المرجعية الدينية
تاريخاً وآفاقاً


تأليف
السيّد غياث جواد آل طعمة
باحث وخطيب حسيني عراقي ـ لندن


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 

حين انبثقت دعوة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن المسلمون يواجهون كثير عناء في معرفة الحكم الشرعي تجاه الواقعة التي تعترضهم. غير أن الحال لم تبق على هذا اليسر في التحصيل بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة فيما يستجد من وقائع لم يجدوا معها نصاً يحدّد لهم المسار فبدأت الآراء الفقهية وفق تصورات الفقهاء من الصحابة تظهر إلى حيز الوجود وقد تتضارب أحياناً فتأخذ كل فئة من المسلمين بما تراه يبرئ ذمتهم أمام اللّه سبحانه وتعالى.

وكلما بعدت الفترة عن عصر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ازدادت هذه الآراء تبايناً لاتساع الشقة بين الأفهام والرؤى حتى استقر الحال في تحديد هذا التشعب إلى حد ما حينما ارسيت قواعد المذاهب الأربعة وتحدد السير في الاطار المحدد لكل مذهب. ولا يعني هذا ارتفاع ما بينها من الاحتدام والاختلاف حتّى التضاد أحياناً بين رأي مذهب وآخر، وهو أمر طبيعي ينطلق من تفاوت البشر وطبيعة ادراكهم لما يواجهون وطروحاتهم في علاج الاشكال.

وإذا كان هذه حال المذاهب الإسلامية في تلك الحقبة، فإن الإمامية كانوا في منأى عن ذلك خلال ذلك الردح، حيث انّ عصر النص كان لا يزال قائماً لديهم، فهم يعيشون وضع المسلمين عموماً في كنف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانوا يبادرون أئمة أهل البيت(عليهم السلام)بما يشجر في صدورهم وما يخالجهم من طلب معرفة في هذا الباب أو ذاك، فاستمروا على هذه الحال حتى حلول الغيبة الصغرى بغياب الإمام المهدي المنتظر عجل اللّه فرجه الشريف فانقطع الاتصال المباشر ـ وقد كان الأئمة الأواخر قد هيؤوا النفوس لمثل هذا الحدث من خلال

 


الصفحة 2


 

توجيه شيعتهم إلى وكلائهم وفيه بحث طويل ـ وبقي عبر قنوات النواب الأربعة الذين حدّدهم الإمام (عليه السلام) وهم: عثمان بن سعيد العمري وابنه محمّد بن عثمان (ت 305هـ) والحسين بن روح النوبختي (ت 326هـ) وعلي بن محمّد السمري (ت 329 هـ) وبوفاة الأخير عاش الإمامية ما عاشه أتباع المذاهب الأخرى حين اعتقدوا بانتهاء فترة النص بوفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولما كان منصب الإفتاء والولاية خطيراً لم يترك أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الأمر سدىً ولم يدعوا شيعتهم هَمَلا، بل حدّدوا مَن ينبغي اتباعه لئلاّ يكون هذا المنصب مطلباً وبغية لكل مَن هب ودب، فكانت الأسس الأولية، إذ ورد عن الإمام العسكري (عليه السلام): "فأما مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فانّه مَن ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئاً ولا كرامة"(1). وبذلك قُطعت الطريق أمام مَن يريد أن يستغل المنصب ليسيء أو يحرف الأحكام بنسبتها إلى أهل البيت(عليهم السلام).

وحتى على مستوى المصادر التي يحتاج الفقهاء الرجوع إليها، وهي الأحاديث الشريفة ـ أما القرآن الكريم فإنه متوفر ـ فإنها لم تكن مبوبة وإنّما كانت مجموعات حديثية متناثرة عُبّر عنها بالأصول الأربعمائة، ولعل الشيخ الكليني (ت 329هـ) قد تنبه إلى ذلك وما الإمامية مقدمة عليه فألف كتابه الجليل "الكافي" وبوبه وأورد ضمن كل باب ما يتصل به من روايات فأسدى بذلك خدمة جليلة للفقهاء ووفر عليهم الكثير من الجهد والوقت.

المرجعية تاريخاً

وبانتهاء الغيبة الصغرى بدأت رحلة المرجعية، ونحن نؤرخ لها بإيجاز عبر ذكر أهم مدارسها التي برزت عبر القرون السالفة.

____________

1- المجلسي: بحار الأنوار، ج2 / ص: 88 عن الاحتجاج للطبرسي: 458.


الصفحة 3


 

مدرسة قم والري:

وهي أوّل مدرسة ظهرت وذلك إبان الغيبة الكبرى، وقد كانت مرتعاً لكبار العلماء والمحدثين، ولعل ما ذكره الشيخ المجلسي الأوّل (ت 1070هـ) في شرحه على مَن لا يحضره الفقيه ـ بالفارسية ـ أنّ في زمان علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (ت 329هـ) كان في قم من المحدثين مائتا ألف رجل(1) كاف للتدليل على ضخامة هذه المدرسة.

وقد يكون من أسباب انتقال مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من العراق إلى إيران هو الضغط الشديد الذي كان يلاقيه فقهاء الشيعة وعلماؤهم من العباسيين، فقد كانوا يطاردون مَن يظهر باسم الشيعة بمختلف ألوان الأذى والتهمة، فالتجأ فقهاء الشيعة وعلماؤهم إلى قم والري، ووجدوا في هاتين البلدتين ركناً آمناً يطمئنون إليه لنشر فقه أهل البيت(عليهم السلام)وحديثهم، حيث كانتا تحت حكم سلاطين آل بويه الذين عرف عنهم نزعتهم الشيعية وولاؤهم(2).

وقد امتازت هذه المدرسة بكثرة التأليفات التي دونت الحديث وبوبته إلى أبواب الفقه فوفرت الكثير من العلماء والفقهاء. غير أن هذ المدرسة لم تقتصر على الفقهاء الرواة وحسب، بل ظهر إلى جانب هذا الاتجاه مسلك آخر تبناه ابن أبي عقيل ـ وهو معاصر للصدوق الأب (ت 329هـ) ـ وابن جنيد (ت 381هـ) ـ المعاصر للصدوق الابن (ت 381هـ) ومن مشايخ الشيخ المفيد ـ وقد حكي عن ابن جنيد قوله بالقياس فترك لذلك كتبه ولم يعوّل عليها(3).

وفي القرن الأخير عاد إلى قم رونقها حينما قام الشيخ عبد الكريم بن محمد اليزدي (ت 1355هـ) بالتحول من اراك ـ أو كما يسميه السيّد الأمين في أعيانه

____________

1- حسن الخرسان: مقدمة مَن لا يحضره الفقيه، ص: د.

2- محمّد مهدي الآصفي: مقدمة الروضة البهية، ص: 43.

3- الطوسي: الفهرست، ص: 134 / تسلسل 590.


الصفحة 4


 

مركز العراق العجمي ـ إلى قم فانتعشت فيها الحركة العلمية وطاولت النجف أيام السيّد حسين بن علي البروجردي (ت 1380هـ) ثمّ كانت لها كلمة الفصل بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران 1979م بقيادة السيّد روح اللّه بن مصطفى الخيمني (ت 1409هـ).

مدرسة بغداد

كانت بغداد حاضرة العالم الإسلامي، وانتشرت فيها المدارس الفقهية المختلفة، ولئن كانت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) عانت من الضغط ما ألجأها إلى النزوح عنها فترة من الزمن، فانّ ضعف الجهاز الحاكم وخفة الوطأة بعض الشيء على أتباع المدرسة قد بث فيها روح الحنين إلى الوطن فعادت في أوّل سانحة وكان ذلك على يد الجهبذ الشيخ المفيد (ت 413هـ) الذي أخذ العلم عن المدرستين المختلفتي الاتجاه في قم، فرأى انّ استمرار هذا التشعب قد يحدث شرخاً في الوسط الشيعي لا يعلم عاقبته إلاّ اللّه سبحانه، فلا الجمود على النص واتباع القياس يمكن أن يحفظ للطائفة كيانها ومسيرتها، ومن هنا حشد طاقاته الفكرية للقيام بهذه المهمة فألّف رسالته الفتوائية المعروفة بـ "المقنعة" في أصول الدين وفروعه، وذكر انّ مصادر التشريع هي الكتاب والسنة وأقوال الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) وأشار إلى العقل كطريق موصل إلى معرفة حجية القرآن ودلائل الأخبار(1).

وما من شكّ أنّ هذا الاختلاط الذي حدث بين المذاهب الإسلامية وتنقل الطلبة بين حلقات الدروس المختلفة لابد أن يترك أثره في واقع البحث والتدريس عبر المناقشات وتبادل الآراء، ولعل هذا ما حدا بعلماء هذه المدرسة إلى التفكير جدياً في طرح ما يبين أصول المذهب وأدلتهم على الأحكام الفرعية التي يطرحونها مع خطوات جديدة في طرح الآراء الأخرى إلى جانب آرائهم ومحاولة

____________

1- عبد الهادي الفضلي: تاريخ التشريع الإسلامي، ص: 262 ـ 263.


الصفحة 5


 

المقارنة فيما بينها، وهو ما يصطلح عليه بالفقه المقارن، فقد كان من ابتكارات هذه المدرسة كتاب "الخلاف" للشيخ الطوسي و"الانتصار" للسيّد المرتضى (ت 436 هـ) وهما فاتحة الطريق إلى الفقه المقارن الذي توسع فيما بعد على يد العلاّمة الحلي ومَن تلاه.

مدرسة الحلة

وبعد رحيل الشيخ الطوسي (ت460هـ) وجمود الحركة الفقهية في النجف تصدى الشيخ محمّد بن ادريس الحلي (ت 598هـ) لهذه الحالة عبر كتابه الموسوم بـ "السرائر" وقد كان لهذا العالم الجليل الأثر الأساس في ازدهار مدرسة الحلة وجاء بعده من أتم صرحها كالمحقق الحلّي (ت 676 هـ) والعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) وفخر المحققين (ت 771 هـ) وبقيت مزدهرة بعد هؤلاء الأعلام حتّى أفل نجمها.

ولعل ما خلفه اولئك الأفذاذ يكشف ما أسدوه من خدمة وما أثروا به المكتبة الإمامية نظماً ودقة وشمولية وسعة، فيكفي أن يكون كتاب " شرائع الإسلام " للمحقق الحلّي قد ألقى بظلاله وفرض نفسه على الحوزات العلمية منذ زمن المحقّق وحتى يومنا هذا، ولم يتفق هذا لكتاب فقهي إلاّ نادراً، وقد تميز بسهولة ألفاظه وحسن عبارته وجودة تنظيمه.

وأما العلاّمة الحلّي فانّه في سعة تأليفاته أشهر من نار على علم، وقد تناولت شتى المجالات، فعلى منوال خلاف الشيخ كتب " تذكرة الفقهاء " في سعته ومناقشته لآراء المذاهب الإسلامية، وضمن الاطار الإمامي كتب "مختلف الشيعة" ذاكراً الآراء المختلفة في الفروع، وفي الرجال والعقيدة وغير ذلك من المجالات المخلتفة.


الصفحة 6


 

مدرسة جزّين وجبل عامل:

تتلمذ الشهيد الأوّل محمّد بن مكي (ت 786هـ) على فخر المحقّقين، ثمّ استأذن أستاذه في الرجوع إلى جبل عامل ليقم بدوره في تأسيس هذه المدرسة العلمية الشامخة(1) وقد تحمل الأعباء في سبيل ذلك حتى نال الشهادة في هذا السبيل، وحسبه فخراً أنه إذا أطلق لفظ الشهيد في محافل الفقه انصرف الذهن إليه. ورغم قصر عمره الشريف إلاّ أنه خلّف آثاراً جمة أشهرها "اللمعة الدمشقية" التي تدرس إلى يومنا هذا فضلا عن كتبه في سائر الميادين.

ومن أعلام هذه المدرسة الشهيد الثاني زين الدين بن علي الجبعي العاملي (ت 966هـ) صاحب "الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية" وهو الشرح المتداول في حلقات الدرس الفقهي إلى اليوم.

ورغم بُعد جزّين فيبدو انّها كانت محجّة العلماء، وقد وجدتُ عند تحقيقي لرسالة "مصباح المبتدي وهداية المقتدي" المنشور بمجلة " تراثنا " انّ الشيخ أحمد بن فهد الحلي (ت 841 هـ) قد قصدها ليستفيد من ابن الشهيد الأوّل، حيث ذكر الاصبهاني في "رياض العلماء": "وقد رأيتُ على آخر بعض نسخ الأربعين للشهيد منقولا عن خط ابن فهد المذكور ـ أي أحمد بن فهد الحلي ـ ما صورته هكذا: حدّثني بهذه الأحاديث الشيخ الفقيه ضياء الدين أبو الحسن علي بن الشيخ الإمام الشهيد أبي عبد اللّه شمس الدين محمّد بن مكي جامع هذه الأحاديث (قدس سره) بقرية جزّين حرسها اللّه من النوائب، في اليوم الحادي عشر من شهر محرم الحرام افتتاح سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وأجاز لي روايتها بالأسانيد المذكورة، وروايته ورواية غيرها من مصنفات والده، وكتب أحمد بن محمّد بن فهد (رضي الله عنه)، والحمد للّه ربّ العالمين وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين وصحبه الأكرمين "(2).

____________

1- ويذكر السيّد الأمين في "خطط جبل عام"، ص: 77 سبق وجود العلماء غير أن أحوالهم تكاد تكون مجهولة.

2- مجلة تراثنا، العدد 16 / ص: 169 عن رياض العلماء، ج1 / ص: 64.


الصفحة 7


 

ولعل من الغريب أن تكون هذه المدينة اليوم مدينة مسيحية بتمامها بعد أن كانت حاضرة شيعية أغنت العالم الإسلامي بأفذاذ العلماء، وهو أم لم يقع لأي مدينة ضمت مدرسة علمية إمامية.

وقد بقيت حوزة جبل عامل منجبة لكثير من العلماء وإن لم تحظ بدوام المرجعية فيها.

 

مدرسة حلب:

لقد قام السيّد المرتضى بخطوة هامة حينما قرّر ارسال بعض طلبته إلى مختلف الأصقاع لنشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ومن هذه البلاد كانت حلب، حيث أرسل إليها تلميذه المقرب الشيخ حمزة بن عبد العزيز الديلمي المعروف بسلار صاحب " المراسم " (ت 448هـ) وتلميذه أبا الصلاح تقي بن النجم الحلبي صاحب "الكافي في الفقه" (ت 447 هـ) واستمرت هذه المدرسة تنجب العلماء قروناً ومنهم السيّد أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني صاحب "الغنية" (ت 585 هـ).

 

مدرسة كربلاء:

وقد كانت الحوزة العلمية فيها قديمة يدل على ذلك نزول الشيخ الطوسي فيها حين هجرته من بغداد ولقائه حميد النينوي الحائري (ت 310هـ)، غير أن ازدهارها بدأ حين نزلها أحمد بن فهد الحلّي (ت 841 هـ) وبقيت على حالها مدة وكان ازدهارها ثانياً في زمن محمّد باقر بن محمّد أكمل المعروف بالوحيد البهبهاني (ت 1208هـ) والشيخ يوسف بن أحمد البحراني (ت 1186هـ) حيث كانت ميداناً لفرسان الأخبارية والأصولية حتى تم النصر للأصوليين على يد العلاّمة البهبهاني الذي أرسل تلامذته إلى مختلف الحواضر العلمية ـ ومنها النجف ـ ليقوموا بدوره الذي أداه في كربلاء وقد بقي ازدهارها حتى زمن شريف العلماء محمّد شريف بن حسن المازندراني (ت 1245هـ) وبانتقال تلامذته إلى النجف بدأت رحلة ازدهارها المتأخرة.


الصفحة 8


 

مدرسة النجف:

وأما مدرسة النجف فانها ازدهرت أولا حينما حلّ فيها الشيخ الطوسي وشرع بإقامة الصرح العلمي لحوزتها المباركة وبعد أفول نجمها ازدهرت ثانية بورود المحقّق علي بن الحسين بن عبد العال الكركي (ت 940هـ) ومن بعده الشيخ أحمد بن محمّد المعروف بالمقدس الأردبيلي (ت 993هـ) وليخبو بريقها شيئاً ثمّ تنهض نهضتها الأخيرة حينما أتاها السيّد محمّد مهدي بن مرتضى الطباطبائي المعروف ببحر العلوم (ت 1214هـ) قادماً من كربلاء مع أقرانه أمثال جعفر بن خضر الجناجي المعروف بكاشف الغطاء (ت 1228هـ) ثمّ أتت دفعة اُخرى من تلامذة شريف العلماء كالشيخ مرتضى بن محمّد بن أمين الأنصاري (ت 1281هـ) فازدهرت بهم هذه الحوزة المباركة في تألقها الثالث.

وبعد هذا العرض الموجز لابد من الوقوف على بعض السمات العامة التي كانت تتسم بها المرجعية عبر رحلتها الطويلة هذه:

1 ـ لقد لاحظنا أنّ ظهور تلك المدارس كان على الأغلب بوجود شخصية علمية قوية تبعث الحياة في مدرسة ما وقد يأفل نجمها بمجرد غياب تلك الشخصية وقد تستمر ردحاً من الزمن أو يدوم حالها حسب ظروفها وما يحيط بها فقم في المرحلة الاُولى لم تقم بشخص وإن برز فيها بعض الأعلام وذلك انّ الجو العام كان جو علم ومدارسة وحديث، وبغداد كانت حاضرة علمية معروفة وإن برز فيها الشيخ المفيد وعلم الهدى غير أننا نرى انّ حوزة النجف الأشرف قد شمخت بالشيخ الطوسي وكربلاء ازدهرت بابن فهد الحلّي والوحيد البهبهاني وجزّين بالشهيد الأوّل والحلّة بابن ادريس وحلب بأبي الصلاح الحلبي وهكذا وبعض تلك الحواضر قد يستمر قروناً في تألقه وبعضها يخبو بريقها برحيل

 


الصفحة 9


 

مؤسسها أو بعد رحيله بحين إن وجد مَن يتم المسيرة.

2 ـ ومن الملاحظ أيضاً أن عمل المرجعية عموماً حسب المراحل التاريخية التي مرت بها والظروف التي أحاطت بها قد تركز على تثبيت أسس المذهب قبال ما كان يواجهه من خطر ومن أعاصير حاولت أن تقتلع جذوره أو تضعف كيانه على الأقل، وإن اختلفت تلك المواجهات في أساليبها فإنّ الهدف كان مشتركاً فيما بينها، ولعل المثال الواضع لذلك ما رأيناه في عمل الشيخ المفيد الجبار الذي أخذ بأطراف المدرستين الحديثية المتمثلة بالصدوقين الأب والابن، والذاهبة مذهب العامة في استخدام القياس ومثلها ابن الجنيد وابن أبي عقيل وصبها في قالب محدد تحكمه أطر المذهب الإمامي.

ومن جهة اُخرى نرى النتاج الفكري والتأليفي الذي ركز على محاورة المذاهب الأخرى من خلال تلك المصنّفات وبيان أوجه الخلاف في الاستدلال والاستنباط وهو ما ظهر جلياً في مبادرة الشيخ الطوسي في تصنيفه كتاب "الخلاف" الذي ناقش فيه المذاهب الأخرى فبيّن دليلنا على المسألة ودليلهم عليها، وظهر ذلك أيضاً في كتاب " تذكرة الفقهاء " وهو من مطولات العلاّمة الحلّي وجاء من بعدهما مَن سلك هذا الطرق ونظم على هذا المنوال.

3 ـ ولم تكتف المرجعية بالجانب التأليفي، وانّما خاضت غمار المحاورة المباشرة مع مَن يخالفها الرأي، سواء كانت تلك المحاورات والمناقشات تقع بمحض ارادة العلماء كما كان يقوم به الشيخ الطوسي من على كرسي كلامه، أو كانت تفرض عليهم حينما كان يسعى بعض المخالفين لدى الحكام باولئك العلماء فيجمعهم الملوك بغيرهم ويطلبون منهم بيان موقفهم ودليلهم على ما يقولون كما حدل للعلاّمة الحلّي مع ولاة إيران وما حدث لابن فهد مع الاسپند والي الموصل، ومثل هذه المناظرات بكلا نوعيها آتت اكلها حينما أذعن الأمراء والولاة للمنطق والدليل وأمر بعضهم بجعل المذهب الإمامي مذهباً رسمياً للدولة

 


الصفحة 10


 

رغم ما كان يثيره مثل هذا القرار من الحفائظ. غير أن الملاحظ انّ هذه المحاورات كانت تقف عند هذا الحد دون التدخل المباشر في اُمور الحكم والسلطة.

4 ـ انّ أوّل حضور للمرجعية في مباشرة اُمور الدولة كان في زمن المحقّق الكركي حينما أطلق الشاه طهماسب الأوّل يده حتى انه خاطبه بقوله: "أنت أحق بالملك لأنك النائب عن الإمام وإنّما أكون من عمالك أقوم بأوامرك ونواهيك "(1). وكتب له فرماناً ذكر فيه: "انّ معزول الشيخ لا يُستخدم ومنصوبه لا يُعزل"(2).

ثمّ كان الظهور الثاني على أشدّه في حوادث معارضة وجهاد كما هو الحال في أحداث التنباك على يد الميرزا محمّد حسن الشيرازي (ت 1312هـ) وأحداث المشروطة على يد الآخوند محمّد كاظم الخراساني (ت 1329هـ) وثورة العشرين على يد الشيخ محمّد تقي الشيرازي (ت 1338هـ) ومواقف السيّد محسن الحكيم (ت 1390هـ) والسيّد محمّد باقر الصدر (ت 1400هـ) وغير ذلك وكان من أجلاها تولي الإمام روح اللّه الخميني (ت 1409هـ) زمان الثورة والسلطة في إيران، وهو ما أحدث انعطافة في سير المرجعية بشكل أو بآخر.

المرجعية آفاقاً

انّ هذا الجهاز العظيم بما تحمل من أعباء جسيمة وما أداه من خدمات جليلة يواجه اليوم عالماً مليئاً بالتحديات ويطمح أبناؤه بأبصارهم نحو سفينة النجاة هذه على أمل أن تقدم ما يأخذ بأيديهم وهم يخضون عباب بحر العصر بأموجه المتلاطمة وما تحمل من مغريات ومنزلقات إن ثبتت لهم قدم فيها فهم يخشون أن تزل الاُخرى.

ولعل من الاُمور الخطيرة التي تعانيها المرجعية هو ما يسعى إليه البعض ـ

____________

1- محسن الأمين: أعيان الشيعة ج8 / ص: 209.

2- المصدر السابق.


الصفحة 11


 

عن عمد لحاجة وإربة في نفسه أو لجهل حين تستهويه الدعوات اللين ملمسها القاتل سمّها ـ لتهميش دور هذه المرجعية وجعلها من التراث الذي لا يقوى على مواجهة العصر، وهم في ذلك يتفقون من حيث لا يشعرون مع مَن يضرب الإسلام في الصميم بقوله انه لم يعد يصلح لعصرنا الحاضر. إنّ مثل هذه الأفكار تمثل رؤية غاية في الخطورة وقد تكون غير محسوبة الضرر وقد لا يُشعر بعواقبها الوخيمة إلاّ بعد فوات الأوان.

وفي آفاق هذه المرجعية آمال يُرجى لها أن ترى النور وأحلام تحمل في طياتها أمنية التحقيق:

1 ـ من الاُمور المهمة في عصرنا الحاضر قضية التخصص وتقسم الأعمال، فمن المعلوم استحالة أن يلم المرء بكل دقائق الحياة في هذا العصر الذي يتعسر فيه حتى متابعة المستجدات والأحداث الواقعة، ومن هنا فإن تخصص علماء الدين في المجالات المختلفة سيوفر لهم إمكانية الابداع في مجالهم، وإذا كان للمرء أن يجتهد ـ بعد الاحاطة بالمقدمات وحصوله على الأهلية ـ في مسألة ما من مسائل الفقه فانّ من البديهي أن يكون له التخصص في مجال ما سواء كان علم طب أو عمليات اقتصاد أو اجتماع أو ما شابه ذلك لتكون الفتيا نابعة عن معايشة واقعية للمسألة ولا تكتفي برسم الخط العام لها، والذي قد يجعل المكلف في بعض الأحيان في حيرة وعدم وضوح من تكليفه.

فقضية التخصص هذه ليست بالجديدة وان لم يُلتزم بها تأريخياً، وقد يكون السبب عدم مواجهة المرجع في المراحل السابقة والقديمة لضروب كثيرة من الابتلاءات. ويمكن أن نلمس التخصص وتقسيم الأعمال فيما قام به الإمام الصادق (عليه السلام) حينما لاحظ قابلية كل من أصحابه وهو في مواجهة أحداث وتحديات كثيرة في عصره، فوجه كلاًّ منهم إلى الوجهة التي يبدع فيها فنراه يوجه ـ ومن قبل الإمام الباقر (عليه السلام) ـ ابان بن تغلب للفتيا ويقول له: "اجلس في مسجد

 


الصفحة 12


 

المدينة وأفت الناس فانّي أحب أن يرى في شيعتي مثلك "(1).

ويوجه هشام بن الحكم للكلام حيث برع فيه وأصبح عَلَماً يدين الجميع بتفوقه حتى قال له الإمام الصادق (عليه السلام): "يا هشام لازلت مؤيداً بروح القدس"(2).

ويوجه محمّد بن علي النعمان (مؤمن الطاق) إلى المناظرة والجدل لما كان يمتاز به من قوة في الاستنباط وقدرة على المحاورة وسرعة في الجواب وحضور للذهن.

إنّ لهذه الخطوة دلالة هامة على ضرورة التزام المرء ما يمكن أن يبرع فيه حسب طاقته وقابلياته، ولا شكّ في اختلاف هذه الطاقات والقابليات والميول.

وهناك تجربة رائعة اُخرى وهي ما قام به أربعة من العلماء في النجف الأشرف، وهم السيّد محمّد مهدي بحر العلوم (ت 1212هـ) والشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت 1228هـ) والشيخ حسين نجف (ت 1251هـ) والشيخ محمّد محيي الدين (ت 1219هـ) وذلك حينما تقاسموا الأعمال فيما بينهم فكان للسيّد بحر العلوم التدريس، وللشيخ كاشف الغطاء التقليد، وللشيخ حسين نجف الصلاة، وللشيخ محيي الدين القضاء(3) واقتصر السيّد حسين الشامي على الثلاثة الأوائل ولم يذكر الأخير(4).

يقول الشيخ محمّد حرز الدين في معارف الرجال: " انّ هؤلاء الرجال تآخوا في اللّه ونذروا أنفسهم في إحياء كلمة لا إله إلاّ اللّه، وإنّ ما في حيازتهم للمصالح العامة في ضمن إحياء الدين، وانعاش الضعفاء والمساكين، وعلى ضوء هذا تجد كلا منهم قد أفنى نفسه بشيء من اُمور المسلمين".

____________

1- أسد حيدر: الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، ج3 / ص: 57.

2- المصدر السابق، ج3 / ص: 77.

3- على محمّد علي دخيل: نجفيات، ص: 139.

4- حسين الشامي: المرجعية الدينية من الذات إلى المؤسسة، ص: 43 عن العقبات العنبرية في طبقات الجعفرية لمحمد حسين كاشف الغطاء بتحقيق د. جودت القزويني، ص: 49.


الصفحة 13


 

وروي عن الشيخ محسن خنفر قوله: "إنّ الشيخ حسين نجف كان يقيم في يوم الغدير في النجف مجلساً عاماً، فيفد على مجلسه الناس من الزائرين وأهالي النجف يقدمون إليه الأموال، حتى اجتمع لديه مال كثير ـ وكنتُ زائراً له يومئذ ـ وكان من جملة مَن زاره الشيخ الأكبر الشيخ جعفر صاحب كاشف الغطاء فانتظر حتى انقطع الناس، ثمّ دنا من ذلك المال وجمعه في ردائه من غير استئذان من الشيخ حسين ولا توقف، وانصرف".

وذكر أيضاً: "ربما دخل الشيخ جعفر داخل دار الشيخ حسين وأخذ مفتاح الصندوق الذي فيه المال، وفتحه وأخذ المال، ولم يحصل سؤال من الشيخ حسين "(1).

إنّ هذه التجربة الرائعة تحمل في طياتها أفقاً واسعاً وإحاطة بضرورة التخصص وتقسيم الأعمال ولو كتب لها الاستمرار فإنّ واقع الحوزة العلمية والمرجعية الدينية كان سيبلغ مدىً أوسع وفضاء أرحب بكثير مما هو عليه اليوم لتوقع المشاكل ووضع الحلول قبل تفاقم الأزمة. كما انّها من جانب آخر جعلت الناس في مأمن من الحيرة بوفاة المرجع والبقاء في حالة تردد في التقليد خاصة في حالة عدم ظهور مرجع لا يُنازع، بل ظهر عدة مراجع يتمتعون بأهلية الأعلمية أو التقليد على الأقل ـ على فتيا من لا يشترط الأعلمية ـ خاصة وأن الرجوع إلى ذوي الخبرة قد لا يحل الاشكال غالباً إذ يقضي كل منهم بفضل من عايشه ردحاً من عمره وعرف مكانته وعلمه وتفوقه على الغير الذي قد لم يعايشه الحاكم هذا نفس المدة أو لمدة تمكنه على الأقل من الوقوف على واقع حاله.

وإنّ لم يتم ذلك فينبغي التفكير بإقامة مجلس للفقهاء يتشاورون فيما بينهم فيه من أجل أن يخرجوا الناس بأمر ييسر أمرهم وينقذهم من حيرة تلفهم أو اضطراب يكنفهم. ولا شكّ انّ الاستعانة بالمتخصصين والأكاديميين في هذا

____________

1- علي محمّد علي دخيل: نجفيات، ص: 139 ـ 140.


الصفحة 14


 

الباب سيعين كثيراً في الوصول إلى الحل الأمثل.

ولعل من المناسب هنا الاشارة إلى الضرورة بتوجيه جماعة من الشباب المؤمن بهذه المرجعية ودورها إلى تحصيل الدراسات العليا في المجالات المختلفة أو التزام المرجعية بأمورهم من تأهيلهم وتوفير الكادر اللازم لادارة هذا الجهاز الرباني.

2 ـ ومن الاُمور المهمة أن تعيش المرجعية حاضرها بما فيه من آلام وآمال وتستشرف المستقبل في قراءة واعية لما يتطلبه هذا المستقبل من أدوات واستعدادات نفسية ومادية، ونحن نرى هذا الاستشراف في جملة من اللفتات، كما سعى إليه الشيخ المظفر في النجف الأشرف من أجل تطوير الحالة العلمية لتؤمن حاجة المجتمع بما يتناسب وأوضاعه، ونلمح ذلك في كلمات الإمام الخميني لجمع من طلابه في النجف الأشرف حينما يوصيهم أن "أصلحوا أنفسكم اليوم فإنكم إذا أقبلت عليكم الدنيا غداً لن تستطيعوا اصلاحها" ويبدو للمتأمل فيه حينها أنه ضرب من الخيال أن تقبل الدنيا على طلبة العلوم الدينية وتدعوهم لأن يقوموا بمهامهم الشرعية من موقع السلطة، فإذا لم يتهيؤوا من قبل فلن يستطيعوا القيام بعمل مزدوج، اصلاح النفس وأداء مهام الدولة، إلاّ بشق الأنفس، ولا أحسب ذلك الكلام إلاّ ضرباً من النظر بنور اللّه نحو المستقبل. ونلمح ذلك في اطروحات السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر على مختلف الأصعدة.

ولما كنّا نعيش حاضرنا بما فيه فانّ من أدواته الفعّالة وسائل الأعلام المختلفة، وأظن أنّ مما لا يختلف عليه اثنان هو ضعف استخدامها من قبل الجهاز المرجعي حتّى اننا لا نمتلك إلى اليوم صحيفة ناطقة باسم المرجعية فضلا عن امتلاك اذاعة للراديو أو محطة للتلفزيون ونحن في عصر المحطات الفضائية.

وحري بنا أن نذكر تجربة لم يكتب لها الاستمرار لضعف الامكانيات،

 


الصفحة 15


 

لكنّها أدت دوراً مهماً في إيصال الفكر الشيعي على ما كان يعتريها من ضعف في الاُمور الفنية، ألا وهي تجربة قناة قائم الإسلامية التي قام بمهامها الدكتور السيّد محمد علي الشهرستاني وتحمل مأجوراً العبء الجسيم، فإنّ هذه القناة قد أوصلت وبصوتها الضعيف صوت المذهب بعقائده وأصوله وفروعه وتاريخه إلى مختلف الأصقاع التي كانت تصل إليها، وسمع الكثير عبرها بحقائق ومعلومات إن لم تؤد إلى رؤية المذهب الجعفري كما نراه فانّها أزاحت على الأقل الكثير من الغبار العالق في أذهان حول المذهب.

ولعلنا نلمس التأثير الفعال لبعض الندوات التي تعقد مع علماء الدين من كافة المذاهب بما فيها الجعفري، ولعلنا لمسنا التأثير الكبير الذي تركه برنامج واحد استضيف فيه الدكتور الشيخ أحمد الوائلي على قناة ANN الفضائية على نفوس الآلاف المؤلف وما غمرهم من شعور وهم يستمعون إلى صوت المذهب الجعفري عبر الأثير، وكذلك اللقاء الذي عقد مع السيّد محمّد حسين فضل اللّه، والشيخ محمّد مهدي شمس الدين وغيرهم، فما بالك لو ظهر المرجع الأعلى وتحدث كما يفعل شيخ الأزهر.

وما أجمل ما يقوله الشيخ محمّد جواد مغنية في الستينات من القرن العشرين، وهو نوع من استشراف المستقبل: " واشير فيما يلي إلى غريبة من الغرائب على أذهان شيوخ هذا الزمان. لو كنتُ المرجع الأعلى في النجف الأشرف لأنشأت محطة للتلفزيون، ومحطة للاذاعة، وداراً للنشر، ومطبعة على أحدث طراز. وتقول: تلفزيون في النجف... راديو في النجف... يا لطيف...

واُصرُّ: نعم محطة للتلفزيون والاذاعة في قلب النجف تؤديان رسالة النجف بأحدث الأساليب وأنجحها وتمهدان السبيل لبلوغ ما تريده النجف من نشر الدين والإسلام، فيعرض التلفزيون فيما يعرض حلقات الدرس وجماعات المصلّين تماماً كما عرض فيلم الحجّ للطائفين والعاكفين... واختار، لو كان لي

 


الصفحة 16


 

الخيار، بأمانة وإخلاص ودون محاباة الأكفاء من أية فئة كانوا يشرحون حقائق الإسلام ومبادئه بأوضح بيان، ويثبتون للخاص والعام أنها النهج القويم لحياة لا مشاكل فيها ولا تعقيد، ويضربون بالمنطق كل فكرة تتهم الدين بالرجعية والتأخر، ويحاربون البدع والأوضاع الشاذة التي لا يقرها العقل والدين.

وأختار أيضاً جماعة من أهل الاختصاص بالتربية يوجهون الأسر الإسلامية إلى تربية أطفالهم تربية صحيحة ودينية... وأيضاً أختار هيئة ثالثة تتحدث عن المسلمين وبلادهم في شرق الأرض وغربها، وعن مشاكلهم، وما يحتاجون إليه من العون الأدبي والتوجيه الديني، وبالخصوص عن المدارس الدينية في كل بلـد، عن أساتذتها وتلاميذها ومواد الدراسة فيها وكيفية التدريس، وأدعو أساتذتها للحديث عنها بالتلفزيون والاذاعة... وأيضاً أتكلم بنفسي من التلفزيون أو الإذاعة عن كل عالم مخلص أدى واجب الدين بكفاءة وأمانة، وأضعه في الموضع اللائق به، بهدف التشجيع والترغيب في العمل من أجل الدين.

هذه كلمة سريعة تسابقت هي في العصر الذي نعيش فيه، وهذا هو الأسلوب المنتج، وما عداه عقيم، أو لا يشفي الغليل لضيق مداه، وقلّة جدواه"(1).

3 ـ ومن المسائل المهمة ضرورة الحضور الفعال للمرجعية بين أوساط الناس سواء مباشرة على فترات ولو متباعدة أو عبر الوكلاء من أجل زيادة الارتباط بهذا الكيان المقدس، ولو عقدنا مجرد مقارنة على سبيل المثال بين البابا وبين المرجع لرأينا حضور الأوّل الدائم بحيث يعرفه المسيحيون في أصقاع العالم المختلفة وإذا حضر بلداً ما التفّ عشرات الآلاف بل مئات الآلاف لتحيته، حتى لو كانت زيارته لبلد شيوعي مثل كوبا فضلا عن أفريقيا والشرق الأوسط. في حين نرى انّ المرجع قد لا يعرفه بشخصه حتى مقلدوه وما ذلك إلاّ لعدم الظهور بأية وسيلة كانت.

____________

1- محمّد جواد مغنية: صفحات لوقت الفراغ، ص: 175 ـ 176.


الصفحة 17


 

وقد يقول قائل إنّ المرجع يلتفت إلى أمر مخالفة هواه وان هذه الاُمور قد تزيد من معاناته وجهاده النفسي.

ونقول هو الحق، لكنه إذ ربّى نفسه بتلك التربية الصالحة بالالتجاء إلى اللّه تعالى ليعينه على نفسه فهذا أمر سيعينه اللّه تعالى عليه لأن ما يترتب عليه من نفع للإسلام والمسلمين كبير. ونحن نرى انّ الإمام الخميني كان يذكّر في خطاباته أفراد بعض المؤسسات التي تقوم بالمشاريع الخدمية بأن يذكروا الناس ما قد أتموه وأنجزوه من الأعمال لما في ذلك من الأثر البالغ ولا شكّ أن ذلك قد يستبطن الاشكال الذي ذكر ولكن الأهم هو الأولى واللّه سبحانه نعم المولى ونعم النصر.

4 ـ وإذا كان النظام القديم في ادارة الجهاز المرجعي سليماً وكافياً مع متطلبات العصور السالفة فإنّ تنوع هذه المتطلبات يستلزم التحول إلى العمل المؤسساتي في هذا الجهاز، خاصة وأنه ينبغي أن نعلم بأنه يمثل كيان دولة دون حكومة، فعدد أفراد هذا الكيان الإسلامي يفوق في ملايينه تعداد كثير من الدول المنفردة، بل وحتى ولو ضمت إلى بعضها إن كانت صغيرة، وبالتالي فإنّ سعة الجهات وبالذات الخدمية التي تشعر الناس بتواجد المرجعية من قبيل بناء المستشفيات وإقامة الجسور أو المرافق الحياتية المهمة التي سوف يندفع الناس للمساهمة فيها حين يرون شروع العمل فيها وتعود به عليهم من نفع تستلزم العمل المؤسساتي، ونحن نلمح البشائر في هذا الباب حينما نرى هذا التوجه المؤسساتي في بعض المجالات، وهو مؤشر على تفهم المرجعية لهذه الضرورة وبدئها في هذا السير، على أمل التوسع حسب الامكانيات بالاستفادة من الخبرات المتخصصة.

هذه إلمامة سريعة بما قدمته المرجعية الدينية عبر تاريخها الطويل الذي امتزجت فيه دماء علمائها بمدادهم، وما يرتجى منها لاستمرار هذا الصرح الشامخ، وعلى التكلان.