الـنـجـــف
والتقريب بين المذاهب الإسلامية


تأليف
الدكتور الشيخ عباس مهاجراني
عالم ديني وباحث إسلامي ـ لندن


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف


 

 

إن فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية تعني توحيد كلمة المسلمين والاحتفاظ بالاخوة الإسلامية والتحاب والتعاون على البر والتقوى والاحتراز عن كل ما يوجب الفتنة والافتراق.

انّ أوّل مَن أراد للمسلمين الوحدة والاخوة في ارادة تشريعية هو اللّه سبحانه حيث أمرهم في أكثر من آية من الذكر الحكيم بالاعتصام بحبل الله ونهاهم عن التفريق والتباعض، فقال: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاتَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً)(1) والنبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بلّغ رسالة اللّه ودعا الأمّة إلى اتباع أمر اللّه في الاعتصام بالوحدة وتوحيد الكلمة والتحاب ونهى الناس عن التقاطع والتنازع والخلاف، فقال: "لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباداً الله اخواناً كما أمركم اللّه"(2).

كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يعظ الناس ويوصيهم بالوحدة والتودّد والتعاون والتناصر، وفي نفس الوقت يخاف عليهم حبّ الدنيا والتكالب على الجاه والسلطة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " دّب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أفلا أنبؤكم بما يثبت

____________

1- سورة آل عمران / الآية: 103.

2- مسند أحمد، ج1 / ص: 3.


الصفحة 2


 

ذلك، افشوا السلام بينكم"(1). وكان من آخر وصاياه (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبته المشهورة التي ألقاها في مِنى في حجّة الوداع، أن قال: " أيها الناس انّ دماءكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، أيها الناس انما المؤمنون اخوة، ولا يحلّ لمؤمن مال أخيه إلاّ عن طيب نفس (نفس منه) فلا ترجعنّ (بعدي) كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فإنّي قد تركتُ فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد"(2).

ومَن أمعن النظر في هذه الآيات والروايات يعلم انّ اللّه سبحانه لم يرد من عباده توحيد التفكير ومماثلة الانتاج الفكري والعقلي، لأنّ هذا يعتبر محالا لأنّ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وانّ أفراد البشر يختلفون في الادراكات العقلية، على انّ كل إنسان عالَم على حدة غير سائر ابناء نوعه، وبهذا المعنى حمل الإمام الصادق (عليه السلام) كلمة "العالمين" في فاتحة الكتاب ( الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) وقال: "عنى به الناس وجعل كل واحد منهم عالماً"(3) ولم تظهر على ساحة الحياة البشرية الصنائع والبدائع وتسخير قوى الكون والسفر إلى الفضاء والهبوط على سطح القمر والكواكب الأخرى إلاّ بالاختلاف في العقول والأفكار وتفاوت درجات الذكاء وبُعد النظر إلى الأشياء وكذلك في ميادين العلوم الأدبية والدينية والفلسفية.

وهذا النوع من الاختلاف كان موجوداً في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو يستشير الناس في المهام وبذلك أمره ربه حيث قال سبحانه: ( وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ )، والناس كان يعرضون على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) آراءهم المختلفة، كما انقسم الناس في غزوة أُحد إلى قسمين قسم يفضل البقاء في المدينة والدفاع داخل البلد

____________

1- مسند أحمد، ج1 / ص: 165.

2- تحف العقول عن آل الرسول، ص: 30.

3- المفردات، للراغب الأصفهاني.


الصفحة 3


 

وقسم يرجح الخروج إلى ساحة الحرب واستقبال العدو في البيداء، فوافق رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الفريق الثاني، وهو يكره الخروج(1)، وفي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) اسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر، فسنّ بهذه الموافقة سنّة الاحترام لآراء الآخرين، ويسمح لكل أحد الفرصة لابراز عقيدته والاعلان برأيه فهذا النوع من الاختلاف ليس بمنهي عنه على لسان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، انّما الخلاف المنهي عنه عبارة عن اتباع الهوى واثارة الفتن والدعوة إلى القتال وتكفير المؤمنين الموحدين.

انّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو أوّل من دعا إلى التقريب والوحدة، وردّ على مَن يريد الفتنة، في مسألة الخلافة التي هي أوّل خلاف وقع بعد وفاة الرسول، وكادت أن تكون فتنة كبرى تمزق شمل المسلمين وتردهم على أعقابهم كافرين فلما استقرّ الأمر على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان وهو يقول: انّي لأرى عجاجة لا يطفؤها إلاّ دم، يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم؟ اين المستضعفان؟ اين الأذلاّن علي والعباس، ما بال هذا الأمر في أقل حيّ من قريش؟ ثمّ قال لعلي: أبسط يدك أبايعك فواللّه لئن شئت لأملأنّها عليه خيلا ورجالا، فأبى علي (عليه السلام)، فتمثل أبو سفيان بشعر المتلمس:


ولن يقيم على خسف يراد به

إلاّ الأذلان عير الحي والوتد

هذا على الخسف مربوط برمته

وذا يشجّ فلا يبكي له أحد


فزجره علي (عليه السلام) وقال: "واللّه انّك ما أردت بهذا إلاّ الفتنة وانّك واللّه طالما بغيت للإسلام شراً، ولا حاجة لنا في نصيحتك"(2).

انّ علياً (عليه السلام) كان على يقين بأنه أحق الناس بالخلافة ولم يشكّ في أولويته لخلافة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) طرفة عين، وقد صرّح بهذا في موارد عديدة، منها في خطبته المعروفة بالشقشقية التي قال فيها: "أما واللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة

____________

1- سيرة ابن هشام.

2- الكامل، ج2 / ص: 220، طبعة المنيرية.


الصفحة 4


 

وانه ليعلم انّ محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليَّ الطير" وكان يرى ان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ورثها ايّاه ولذا قال: " صبرتُ وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهباً" وقد علم (عليه السلام) انّ قريشاً خطّطت لاخراج الحكم من بني هاشم والاستيلاء على السلطة من دون آل محمّد(عليهم السلام).

واظهاراً لرأيه وانكاراً لما وقع في السقيفة امتنع عن بيعة أبي بكر وهو ومَن رأى مثل رأيه من أعيان المهاجرين والأنصار كالعباس بن عبد المطلب وعمّار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي والمقداد بن الأسود وخزيمة ذي الشهادتين وعبادة الصامت وحذيفة بن اليمان، وغيرهم ممن اعتبرهم الناس في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأخيار والأتقياء الملازمين للحق، فلم يبايع علي (عليه السلام)ومعه هؤلاء الكرام إلاّ بعد ستة أشهر، بعد وفاة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وبعدما رأى انّ الارتداد أخذ يتسرب في الناس، والعرب تريد أن تنقلب على عقبيها.

وقد ذكر (عليه السلام) هذا في كتاب أرسله إلى شيعته وأصحابه بعد مقتل محمّد بن أبي بكر، وهذا الكتاب عظيم جداً ذكره أبو اسحاق إبراهيم بن محمّد الثقفي الكوفي الأصفهاني المتوفى عام 283هـ في كتاب الغارات، التقط ابن أبي الحديد مقاطع منه، وذكرها في شرحه الكبير على النهج، يذكر أمير المؤمنين في هذا الكتاب بعثة النبيّ وحالة العرب الاجتماعية والأخلاقية قبلها وما صنع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لاخراجهم من ظلمات الجهل والشرك إلى نور العلم والتوحيد. ثمّ قال: "فلما استكمل مدته من الدنيا توفاه اللّه سعيداً حميداً فيا لها مصيبة خصّت الأقربين وعمت جميع المسلمين، ما اصيبوا بمثلها قبلا ولن ينالوا بعد اختها، فلما مضى لسبيله تنازع المسلمون الأمر بعده فواللّه ما كان يلقى إلى روعي ولا يخطر على بالي انّ العرب تعدل هذا الأمر بعد محمّد (صلى الله عليه وآله) عن أهل بيته ولا انهم منحّوه عني من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على ابي بكر واجفالهم إليه ليبايعوه فامسكت يدي، ورأيتُ انّي أحقّ بمقام رسول اللّه في الناس ممّن تولى

 


الصفحة 5


 

الأمر من بعده. فلبثتُ بذلك ما شاء اللّه حتى رأيت راجعة الناس رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين اللّه وملة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وإبراهيم (عليه السلام) فخشيتُ ان لم أنصر الإسلام وأهله ان أرى فيه ثلماً وهدماً تكون مصيبته أعظم عليّ من فوات ولاية أموركم التي انما هي متاع أيام قلائل ثمّ يزول ما كان منها كما يزول السراب وكما يتقشع السحاب، فمشيتُ عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة اللّه هي العليا ولو كره الكافرون".

ثمّ يتعرض علي (عليه السلام) في كتاب لذكر ما جرى في خلافة عمر ثمّ في خلافة عثمان، وما دبّره لابعاده عن تولّي الحكم، وصبره المرير وسكوته خوفاً من الخلاف والفتن. وفي آخر الكتاب يشكو إلى اللّه بقوله: "اللهم انّي استعديك على قريش فانّهم قطعوا رحمي واكفؤوا إنائي وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي حقاً كنتُ أولى به منهم فسلبونيه"(1).

قال الشيخ عبد المتعال الصعيدي: "انّ علياً حين بايع أبا بكر لا يزال على رأيه في انه أحق بهذا الأمر منه ولكنه رأى أن يجمع الكلمة بمبايعته له"(2).

فعلي (عليه السلام) سعى بكل ما في وسعه وامكانه في سبيل التقريب وتوحيد كلمة المسلمين كاظماً غيضه صاباً محتسباً، وكما عبّر هو عن حاله: " فصبرتُ وفي العين قذى وفي الحلق شجى ". وكلّ ذلك لكي لا تكون فتنة ولا يحدث في الأمة شعث لا يمكن لمّة وكذلك كان مع الخوارج الذين كفّروه وهو امام الموحدين، سامحهم ولم ينسبهم إلى الكفر، ونسبهم إلى الخطأ في معرفة الحق وقال لهم: "انّ لكم عندي ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد اللّه ان تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤوننا"(3).

____________

1- الغارات، ص: 304، طبعة انجمن آثار ملي طهران.

2- رسالة الإسلام.

3- رسالة الإسلام.


الصفحة 6


 

ولو لم يقم الخوارج بالإفساد في الأرض وقتل الأبرياء وتكفير المؤمنين لم يحاربهم أمير المؤمنين لأنه كان يرى ان هؤلاء أصحاب رأي خاطئ غلطوا في أمر التحكيم وبعدوا عن الصواب. وعلى هذا الأساس منع شيعته وآخرين من المسلمين عن محاربة الخوارج وقال (عليه السلام): "لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس مَن طلب الحق فأخطأه كمَن طلب الباطل فأدركه (يعني بهذا معاوية وأصحابه)"(1).

ومن بديع ما ذكره علي (عليه السلام) قبل التحكيم وبعد رفع المصاحف على الرماح قوله: " ايها الناس انّي أحقّ من يُجاب إلى كتاب اللّه، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وابن سرح وابن سلمة ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إنّي أعرف بهم منكم صحبتهم صغاراً ورجالا فكانوا شرّ صغار وشرّ رجال "(2).

نعم هذا علي بن أبي طالب (عليه السلام) في حياته يحذّر الناس من اتباع الهوى وإثارة الفتن، ويدعو إلى التقريب والتآلف ويقول: "والزموا السواد الأعظم فانّ يد اللّه مع الجماعة وإيّاكم والفرقة فإنّ الشاذ من الناس للشيطان كما انّ الشاذ من الغنم للذئب "(3).

مشهد أمير المؤمنين

وفي عام 40 من الهجرة استشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) وحمل ابناؤه الكرام جثمانه المقدّس من الكوفة ودفنوه ليلا بالنجف في موضع يقال له: الغري(4).

____________

1- نهج البلاغة.

2- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج1 / ص: 186، طبعة مصر الاُولى.

3- نهج البلاغة، خطبة 127.

4- تاريخ اليعقوبي.


الصفحة 7


 

الشيخ الطوسي يضع الحجر الأساس للتقريب بين المذاهب الإسلامية

ولد أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي شيخ الطائفة في طوس سنة 385هـ وهاجر إلى العراق وحطّ رحله في بغداد سنة 408هـ، وهو في الثالثة والعشرين من عمره وانخرط في زمرة تلاميذ شيخ الأمة وعلم الإسلام الرفيع محمّد بن محمّد بن النعمان الشهير بالشيخ المفيد وابن المعلم المتوفى 413هـ.

وبعد وفاة الشيخ المفيد انحاز الشيخ الطوسي إلى علم الهدى السيّد الشريف المرتضى الذي حاز زعامة الشيعة ورئاسة المذهب بعد المفيد وارتوى من منهله العذب. وحيث رأى المرتضى في الطوسي الذكاء البالغ والكفاءة الفكرية الممتازة، بالغ في العناية به في تنظيم اموره ومعاشه لكي يتفرغ للدراسة والتحقيق، فاستمر الشيخ في سير مدارج العلم إلى أن وافى استاذه العظيم المرتضى الأجل وانتقل إلى رضوان اللّه في سنة 436هـ، فتوجهت أنظار الشيعة إلى الشيخ الطوسي واستقل بالزعامة الدينية وقصده العلماء المحققون من اكناف العالم الإسلامي وتزايد عدد تلاميذه بحيث قالوا أنه كان يجلس في مجلس درسه وتحت منبره أكثر من ثلاثمائة من المجتهدين الشيعة. ومن الناحية الاجتماعية والموقف الشعبي كانت داره في الكرخ مأوى الناس ومقصد أصحاب الحاجات وموضع فصل الدعاوي والخصومات.

وهذا الجاه العريض لفت نظر خليفة الوقت العباسي القائم بأمر اللّه أبي جعفر عبد اللّه بن القادر باللّه ـ الذي بويع له بالخلافة بحضرة القضاء والأمراء والكبراء في سنة 422هـ وكان أوّل من بايعه الشريف المرتضى ـ فجعل الشيخ كرسي الكلام والافادة وكان لهذا الكرسي يومذاك عظمة وقدر فوق الوصف، إذ لم يسمحوا به إلاّ لمن برز في العلم وتفوقّ على اقرانه(1).

وكان تلك المبادرة الكريمة من الخليفة القائم بأمر اللّه إعلاناً رسمياً عن مقام الشيخ الطوسي العلمي والفقهي الشامخ وضرورة رجوع الناس إليه في الفقه

____________

1- أعيان الشيعة.


الصفحة 8


 

ومعرفة الأحكام، وكانت الظروف الاجتماعية عصيبة على الشيعة منذ وفاة عضد الدولة الديلمي عام 372هـ، وكان كبار فقهاء الشيعة غير آمنين على أموالهم ودمائهم. يقول ابن كثير في حوادث سنة 422هـ: "وفيها وقعت فتنة عظيمة بين السنة والروافض فقويت عليهم السنة وقتلوا خلقاً منهم ونهبوا الكرخ ودار الشريف المرتضى ونهبت العامة دور اليهود لأنهم نسبوا إلى معاونة الروافض". وقال ابن أثير: "واعترض أهل باب البصرة قوماً من قم ارادوا زيارة مشهد علي والحسين (عليهما السلام) وقتلوا ثلاثة منهم ومنعت زيارة مشهد موسى بن جعفر "(1).

وبعد 26 سنة من نهب دار المرتضى نهب الناس الأراذل دار تلميذه الشيخ الطوسي ببغداد. قال ابن الجوزي في حوادث سنة 448هـ: "وهرب أبو جعفر الطوسي ونُهبت داره". وفي صفر 449هـ: "كبست دار أبي جعفر متكلم الشيعة بالكرخ وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام وأخرج إلى الكرخ وأضيف إليه ثلاثة مجانيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فاحرق الجميع"(2). وكان احراق الكتب والكرسي بعد سنة من هجرة الشيخ إلى النجف. وقال ابن حجر: قال ابن النجار: "احرقت كتبه عدّة نوب بمحضر من الناس في رحبة جامع النصر واستتر هو خوفاً على نفسه"(3).

خرج الشيخ الطوسي من بغداد كخروج موسى خائفاً يترقب ونزل النجف الأشرف لائذاً بمشهد أمير المؤمنين(عليه السلام) واستقر هناك والتحق به تلاميذه تدريجياً وشرع في التدريس والافادة، وأصبحت حلقة درسه في مدرسة النجف تكبر وتتسع يوماً بعد يوم وأراد اللّه لها أن تصير جامعة النجف الشامخة عبر القرون

____________

1- الكامل، حوادث سنة 422هـ.

2- المنتظم، لابن الجوزي.

3- لسان الميزان، ج5 / ص: 135.


الصفحة 9


 

لتخريج المشاهير من العلماء والفطاحل من الفقهاء والاصوليين والفلاسفة والأدباء والشعراء، وبدأ بتأليف كتبه القيمة التي تحتوي على أحاديث وأقوال أئمة أهل البيت وفيما يتعلّق بالشريعة في الحلال والحرام ومختلف الأحكام.

ويظهر لنا أن الطوسي ألّف ما ألّفه وخلفه كتراث عظيم في النجف، ويبدو لنا أيضاً أنّ كتابه العظيم المعروف بـ "الخلاف" هو من أواخر تأليفاته، وبعد فراغه من التهذيب والاستبصار وكان تأليف الخلاف خطوة واسعة نحو التقريب بين المذاهب الإسلامية.

قال الشيخ في مقدمة كتابه "مسائل الخلاف" ما نصّه: "سألتم أيّدكم اللّه املاء مسائل الخلاف بيننا وبين مَن خالفنا من جميع الفقهاء مَن تقدم منهم ومَن تأخر، وذكر مذهب كل مخالف على التعيين وبيان الصحيح منه وما ينبغي أن يعتقد وأن اقرن كلّ مسألة بدليل نحتج به على مَن خالفنا موجب للعلم من ظاهر (قرآن) أو سنة مقطوع بها أو اجماع أو دليل خطاب أو استصحاب حال على ما يذهب إليه كثير من أصحابنا، أو دلالة أصل أو فحوى خطاب. وأن اذكر خبراً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يلزم المخالف العلم به والانقياد له، وأن أشفع ذلك بخبر من طريق الخاصة المروي عن النبي والأئمة(عليهم السلام)... الخ".

هذا هو شيخ الطائفة مؤسّس حوزة النجف العلمية ومرسي قواعد جامعته العريقة، يهرب من بغداد صيانة لنفسه وحياته، منهوب المال محروق الكتب، لا يشتم ولا يشكو ولا يتهم بل يأخذ قلمه الفياض ويكتب مسائل الخلاف مبيناً انّ الخلاف ليس معناه التضاد، انّ الخلاف أعم من الضد لأنّ كل ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدين. فالشيخ الطوسي (قدس سره) اقتدى بإمامه أمير المؤمنين(عليه السلام)في التقريب بين المسلمين، وقد ألّف استاذه الشريف المرتضى كتاب الخلاف في الفقه، إلاّ أن كتاب مسائل الخلاف الذي ألّفه الشيخ الطوسي كان أتم وأجمع ولم يكتب مثله في الخلاف، فهو أوّل فقيه حاول التقريب بين المذاهب الإسلامية

 


الصفحة 10


 

عن طريق الحوار وعرض الآراء والسماح للرأي الآخر المخالف أيضاً بالعرض ومحاولة العثور على الرأي الصائب الأسدّ الذي يوافق الكتاب والسنة. وجاء في النصف الثاني من القرن السادس العلاّمة الحلي وألّف كتاب مختلف الشيعة وكتاب منتهى المطلب في تحقيق المذهب تعرض فيهما خصوصاً في المنتهى لذكر جميع مذاهب المسلمين في الفقه، مع ذكر ما يمكن أن يكون حجّة لكل فريق على أحق الطرائق وأوثقها برهاناً وأصدق الأقاويل وأوضحها بياناً"(1).

توفي الشيخ الطوسي وقضى نحبه ليلة الاثنين 22 محرم سنة 460 هـ عن 75 سنة، وكانت اقامته في النجف منذ غادر بغداد إلى يوم وفاته 12 عاماً. وقيل في تاريخ وفاته:


اروي بشره محرم فاضافه

حزناً بفاجع رزئه المتجدد

بالشيخ طائفة الدعاة إلى الهدى

ومجمّع الأحكام بعد تبدد

وبكى له الشرع الشريف مؤرخاً

"ابكي الهدى والدين فقد محمّد"


وتلاميذه الكبار والرواة عنه كثيرون انتشروا بعده في البلاد ونشروا آثاره وتعاليمه، وقد وردت أسماء مشاهيرهم في فوائد العلاّمة بحر العلوم الرجالية وفي روضات الجنات وغيرها كأمل الآمل.

النجف بعد وفاة الشيخ الطوسي

كانت شخصية الطوسي وسلطانه العلمي وآراؤه تخيم لا على النجف فحسب بل على جميع مراكز الشيعة العلمية، وكانت فتاواه متبعة ومقبولة في القرنين بعد وفاته. وأوّل مَن اجترأ عليه وقام بنقد آثاره ومخالفة بعض فتاواه هو فخر الدين محمّد بن ادريس الحلّي صاحب كتاب السرائر المتوفى سنة 598هـ، قال العلاّمة الباحث السيّد حسن الصدر في آخر كتابه تكملة أمل الآمل: "ومن

____________

1- مقدمة المنتهى ومقدمة تذكرة الفقهاء.


الصفحة 11


 

مراكز العلم للشيعة النجف الأشرف المشهد الغروي على مشرفها السلام، لما هاجر إليها الشيخ أبو جعفر شيخ الطائفة الطوسي (رحمه الله) وسكنها خارجاً من بغداد خوفاً من فتنة سنة 448هـ، وبقي يدرّس في المشهد الغروي اثنتي عشرة سنة، وبقي تلامذته في النجف واستمر العلم والمهاجرة إليها حتى كان عصر الشيخ الأجل علي بن حمزة بن محمّد بن شهريان الخازن بعده بالمشهد الغروي على مشرفه الصلاة والسلام، وكان ذلك سنة 573هـ، كثر أهل العلم وصارت الرحلة إليه. ثمّ لما نبغ المحقّق في الحلة ضعف ذلك ثمّ عادت الرحلة إليها في زمن المقدس الأردبيلي فقوى ذلك واشتد الناس إليها من أطراف البلاد وصارت من أعظم مراكز العلم واستمرت الهجرة إليها إلى اليوم وليس اليوم مثلها مجتمع لأهل العلم وان ضعف الناس عن طلبه وقامت سوق كساده(1).

والمقدس الأردبيلي توفي 993هـ، ومنذ وفاته أي من مبتدأ القرن الحادي عشر للهجرة اصيبت النجف بل جميع مراكز الشيعة العلمية بما فيها الحلة وكربلاء بفتور علمي ووقفة، حيث فقدت تلك الحوزات المباركة نشاطاتها ولم يقم عبر القرن الحادي عشر وسنين من القرن الثاني عشر مَن يجدّد لمدارس أهل البيت (عليهم السلام) حياتها ونشاطاتها، إلى أن ابتدأت النهضة ثانيةً على يد الفقيه والأصولي المؤسس الأستاذ محمّد باقر الوحيد البهبهاني المتوفى عام 1208هـ، وقد عدّ الوحيد البهبهاني من المجدّدين وقيل فيه:

 

البهبهاني معلّم البشر

مجدّد المذهب في الثاني عشر

 

وُلد في أصفهان عام 1117هـ، وعاش برهة في بهبهان من مدن خوزستان ثمّ انتقل إلى كربلاء. قال صاحب روضات الجنات: " وقد كانت بلدان العراق سيما المشهدين الشريفين مملوءة قبل قدوم البهبهاني إلى العراق، من معاشر الاخباريين بل ومن جاهليهم والقاصرين حتّى أن الرجل منهم كان إذا أراد حمل

____________

1- ماضي النجف وحاضرها، ج1 / ص: 125.


الصفحة 12


 

كتاب من كتب فقهائنا، حمله مع منديل (لا يمسه بيده) وقد أخلى اللّه البلاد منهم ببركة قدومه واهتدى المتحيرة في الأحكام بأنوار علومه".

وقد أصبحت كربلاء بوجود البهباني المجدد أكثر حيوية ونشاطاً من السابق حتى وفاته (رحمه الله) وبقيت بعده النجف تنازع كربلاء وتشاطرها الحركة العلمية بفضل تلميذيه العظيمين السيّد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1212هـ، والشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى سنة 1228هـ، وان كانت كربلاء بقيت محافظة على مركزها الأوّل حتّى وفاة المربي العظيم المعروف بشريف العلماء المازندراني المتوفى سنة 1245هـ. فاتجهت الأنظار صوف النجف لوجود الأستاذ العظيم الشيخ محمّد حسين النجفي صاحب الجواهر الذي اجتذب إليه طلاّب العلم بفضل براعته البيانية وحسن تدريسه وغزارة علمه... ولعل هناك أسباباً اُخرى لهذا التحول ولا يبعد انّ من أهمها انّ كربلاء بالخصوص كانت عرضة للغارات السعودية وضغط الحكومة العثمانية وتعدياتها"(1).

وعلى ما ذكرنا ازدهر عصر صاحب الجواهر بالعلم والعلماء والطلاّب فازدحمت النجف يومئذ برواد العلم من كل صوب وحدب لا سيما من القطر الإيراني. وكان من ثمار النهضة الأخيرة ونتائج مجلس الشيخ محمّد حسن النجفي المباركة الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري الذي تجدّد على يديه الفقه وأصوله التجدد الأخير، ومَن جاء بعده من الفقهاء العظام استفاد من مبادئه الأصولية، ويمكننا أن نقول كان أعاظم فقهاء الشيعة في منتصف القرن الثالث عشر والرابع عشر عيالا على الشيخ الأنصاري. قال العلاّمة محمّد رضا المظفر: وكان شيخنا واستاذنا العظيم ميرزا حسين النائيني المتوفى سنة 1355 هـ يفتخر بأنه من تلامذة مدرسته وانّ كلّ ما عند من تحقيق ومعرفة فهو فهم أسرار آراء الشيخ الأنصاري وتحقيقاته وعرضها عرضاً مبسطاً.

____________

1- محمّد رضا المظفر: مقدمة الجواهر، الطبعة الجديدة.


الصفحة 13


 

فهؤلاء الفطاحل بدورسهم العميقة وآثارهم وتأليفاتهم القيمة لفتوا أنظار علماء أهل السنة وفقهاء المذاهب الإسلامية إلى ما عند الشيعة من فقه أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ومدى خدمتهم للإسلام في ضوء القرآن والسنة، ودفاعهم عن الكيان الإسلامي محتفظين بالأخوّة الإسلامية.

انّ الوقوف على جميع نشاطات مدرسة النجف ومعرفة الخدمات التي قدّمها علماء النجف إلى الإسلام وفي سبيل احياء الاخوة الإسلامية والتقريب بين المذاهب، أمر صعب ويحتاج إلى الاستقصاء التام الخارج عن وسعي في أيام حياتي في هذه الفترة العصيبة. ولكن قديماً قالوا: "ما لا يُدرك كلّه لا يتركه كلّه"، ولهذا اذكر على سبيل المثال والنموذج بعض الأعلام من القرون الثلاثة الأخيرة على ما يلي:

الشيخ الأكبر كاشف الغطاء

هو شيخ الطائفة المشهور بالشيخ الأكبر النجفي، زعيم الإمامية ومرجعها الأعلى في عصره ومن فطاحل فقهاء الشيعة، ولد في النجف عام 1156هـ، اجمع معاصروه ومَن جاء بعده بأنه كان آية في العلم ودقة النظر، وذكروا في وصفه: علم الأعلام، سيف الإسلام، خرّيت التحقيق والتدقيق، مالك ازمّة الفضل بالنظر الدقيق. قد ارتوى الكلّ من نمير فضله، واعترف الجميع بغزارة علمه.

وكان مقامه المرموق مؤثراً في تقريب السنة والشيعة في العراق وتركيا وإيران، وكان امراء آل عثمان يرمقونه بعين التعظيم والاكبار، وكان مطاعاً معظماً محبوباً، مراعي الجانب والقبول التام لدى الدولتين العثمانية والايرانية، في عام 1221هـ تعدى علي باشا والي بغداد على إيران وجنّد ثلاثين ألفاً بقيادة ابن أخيه سليمان باشا كهيا الكرجي الرومي فتجاوزوا من خانقين إلى شهرزور ومنها إلى بحيرة مريوان فتلاقوا هناك واشتعلت نيران الحرب بينهما حتّى انكسر عسكر

 


الصفحة 14


 

الروم وانهزم إلى حدود الموصل وبغداد عن ثلاثة آلاف قتيل وأكثر منهم اسيراً وفيهم القائد كهيا المذكور. فالتجأ علي باشا والي بغداد إلى شيخ الجعفرية الشيخ جعفر النجفي فقبل الشيخ التماسه وذهب إلى محمّد علي ميرزا محافظ منطقتي كردستان وكرمنشاه شفيعاً للأسراء، فقبل شفاعته فاطلقهم جميعاً ماعدا كهيا القائد وبعثه مقيّداً إلى السلطان فتحعلي شاه القاجاري، فأمر السلطان بحفظه وفك قيده، إلى أن تهيّأ الشيخ للسفر إلى طهران فوصل إلى السلطان مكرّماً مقبول الشفاعة فأخذه معه ورجع إلى بغداد. وقد تشفع قبل الشيخ جعفر يوسف باشا والي ارزنة الروم وبعث معتمده الفيضي محمود افندي مع عريضة إلى عباس ميرزا ولي العهد والقائد الشجاع فلم يقبل شفاعته وانّما قبل شفاعة الشيخ تكريماً له.

وقد دفع الشيخ جعفر الأكبر عن النجف كثيراً من الحوادث المهمة والوقائع الدامية منها حادثة هجوم ابن سعود الوهابي الذي أغار على النجف وحاصرها وحاربه الشيخ مع الأهالي طيلة أربعة أيام حتّى ردّه منكوساً لم يتمكن من فتحها وكان الشيخ المسؤول الأوّل عن حفظ النجف والدفاع عنها. توفي الشيخ جعفر كاشف الغطاء الأكبر في النجف يوم الأربعاء 22 رجب 1228هـ، قال العلاّمة الشيخ آقا بزرگ في الكرام البررة: "وقد توارث أولاد الشيخ الأكبر وأحفاده الزعامة كابراً عن كابر وقضوا دوراً مهماً في خدمة الدين الإسلامي ولهم خدمات سجلها لهم التاريخ بمداد الفخر وازدهرت بها ارجاء النجف خاصة، واكناف العراق عامة كلّما خبا منهم نجم، نَجَم آخر".

الشيخ موسى ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء

استاذ كثير من المشاهير منهم اخوه الشيخ حسن الآتي ذكره والشيخ محمّد حسن النجفي صاحب الجواهر، كان في العراق بمنزلة السلطان في مسموعية الكلمة عند الحكام مع عظم شأنه في العلم والفضل، كان مع علوّ كعبه في الفقه

 


الصفحة 15


 

والمرجعية للشيعة، حريصاً على توحيد كلمة السنة والشيعة، بحيث لما زحف محمّد على ميرزا بن فتحعلي شاه القاجاري بعسكره إلى العراق وقارب بغداد سفر الشيخ موسى بين والي بغداد داود باشا وبين محمّد علي ميرزا، وطلب من القائد الإيراني الرجوع إلى كرمانشاه، وترك محاصرة بغداد، فأطاع محمّد علي ميرزا ورجع، ومن ذلك اليوم ازدادت عظمته بأنظار ولاة بغداد فكانوا لا يتعدون رأيه فيما يشير به، وقد حفظ بتدبر ودراية بالغة المجوهرات والأحجار الثمينة والنقود والذهب والفضة المتعلّقة بضريح أمير المؤمنين(عليه السلام) والمحفوظة في خزانة الحرم العلوي الشريف بالنجف، والتي خاف عليها نهب الوهابيين من السعوديين، وجدير بالذكر ان الأمين يقول في أعيان الشيعة: "انّه من زمن الشيخ موسى صار النجف مرجعاً لأهل العلم من إيران وقبلها كانت كربلاء"(1).

الشيخ حسن كاشف الغطاء

ابن الشيخ الأكبر الشيخ جعفر، توفي عام 1262هـ، ومن أعاظم الفقهاء ومشاهير علماء الإمامية. وصفه السيّد محمّد الهندي في نظم اللئالئ بما نصه: " كان عالماً فاضلا، ثقة تقياً ورعاً، محتاطاً لا نظير له في زمانه في الاقتدار في التفريع والتصويب في مسائل الفقه وفي حسن الخلق والأدب والوجاهة عند المؤالف والمخالف.

والشيخ حسن هذا معروف بدفاعاته عن النجف، فقد دفع عن النجف غائلة نجيب باشا والي بغداد فإنّه بعد فتح كربلاء وقتل اثني عشر ألفاً يوم الغدير قدم إلى النجف بعساكره ليفعل بالنجف ما فعله بكربلاء عام 1258هـ، فاسقبله الشيخ حسن واضافه وعساكره واظهر له طاعة أهل النجف ودفع شرّه بحسن تدبيره وسياسته الرشيدة. وكان الوالي المذكور منذ ذلك اليوم يراعي جانب الشيخ حسن

____________

1- أعيان الشيعة، ج10 / ص: 178.


الصفحة 16


 

ويدعوه إلى مناظرة علماء السنة في بعض الحوادث الواقعة، منها مناظرته علماء العامة ببغداد في مجلس الوالي يوم حضور داعية ميرزا علي محمّد باب رئيس البابية الضالة. وحكم مفتي بغداد بقتل الرجل وعدم قبول توبته فعارضه الشيخ حسن كاشف الغطاء وأمر باستتابته وقال: ان تاب قبلت توبته شرعاً وطال نزاعهما حتى أثبت الشيخ قوله على الطريقة الحنفية واستدل بكتبهم فكانت له الغلبة على المفتي في ذلك المجلس. وصار نجاحه في التقريب وازالة وحشة المخالفين عن فقه الشيعة إلى حدّ حضوره في مجلس الوالي واظهاره آراء الشيعة الإمامية واثبات رجحانها في المسائل"(1).

السيّد محمّد حسن الشيرازي الإمام المجدّد

أعظم علماء عصره واعلى مراجع الإمامية في الأقطار الإسلامية، ولد في 15 جمادى الاُولى 1230هـ، تعلم في شيراز وفي أصفهان، وبلغ مرتبة الاجتهاد قبل بلوغه العشرين، ثمّ هاجر إلى النجف في 1259هـ، وحضر درس فقيه الطائفة الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر والشيخ حسن آل كاشف الغطاء، إلاّ أن عمدة استفادته من شيخ الطائفة المرتضى الأنصاري حيث لازم أبحاثه فقهاً وأصولا إلى آخر حياته. قال العلاّمة الطهراني آقا برزگ: "فقد سمعتُ جمعاً من أشياخنا الأعاظم أن الشيخ االمرتضى قال مراراً بأني أباحث لثلاثة الميرزا محمّد حسن الشيرازي، والميرزا حبيب اللّه الرشتي والآقا حسن الطهراني". ولما قضى الشيخ الأنصاري نحبه في 1281هـ، توجهت الناس إلى الميرزا الشيرازي بحيث أصبح المرجع الوحيد في جميع البلاد. وقد كان حسن التدبير، ثاقب الفكر، راجح العقل، واسع الصدر، لم يأل جهداً في اعلاء كلمة الدين وتعظيم الشعائر الإلهية ورعاية المساكين وطلبة العلم.

____________

1- طبقات أعلام الشيعة، ج1 / ص: 218.

 


الصفحة 17


 

وفي 1291هـ خرج من النجف وانطلق إلى كربلاء ثمّ توجه إلى الكاظمية ثمّ إلى سامراء، وهناك أبدى رأيه لتلاميذه بعزمه على سكنى سامراء. وقد قيل في سبب اختياره سامراء أقوال فقالوا انه اراد الإنزواء والعزلة عن الخلق. ولكنّي ارجح القول بأنّ السيّد الأجل المرجع اراد عمارة سامراء ومساعدة سكانها من اخواننا أهل السنة والتقريب بينهم وبين النجفيين والكربلائيين، فصارت سامراء المنعزلة مقصد طلبة العلم والشعراء والأدباء، كما قيل: راجت في أيّامه ومنذ اقامته بسامراء بضاعة الأدب واشتهر الشيرازي (المجدّد) باكرامه للشعراء وهباته لهم ولأكثر معاصريه من اعلام الأدب. وكانت الأموال تنهمر عليه من شتى نقاط العالم وبنى في سامراء مدرستين كبيرة وصغيرة وانفق عليهما أموالا كثيرة وبنى بها جسراً وصل بين ضفتي دجلة انفق عليه نحواً من عشرة آلاف ليرة عثمانية ذهباً، وبنى سوقاً كبيراً على نفقة بعض أغنياء الهند إلى غير ذلك من المصالح العامة والآثار العمرانية. ووافاه الأجل في 24 شعبان 1312هـ وحمل على الأعناق من سامراء إلى النجف، تداول حمله الناس عامة (من السنة والشيعة) من أهل سامراء والنجف قدّس اللّه نفسه الزكية.

الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء

اشهر أعلام النجف في مهمة التقريب بين المذاهب الإسلامية ومن دعائم الوحدة والأخوة الإسلامية في القرن الرابع عشر حيث حاز بهذا الصدد شهرة عالمية، قال العلاّمة الشيخ آقا بزرگ الطهراني: "المرحوم كاشف الغطاء من الشخصيات العالمية التي دوّت في الخافقين ويُعد بحق من حسنات الدهر وعظماء العالم حيث انّ حياته عجائب وغرائب ودروس وعبر. فمن الناحية العلمية كان جامعاً بين المعقول والمنقول، مجتهداً كبيراً حاز أعلى درجات الاجتهاد المطلق وتتلمذ على اعلام عصره في الفقه والاُصول وحضر دروس

 


الصفحة 18


 

الآخوند محمّد كاظم الخراساني والسيّد محمّد كاظم اليزدي صاحب العروة، والفقيه الأوحد الشيخ آغا رضا همداني وتتلمذ في الفلسفة والكلام على الميرزا محمّد باقر الاصطهباناتي وغيره".

كان للشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء مناظرات ومباحثات مع بعض الأعلام من معاصرية من المسلمين والمسيحيين ومناقشات خرج منها منتصراً معزّزاً، وله موقف عظيم ويوم مشهود بحضوره في المؤتمر الإسلامي عام 1931م المنعقد في القدس، وقد أعجبت شخصيته العلمية والأخلاقية ونقاؤه الروحي جميع الوفود ورجالات العالم الإسلامي الذين حضروا المؤتمر حيث ألقى هناك خطبة عظيمة تاريخية ارتجالية كانت بذرة التقارب والألفة بين أتباع المذاهب الإسلامية. ولو تجمع المقالات والقصائد التي كتبت وانشدت حول خطبة الشيخ في القدس وتأثير شخصيته العظيمة في النفوس لكانت كتاباً ضخماً كثير الفوائد وممتعاً.

وأنا أحببت أن احيلكم إلى ما جاء في ترجمة الشيخ كاشف الغطاء في طبقات أعلام الشيعة أو نقباء البشر في القرن الرابع عشر تأليف العلاّمة الباحث آقا بزرگ الطهراني واقدّم إليكم صورة من بعض صفحات الكتاب.

على أنّ الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء كان رجل الاصلاح الحوزوي والوطني الوحيد الذي تقدّم بالنجف إلى الأمام علمياً وفكرياً وكان من أقوى العوامل للتعريف بالنجف كجامعة الشيعة العلمية للمسلمين في العالم الإسلامي وغيره، وقد مدحه بعض الشعراء الفضلاء من المستنرين في الحوزة بقصائد رائعة ومهمة، منهم الفاضلان المشهوران الشيخ محسن شرارة حيث حيّا بقصيدته سماحة الإمام الشيخ محمّد حسين عند رجوعه من القدس، والسيّد جواد شبّر الذي هنّأه عند قدومه من المؤتمر الإسلامي الپاكستاني في عام 1371 هـ وإليكم شعر شرارة أولا وشعر شبّر ثانياً:


الصفحة 19


 

قال محيياً الإمام الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء عند قدومه من المؤتمر الإسلامي المنعقد في فلسطين عام 1351هـ وعنوان القصيدة "يالها قبلة":


هكذا قصّ دفتر الأيام

وثبات الليوث في الآجام

ما انتضى مثل عزمك الدين عضباً

شحذته سواعد الأيام

حفز الشرق للنهوض فشبّت

في نواحيه ثورة الأحلام

طال وقتاً بالأمة الصمت حتى

غاب صوت الهدى وطيب الكلام

أوغلت في السرى ومذ ضل عنها

في زحام الحياة قصد المقام

شخصت نحوك الأنام حيارى

تتحرى بك الهدى في الزحام

فافتتحت الجموع في حرّ قول

حدثت منه ضجة في النظام

كل معنى بلفظه يترامى

قطعاً من عزائم وضرام

ترجمته اللغات فالناس سكرى

بمعانيه لا بصفو المدام

ومضى الشرق هاتفاً بك يتلو

سفر أقطاره الثناء السامي

 

*  *  *

إطو فينا القرون قرناً فقرناً

وأعد عهد أحمد في الأنام

حيث بث الهدى ورشد البرايا

واندحار الأنصاب والازلام

وانبعاث العقول في كل فنّ

ومثار الأفكار والأقلام

فلعمر الإسلام أنت بحق

في قضاياه حجة الإسلام

وكذاك انثنيت في كل جمع

تنشد المسلمين حفظ الوئام

إنما المؤمنون مهما تناءوا

إخوة في قواعد الأحكام

فتطلعت في فلسطين بدراً

دونه في التمام بدر التمام

يا لها قبلة محمّد فيها

قبلة للورى وخير إمام

*  *  *

كل روض بالشام منك عليه

عبق فائح على الأكمام



الصفحة 20



بعث الرافدان فيه وقاراً

مر فوق المروج والأعلام

فانحنى الأردن العظيم خشوعاً

وهوى الأرز هيبة للرغام

بلغ الناس باحتفائك شأناً

دونه كل بغية ومرام

حشدوها طوائفاً تتراءى

في سهول الزيتون مثل الغمام

سار فيها القطار لكن وئيداً

خطوة خطوة كحبو الغلام

ماوهت سكة الحديد ولكن

أبهضتها مواكب الأعلام

 

*  *  *

 

بثها دعوة إليك أمين

ما حوت غير حكمة وسلام

عقدوها بالقدس ندوة قدس

تتهادى بكل قرم همام

تركت في جوانب الشرق هزاً

من جبال المغول حتى الشام

تتخطى رجال أحمد فيها

صعداً في مناكب الاجرام

ملء ابرادهم تعاليم طه

ومواضي اليرموك في الأروام

 

*  *  *

يا بلاداً تضمها كلمات

هي أقوى من مدفع وحسام

أيقِظي الفكر في بنيك وذودي

عن هداه وساوس الأحلام

ملأ الصبح لمة الليل نوراً

وتوارت غياهب الأوهام

انما نحن عالم ليس يرقى

فيه إلاّ نَوابهُ الأفهام

فاحكمي الوحدة التي تتعالى

فوق حكم الأهواء والأقسام

واشخصي للعلى بأبناك قدماً

فالمعالي ولائد الإقدام

ليس يحيى منعَّمَ البال شعب

ملك الأمر فيه سوس الخصام

 

*  *  *

وقال السيّد جواد شبّر محيياً سماحة الإمام الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء عند رجوعه من المؤتمر الپاكستاني عام 1371هـ:


الصفحة 21


 

كذا يلمع القمر النير

كذا ينهض المصلح الأكبر

كذا ترتقي عاليات النفوس

وهام الأثير لها منبر

كذا يعذب العمر في مثل ذا

وإلاّ فما قدر مَن عمروا

كذا يشمخ العلم فوق السها

فما عرش كسرى وما قيصر

أشيخ الشريعة بل رمزها

ومفخرها عشت يا مفخر

أقدس شخصك إذ انّه

مثال الكمال متى يذكر

إذا ما انتسبت إلى "جعفر"

فحسبك منتسباً "جعفر"

لئن حسبتك الورى واحداً

"ففيك انطوى العالم الأكبر"

نهضت لتجلو رين القلوب

وتوقظ جيلا بدا يشعر

نهضت وبوركت من ناهض

فما وثبة الأسد إذ تزأر

وأبلغت في النصح في مجمع

تجدّد تاريخه الأعصر

وهزّ صدى صوتك المشرقين

ودوى كقاذفة تفجر

حياة الشعوب بابطالها

وتاريخها مجدها الأزهر

إذا جمع الناس "نيروزهم"

فنيروزنا وجهك الأنور

فطرت ولكن بآمالنا

ورحت بأوراحنا تعبر

تحدث أبا الصالحات التي

تعالت سناءاً فلا تستر

تحدث إلينا فكلّ الحواس

شعوراً واكبادنا حضر

اتينا لنصدر عن مورد

ومنك حلا الورد والمصدر

تحدث فهذي القلوب التي

ترفرف جاءتك تستخبر

تلقتك تفرش أكبادها

وخفت للقياك تستبشر

تحدث ألست أمير البيان

إذا ما جرى لفظه يسحر

أَبن للوفود عن المسلمين

فمثلك للجرح مَن يسبر

أَبن فالحديث حديث الشجون

ومن وقعه القلب يستعبر

 


الصفحة 22



فكيف تلمست شرع الهدى

وهل من أمان بها تسمر

كأني بروح النبي الكريم

على كثب نحونا تنظر

متى هان شعبك يا مصطفى

متى ذلّ قومك واستعمروا

متى طأطأت جبهة الفاتحين

لذلّ اليهود إذا استصغروا

أيا قالع الباب باب اليهود

ويا فاتح الحصن يا حيدر

تداعت لتدرك أوتارها

وأنت على ردها أقدر

أبا الشرع هذي يد برة

يوافيك فيها الفتى "شبّر"


كان الإمام محمّد حسين كاشف الغطاء يكافح الخرافات والبدع التي كان العوام والهمج من الناس اعتادوها وكانوا يرتكبونها يوم التاسع من ربيع الأوّل من الفسق وخلاف المروءة، ولم يجترئ أحدٌ من العلماء الانكار عليهم، وكان ما يفعلونه من العوامل المؤثرة في اثارة البغضاء والتنافر بين المسلمين في العراق. فصعد كاشف الغطاء المنبر في الصحن العلوي الشريف في اجتماع حاشد وتكلّم ساعتين ووعظ الناس ونهاهم عن هذا المنكر وكان لخطبته أثر عظيم وزالت تلك الأعمال السيئة والبدعة الخبيثة(1).

الشيخ المحقّق المجاهد محمّد جواد البلاغي:

له الأيادي البيضاء على الأمة الإسلامية جمعاء بما كتب وألّف في الرد على النصارى وأهل الملل وله مجاهدات في اعلاء كلمة الإسلام.

السيّد محمّد علي هبة الدين الشهرستاني:

ولد في سامراء في شهر رجب من عام 1301هـ، توطن النجف مدة خمسة عشر عاماً وأوّل عمل قام به هو فتحه لأبواب التدريس في العلوم الأربعة: البلاغة،

____________

1- ماضي النجف وحاضرها، ج3 / ص: 186.

 


الصفحة 23


 

المنطق، الفلسفة والهيئة، فانهالت عليه جموع الشباب الأذكياء من مختلف الأسر الروحية كآل الجواهري وآل كاشف الغطاء وآل الشبيبي وأمثالهم. وكانت له صلة بالأندية العلمية في القاهرة والصحف المصرية وأوّل اثر قيّم له هو كتاب "الهيئة والإسلام"، وله كتاب قيّم في التقريب بين المذاهب الإسلامية اسماه بـ "توحيد أهل التوحيد" في جمع كلمة المسلمين على الأصول، وكتاب آخر بهذا الصدد اسماه "تنزيه التنزيل" في اثبات صيانة المصحف الشريف من النسخ والتحريف وله تآليف كثير اخرى(1).

الشيخ حبيب آل إبراهيم المهاجر العاملي:

مؤلف كتاب " الحقائق في الجوامع والفوارق " الذي ألّفه بغية الألفة بين الشيعة والسنة على أساس التفاهم والتقريب على ضوء الدليل. قال في بداية الكتاب في كلمة الاهداء: "إلى ذوي الشعور الحي، إلى أهل الأفكار الحرة، إلى أصحاب العقول الراجحة، إلى ذوي الألباب، إلى الذين يهمهم جمع كلمة المسلمين ولم شعثهم، إلى الذين يرون انّ الحق أحقّ أن يُتبع".

وقرّظ الكتاب شيخه واستاذه الإمام محمّد حسين آل كاشف الغطاء قائلا: "ولم يزل على كرّ الدهور ومرّ العصور رجال من العلماء استخلصهم اللّه فاخلصوا له وخلصوا على الميثاق الذي أخذه عليهم والعهد الذي عاهدهم عليه فقاموا بأعباء الدعوة ونهضوا بمواريث النبوة فكانوا هم ورثة الأنبياء حقاً... وانّ العالم العلاّمة الحبر التقي الشيخ حبيب الله العاملي ايّده الله ليتسنم تلك المعارج ويترسم تلك المناهج ويقتفي تلك الآثار، ما انفكّ نشيطاً مجاهداً بيده ولسانه بل بجسده وجنانه يدعو ويؤلف ويرشد ويهتف داعياً إلى الحق وناصراً للحقيقة مثابراً على ازهاق الباطل واحقاق الحق وانارة سبل الرشاد ولم يزل في البرهة بعد البرهة

____________

1- شعراء الغري.

 


الصفحة 24


 

يوافينا بطرفة من الطرف وتحفة من التحف. وهذا العلق الثمين من مؤلفاته ينبيك عن اخواته... ولا زالت مساعيه مشكورة... حرّره في زاوية النجف الأشرف محمّد حسين آل كاشف الغطاء، 9 شوال سنة 1356هـ.

توفي الحبيب يوم الجمعة عاشر شوال 1384هـ، وقال عنه العلاّمة آقا بزرگ الطهراني في نقباء البشر: " فهبط بعلبك وقام بأعباء الهداية ولم يزل إلى يومنا مشغولا بتأدية رسالته الدينية ومواصلة السير والسعي الحثيث وراء تأييد المذهب وتوحيد الكلمة فهو من المصلحين المجاهدين ومن أعلام الفكر والعلم".

الإمام السيّد أبو القاسم الخوئي:

ولكي يكون ختام كلمتي مسكاً أذكر بالمناسبة زعيم حوزة النجف العلمية، مرجع الشيعة الأعلى الإمام السيّد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) الذي خدم فكرة التقريب باسلوب علمي بديع متميز، لقد كان لكتابه القيم " البيان في تفسير القرآن " أثر بالغ في تقريب السنّة إلى الشيعة وفي ازالة الوحشة القائمة بين بعض اتباع الفريقين بسبب جهل بعضهم بعقائد البعض. نشرت لأول مرة عام 1958م مقالته المعروفة: " صيانة القرآن من التحريف " في مجلة رسالة الإسلام نقلا عن تفسير البيان، واتجهت انظار الباحثين إلى البيان ومحاولة اقتنائه وانتشر البيان بما فيه من البحوث القيمة القرآنية في أوساط أهل الفضل من السنة والشيعة ووقف كثير من الباحثين على ما عند الشيعة من الآراء المتينة الحقة في القرآن وقداسته وصيانته من ان تلعب به الأهواء. ويجد القارئ في البيان بالغ التكريم والاحترام للعلماء والأئمة من أهل السنة والعناية بدراسة آرائهم الدقيقة المنصفة، ما يوجب الحب بين الفرقين والاجتماع تحت راية القرآن.