مدينة النجف في كتابات المؤرخين
والجغرافيين العرب والمسلمين


تأليف
الدكتورة رباب الحسيني
خبيرة المركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة ـ مصر


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 
 

"روي عن أمير المؤمنين علي أنه أراد الخلوة بنفسه فأتى إلى طرف الغري فبينما هو ذات يوم يشرف على النجف وإذا برجل قد أقبل من البرية راكباً ناقة وقدامه جنازة، فحين رأى علياً قصده حتّى وصل إليه وسلّم عليه وقال له: من أين؟ قال: من اليمن، قال: وما هذه الجنازة؟ قال: جنازة أبي جئت لأدفنه في هذه الأرض، فقال له علي: لم لا تدفنه في أرضكم؟ قال: أوصى أبي بذلك وقال: إنه يدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر، فقال له علي: أتعرف ذلك الرجل؟ قال: لا، فقال: واللّه ذلك الرجل أنا، قم فادفن أباك" (1).


تقديم:

اخترنا ألا نتبع المنهج الكلاسيكي في هذه الدراسة حول مدينة النجف في كتابات المؤرخين والجغرافيين العرب والمسلمين، وآثرنا استيعاب هذه الكتابات المتفرقة وتقديم حصيلتها مع توثيق المراجع.

كما أننا توخينا أن نفرد قسماً خاصاً خارج وحدة النص، يعرض لشعائر محرم ومعالمها مثل مواكب عاشوراء، والوعظ الروزخوني (2) ومسيرة الأربعين التقليدية من النجف إلى كربلاء، وحركة الجنائز إلى مدينة النجف وتطور نمطي

____________

1- إبراهيم الموسوي الزنجاني: عقائد الإمامية الاثني عشرية، ج2 / ص: 256 ـ ط 2.

2- الروزخوني لفظ فارسي يُطلق على خطباء المنبر الحسيني، وهو مأخوذ من "روضة خوان" ومعناها قارئ كتاب الروضة، حيث كان الخطيب سابقاً يتلو كتاب "روضة الشهداء" للشيخ حسين الكاشفي السبزواري (ت 910هـ) [اللجنة].


الصفحة 2


 

الزيارة الخارجية والداخلية إلى مدن العتبات المقدسة، حيث نخلص إلى أنه إذا كانت الزيارة الخارجية تعزز أواصر الارتباط بين مدينة النجف والعالم الإسلامي الشيعي على وجه الخصوص، فإن الزيارة الداخلية للنجف ومدن العتبات المقدسة الأخرى لعبت دوراً هاماً على مستوى تعميق الشعور الديني وتوجيه الزعامات الدينية بالنجف وكربلاء للنظم والقيم الاجتماعية والثقافية لدى رجال العشائر المتشيعين وسكان الريف والمدن في وسط العراق وجنوبه، فضلا عن إعادة تجديد هذه النظم وتعزيزها وتثبيت تصنيفاتها الاجتماعية وقيمها الدينية والثقافية.

يولي المسلمون الشيعة احتراماً دينياً عميقاً لمدن النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء. ولعل الأبرز بين هذه المدن مدينتا النجف وكربلاء اللتان يرتبط مصيرهما بالتوازي على مر القرون بالرغم من وجود نوع من التنافس بينهما على المستوى العلمي وكذلك الاقتصادي الذي أحياناً ما يتخذ صفة أكثر صراعية بصدد الهيمنة الدينية والاستئثار الاقتصادي.

الموقع العلمي الديني:

إذا كانت مدينة النجف قد خسرت قديماً موقعها العلمي الذي كانت تتمتع به ـ منذ انتقال الشيخ الطوسي إليها في القرن الحادي عشر الميلادي ـ عندما تحول مركز العلم الشيعي من النجف إلى الحلة أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، ثمّ إلى كربلاء منذ الثلث الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، فلقد بدأت مدينة النجف إرهاصات نهضتها الحديثة منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وبدايات القرن التاسع عشر الميلادي بفضل عدد من كبار المجتهدين مثل محمّد مهدي بحر العلوم المتوفى عام 1797م وجعفر كاشف الغطاء المتوفى عام 1812م. ولم تفقد النجف بعد ذلك موقعها القيادي حتى منتصف القرن العشرين.


الصفحة 3


 

تجمع مصادر المؤرخين والجغرافيين العرب والمسلمين على الربط بين ازدهار مدينة النجف في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين وبين احتفاظها بهويتها الإسلامية الشيعية العربية المستقلة. ولا غرو في ذلك ومدينة النجف ـ التي كانت في أغلب الأحيان في تلك الفترة مقر المجتهد الشيعي الأكبر وتمارس دوراً دينياً وسياسياً هاماً يتخطى حدودها وحدود العراق ـ هي الحاضنة لمرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، فهي تتلقى التبرعات الدينية والخاصة من أنحاء العالم الشيعي وتجتذب الزوار إلى عتباتها المقدسة فضلا عن حركة الجنائز إلى مقبرتها المسماة بـ "وادي السلام" والتي تعتبر أقدس ما يتمناه الشعي من أماكن الدفن، وهو ما أردنا الاشارة إليه بالحديث المذكور في البداية.

وبالجملة: لقد تمتعت النجف بأهمية دينية وعلمية حتى انّ الرحالة والزوار العرب المسلمين وصفوها بأنها العصب المركزي العظيم للعالم. فهي "قلب العالم" وهي "العالم في مدينة" و "متلقية كل أخبار العالم" كما جاء في (سياحت شرق يا زندكينامه وسفرنامه آقا نجفي قوچني ـ مشهد 1972) .

الموقع الجغرافي والتاريخ السياسي:

لقد تغيرت حظوظ النجف على مر العصور، ولعل موقعها الجغرافي كان العامل الرئيسي في ذلك ـ بالطبع بالتفاعل مع التاريخ السياسي لهذه المدينة ـ فهي بحكم بعدها عن نهر الفرات من جهة وموقعها على مشارف الصحراء من جهة اُخرى، كانت دائماً رهينة غياب الامدادات المنتظمة من الماء من جهة وانكشافها للغزوات المتكررة للعشائر البدوية من جهة اُخرى. ففي ظل الدولة الصفوية وبالرغم من تنظيف قناة المدينة القديمة وشق قناة اُخرى في أواخر العشرينات من القرن السادس عشر الميلادي عانت النجف من شحة الماء لتسرب الغرين في هاتين القناتين وغيرهما وانخفضت نسبة الزوار ورحل عنها سكانها حتى أنه لم

 


الصفحة 4


 

يبق فيها إلاّ ثلاثون داراً في أواخر القرن السادس عشر بعد أن كانت مأهولة بثلاثة آلاف دار (1) .

ولعل من العوامل التي ساعدت على تطور وضع النجف في بداية القرن التاسع عشر شق قناة الهندية عامة 1803م التي أعطت دفعة قوية لوضع النجف الاقتصادي والاجتماعي، بتوفير الماء لأعداد هائلة من الزوار، وتضافر مع ذلك التحسن النسبي في العلاقات الإيرانية العثمانية بعد معاهدة أرضروم الاُولى بعد حرب 1821 ـ 1823م العثمانية الإيرانية مما ساعد مجتهدي النجف على جعلها المركز الأكاديمي الشيعي الرئيسي منذ أربعينات القرن التاسع عشر على حساب كربلاء. كما يمكننا أن نقول إنّ هذين العاملين كان لهما عظيم الأثر على العلاقات بين النجف والعشائر المحيطة والتعجيل باستقرار هذه العشائر من جهة وتشيعها أيضاً.

ويفسر موقع النجف خلف الكوفة العمق العربي القديم لهذه المدينة. كما أن موقعها على حافة الصحراء يفسر التأثيرات العشائرية العربية الحديثة على التكوين البشري لسكان النجف الذي كان يتألف في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر من أغلبية عربية وكان الفارسيون يشكلون نسبة الثلث مع وجود أقلية هندية ضئيلة. بيد أن عدد سكان النجف كان يتضاعف مرتين على الأقل في مواسم الزيارة وتتنوع تكويناتها البشرية وفقاً لمصادر الزيارة الخارجية والداخلية. ويتجلى التأثير العربي الحديث في نفوذ الزكارتة والشمارتة الذين تحالفوا منذ أوائل القرن التاسع عشر مع سكان مدينة النجف لحمايتها من هجمات الوهابيين، مثل التحالف بين الزكارتة وعائلة كاشف الغطاء والتحالف

____________

1- انظر العريضة النجفية التي أحالها سنان باشا الحاكم العثماني إلى السلطان مراد الثالث في "يعقوب سركيس: مباحث عراقية، ج2 / ص: 58 ـ 60، بغداد 1948 م، 1988م" كما أنّ القناة التي شقها الشاه عباس الأوّل من الحلة إلى النجف حوالي 1623م جفت هي الأخرى بعد زمن "الحلي: تاريخ، ج1 / ص: 119".


الصفحة 5


 

بين الشمارتة والملالي الذين كانوا سدنة مرقد الإمام علي منذ أوائل القرن السادس عشر حتّى عام 1840م تقريباً (1) .

ولقد وصل هذا التأثير إلى ذروته سياساً بعد طرد الزكارتة والشمارتة للعثمانيين من النجف في ابريل 1915م حيث استأثر الزكارتة بحكم أحياء الحويش والعمارة والبراق بينما حكم الشمارتة حي المشراق، حتى تحطمت سلطة هاتين العشيرتين على أيدي الاحتلال البريطاني (2) .

وتظل النجف وكربلاء المركزين الرئيسيين للحضور العلمي وللتواجد السياسي والاجتماعي الشيعي الحاصل على استقلال ذاتي نسبياً. بينما كان مصير مدينة الكاظمية هو ضمها ادارياً إلى ولاية بغداد. أما سامراء التي فقدت أهميتها منذ أن كفت كونها العاصمة العباسية في أواخر القرن التاسع فقد عرفت حركة إحياء وقتية على أثر انتقال المجتهد الكبير محمّد حسن الشيرازي من النجف إليها عام 1875م لكنها سرعان ما انتكست بعد وفاة الشيرازي 1895م ورحيل تلاميذه الكبار إلى النجف بشكل رئيسي أولا ثمّ إلى كربلاء.

التغيرات الاجتماعية والسياسية في العصر الحديث:

لقد كان للموقع الجغرافي والعلمي الديني الخاص لكل من النجف وكربلاء دور حاسم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي شهد عمليات توطين العشائر وتحول مربي الإبل إلى مزارعين، كما شهد أيضاً حركات تمرد هذه العشائر ضد السلطة العثمانية. ويعتمد هذا الدور المصلحة المشتركة للمدينتين المقدستين في تأمين الزيارة للعتبات المقدسة وتعزيز حركة الجنائز

____________

1- انظر: جعفر المحبوبة: ماضي النجف وحاضرها، النجف 1955 ـ 1958م، ج1 / ص: 330 ـ 334. وأيضاً موسوعة العتبات المقدسة، قسم النجف، بغداد 1965م، ج1 / ص: 230 ـ 231.

2- عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين، بغداد 1935 ـ 1956، ج4 / ص: 35 ـ 39.


الصفحة 6


 

وتدفق التبرعات الخيرية بل وتعظيم ذلك كلّه بنشر المذهب الشيعي لدى هذه العشائر لتكون قاعدة محلية عربية جديدة للزيارة والعوائد المختلفة.

ولقد نما الدور الديني العلمي والسياسي لمدينة النجف على مدى تقلبات تاريخ العراق في القرن العشرين سواء في مواجهة القوى السنية الوهابية أم سياسات السلطة الإيرانية والعثمانية ثمّ الاحتلال البريطاني ثمّ تشكيل الدولة الأمة العراقية.

ويمكننا أن نقول إنّ النجف وكربلاء كانتا في هذه الفترة من تاريخ التشكيل الاجتماعي والسياسي لجنوب العراق ووسطه بمثابة المرجعية التي توجه وتنظم حركة السير في مجتمع متشظ تحطمت بنيته التقليدية الاجتماعية والثقافية، وتمكنتا بالتالي من تشكيل نظام اجتماعي جديد يقوم على دور الاشراف أو السادة الذين كانوا يمثلون حلقات الوصل الجديدة بين الشيوخ ورجال العشائر وقاموا بوظيفة الوسطاء بين الجماعات المتخاصمة فضلا عن دورهم الأساسي في تشييع العشائر البدوية السنية على غرار السيد بحر العلوم الذي غادر النجف واستقر بين رجال العشائر حيث كان يعلمهم الإسلام (1) .

ومن الجدير بالذكر أن نظرة علماء المسلمين من السنة لهذه التحولات لم تكن في مجملها سلبية. فإذا كان البعض كالآلوسي مثلا في كتابة "دعاية الرفض" يصف هذه العشائر بعد تشيعها باستخدام مصطلح "الروافض" السلبي، فإنه يمكننا أن نشير إلى موقف الشيخ محمّد رشيد رضا الذي كان أكثر تجاوباً مع هذه التحولات في "المنار" عام 1908م، حيث قال: " فإذا كان أولئك الدعاة يبثون فيهم الوعاظ يعلمونهم الفرائض وأحكام الحلال والحرام، فإنّ ذلك يكون خيراً لهم في دينهم من الحالة التي كانوا عليها".

____________

1- محمّد مهدي بحر العلوم الطباطبائي: رجال السيد بحر العلوم المعروف بالفوائد الرجالية، النجف 1965م، ج1 / ص: 157 ـ 158.


الصفحة 7


 

يبدو أن النجف وكربلاء كانتا تتمتعان بقدر من الحرية لم تتحمله الدولة الأمة الملكية الجديدة. ويمكننا أن نقول إنّه كان من شأن طبيعة الدولة الاُمة وسياسة نظامها الملكي السني المذهب وتأييد البريطانيين العسكري له وضع حد للدور الهام والفعال لمدينتي النجف وكربلاء وإنهاء وضعهما المستقل نسبياً وإضعاف وزن وقوة المجتهدين النجفيين إزاء الدولة خاصة بعد تمرد 1918م ثمّ بعد ثورة 1935م.

ولم يتوقف دور نشأة الدولة الأمة الملكية الحديثة على تحجيم الدور السياسي للنجف كربلاء بل كانت لها آثارها أيضاً فيما يتعلّق بالحراك الاجتماعي والنمو الاقتصادي. ذلك أن ظهور بغداد كعاصمة للدولة الحديثة وحركة الهجرة الاجتماعية لدى أبناء العشائر نحو العاصمة باعتبارها المركز الاداري والاقتصادي والقلب النابض للدولة الجديدة كان له أثره في تراجع قدر النجف وكربلاء وغيرهما ازاء العاصمة التي أصبحت محط نظر الشباب الطامحين في تحسين أوضاعهم الاقتصادية والرقي الاجتماعي.

وإذا كان هذا الحراك الاجتماعي والتطور الاقتصادي قد انتهى بنوع من الارتباط والدمج بين مدن مثل الكاظمية وسامراء، إلاّ أن نتائجه بالنسبة للنجف وكربلاء كانت المزيد من الفصل والقطيعة، فلم يتطور اقتصاد المدينتين واستمر اعتمادهما على الزيارة وحركة الجنائز والتبرعات، وانعدمت الاستثمارات الحكومية وتفشت البطالة التي قدرت نسبتها في النجف إلى حد 50 % عام 1938م وتراجع اقتصاد النجف للضغوط السياسية والعسكرية للدولة. ولم تتضرر تجارة النجف بهذه المتغيرات فقط ولكن كان لذلك أثره البالغ في انحسار الزيارة وحركة الجنائز وتدفق الهبات.

كان لذلك كلّه أثره المرير على النجف الذي شعر أهله ومجتهدوه بالعزلة والتمييز داخل الوطن خاصة وأن غالبية أهل النجف ووجهاءهم من أصل عربي

 


الصفحة 8


 

وأن لديهم شعوراً وطنياً عراقياً صادقاً واهتماماً شديداً بالمساهمة في السياسة الوطنية العراقية.

وهذا ما يؤكد دور علماء النجف في حركات الاحتجاج والاضطرابات المتوالية مثل مساهمة وجهاء النجف حميد خان وعلي الشرقي ومحمّد حسين كاشف الغطاء وهادي كاشف الغطاء ومحمّد بحر العلوم والشيخ جواد الجواهري ومحمّد جواد الجزائري في احتجاجات 1927م. وكذلك في ثورة 1935م بعد وفاة الملك فيصل عام 1933م وفقدان الأمل الذي كان يمثله في تغيير نحو الأفضل بالنسبة لتمثيل المجتمع الشيعي في الحكومة والجهاز الإداري للدولة.

غير انّ ثورة 1935م ومامثلته من لجوء إلى العنف لإحداث التغيير السياسي المنشود لم تثن الشيعة عن ممارسة لعبة السياسة والمساهمة في الوزارات ومحاولة التغيير خاصة عن طريق وزارة المعارف في الثلاثينيات ثمّ بعد ذلك عن طرق وزارات اُخرى شملت الداخلية بل ورئاسة الوزراة.

وإذا كانت الشيوعية أداة من الأدوات التي سعى إليها الشباب من الشيعة منذ أواخر الأربعينيات لإحداث التغيير السياسي والاجتماعي فإن الدعوة الإسلامية كانت أداة اُخرى لدى علماء الشيعة لإحداث مثل هذا التغيير. إنّ الصراع بين هاتين الايديولوجيتين الذي كان يبدو في مظهر من مظاهره صراعاً بين أجيال عمرية، كان أعمق من ذلك حيث نراه منذ البداية في تحذيرات المسؤولين والمجتهدين الشيعة ضد الشيوعية منذ عام 1945م. وكان من أبرزهم محمّد حسين كاشف الغطاء وعبد الكريم الزنجاني اللذين عملا على تعزيز سلطة كل من النجف وكربلاء وإحياء الدراسات الدينية زيارة مدن العتبات المقدسة والاستثمار في جنوب العراق لمكافحة الشيوعية. ولقد تعاظمت في الستينات حركة معاداة الشيوعية وكانت بياناتها توقع باسم "جماعة العلماء في النجف الأشرف" التي شكل بعض أعضائها فيما بعد نواة منظمة "الدعوة الإسلامية" أو

 


الصفحة 9


 

"حزب الدعوة". لكن الصراع بين الطرفين انتهى بانحسار التيار الشيوعي في أواخر السبعينيات واجتذاب التنظيم الإسلامي للأجيال الشابة من الطلبة والمثقفين من جديد وبذلك أصبحت الحركة الإسلامية تملأ الفراغ السياسي والايديولوجي الاجتماعي الذي تركه انحسار الشيوعية وإخفاق الحركة القومية.

وربما كانت السيطرة المتعاظمة لحزب البعث واستقطابه للسياسة والمجتمع في العراق أثره في دفع أجيال من الشيعة إلى اعتبار الدعوة الإسلامية أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي يمكنها أن تنجح فيما لم تنجح في تحقيقه الحركة الشيوعية والحركة القومية، وبالتالي تعاظمت أهمية حزب الدعوة وظهرت في قيادته شخصيات عربية شيعية تتمتع بهالة من الكاريزما من أبرزها محمّد باقر الصدر. بيد أنّ حزب الدعوة تعرض لحرب تحطيم هائلة من قبل الحزب الحاكم بلغت ذروتها بإعدام الصدر في نيسان / ابريل 1980م.

الخلاصة: "النجف بين الماضي والحاضر والمستقبل"

لقد تضافرت العوامل ـ خاصة بعد الاحتلال الأفغاني لأصفهان عام 1722م وسقوط الدولة الصفوية وهجرة العلماء الفرس إلى العراق ـ من أجل استعادة النجف لموقعها العلمي الديني باعتبارها المركز الأكاديمي الشيعي الأوّل في العصر الحديث. ويعتبر علماء الشيعة في مدارس النجف أنفسهم ورثة الطوسي عبر سلسلة تمتد من القرن الحادي عشر إلى القرن العشرين.

وكما ذكرنا آنفاً، بدأت النجف نهضتها الحديثة في زمن المجتهدين محمّد مهدي بحر العلوم المتوفى عام 1797م والشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى عام 1812م والمجتهد محمّد شريف المازندراني المتوفى عام 1813م (1) ولم تفقد النجف موقعها القيادي حتّى النصف الأوّل من القرن العشرين...

____________

1- كان شريف العلماء المازندراني في كربلاء المقدسة وتوفي فيها، ثمّ انتقل تلامذته إلى النجف الأشرف فبدأت بهم نهضتها الجديدة. [اللجنة].


الصفحة 10


 

لقد صاحب حركة النهضة العلمية للنجف اتساع قاعدتها الاقتصادية منذ أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر وتم تكريس ذلك كلّه بالاعتراف بالشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى عام 1864 بوصفه المجتهد الشيعي الأكبر.

لكن سياق الضغوط السياسية والاقتصادية والضعف المتوالي الذي أصاب المدينة من جراء هذه الضغوط انتهى بظهور مدينة قم ـ التي بدأ نجمها في الصعود منذ عام 1923م ـ والتي عزّزت موقعها على حساب النجف خاصة بعد وفاة المجتهد الأكبر ـ والذي كان يقيم في النجف ـ أبو الحسن الأصفهاني عام 1946م وبروز حسين البروجردي في قم كمجتهد أكبر واعتباره مرجع التقليد الأوحد. ولم يستمر في النجف بعد ذلك إلاّ قلة من كبار المجتهدين مثل محسن الحكيم المتوفى عام 1970م وأبو القاسم الخوئي المتوفى عام 1992م.

ومن الجدير بالذكر أن مدارس النجف لم تكن تعد علماء الدين فقط وإنما أنجبت جيلا من الشخصيات الأدبية التي درست بها مثل محمّد رضا الشبيبي ومحمّد مهدي الجواهري وعلي الشرقي، فكانت هذه المدارس مراكز للفكر الديني والسياسي والأدبي على السواء، وهي بذلك شاركت بشكل أو بآخر في تأسيس الدولة العراقية الحديثة. بيد أن هذه المدارس الدينية شاهدت منافسة كبرى من المدارس العلمانية التي أسّستها الدولة العراقية الحديثة، وكان ذلك ليس فقط من قبل الدولة السنية للقضاء على الطائفية وتحقيق الاندماج داخل الدولة الامة العراقية الحديثة بل بتشجيع أيضاً من شخصيات شيعية سياسية وأدبية كبرى بارزة مثل محمّد مهدي الجواهري وجعفر الخليلي وغيرهما.

لقد تضاءل دور مدارس النجف وتناقص عدد طلابها في ظل الحكم البعثي وازداد ذلك بعد الثورة الإسلامية في إيران 1978 ـ 1979م، لتتبوأ قم منذ ذلك الوقت مركز الصدار الأكاديمية وفي ميادين الدعوة والوعظ والطباعة والنشر، بينما تحتفظ النجف بحوزتها العلمية الشيعية. بيد أنه من الصعب التنبوء بمصير النجف

 


الصفحة 11


 

العلمي الديني والسياسي لأنه من الصعب تقدير الآثار التي تركتها حملات القمع من قبل الدولة والنظام السياسي ضد كل من النجف وكربلاء وغيرهما. وكذلك العواقب المترتبة على الحرب الإيرانية العراقية المسماة بحرب الخليج الاُولى، فيما يتعلّق بمكونات الهوية الشيعية العراقية وارتباطاتها بعناصر الأمة العراقية الأخرى، وخاريجاً بالعناصر الشيعية الأخرى خاصة في ايران.

بيد أنه ربّ ضارة نافعة، وربما كانت حالة تشرد علماء النجف الأشرف وتشتتهم في مختلف أرجاء المعمورة وعلى وجه الخصوص هنا في عواصم أوروبا مناسبة لتجديد الفكر الإسلامي الشيعي واضفاء صفات إنسانية عالمية عليه بانتفاحه أكثر ليس فقط على المذاهب الإسلامية السنية الأخرى ولكن أيضاً على الأديان والثقافات العالمية.

شعائر محرم:

كانت شائر محرم تمارس سراً في العراق وتقام مجالس التعزية في سراديب (1) داخل البيوت، وعلى نطاق محدود. ويقال أن أوّل من عرف بإشاعة التعازي وترسيخها بالنجف إبان الحكم العثماني هو الشيخ نصار بن أحمد العباسي المتوفى عام 1825م الذي أعلن رعاية مجالس التعزية في داره ثمّ أخذ العديد من الناس في النجف وغيرها يمارسونها إقتداءً بالعصر العباسي قبل أن يحرمها المماليك (2) .

والحق أن هذه الشعائر التي تم بعثها وانتشارها علناً بعد توقف ابتداءاً من مدينة النجف كانت لها فاعلية دينية واجتماعية وسياسية هامة جعلت الدولة في

____________

1- سراديب: جمع سرداب، وهو مكان منخفض في الدار ينزل إليه بسلالم يختلف عددها باختلاف عمق السرداب، وكان الناس ينزلون إليه في الصيف لاتقاء الحر والاستمتاع ببرودة المكان. وأصل الكلمة فارسية تتكون من (سرد) بمعنى بارد و (آب) بمعنى ماء. [اللجنة].

2- جعفر المحبوبة: ماضي النجف وحاضرها، ج3 / ص: 479.


الصفحة 12


 

العراق على اختلاف أنظمتها تحاول بشتى الوسائل تحجيمها وقمعها وخاصة أهم معالمها وهي مواكب عاشوراء والوعاظ الروزخونية ومسيرة الأربعين التقليدية من النجف إلى كربلاء والتي تعرضت لقمع وصل إلى ذروته عام 1977م بالغاء الحكومة الشعائر العامة وبالتالي الحد من دخل مدن العتبات المقدسة وتقليص دورها العلمي والسياسي.

زيارة الأجانب:

يذكر العديد من الزوار والرحالة أن الإيرانيين والهنود كانوا يمثلون غالبية الزوار ووصل عددهم في أواخر القرن التاسع عشر إلى 100 ألف زائر، وكانوا يتوجهون إلى الكاظمية وبغداد ثمّ إلى سامراء وبعد ذلك إلى كربلاء والنجف. وكان تدفق الزوار الأجانب أشبه بنمط السياحة الدينية يوفر دخلا لأصحاب الخانات والخدام المقيمين الذي يستقبلون الزوار ويتلون الصلوات لهم (1) .

ويمكن التعرف على تفاصيل هذه الخدمات فيما كتبته الليدي دراور التي زارت النجف عام 1922م في كتابها

(Lady E. S. Stevens Drower, By Tigris and Euphrates, London 1923)

وكذلك في تقرير جون بيترز عن زيارته للنجف وكربلاء في كتابه

John Peters, Nippur or Exploration and adventures on the Euphrates, 2nd Ed, New York 1898.

وكانت النجف وكذلك كربلاء تمثلان عاجلا روحياً قائماً على تجربة الرحلة الانتقالية الشاقة والوصول إلى مراقد علي وأهل البيت التي تمثل بقبابها الذهبية واحات الأمل المرتجى وهذا ما كان يشير إليه المجتهد الشيعي محمّد مهدي الكاظمي القزويني بقوله: "وقبول أهل بيته... حافظة لمن يزور تلك القبور

____________

1- أديب الملك: سفرنامه أديب الملك بعتبات "دليل الزائرين" طهران 1273 ش/ 1985م، ص: 113 ـ 114. وحاجي پيرزاده، سفرنامه حاجي پيرزاده، تحقيق حافظ فرمايان، طهران 1963م.


الصفحة 13


 

من الحر والبرد والمطر وعواصف الرياح وتغيرات الجو..." (1) .

بيد أن الدور الاقتصادي للزيارة الخارجية للنجف ومدن العتبات المقدسة لم يلبث أن تأثر بالسياسات الإيرانية والعثمانية وكذلك سياسات الانجليز والدولة العراقية الحديثة ممّا كان من شأنه ضرب هذه الزيارة وتخفيض عوائدها ثمّ تغيير طبيعتها بعد التحسين النسبي في الأوضاع وخاصة بعد عام 1925م.

كما تأثرت النجف مثلا بقرار الحكومة الإيرانية بعدم السماح للإيرانيين الذين يرغبون في الحجّ إلى مكّة بالتوجه عن طريق العراق (طريق النجف المدينة المنورة) ولقد استمرت القيود الإيرانية حتى الأربعينيات ولم تشاهد النجف تحسناً إلاّ في فترة قصيرة خلال رئاسة مصدق (1951 ـ 1953) .

ويمكن القول أن سياسة الضغط على العراق من قبل الحكومات الإيرانية كان من شأنها الضرر باقتصاد النجف وكربلاء دون أن يسيء ذلك إلى الدولة العراقية خاصة مع ازدياد عوائد النفط وكان ذلك يتماشى موضوعياً مع سياسة الدولة العراقية في الحد من الدور السياسي للنجف وكربلاء عن طريق التنظيم الإداري للزيارة وبقرطتها، واصدار قوانين مثل قانون الإقامة وقانون الجنسية 1923م و 1924م ومنع الشعائر العامة في ذكرى عاشوراء 1935م.

الزيارة الداخلية:

وإذا كانت الزيارة الخارجية تساعد على تعزيز أواصر الارتباط بين مدن العتبات المقدسة والشيعة في الخارج فإن الزيارات الداخلية لأضرحة الأئمة لعبت دوراً هاماً على مستوى تنظيم نوع من الكيان السياسي بين رجال القبائل المتوطنين وتعميق الشعور الديني بين رجال العشائر المتشيعين وربط الطقوس

____________

1- مسألة القبور والمشاهد عند الشيعة: مناظرة بين عالم وشيعي وعالم سني، المنار 28 / ص: 365، 1927م.


الصفحة 14


 

والقيم التي تحكم الزيارات بالانساق الاجتماعية والثقافية في فترات التحول الاجتماعي في وسط العراق وجنوبه وتثبيتها وإعادة تجديدها.

هذا فضلا عن الأهمية الاقتصادية لهذه الزيارات الداخلية، فكانت النجف قادرة على اجتذاب ما يقارب 150 ألف زائر كل عام أحياناً، وكذلك كربلاء، غير أن المتغيرات السياسية والإدارية في العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة أدت إلى الانخفاض المستمر في توافد الزوار على النجف وكربلاء.

ولعل ذلك ما حدا بالتنافس بين المدينتين إلى أن يتخذ بعض أشكال الصراع حول الزوار والدعاية المضادة منحىً خطيراً كالذي تجلى عام 1932م فيما يتعلّق بزيارة الأربعين، حيث تعرض شيعة الفرات إلى دعاية تحثهم على زيارة النجف بدلا من كربلاء تقول: إنّ جسد الحسين هو وحده المدفون بكربلاء ولكن رأسه مدفون في النجف. وكان من جراء ذلك أن صدرت منشورات من كربلاء تحث الناس على العودة إلى زيارة كربلاء "فهذه مكيدة الشيطان (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) فلا ينسد طريق قبر الحسين (عليه السلام) ولا يترك مزاره ولا يدفع زواره"!

حركة الجنائز:

برزت النجف أكثر من أي مدينة اُخرى من مدن العتبات المقدسة كنقطة جذب رئيسية لحركة الجنائز. وأصبحت مقابر النجف تعتبر الأكثر قدسية عند الشيعة الأتقياء إذ يروى حديث أن الدفن بجوار الإمام علي (عليه السلام) سينهي محنة الميت في القبر ويقلص البرزخ بين الموت والقيامة.

ولقد اتسعت حركة الجنائز إلى النجف ابتداءاً من منتصف القرن الثامن عشر الميلادي وتعبر مقبرة النجف الرئيسية المسماة بوادي السلام من أكبر المقابر في العالم، ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى كتاب "وادي السلام في

 


الصفحة 15


 

النجف" لمحسن عبد الصاحب المظفر و "دليل النجف الأشرف" لعبد الهادي الفضلي والمدخل للخليلي.

وقد اختلفت مواقف المجتهدين ازاء هذه الظاهرة وخاصة نقل الموتى إلى النجف فبينما نجد المجتهد النجفي الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى عام 1812م يصدر فتوى يبيح فيها ليس فقط نقل جثمان الميت كاملا بل ويجيز نقل أجزاء صغيرة منه، نجد أن المجتهد هبة الدين الشهرستاني ينقد هذه الظاهرة نقداً لاذعاً ويشكك في صدقية الأحاديث القائلة إنّ جثة آدم نقلت لدفنها في النجف، ودخل بذلك في سجالات مع غيره من المجتهدين وكان أشدهم ضده هو المجتهد شرف الدين.

بيد أن التدهور والانحسار الذي أصاب حركة الزيارة إلى النجف كان شأنه أن يصيب أيضاً حركة الجنائز ونقل القبور إلى النجف التي كانت تتم بمعدل يصل إلى حوالي 17 ألف جنازة كل عام في بداية القرن العشرين ثمّ أخذت في الانحسار نتيجة لمواقف الحكومات الإيرانية ثمّ بعد 1958م انحسرت أكثر حركة الجنائزية الإيرانية والهندية واقتصرت على نقل الجنائز من داخل العراق.

وساهم ذلك كله في ضرب الموقف الاقتصادي لمدينة النجف ودورها العلمي والاجتماعي بالتبعية.