المقتطف من التاريخ الحضاري والفكري

والروحي لمدينة النجف الأشرف

تأليف
الدكتور جليل العطيّة
كاتب وباحث عراقي ـ فرنسا

إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 

تشير أحدث التنقيبات الأثرية إلى أن المنطقة التي تضمها مدينة النجف ترجع إلى عصر (البلايستوسين المتوسط) وما بعده من العصور حتّى العصر الحجري القديم أي قبل أكثر من مليون سنة. ويرى الجيولوجي العراقي (جعفر الساكني) في دراسة مهمة له(1) انّ مجرى الفرات الحالي حديث نسبياً، وهو يفترض أنّ النهر غيّر مجراه، وقد استند إلى دراسة أجراه Vote سنة 1957 م أعطى فيها وصفاً لمجرى نهر لم يذكر اسمه يقع إلى الغرب من مجرى الفرات الحالي بين الرمادي والنجف، حيث يقول ما نصّه: "هناك مجرى لنهر قديم ومهم جداً كان يربط بحيرة الحبانية ببحر النجف ومن مجرى الفرات الحالي قرب النجف وذلك ـ خلال بحر النجف وطارالسيد ومنخفض أبي دبس"(2).

أما وليم ولكوكس فقد بيّن في خارطته (أنهر جنّة عدن السامية) بأنّ هناك مجرى قديماً يبدأ من الرمادي وينتهي عند الكوفة بعد أن يمر بما يُشبه البحيرات وقد أسماه بنهر فيشون.

وقامت شركة الاستكشافات النفطية العراقية بدراسة بواسطة الأقمار الصناعية لمناطق النجف، كربلاء والرمادي تبيّن منها أنّ مجرى النجف يشكل لساناً غامق اللون يمتد باتجاه شمال الغرب نحو طار السيد ولمسافة بحدود 25 كم، وهذا اللسان بدوره يشكّل امتداداً طبيعياً للسهل الرسوبي المتكون من مترسبات نهري دجلة والفرات ويمكن الاستنتاج بأن الفرات في العصور

____________

1- انظر: نافذة جديدة على تاريخ الفراتين في ضوء الدلائل الجيولوجية والمكتشفات الآثارية لجعفر الساكني، بغداد 1993م، ص: 51 ـ 62.

2- مجلة سومر: المجلد الثامن، لسنة 1957م.


الصفحة 2


 

السحيقة كان يجري باتجاه هيت، منخفض الرزازة، طار السيّد، بحر النجف، جنوب النجف(1).

ولاحظ عالم الآثار الأمريكي Gibson في دراسة نشرها سنة 1972 م أنّ هناك نهراً عباسياً كان يسمى (نهر سعيد) يأخذ مياهه من الجهة الغربية لنهر الفرات الحالي عند مدينة هيت، والظاهر أن هذا النهر كان من بقايا مشروع اروائي يرجع إلى القرن الرابع الميلادي يسمى (خندق سابور)، وقد اُعيد حفره في زمن العباسيين حيث كان يجهّز الماء إلى خطّ الحصون في الصحراء الرملية (مناطق غرب الفرات الحالية) ومزارع النجف الحالية قبل أن يفرّغ مياهه في الخليج قرب البصرة(2).

وأوضحت صور التقطتها (شركة الاستكشافات النفطية العراقية) بالأقمار الصناعية وجود مجار واسعة ومطمورة في المنطقة الواقعة في جنوب السماوة الحالية حتى جنوب الناصرية، وأنّ هذه المجاري قد تكون قديمة حيث يمكن أن تربط مع مجاري الفرات القديم بين هيت والنجف لتكوين مجرى كامل ولكنّه تقريبي جداً يبدأ من هيت وينتهي جنوباً قرب غرب الناصرية.

يعتقد (الساكني) أنّ جفاف مجرى الفرات القديم وتحوله يرتبط بجفاف مجرى هيت ـ النجف وهذا يشمل مأخذ النهر قبل جفافه، وأن جفاف مجرى هيت وتحوله أدّى إلى جفاف المجرى جميعه وتحوّله إلى مجرى جديد آخر وبذلك يكون الفرات قد دخل في طور جديد سُمّي بالطور الثاني. لكننا لا نعرف الحقبة الزمنية التي مرّت على بقاء نهر الفرات (في مجرى الكرمة) لكوننا لا نعرف الحقبة التي بدأ يتحول فيها الفرات من مجراه القديم إلى مجرى الفرات الحالي

____________

1- حضارة العراق: الجزء الأوّل، ص: 49.

2- Gibson, The City and Area of Kish, Page: 116.


الصفحة 3


 

وذلك يحتاج إلى دراسات مفصلة(1).

قال (الخليل بن أحمد الفراهيدي) في كتابه "العين": النَجفَةَ ـ بالتحريك ـ شِبه جدار وليس بعريض / وغار منجوف، هو الذي يُحفر في عُرضه.

وقال (ابن فارس): ومن الباب: النجيف من السهام: العريض، ونجفتُ السهمَ: بريته وكذلك أصلحته، وسهم منجوف ونجيف، وغار منجوف: واسع. وفي (لسان العرب): النَّجَف: أرض مستديرة مُشرفة والجمع: نُجَف ونُجاف.

وقال ياقوت الحموي في "مجعم البلدان": النَّجَف ـ بالتحريك ـ وهو بظهر الكوفة كالمسناة تمنع سيل المال أن يعلو الكوفة ومقابرها، وبالقرب من هذا الموضع قبر (علي بن أبي طالب (رضي الله عنه))، وقد ذكرته الشعراء في أشعارها.

كانت النجف قبل الإسلام متنزه (الحيرة)، بنى المناذرة قصورهم شامخة ليطلّوا منها عليها وعلى ما جاورها من بساتين ورياض وأنهار ثمّ ديارات، ومن أشهر تلك القصور (الخورنق) الذي بناه (النعمان بن المنذر) وهو الذي تغنى به الشعراء. قال (علي بن محمّد الحماني)(2):


كم وقفة لك بالخورَ

نقِ ماتُوازى بالمواقِف

بين الغدير إلى السّدير

إلى ديارات الأساقِف

دِمنٌ كأن رياضها

يُكسينَ أعلامَ المطارِف

وكأنّما غدارنُها

فيها عُشورٌ في المصاحِف

بحرية شتواتُها

برّيةٌ فيها المصايف


قال (ياقوت الحموي): الحيرة مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على

____________

1- نافذة جديدة على تاريخ الفراتين في ضوء الدلائل الجيولوجية والمكتشفات الآثارية لجعفر لساكني، بغداد 1993م، ص: 62.

2- ديوان الحماني (علي بن محمّد العلوي الكوفي) تحقيق الدكتور محمّد حسين الأعرجي، دار صادر ـ بيروت 1998 م، ص: 85 ـ 87، (ق 65).

 


الصفحة 4


 

موضع يقال له "النجف" زعموا أن بحر فارس كان يتصل به، وبالحيرة (الخورنق) بقرب منها ممّا يلي الشرق على نحو ميل، و"السدير" في وسط البريّة التي بينها وبين الشام، كانت مسكن ملوك العرب في الجاهلية من زمن نصر ثمّ من لخم النعمان وآبائه(1).

وكانت منطقة النجف وما جاورها كثيرة الخصب، فلقد ذكر أبو البقاء هبة اللّه الحلّي في كتاب "المناقب المزيدية" أن كسرى أقطع النعمان عدة قطائع بينها (طباق السالم) وانّها معروفة بأرض النجف في غرب فرات تستر، فكان خراج ذلك للنعمان في كل سنة مائة ألف درهم(2).

وبعد انتشار المسيحية كثرت الأديرة في هذه المنطقة وكان السكان من النصارى النسطوريين. قال (الشابشتي) في مادة "دير سرجس" من كتاب (الديارات): إنه كان بـ (ظيزناباذ) وهذه تعد من أقدم مدن العرب الجاهلية في العراق، وكانت أرضه محفوفة بالنخل والكروم والشجر... وكانت إحدى البقاع المقصودة والنزة الموصوفة وقد خربت"(3).

وذكر (كوركيس عواد) أن أطلال مدينة (ظيزناباذ) التي كانت تضم هذا الدير تُعرف أطلالها اليوم باسم (طعيريزات) وهي على نحو تسعة كيلومترات من شمال شرقي النجف(4).

ومن أديرة هذه المنطقة: دير مارة مريم. قال (أبو الفرج الأصبهاني) في

____________

1- معجم البلدان لياقوت الحموي، دار صادر ـ بيروت 1986م، (مادة الحيرة): ج2 / ص: 328.

2- المناقب المزيدية: ج2 / ص: 500.

3- الديارات للشابشتي تحقيق كوركيس عواد. الطبعة الثالثة، دار الرائد العربي، بيروت 1406هـ / 1986م. ص: 233.

4- الديارات، هامش الصفحة: 233.


الصفحة 5


 

كتاب (الديارات)(1): هذا دير قديم من بناء آل المنذر، حسن الموضع بين الخورنق والسدير، وبين قصر أبي الخصيب، مشرف على النجف. وقد حدّده الثرواني (محمّد بن عبد الرحمن) فقال:


بمارة مريم الكبرى

وظلِّ فنائها فقفِ

بقصر أبي الخصيب المشـ

ـرف الموفي على النّجفِ

فأكناف الخورنق والسـ

ـدير ملاعب السّلفِ

إلى النخل المكمّم والـ

ـحمائم فوقه الهُتُفِ


وروى (الأصبهاني) عن رجاله عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي أنه قال: "لما خرجتُ مع الواثق إلى النجف درنا بالحيرة ومررنا بدياراتها فرأيتُ دير مريم بالحيرة، فأعجبني موقعه وحسن بنائه، فقلتُ:


نعم المحلُّ لمن يسعى للذّته

ديرٌ لمريم فوق الظهر معمورُ

ظلٌ ظليلٌ وماءٌ غير ذي أسن

وقاصراتٌ كأمثال الدُّمى حورُ


فبقي الواثق وأمر بمال ففرّق على أهل ذلك الدير وأمر لي بجائزة(2).

ومنها دير اللّج: قال الأصبهاني: "بناه أبو قابوس النعمان بن المنذر أيام ملكه ولم يكن في ديارات الحيرة أحسن منه بناءً ولا أنزه موضعاً، وكان النعمان يركب كل (أحد) إليه، وفي كل عيد ومعه أهل بيته، ومَن ينادمه من أهل دينه، وعليهم حلل الديباج المذهبة، وعلى رؤوسهم أكاليل الذهب، وفي أوساطهم الزنانير المفصّصة بالجوهر، وبين أيديهم أعلام فوقها صلبان، وإذا قضوا صلاتهم انصرفوا إلى مستشرفة على النجف (ليتمموا لهوهم)، وكان ذلك أحسن منظر

____________

1- الديارات لأبي الفرج الأصبهان، تحقيق الدكتور جليل العطية، دار رياض الريس ـ لندن، قبرص 1991م، ص: 141 ـ 143.

2- الديارات لأبي الفرج الأصبهاني، ص: 143.


الصفحة 6


 

وأجمله"(1).

كان الشعر ديوان العرب، وكان كذلك في منطقة الحيرة (التي كانت على ثلاثة أميال من موضع الكوفة على بحيرة النجف، وعلى حدود البادية)، وقد برز شعراء لهم وزنهم الابداعي كعدي بن زيد العبادي وأبي داود، جارية بن الحجاج، الأيادي، اللذين تأثرا بحياة الريف والمدينة فلانت لغتهما، ورقّت حاشية الشعر لديهما فكانا ممّن لا تُروى أشعارهما، لأن ألفاظهما ليست بنجدية(2).

ووفد على ملوك الحيرة كبار الشعراء فأنشدوا (عمرو بن هند اللخمي) وسواه، ونادموهم، وعاشوا في بلاطاتهم فعمرت بهم مجالس الشعر في الحيرة وضواحيها، ومن يطالع كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني وغيره من كتب الأدب يجد أخبار وقصائد ومقطوعات النابغة الذبياني وطرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم ولقيط بن يعمر الأيادي، وأوس بن حجر المثقّب وغيرهم ممّن خلّدوا الحيرة وملوكها وخلدتهم أشعارهم التي وصلت إلينا في دواوين خاصة بهم أو التي نجدها في كتب الأدب.

وعندما نزغ فجر الإسلام وانهارت الامبراطورية الفارسية أفَلَت (الحيرة) وانبثقت على مقربة منها مدينة الكوفة التي بدأت كمعسكر لجيوش الفتح الإسلامي. خملت النجف والكوفة زمناً حتى رأى فيهما خلفاء بني العباس منتجعاً، يلهون في الديارات المنتشرة فيهما، كما أسلفنا.

وبعد سقوط بغداد على أيدي المغول بقيادة هولاكوا سنة 656هـ / 1258 م قُسّم العراق إلى ستة أقسام إدارية، كانت النجف من نصيب أعمال (الحلة ـ الكوفة) تذكر المصادر التاريخية أن مؤسّسة نقابة الأشراف تولت حكم مدينة

____________

1- الديارات لأبي الفرج الأصبهاني، ص: 139 ـ 140.

2- انظر: حركة الشعر في النجف الأشرف وأطواره خلال القرن الرابع عشر الهجري، للدكتور عبد الصاحب الموسوي، دار الزهراء ـ بيروت 1408هـ / 1988 م، ص: 30 ـ 33.


الصفحة 7


 

النجف وأعمالها دون تدخل من السلطة المركزية المحتلة(1). كان نقيب الأشراف يجمع بين يديه السلطة الادارية بوصفه يمثل السلطة المركزية، وإليه حكم هذه المدينة ولا والي بها سواه. وكان يتولى إدارة الحاج، وبلغ من أهمية هذه المؤسّسة أن أضيف إلى بعض نقبائها "صدارة البلاد الحلّية والكوفية" وهو منصب إداري مالي يشمل منطقة الفرات الأوسط بأسرها والقضاء فيها أيضاً.

لقد تولّت مؤسّسة نقابة الأشراف على نحو متعاقب عشر اُسر حسنية وحُسينية(2)، وكانت السلطة المركزية تكتفي عند تولي واحد منها النقابة بالمصادقة على ذلك بارسال "اليرليغ" أي مرسوم التولية والخلعة والاعلام والطبول على عادة النقباء ببلاد العراق كما يقول (ابن بطوطة) الذي زار النجف وسجّل ما شاهده وسمعه في رحلته الشهيرة.

ومن بين أسر النقباء الذين تولوا حكم النجف في تلك الفترة السادة:

1 ـ آل طاووس

2 ـ آل عبد الحميد

3 ـ آل كتيلة

4 ـ الأبهريون

5 ـ بنو الحسين بن مهنا

6 ـ الآويون

7 ـ الأفطسيون

8 ـ آل جمّاز

9 ـ آل الصوفي

وعندما قامت الدولة العثمانية أقرّت السلطات الموروثة لنقباء الأشراف في النجف. كانت هذه السلطات تشمل، فضلا عن النقابة نفسها "الامرة ـ أي إدارة الحاج ـ وحكومة البلد" وكان السادة (آل كمونة) يتولون السلطة في النجف منذ عهد طويل. والكمونيون اُسرة شريفة يرقى نسبها إلى عبيد اللّه بن الحسين بن

____________

1- للتفاصيل انظر: الأسرة الحاكمة ورجال الادارة والقضاء في العراق في القرون المتأخرة 656هـ / 1337م، د. عماد عبد السلام رؤوف، بغداد 1992م، ص: 327 ـ 338.

2- المرجع السابق، ص: 339.


الصفحة 8


 

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).

أقرّ العثمانيون حكم هذه الأسرة، وكانت (امارة الحاج) تستدعي الاحتفاظ بقوّة عسكرية كافية لحماية الحجّاج من مخاطر الطريق. انحصرت النقابة طيلة العهد العثماني الأوّل تقريباً بأحد فرعي اُسرة (آل كمونة) بينما كان يتولاها في العهود السابقة الفرع الآخر.

وفي القرن الحادي عشر الهجري تولى (بهاء الدين الآوي الأفطسي) نقابة النجف وحكومتها وكانت تلك أوّل محاولة لنقل السلطة في المدينة إلى اُسر حسينية اُخرى، سبق أن تولتها في عهود ماضية، وكان احتفاظ الأسرة الكمونية بزعامة النجف قد لقي اعتراضات ما. وظهرت اُسر اُخرى كانت تملك من النفوذ السياسي والاجتماعي ما يؤهلها لتولي هذه الزعامة المحلية. وقد أورد (الشيخ جعفر محبوبة) في كتابه "ماضي النجف وحاضرها" أسماء عدد من نقباء النجف في هذه الفترة، على أن الملاحظ أن "حكومة البلد" لم تعد من بين سلطاتها، فقد انتقلت منذ أواخر القرن الثالث عشر الهجري إلى سَدَنة مرقد الإمام علي (عليه السلام) من الملالي (جمع ملا). والسدانة من الوظائف المهمة في النجف، يتولى القائم بها إدارة شؤون حرم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكانت تُعقد سابقاً لنقيب الأشراف نفسه، وهي تدرّ دخلا لما تفرضه من رسوم وما يقدم لها من هبات. وآل الملا اُسرة تنحدر من قبيلة (عنزة) النجدية، وكان تسلّم هذه الأسرة السدانة يؤكد خضوع المدينة خلال تلك الحقبة لقوة القبائل المجاورة. واستند (الملالي) في نفوذهم أيضاً إلى قوة اقتصادية تتمثل في ملكيتهم الواسعة لعدد من الواحات الزراعية التي تحيط بالنجف.

وفي أوائل القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي، عُهد إلى اُولئك السدنة بـ "حكومة البلد" فاجتمعت في أيديهم مقاليد السلطة كلها. وفي هذا العهد نمت النجف بفضل مرجعيتها الدينية فتوافد إليها الألوف من طلاّب

 


الصفحة 9


 

العلوم الدينية والزوّار، وباتساع الرقعة الزراعية قربها إثر افتتاح قناة "الهندية" الآخذة من الفرات، فعاشوا وسط مظاهر حكومة حقيقية. كان قانون الوراثة، ومواصفات الزعامة ينظّمان انتقال السلطة بينهم، إلاّ أن المصادقة على توليتهم كانت من اختصاص ولاة بغداد وحدهم.

وأدى نمو النجف وتزايد قاصدي العتبات فيها إلى تضخّم ثروة "الملالي" وهذا أدى لاحقاً إلى انهيار حكمهم، فقد ألّف طلبة العلوم الدينية بالتعاون مع الحرفيين ما يشبه أن يكون حزباً أخذ يفرض كلمته على المدينة. عُرف باسم جماعة " الزقرت " وفي المقابل نشأ ما يعرف بجماعة "الشمرت". أدى هذا الوضع إلى انفجار النجف ضد (الملالي) الذين حالوا استعادة نفوذهم، وبالفعل نجحوا في ذلك، إلاّ أنهم اضطروا إزاء المعارضة المتنامية في الداخل، وفقد تأييد ولاة بغداد بعد انتهاء حكم المماليك، إلى التنازل عن السلطة وترك النجف بصفة نهائية. بعد انتهاء حكم السَّدَنة من (آل الملا) اُعيد ضمّ السدانة إلى نقابة الأشراف، وتولاها (آل الرفيعي) احدى الأسر العَلوية في النجف والتي يرقى تاريخ استقرارها في المدينة إلى القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي، وفقاً لتقاليد النقابة القديمة، فقد تولى (الرفيعيون) حكم النجف بصورة فعلية تعاونهم في ذلك المرجعية الدينية. إلاّ أن هذه التقاليد اصطدمت منذ سنة 1286هـ ـ 1869م بتطبيق قانون الولايات العثماني، الذي عُدّت المدينة ـ بموجبه ـ مركزاً لقضاء باسمها، يُديره قائمقامون تعيّنهم الإدارة العثمانية في بغداد، وعلى الرغم من هذا التنظيم، فقد لبثت زعامة المدينة الداخلية بيد النقابة ـ السدانة ـ.

وفي عهد (السلطان عبد الحميد الثاني) اُخرجت النقابة من الأسرة، فانفصل المنصبان عن بعضهما، وعند تأسيس الحكومة العراقية سنة 1921م اُنيطت النقابة بالأسرة مرة اُخرى.

وبموجب التشكيلات الادارية الأخيرة عدّت النجف قضاء تابعاً للواء

 


الصفحة 10


 

كربلاء، ورُبطت بها ناحيتان هما: الكوفة والرحبة ثمّ ضمّت إليها سنة 1317هـ ناحية (هور الدخن) (الرحالية) وكانت تابعة من قبل لقضاء الدليم (محافظة الأنبار) لاحقاً.

كان أقدم (قائمقام) في العهد العثماني تولى إدارة النجف يُدعى (عارف أفندي) وذلك سنة 1288هـ ـ 1871م. أما آخر إداري عثماني فكان (أمين بك) وقد ترك النجف سنة 1333هـ ـ 1918م. وفي أوائل السبعينات تحولت النجف الأشرف إلى محافظة بعد حذف كلمة الأشرف منها.

كان لوجود الصدارة الدينية في النجف فضل في ازدهار الحركة العلمية والأدبية واتساع عدد الباحثين والدارسين فيها، ورواج سوق الشعر وفنون الأدب المعروفة، كما يقرّر (د. عبد الصاحب حسين الموسوي) في دراسته المتميزة عن (حركة الشعر في النجف)(1) فإنّ هذه الصدارة كانت تملك من قوة الجذب والقدرة على تحريك الفكر العلمي المبدع، وما كانت تملكه مراكز الخلافة أو الولاية في الحواضر الإسلامية الأخرى. ولقد أصبحت الحوزة العلمية في النجف ملتقى ثقافات إسلامية متعددة ومحفل أفكار شعوب متباعدة دعاها الوازع الديني من كل حدب وصوب، وفتحت النجف ـ مدينة العلم ـ أبوابها، وضمّت إلى صدرها من شعوب الأرض أبناء أحبتهم فأولتهم رعايتها، علماً وأدباً وطرائق حياة لم يمض على الطلاّب من عرب وأعاجم وقت طويل في النجف حتّى انطلقت ألسنتهم وحلّقت أفكارهم في دنيا المعارف، بل لقد برز منهم شعراء مجيدون، وكتّاب مقتدرون ومدرسون لامعون، فمضوا في الطريق الذي سبقهم إليه (مهيار الديلمي) وأمثاله، وكان للاحتفالات الدينية العامة أثر واضح في مسار تموج البيئة الأدبية ونموها في النجف. كانت هذه الاحتفالات الدينية صورة موسعة لمجالس الوعظ والارشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كانت تُعقد

____________

1- حركة الشعر في النجف، التمهيد، ص: 29 ـ 52.

 

 


الصفحة 11


 

في المساجد منذ شروق فجر الإسلام. وكانت المتنفس الوحيد للأمة ليس في النجف وحدها بل في أنحاء العراق.

ونهضت في النجف حركة أدبية متميزة، يرى (جعفر الخليلي) أنّ العامل الاجتماعي كان له الأثر الأقوى في ازدهارها، بينما يعتقد (د. عبد الصاحب الموسوي) أنّ العامل الديني كان له الأثر الأهم فيه (فكان واجباً على متحمليها من رجال الفقه والدين) أن يتمرسوا بعلوم اللغة وآدابها فذلك دليلهم إلى الهدف الأسمى والغرض الأسمى الذي يبتغون. وكما كانت مدرستا الكوفة والبصرة حتّى القرن الخامس الهجري تستقلان تقريباً بزعامة علوم اللغة وآدابها ـ خدمة لعلوم القرآن وما تفرّع عنه من أغصان ـ جاءت النجف لتحتل مكانة الصدارة العلمية في العراق، حين تهيأت لها أسباب تلك الصدارة(1).

وفي أوائل القرن الثالث عشر الهجري أخذ اهتمام أساتذة النجف بطلبتهم يتجه إلى مزيد من المنهجية والضبط ليكون الطالب أكثر عطاء، فأجريت على الطلاب رواتب شهرية بعضها نقدي وبعضها عيني كالخبز والملابس. وأحصيت المدارس التي كانت قائمة سنة 1385هـ فكانت اثنتين وثلاثين مدرسة فيها اثنتان وخمسون وتسعمائة غرفة، أما عدد الطلاب فكان يقدّر في ذلك الوقت بثلاثة آلاف طالب من الوافدين وأهل البلاد.

وتشتهر النجف بمكتبات عامة وخاصة تضم أحدث ما يصدر في الوطن العربي بينها أهم المجلات والدوريات وكانت المكتبة العلوية، أوّل مكتبة عامة انشئت في النجف في القرن الرابع الهجري. وأحصى (جعفر الخليلي) في " موسوعة العتبات المقدسة " (2) أكثر من ثلاثين مكتبة كان لها شأن يذكر حتى

____________

1- الجواهري شاعر القرن العشرين، د. جليل العطية، منشورات الجمل، كولن ـ ألمانيا 1998م، ص: 29 ـ 31.

2- موسوعة العتبات المقدسة لجعفر الخليلي: منشورات الأعلمي ـ بيروت، الجزء السابع (قسم النجف "الثاني").


الصفحة 12


 

نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر للهجرة وقد بكرت هذه المدينة في نهضة العراق الحديث فقد اُسّست فيها مطبعة سنة 1856م، وفي مطابعها طُبعت رحلات أبي الثناء الآلوسي الكبير (1270هـ) ويسّرت المطابع تطور حركة الأدب والعلم فصدرت منها في مطلع القرن الرابع عشر الهجري مجلة "العلم" لمؤسسها السيد هبة الدين الشهرستاني وبلغ مجموع المجلات التي صدرت خلال القرن نفسه تسعاً وعشرين مجلة كان من أشهرها: الاعتدال، الغري، البيان. وشهد القرن الرابع عشر نشوء الجمعيات الأدبية على شكل جمعيات أشهرها جمعية الرابطة العلمية الأدبية وجمعية منتدى النشر.

وأهل النجف على اختلاف فئاتهم الاجتماعية قريبون من الشعر يسمعونه دائماً ويتغنون به أبداً. يتساوى في ذلك عامتهم وخاصتهم في حدود الفوارق، يذكر (جعفر الخليلي) أن أحد النجفيين اُحيل مرة لأداء الامتحان في دار المعلمين لتعيينه معلماً فسأله العلاّمة المرحوم (طه الراوي) عن المستثنى بإلاّ فلم يجب، فقال له الراوي: واللّه لو وجهتُ هذا لبقال من بقالي النجف لأجاب عليه!.

وأورد الرحالة اللبناني الشهير (أمين الريحاني) ما يؤكد هذه الحقيقة. وسرد (د. عبد الصاحب الموسوي)(1) أسماء اثنين من بقالي النجف هما الأديب عبد الهادي الطعان والحاج مجيد العطار. وساهمت المجالس التي تعقدها الأسر العلمية الكبيرة في النجف في تنمية الحركة الأدبية، ومن أشهر رجال تلك المجالس في مطلع القرن العشرين أكابر الأدباء أمثال السادة والشيوخ: محمّد سعيد الحبوبي، جواد الشبيبي، جعفر الحلّي، علي العلاق، عبد الحسين الحلّي، باقر الهندي.

وفي هذه الفترة لمع عدد من الشعراء الذين عبّروا عن واقع المجتمع

____________

1- حركة الشعر في النجف، ص: 115.


الصفحة 13


 

العراقي وتطلعاته الوطنية والقومية وكان لهؤلاء أكبر الأثر في حركة الشعر العربي المعاصر ومن هؤلاء الشيوخ والسادة: محمّد رضا الشبيبي، علي الشرقي، محمّد مهدي الجواهري، محمّد باقر الشبيبي، صالح الجعفري، أحمد الصافي النجفي، محمود الحبوبي، ثمّ تابعهم في وقت لاحق آخرون بينهم السادة والشيوخ: محمّد علي اليعقوبي، مصطفى جمال الدين، أحمد الوائلي.

روى ابن عساكر عن رجاله عن محمّد بن مسلم قال: سألت جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) عن قوله عزّ وجلّ: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَة ذاتِ قَرار وَمَعِين )(1) قال (عليه السلام): "الربوة: النجف، والقرار: المسجد، والمعين: الفرات ". ثمّ قال: " إن نفقة بالكوفة الدرهم الواحد يعدل بمائة درهم في غيرها، والركعة بمائة ركعة، ومَن أحبّ أن يتوضأ بماء الجنّة، ويشرب من ماء الجنة، ويغتسل بماء الجنة، فعليه بماء الفرات، فإن فيه متعبين (المتعب: الوطاب المملوءة) من الجنة، وينزل من الجنة كل ليلة مثقالان من مسك في الفرات، وكان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يأتي النجف ويقول: وادي السلام، ومجمع أرواح المؤمنين، ونعم المضجع للمؤمن هذا المكان. وكان يقول: اللهمّ اجعل قبري بها"(2).

وقد استجاب اللّه لدعائه فجعل قبره فيها، وكان لهذا القبر الأثر في تمدن النجف فأضحى نواة حضرية لهذا المدينة التي تعد اليوم رابع مدن العراق من حيث الكثافة السكانية. يرجع تاريخ المدينة إلى سنة 170هـ ـ 786م عندما أوعز (هارون الرشيد ابن المهدي) ببناء قبة على قبر الإمام علي (عليه السلام) ثمّ اختار جماعة من العلويين وأتباعهم دور إقامتهم بالقرب من الضريح المقدس، ثمّ قصدها رجال الدين والتجار وأفراد العشائر فنمت، ومما زاد في أهميتها وقوعها على

____________

1- سورة المؤمنون، الآية: 50.

2- مختصر تاريخ مدينة دمشق لابن منظور: ج1 / ص 89.


الصفحة 14


 

طريق القوافل القديمة بين العراق والشام وعلى حافة الصحراء بين المناطق الرعوية والزراعية.

وفي القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي نالت النجف العناية التامة من البويهيين الذي تغلبوا على الملك في عهد الدولة العباسية، وتولى عضد الدولة (فنا خُسرو بن الحسن الديلمي) بناء مشهد قبر الإمام علي (عليه السلام) وأقام مآتم عاشوراء، وعندما توفي سنة 372 هـ ـ 983 م دفن في النجف(1).

وتعد سنة 448هـ نقطة مهمة في تاريخ النجف الديني والفكري ففيها وصل إلى النجف قادماً من بغداد (أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي) (385 ـ 460هـ) وذلك إثر فتنة طائفية أسفرت عن احراق دار الشيخ الطوسي وكتبه ومؤلفاته التي ألّفها في بغداد. ويُعتبر الطوسي المؤسّس لجامعة النجف العلمية وباني صرحها الشامخ، وجامع الحوزة العلمية منذ منتصف القرن الخامس الهجري إلى يومنا هذا.

فلقد توافد على النجف طلبة العلوم الدينية من أنحاء العالم الإسلامي، وبلغ عدد الحاضرين مجلس (الشيخ الطوسي) في النجف ما يزيد على ثلاثمائة من العلماء المجتهدين، وتأصلت الحركة العلمية في هذه المدينة خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز العشر سنوات(2).

وفي أوائل القرن السابع الهجري انتقلت الحركة العلمية إلى الحلّة حيث برز فيها المحقق الحلّي (جعفر بن الحسن) المتوفى سنة 676هـ والذي تابع جهود ابن ادريس، واستمر التأجج العلمي ينير آفاق مدينة ابن ادريس (الحلّة) طوال قرون ثلاثة، ودام حتى أواخر القرن العاشر الهجري، فقد عادت المركزية العلمية

____________

1- انظر الكتب التاريخية المعتمدة، حوادث سنة 372هـ.

2- انظر: الدراسة وتاريخها في النجف للدكتور السيد محمّد بحر العلوم ضمن (موسوعة العتبات المقدسة)، ج7 / ص: 9 ـ 112.


الصفحة 15


 

إلى النجف، وبقيت الحلة حركة علمية بسيطة مفتقرة إلى شيء من الدفع والتوسع(1).

على أن انتقال المركز العلمي من النجف إلى الحلّة لا يعني خلو النجف من حركة العلم ومن الأدلة على ذلك شهادة الرحالة (ابن بطوطة) الذي زار المدينة سنة 727هـ وتحدّث عن مدارسها التي وصفها بالعظمة وكذلك عن استمرار بناء المدارس وتأليف الكتب.

لقد تميّزت الحوزة الدينية الشيعية بنمط من الفقهاء يتشابهون في عطائهم الفكري وتوجهاتهم السياسية أو المحايدة، وان تباعدت فواصل الزمن بينهم، ويرى (د. جودت القزويني) في بحث قيّم له(2) انّ تقريب أوجه التشابه بين فقهاء الإمامية لا يعني بالضرورة المطابقة التامة بينهم في جميع الاتجاهات، وعلى ذلك يمكن ايضاح دور فقيه في فترة زمنية محدّدة مع دور فقه آخر في فترة أخرى من خلال:

1 ـ المنحى التوفيقي ويمثل هذا الاتجاه: الطوسي، المحقق الحلّي، أبو القاسم الخوئي، حيث يتميز هؤلاء الفقهاء بمنهج التوازن العلمي.

2 ـ منحى تأييد الفقيه للسلطان ويمثل هذا الاتجاه الفقيهان: نور الدين علي المعروف بالمحقّق الكركي (ت 940 هـ ـ 1533م)، وجعفر كاشف الغطاء (ت 1228 هـ ـ 1813م).

3 ـ المنحى المذهبي والمنحى السياسي ويجسد هذا الاتجاه: يوسف بن المطهر الحلي (ت726هـ ـ 1325م) ومهدي القزويني (ت1300 هـ ـ 1883م) وروح اللّه الخميني (ت1410هـ ـ 1989م).

____________

1- المرجع السابق.

2- الحوزة الدينية الشيعية: الاتجاهات الأربع التي حكمت فقهاءها: مجلة النور، العدد 87، آب 1998م، ص: 52 ـ 53.


الصفحة 16


 

4 ـ منحى الشهادة ويجسده: الشهيد الأوّل محمّد بن مكي العاملي (ت 786هـ ـ 1384م) والشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي (ت965هـ ـ 1557م) والشهيد الثالث السيد محمّد باقر الصدر (ت 1400هـ ـ 1980م) والشهيد الرابع السيد محمّد صادق الصدر (ت1420 ـ 1999م).

ويمتاز هؤلاء العلماء بغزارة التأليف والانتاج الفكري والتجديد في الدرس الفقهي وبالشهادة في سبيل اللّه والأمة.

وصفوة القول انّ مدينة النجف التي تعيش منذ أكثر من عقدين من الزمن محنة قاسية، لم تتورع خلالها السلطة المتحكمة في رقاب العراق والعراقيين من تصفية رموز الحوزة العلمية فيها تصفية جسدية، تظل هذه المدينة محط آمال المسلمين، تحرسها عناية السماء، وروح أمير المؤمنين (عليه السلام).