الاربع المعروفة، ولكل باب من هذه الأبواب اسم يعرف به وقوم من اقوامها يخرجون منه ويدخلونه، اولها باب الناصرية وبعضهم يسميه "الحاوي"، وباب الملطوش، وباب القاطون، وباب البوباز وأبو عظيم.

وقد عمر هذا السور العظيم احد اعيان الشيعة من الهنود وصرف على نفقاته الكثير من الأموال بهمة الميرزا المجدّد الإمام السيّد محمّد حسن الشيرازي (1235 ـ 1312هـ) وكان من كبار العلماء الأفذاذ، هاجر إلى النجف سنة 1351هـ وقام فيها مدرساً حتّى انتهت إليه رئاسة الإمامية وهاجر من النجف إلى سامراء شيّد هذا السور ولا غير ذلك من المبرات في سامراء كأندية العلم وخانات الزائرين والغرباء والمساجد...الخ.

ووقف على عمل السور المذكور الميرزا زين العابدين السلماسي في حدود سنة 1250هـ /1834م، والسيّد ابراهيم باقر الموسوي القزويني الحائري صاحب ضوابط الأصول المتوفى بكربلاء بعد سنة 1260هـ.

 

خيرية أوده:

اشتهر هذا المصطلح كثيراً في النجف خلال القرنين الأخيرين وقد يعبر عنه في بعض الأدبيات بلفظة (فلوس الهند) أو دراهم الهند...الخ والمقصود به الأموال التي كانت ترسل من مملكة اود الشيعية ومقرها لكنو Luoknow إلى النجف وكربلاء.

وقد بدأت قصة هذا الوقف ـ أو (الخيرية) كما كان يطلق عليه لدى النجفيين ـ حين قدم غازي الدين حيدر ملك أود قرضاً لحكومة الهند البريطانية سنة 1825هـ قيمته عشرة ملايين روپية، واتفق الجانبان على ابقاء أصل القرض دون تسديد بشكل دائم، على أن تدفع حكومة الهند فائدة مستمرة للأبد مقدارها

 


الصفحة 11


 

خمسون بالمائة سنوياً. توقف لأغراض خيرية وتكون الحكومة وصية على انفاقها وضمنت تلك الشروط في اتفاقية أمضاها الجانبان في 17/8/1825م ومددت الأغراض الخيرية للوقف بتوزيع هبات مالية على الفقراء في مدينتي النجف وكربلاء عن طريق عدد من المجتهدين المقيمين في هاتين المدينتين والّذين تختارهم السلطات البريطانية باعتبارها الوصية على الوقف، ومنذ ابتدىء بتوزيع تلك الهبات في تلك المدينتين سنة 1949م مرت الطريقة المتبعة في التوزيع بتطورات عدة كما إنّها سبّبت انتشار أشياء في سوء التوزيع وشكاوى متواصلة ضد المجتهدين الموزعين وقد كانت عائدات الوقف السنوية البالغة ثمانية آلاف جنيه استرليني تقسم إلى نصفين متساويين تدفعها السلطات البريطانية إلى مَن تثق بهم في النجف وكربلاء وكان أول مَن وزعها في النجف الشيخ محمّد حسن الاصفهاني صاحب الجواهر (المتوفى سنة 1266هـ) وبعد وفاته رفض الشيخ مرتضى الأنصاري استلامها أو توزيعها ورفض الكثير من العلماء زهداً وورعاً وخوفاً من الهيمنة الأجنبية التي يسعى إليها الانگليز.

واشتهر من موزعي تلك الأموال في النجف السيّد علي بحر العلوم منذ سنة 1275هـ وبعد وفاته حلّ مكانه السيّد محمّد بن محمّد تقي بن رضا بحر العلوم، كما ذكره السيّد الأمين في الأعيان (ج9/ص: 408)وقال: "...وكانت بيده حصة النجف من دراهم الهند (المعروفة بفلوس الهند) وربما أثرت هذه في مقامه عند الناس بحسب رتبته العلمية السامية وبقيت في يده مدة طويلة ثم وزعت من قبل الأنگليز بأيدي مجتهدي النجف فقبلها قوم ورفضها آخرون فبقي بيده مثل ما بيد أحدهم".

وممّن رفض توزيع تلك الأموال الشيخ محمّد طه نجف المتوفى سنة 1320هـ، والسيّد حسين بن رضا بن مهدي بحر العلوم(1)، وكان الكثير من طلبة العلم يؤثرون الجوع بدلاً من استلام تلك الدراهم ومنهم السيّد محسن الأمين نفسه(2). وقد كان التلاعب في تلك الدراهم كثيراً فأثرى الكثير بواسطتها وإلى هذا

____________

1- السيّد محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج6/ ص: 18.

2- السيّد محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج10/ ص: 354.


الصفحة 12


 

بشير الشيخ محسن الخضري النجفي المتوفى سنة 1301هـ بقوله من أبيات:

 

فكثير ممّن تولى النصارى

بلغ القصد من فلوس الهند

 

والواقع انّ طلاّب العلم من العرب كانوا من أكثر المتضررين من هذا التوزيع، وللشيخ جعفر بن الشيخ علي كاشف الغطاء المتوفى سنة 1320هـ، قوله معرضاً بخيرية اود:

 

وخيرية جاءت من الهند بغتة

وخُص بها ظُلماً أهيل النمارق

جرى قلم فيها وجفّ وقد جرت

على نهجه أقلام كل منافق

 

وهكذا كثرت الشكاوي من سوء توزيع العائدات الّذي انيط ببعض المجتهدين فاستأثروا بالأموال لأنفسهم بالرغم من تدخل الإنگليز الّذي لم يقص على تلك الظاهرة بل استفاد منها، ففي يناير 1912م قرّرت حكومة الهند فرض الاشراف المباشر على التوزيع من خلال تشكيل لجنتين يرأسها نائب القنصل البريطاني في كربلاء وتتوليان توزيع نصف الوقف في كربلاء والنجف على الفقراء مباشرة، ولكن هذا الاجراء كان يحمل في الوقت نفسه عدة مضامين سياسية تستهدف التعامل المباشر مع قطاع من أهالي النجف وكربلاء وقد تنبه لهذا الأمر والي بغداد حينئذ أحمد جمال بك وكان أحد زعماء جمعية الاتحاد والترقي المتحمسين، وطلب من البريطانيين تجنب الاتصال المباشر مع الرعايا العثمانيين كما انه استغل فرصة ضعف الدولة الايرانية للضغط على الرعايا الفرس المقيمين في النجف وكربلاء لمنعهم من الاتصال بالإنگليز من خلال خيرية اوده.

 

زيارة أعيان الهند إلى النجف:

بالإضافة إلى مئآت العلماء الهنود الّذين درسوا في النجف الأشرف ونبغوا في العلوم الدينية والأدبية فقد قصدها الأمراء والأعيان الهنود للتبرك بزيارة المشهد الغروي الشريف، ومنهم الأمير السيّد محمّد خان سنة 1310هـ، وفيها أمر بتعمير مقام الإمام المهدي(عجل اللّه فرجه)، وفي سنة 1326هـ زارها مير فيض محمّد خان تالبر أمير مقاطعة خيربور السند وهو شيخ كبير ومعه كثير من وزرائه وعساكره ونزل في دار السيّد علي آل كمونة وفرق الأموال على خَدم الروضة الحيدرية على حسب طبقاتهم.


الصفحة 13


 

وزارها أيضاً الأمير السيّد علي رضا خان الرامبوري يوم الأحد الخامس والعشرين من رجب سنة 1353هـ.

وممّن تشرف بزيارة الحرم العلوي السلطان محمّد شاه بن علي شاه (الآغا خان الثالث) زعيم الاسماعيلية النزارية في الهند وذلك سنة 1312هـ، وإلى هذه الزيارة أشار الإمام محمّد حسين كاشف الغطاء بقوله: "هو زعيم الاسماعيلية في الهند ولهم في بومباي ملك ضخم وهي مواطنهم اليوم وامه بنت (نظام الدولة) وقد نال رتبة الزعامة لأتباعه أو الربوبية عليهم كما يقال وهو غلام لم يبلغ الحلم وقد رأيته لما ورد إلى زيارة النجف الأشرف وزرته في الزائرين فوجدته ربّاً ولكنه ربّ صباحة وملاحة فآمنت بآية حسنه وجماله فقط ولقد كانت آية باهرة فتبارك اللّه أحسن الخالقين".

وقد أرّخ زيارة محمّد شاه إلى النجف الشاعر الشهير في عصره السيّد جعفر الحلّي بقوله:


أهلاً فقد لاحت لنا البشائر

وأصبح الغري وهو زاهر

بالشاه سلطان الورى محمّد

إلى علي جاء وهو زائر

الملك الوارث من آبائه

مآثراً ما مثلها مآثر

قبل بلوغ العشر نال رتبة

تقصر عنها السبعة الزواهر

مظهر رشد الخلق في وجوده

وأهله كانوا هم المظاهر

للّه امّ ولدت محمّداً

طاهرة قد جاء منها طاهر

مَن يرها في الملك وهي لبوة

قال ابنها لا شكّ ليث خادر

هاجر كي يحج قبر سيّد

أركان مثواه هي المشاعر

مهاجر للّه قد ارخته

"محمّد أفضل مَن يهاجر"


النجفيون المنفيون إلى الهند:

قامت النجف بثورة مسلحة عام 1918م ضد الإنگليز وقتل يومها الحاكم الإنگليزي (الكابتن مارشال) فانتقم الإنگليز من النجفيين بإعدام عدد من الثوار ونفي زهاء 107 منهم إلى الهند، وكان من المنفيين الحاج عطية أبو گلل، وابنه كردي، والحاج سعد الحاج راضي وابناه مغيظ وراضي، ومحمّد أبو شبع، وتومان


الصفحة 14


 

عدوه وأولاد حبيب الحار وهم مسلط وسعيد ومهدي وغيرهم، وقد عوملوا في الأسر الهندي معاملة قاسية واضطهدوا بأنواع الاضطهاد، ولما أعلنت الثورة العربية في الحجاز ضد الأتراك خيّرتهم الحكومة البريطانية بين البقاء في الأسر أو الذهاب لمقاتلة الأتراك، وكل اختار ما ترجح في نظره. وكان ممّن حكم عليه بالنفي إلى الهند السيّد محمّد علي بحر العلوم والشيخ محمّد جواد الجزائري، ولكن تدخل في أمرهما الشيخ محمّد تقي الشيرازي والشيخ خزعل الكعبي أمير المحمرة فمكثوا عند الأخير وفي تلك الحادثة والأسر يقول الجزائري:


لقينا زعازع ريب المنون

وهان على النفس ما قد لقينا

نعم خاننا الدهر في جريه

وهل يترك الدهر حرّاً ركينا

غداة اُسرنا بأيدي العدو

ورحنا نكابد داءً دفينا

وضيم (الغريان) غاب العراق

وفارق ليث العرين العرينا

وجزنا كما شاء تلك الحزون

ننتظر الفتك حيناً فحيناً

وأرجلنا طوع قيد الحديد

تسيل دماً يستفز الرصينا

وما ضامنا (الأسر) في موقف

أطعنا عليه الرسول الأمينا

وما ضامنا ثقل ذاك الحديد

ونحن بحسن الثنا ظافرونا

ولم يُزرِ بالحر غلّ اليدين

إذا ما قضى للعلاء الديونا

ولا غرو لو خان صرف الزمان

حراً فمن طبعه أن يخونا

 

وبعد ثورة العشرين وقع الكثير من الجنود الهنود الّذين كانوا يقاتلون مع الإنگليز ضد العراقيين، في أسر أهالي النجف وقد وضعوا في (خان الشيلان) في النجف مع عدد كبير من الجنود الضباط الإنگليز وعوملوا معاملة حسنة بينما عومل الثوار من النجفيين الّذي اُسروا خلال ثورة العشرين، عوملوا معاملة قاسية وسجنوا في خان من خانات الكوفة، وممّن اعتقل واسر في هذا الخان السيّد محمّد رضا الصافي (1298 ـ 1361هـ) وهو شقيق الشاعر أحمد الصافي النجفي الّذي شارك هو الآخر في الثورة ولكنه هرب خارج العراق خوفاً من الإنگليز.

وللسيّد محمّد رضا الصافي هذه الأبيات قالها عندما كان أسيراً عند الإنگليز في الكوفة وقد وكّلوا في حراسته مجموعة من الهنود الّذين ينتمون إلى (الدين السيخي) فاسمعه قائلاً:

 


الصفحة 15



وادخلوني حجرة

مكبراً مهللا

(السيك) عند بابها

تحرسنا وتحملا

من السلاح بندقاً

وأبيضاً منصلا

(فهر دسنك) تارة

و(جردسن) إذا انجلى

و(عموسن) يتبعني

مهرولاً إلى الخلا

وقهوتي (هاد)(1) غداً

يصنعها ويعملا

والرزق يأتي (ملسم)

به وشايي سهلا

بشرى رفاقي عندما

اُدعى غداً واُسألا

فإن يك النطق له

مشترياً ويقبلا

أريد عقد جوهر

منظماً مفصلا

وأن يكون المشتري

سماً وقولي جملا

يعذرني صحبي إذا

اخترتُ الفنا أو الفلا

 

وقد بقي عدد قليل من الجنود الهنود في العراق بعد ثورة العشرين، وآثروا السكنى فيه، ولهم بقية إلى اليوم في بعض قرى الفرات الأوسط.

 

شعراء النجف يحيون الهند:

ألهمت الهند الشعراء قديماً وحديثاً وفي العصر الحالي برز (طاغور) كأشهر شاعر في الهند وقد أعجب به شعراء النجف وفي مقدمة مَن اعجب به الشاعر علي الشرقي فحياه بقصيدة قال في أولها:

 

بدء الحياة حراك

من اهتزاز السرير

ولا يريك سكوناً

إلاّ جمود القبور

بليت من قبل موتي

بمنكر ونكير

لو كان ربّي يعطي الـ

ـحياة بالتخيير

لما أردت حياة

إلاّ حياة الطيور

بين البلابل أشدو

أزف بين الصقور

 

____________

1- المقصود به: الشيخ هادي لايذ وكان معه في الأسر.


الصفحة 16


 

كم من مليك تمنى

حريّة العصفور

 

وعندما انتخب الدكتور راجندرا برادساد رئيساً للجمهورية الهندية في 26/1/1950م (ربيع الثاني 1369هـ) قال الشيخ علي الباري مؤرخاً ذلك:

 

أشاوس الهند رأت بقاءها

تحت انتداب فيه معذوريّة

أسقطت (المفرد) ثم أرخت

"تأسّست في الهند جمهوريّه"


وإلى مقاومة الهنود ضد الإنگليز يشير الشيخ صالح الجعفري بقوله:

 

وتلك الهنود على ما بها

أحست بموقفها الأرذل

فأضحت تهدّد انگلترا

واسطولها الضخم بالمعزل

وإنّي لأحسبها أشرفت

على مبتغاها ولم تفشل

وهل يبعد الحق عن أمة

إذا ما ألحّت وما تكسل

 

والشاعر النجفي الجعفري كان من المعجبين بالثورة الهندية، وله أبيات أخرى يخاطب فيها قومه على تقاعسهم ومستنهضاً هممهم للتضحية من أجل الوطن كما فعل الهنود، وقد أثارت هذه الأبيات في وقتها ضجة في الأوساط الأدبية:

 

قف في منى واهتف بمزدحم القبائل والوفود
حجّوا فلستم بالغين بحجّكم شرف الهنود
حجّوا إلى استقلالهم وحججتم خوف الوعيد
ضحيتم كبشاً وما ضحوا سوى طيب الوجود

 

وله قصيدة عن استقلال الهند يحي فيها الشعب الهندي ويستذكر بطولاته وزعيمهم المهاتما غاندي، وممّا قاله:

 

حيها أذكت من الحرب لظاها

وأبت إلاّ الّذي فيه مناها

شمرت تسعى إلى استقلالها

سدد الرحمن بالنصر خطاها

وحدت أشتاتها فاندفعت

كتلة تخشى المقادير قضاها

لا القوانين وما أصرمها

أوقفت تيارها لما تناهى

لا ولا القوة في تنظيمها

أفقدت أبطالها الصيد قواها

خانها السيف فلم تنكل ومَن

مات في حبّ هناة قد يراها

 


الصفحة 17



دخلت والظلم في معمعة

خبط الداخل فيها ثم تاها

ومضت طالبة حاجتها

لا ترى من أمرها إلاّ قضاها

هتفت بالملح في عصيانها

وورا الأكمة ما كان وراها

ما كل ما ترجوه ملـ

ـح نستطيب به الغذاء

كلاّ ولا نرجو به الـ

أموال جمة والثراء

ما الملح ما العصيان ما الـ

أطفال ما زمر النساء

إلاّ قيود اليأس تفـ

ـصم في مضامين الرجاء

للّه ما هذا الضعيـ

ـف أمام تلك الأقوياء

في سبيل العز نفس حرة

لم تشأ أن يخمد الضيم سناها

سطعت في الهند شمساً فانبرت

أمم العالم طراً لضياها

انفت من وحمة الذلّ وها

هي لا تفتأ في برد أباها


وقال في غاندي:


جلد على عظم يسير فيقطع الشعب الطوال
لا يرتدي غير النسيج نسيج كفيه الهزال
شبح ضئيل كاد لولا الصوت أن يسمي خيال
ملك القلوب وإنّها جيش بعيد الإنخذال
ماالجيش أبلغ من قلوب تستميت لدى النضال


وللشاعر النجفي الجواهري قصيدة أنشدها في احتفال الصلاة التذكارية الّذي اقامتها السفارة الهندية في بغداد بمناسبة ذكرى غاندي مساء يوم 30/1/1960م وفيها يقول:


سيّدي أنت أيها الحق والعـ

ـزة والفخر والندى والعلاءُ

كل ما نستطيعه لك حبّ

وخشوع ووقفة وانحناءُ

يا لصوقاً بالأرض وهو وايّا

ها انطراح ونعمة ونماءُ



الصفحة 18



يا وديعاً لوى من الأسد المكـ

ـلوب(1) ذيلاً فقرّ منه العواءُ

يا شعاعاً من النبوة تستهـ

ـدي به الأرض أرسلته السماءُ

يا سليل الفجرين بوذا وكونفشـ

ـيوس منه سناهما يُستضاءُ

يا رحيماً لمّ القلوب على جمـ

ـرة حب فذابت الشحناءُ

والتقت امة تفل سلاح البـ

ـغي وهو الوديعة العزلاءُ

يا هتوفاً بالبشر لم تخرس الضحـ

ـكة منه بلية وعناءُ

أيها الكوكب الّذي انحسرت عنـ

ـه من البؤس هالة غبراءُ

والتوى السيف وانزوى العنف وانفكـ

ـت رقاب ولم تطلّ دماءُ

قلتُ كوني شيئاً مئات الملاييـ

ـن فكانت، وخير شيء يُشاءُ

نبتت في مجاهل البؤس والذلـ

ـّة في الشرق واحة غنّاءُ


وهناك بعض اعلام النجف من العلماء والمغامرين الّذين استهوتهم الهند فسافروا إليها واستوطنوها ومنهم العلاّمة الشيخ حبيب بن الحاج مهدي شعبان من اسرة شعبان القحطانية النجفية المعروفة، ولد حدود 1290هـ وكان عالماً أدبياً شاعراً قصد الهند وكان بها من مراجع الدين على عهد إمارة رامبور حتّى وفاته حدود سنة 1336هـ، ومن شعره متأسياً لأهل البيت:

____________

1- الأسد المكلوب: بريطانيا. وقر: هدأ وسكن.


الصفحة 19



يا امة نبذت وراء ظهورها

بعد النبي إمامها وكتابها

ماذا نقمت من الوصي ألم يكن

لمدينة العلم الحصينة بابها

 

وله:

 

أأبكي لرسم دارس حكم البلى

عليه ودار بعد سكانها قفرا

وأصفي ودادي للديار وأهلها

فيسلو فؤادي ودّ فاطمة الزهرا

وقد فرض الرحمن في الذكر ودّها

وللمصطفى كانت مودتها أجرا

 

وممن سكن الهند من النجفيين الشيخ حسن بن علي بن أحمد بن أبي جامع (من آل محيي الدين) الأسرة العاملية الأصل، خرج والده من النجف وتوطنها ثم انتقل إلى الحويزة وتولى القضاء هناك أيام السيّد خلف بن السيّد مطلب المشعشعي، ومات بها وانتقل أولاده إلى شوشتر، وخرج الشيخ حسن إلى الهند وتوطن حيدر آباد الدكن وكان من تلامذة الشيخ محمّد بن خاتون العاملي، وقد توفي في حيدر آباد في أوائل القرن الحادي عشر الهجري ومنهم السيّد حسين الشبر. ومن النجفيين الّذين استهوتهم الهند قبلي فطاف بها الشيخ عبد الحسين بن عباس الأعسم الّذي كتب عنها رحلة بعنوان "الرحلة الأعسمية في الديار الهندية أو الزهور في رامبور" المطبوعة في بومباي سنة 1946م، ومنهم الشيخ حساني الطريحي والشيخ شمس الدين الطريحي.

الهجرة الهندية إلى النجف:

الهجرة الهندية إلى النجف قديمة وقد ازدادت في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث نزح إلى النجف المئآت من طلبة العلم وفيهم العوائل الكثيرة التي آثرت السكنى ثم تعربت وتنجفت ولم يعد يربطها مع الهند أية رابطة تذكر. وأكثر طلبة الهند الّذين تفوقوا في الدراسة وحصلوا على الإجازات العالية عادوا إلى بلادهم وساهموا في النهضة العلمية الإسلامية في مختلف الأقاليم الهندية، ومن أهم الشخصيات العلمية الهندية التي درست في النجف السيّد دلدار علي

 


الصفحة 20


 

أحد أكبر أعلام الشيعة في ا لهند وصاحب الدور الهام في دولة أود الشيعية، وهو بالإضافة إلى الاصلاحات الكبيرة التي قام بها في الهند صاحب مدرسة فكرية متميزة ساهمت في ترسيخ المنهج الأصولي وأنتج الكثير من المؤلفات وأنشأ أسرة علمية تخرج منها كبار الفقهاء والعلماء والأدباء.

ومن خريجي المدرسة النجفية الهنود الشاعر الأديب السيّد حسين رشيد الرضوي الهندي والسيّد راحت حسين والسيّد حامد حسين والشيخ سعادت حسين وأعلام أسرة آل الكشميري ومن المحسوبين على الهند حميد خان معاون الحاكم السياسي لمنطقة النجف (1917 ـ 1920م)...وغيرهم من مئات الأعلام الهنود الّذين تخرجوا من الحوزة العلمية النجفية وقد ورد ذكر العديد منهم في موسوعتي عن تاريخ الشيعة في الهند.

وهناك بعض الأعلام الهنود الّذين مكثوا في النجف وتغيرت ألقابهم بعد جيل أو جيلين. ومن الغريب انّ المؤرخ الايراني مهدي بامداد ينسب عائلة المرجع السيّد محسن الحكيم إلى أصل هندي(1)، ولعل الأسرة الوحيدة التي حافظت على انتسابها إلى الهند هي الأسرة العلوية العلمية والمعروفة باسم "آل الهندي" التي تخرج فيها عدد من العلماء والأدباء المعروفين.

آل الهندي

جدّ الأسرة الأعلى السيّد مير شجاعت علي، وهو أول مَن هاجر إلى النجف الأشرف رغبة في المجاورة وهرباً من بطش الإنگليز وذلك بعد مشاركته في الثورة التحررية الهندية ضد الأنگليز سنة 1800م وقد استقر في النجف حتّى وفاته سنة 1857م، وتعود سلسلة نسبه إلى الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) بالوسائط التالية: فوالده السيّد مير سرفراز علي بن دائم بن غلام حسام بن محمّد باقر بن محمّد حسين بن أعظم بن عبد الكريم بن عبد الرحيم بن مرتضى بن بازيد حاجي براي بزرگ بن راجي سيد نور الدين شاه بن راجي سيد حامد شاه بن شمس الدين مثنى بن حسام الدين بن جلال الدين بن محمّد الكرديزي بن زين الدين حسن بن عيسى بن باقر بن حسن الغزنوي نظام الدين بن حمزة

____________

1- شرح رجال إيران، ج5/ ص: 195.


الصفحة 21


 

السبزواري بن محمّد لال بن أبي طالب (المدفون بسامراء)، بن أبي موسى محمّد بن أبي القاسم طاهر بن جعفر التواب بن الإمام علي الهادي بن الإمام محمّد الجواد بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم(عليهم السلام).

وأصل السيّد مير شجاعت علي من مدينة (لكنو) ولدى وصوله إلى النجف تزوج من عائلة الجزائري (العربية الأسدية) وانجب ولده السيّد هاشم الهندي (1210 ـ 1246هـ) الّذي تخلف بولديه الجليلين علي ومحمّد، أما علي (1239 ـ 1273هـ)فكان من أفضل تلامذة الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر وصهره على ابنته كما كان شقيقه محمّد صهر الشيخ صاحب الجواهر على ابنة أخرى له وأمهما ابنة السيّد حسن بن السيّد أبي الحسن العاملي. ومن أجلاء الأسرة العلماء السيّد باقر الهندي والسيّد صادق الهندي والسيّد رضا الهندي صاحب "القصيدة الكوثرية".

النجفيون الهنود:

يعتز المئات من العلماء والخطباء الّذين درسوا في الحوزة النجفية ورجعوا إلى بلادهم الهند بنسبتهم إلى النجف حتّى إنّك تجد هذا اللّقب "النجفي" في أكثر الاقاليم التي يتواجد بها الشيعة، وفي رحلتي الهندية التي استمرت لعدة سنوات قابلتُ وتحدثتُ مع أكثرهم وقد يضيق المقام لذكرهم الآن وكعينة محدودة أذكر الآن منهم: الشيخ طاهر جرولي ـ الشيخ غلام عسكري ـ الشيخ غلام الحسنين ـ السيّد سلمان حيدر ـ الشيخ محمّد حسين النجفي ـ الشيخ محمود الحسن ـ الشيخ ميرزا محمّد عالم ـ الشيخ افتخار حسين ـ السيّد يوسف البدكامي الكشميري ـ السيّد حميد رضا الحسن ـ الشيخ العسكري المدراسي ـ السيّد ضياء الحسن ـ السيّد رضا آغا الحيدر آبادي ـ السيّد بني الحسن ـ السيّد يوشع النكلوري ـ السيّد مسعود أختر ـ السيّد علي الرضوي ـ السيّد كلب عابد ـ الشيخ روشن علي ـ السيّد عابد حسين ـ السيّد علي نقي النقوي ـ السيّد محسن النواب ـ السيّد ناصر حسين ـ الشيخ مقبول أحمد ـ نياز حسن ـ...والقائمة تطول إلى مئات الأعلام...

وقد أجد من المتعربين الهنود وممّن يتحدثون باللهجة النجفية بالعشرات كالّذي رأيته في لكنو وحيدر آباد وكشمير، وحتّى في (كركل) أو التبت الصغرى

 


الصفحة 22


 

كما يسمونها المتاخمة للحدود الصينية، وقد أثرت فيهم الحياة التي قضوها في النجف تأثيراً كبيراً هيمن على كل تصرفاتهم وحياتهم. ويبدو انّ تقادم العهد بالهجرة من النجف إلى الهند وبالعكس قد ضيّع علينا أخبار الكثير من العوائل والأعلام، ففي إحدى زياراتي للجامعة النظامية في حيدر آباد التقيتُ أحد الأساتذة فيها واسمه السيّد طاهر النجفي وهو من إخواننا أهل السنة ومن مواليد إحدى القرى التابعة لحيدر آباد، وقد جلسنا وتكلمنا كثيراً حول وضع الجامعة والطريقة القادرية التي ينتمي إليها وحدثني عن هجرة اسرتهم منذ مدة طويلة من النجف إلى الهند وأهداني قصيدة والده السيّد ابراهيم بن عباس النجفي الرضوي (1295 ـ 1378هـ) المعروفة باسم لامية الدكن ومطلعها:

 

ألاحت سليمى في البراقع توفل

أم الشمس تجري في الغمام وتذأل

 

وقد نوهت بهذه الواقعة وذكرت تمام القصيدة في مجلة الموسم العدد 6 (ص: 429 ـ 442) سنة 1990م.

شبيه روضة النجف الأشرف:

وفي لكنو حاضرة التشيع في الهند، ترتفع عمارة كبيرة على ضريح يخلو من صاحبه اللّهمّ إلاّ من البركة التي يستوحيها الزائرون من اسمه الكريم، ذلك هو المرقد الّذي اسّس في القرن الثامن عشر تذكاراً للمرقد العلوي في النجف حيث كان من الصعب جداً الرحلة إلى العراق ولهذا كان المؤمنون الهنود يتذكرون الإمام علياً(عليه السلام) من خلال هذه البناية التأريخية التي أنشأها أحد حكام أود، وهناك أيضاً في المدينة نفسها، عمارات أخرى تذكارية للكاظمية ومسجد الكوفة كما انّ هناك مدينة كاملة تعرف بـ"نجف الهند" ولمكانة النجف في نفوس الهنود فقد اتخذت لفظة النجف كاسم من أسماء الأعلام الشائعة في الهند اليوم ومن علمائهم الّذين اسمهم نجف:

نجف علي مير فيض آبادي (المتوفى 1254هـ /1838م)، ونجف علي بن روشن علي (المتوفى 1255هـ /1840م)، ونجف علي نونهروي (المتوفى 1261هـ /1845م)، ونجف علي بن غلام علي (1873هـ /1926م)، وغيرهم.


الصفحة 23


 

الخلاصة:

1 ـ إنّ الروابط الثقافية بين العراق والهند بدأت منذ فجر التأريخ، وفي عصور متقدمة ارتبطت النجف عبر بحرها الّذي كان يرتبط بخليج فارس ارتباطاً تجارياً بالهند.

2 - ازادات صلة الهند بالنجف في العهد الإسلامي بعد فتح السند أيام خلافة الإمام علي(عليه السلام) وترسخت في العصر العباسي وتأصلت ونمت وتوسعت في العهد العثماني الأخير.

3 ـ تعتبر النجف الأشرف العاصمة الروحية لما يزيد على 60 مليون شيعي من المسلمين الشيعة في شبه القارة الهندية فهي مهوى أفئدتهم ومقر مرجعيتهم.

4 ـ بادل النجفيون إخوانهم الهنود حباً بحب وناصروهم في قضاياهم المختلفة كما قام الهنود من قبل بدعم المرجعية ومشاريعها.

5 ـ التأثير الثقافي المتبادل بين الهند والنجف تغلب عليه العاطفة الدينية ويتميز بطابع إنساني عام.

6 - يمكن التوسع في هذا الموضوع بالرجوع إلى كتابنا "تاريخ الشيعة في الهند" وموسوعتنا الهندية العربية، واللّه الموفق.