النجف الأشرف
مدينة القيم الخالدة


تأليف
الدكتور إبراهيم العاتي
مدير الدراسات العليا والبحوث في الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية ـ لندن


إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف

 

في كل حقبة مرّ بها الإنسان تبدو فيه للتاريخ وقفة، وللحضارة قصة. وقصة المدينة التي نحن بصددها اليوم هي سيرة الحضارة في شموخها وعظمتها، وفي توهجها وازدهارها وفي معاناتها وانكسارها، وفي صمودها واستمرارها. فعلى مقربة من أكثر المراكز الحضارية عمقاً وأثراً في التاريخ نشأت مدينة النجف الأشرف وتمصرت. ليس بعيداً عنها بابل حمورابي صاحب القوانين والشرعية المعروفة باسمه، وبجنبها مملكة الحيرة العربية التي كانت قبلة للشعراء العرب قبل الإسلام، وفيها كتب النابغة الذبياني قصيدته الرائعة:

 

يا دار ميّة في العلياء والسندِ

أقوت وطالت عليها سالف الأبدِ

 

وفي الحقيقة أن النجف في العصر الجاهلي لم تكن غير امتداد لبساتين الحيرة ورياضها وقد سمّيت بـ "خد العذراء" لكثرة ورد الشقيق الأحمر الذي ينبت في ربوعها، وبسبب من جمال طبيعتها واعتدال جوها صارت منتجعاً لملوك الفرس والعرب قبل الإسلام وخلفاء بني العباس بعد الإسلام. وقد بنى المناذرة قصورهم العالية ليشرفوا منها على النجف وما يليه من البساتين والجنان والأنهار، ومن أشهر تلك القصور قصر الخورنق. كان النعمان بن المنذر من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية، وهو ممدوح النابغة الذبياني وحسان بن ثابت وحاتم الطائي وكثيرين غيرهم، وعُرف عنه حبّه لجمال الطبيعة، وقد خرج يوماً إلى النجف أو "ظهر الحيرة" كما كانت تدعى، فأعجبته الزهور المختلفة التي تزين أرض النجف وخاصة الشقائق، فقال: مَن نزع شيئاً من هذا فانزعوا كتفه، فسمّيت شقائق النعمان.

بعد الإسلام برزت الكوفة كاحدى حواضر الإسلام الكبرى وخاصة بعد أن اتخذها أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) عاصمة لخلافته. ويذكر الديلمي في "ارشاد القلوب" ان الامام(عليه السلام) نظر إلى ظاهر الكوفة أي النجف قال: "ما

 


الصفحة 2


 

أحسن منظرك وأطيب مناخك، اللّه اجعل قبري فيها". وقد استجاب اللّه دعاءه فجعل قبره فيها، فكان له الأثر البالغ في نشأة المدينة وتوسعها واجتذاب الناس من مختلف الطبقات والأصناف إليها. وقد عبّر شاعر عباسي بغدادي هو الحسين بن الحجاج عن تعلّق المسلمين بصاحب هذا القبر أحسن تعبير حين قال قبل أكثر من ألف عام:

 

يا صاحب القبة البيضا على النجفِ

مَن زار قبرك واستشفى لديك شفي

زوروا أبا الحـسن الهادي لعلـّكم

تـحـظون بالأجر والاقبال والزلفِ

وقـل سلامٌ مـن اللّه السلام على

أهـل السلام وأهل العـلم والشرفِ

 

ويدور الزمان دورته بضعة قرون فيهاجر إلى النجف في القرن الخامس الهجري أو الحادي عشر الميلادي عالم جليل وفقيه كبير هو الشيخ الطوسي بعد فتنة طائفية سببها السلاجقة في بغداد، حيث أحرقت مكتبته وفيها جميع مؤلفاته. وفي النجف أعاد كتابة مؤلفاته وأسس جامعة إسلامية كبرى امتد عطاؤها لأكثر من ألف عام، وسيبقى مستمراً رغم أنف الجاحدين.

لقد تأسست النجف كمدينة وجامعة ومنبر علمي على بعدين رئيسيين كلاهما روحي:

الأوّل: هو أن تراب هذا المدينة قد ضمّ الجسد الطاهر لباب مدينة العلم على بن أبي طالب(عليه السلام)، فصار الناس من شتى الأقطار يقصدونها ليستوحوا المعاني والقيم الخالدة في سيرة إمام المتقين، لأن قبره(عليه السلام) ليس شاخصاً مادياً كما يتوهم البعض، وإنما هو رمز معنوي يستحضر المقيمون قربه والقاصدون إلى قيم الإسلام النبيلة التي جسدها الإمام أعظم تجسيد. يستحضرون كل يوم زهده وعدله وجهاده وبطولته، إيمانه وإيثاره ورعه وتقواه، إلى غير ذلك من المعاني التي لا تنتهي دلالالتها ولا تنفد إيحاءاتها.

أما البعد الثاني الذي شكّل أساساً لقيام مدينة النجف الأشرف واشتهارها على مر العصور فهو العلم، وأكرم به من أساس متين قامت عليه الحضارات وتقدمت به الأمم.

كلا هذين البعدين روحي معنوي، وأحسب انهما يمثلان لبنة صلبة تبنى

 


الصفحة 3


 

عليها الحضارات الحقة ويكتب لها الدوام، وقد أثبتت فلاسفة الحضارة ان كل امة أدارت ظهرها للقيم الروحية تهددها الانحطاط والفناء عاجلا أم آجلاً.

ومادامت رسالة النجف الأشرف ـ والحديث عنها هنا كمركز ديني وعلمي وسياسي وليس كاطار جغرافي ـ في جوهرها تمثل رسالة كل حضارة حقة، كان لابدّ أن تقام هذه الندوة المباركة من قبل مركز كربلاء للبحوث والدراسات لتشرح للناس الدور الحضاري الهام الذي قامت به النجف على امتداد تاريخها الطويل، وكيف جوزيت على ذلك الدور الذي أدته بسخاء لا نظير له من قبل الأقربين والأبعدين.