الإمامة بين النص والشورى

الشيخ حسن الصفار

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين وصحبه الطيبين

يتفق المسلمون سنة وشيعة على الإيمان بالله تعالى إلها واحداً لا شريك له، وعلى التسليم بنبوة النبي محمد وانه خاتم الأنبياء والمرسلين، والاعتقاد بالبعث والمعاد يوم القيامة، ويؤمنون جميعاً بقرآن واحد منزل من قبل الله تعالى، هو هذا المصحف الكريم المتداول بين المسلمين، دون زيادة أو نقصان، وان القرآن والسنة هما مصدر الدين والتشريع. كما يتجهون الى قبلة واحدة في اداء الصلوات الخمس، ويحجون اليها، ويؤدون الزكاة ويصومون شهر رمضان.. فهم متفقون في أصول الدين وأركانه.

ونقطة الاختلاف الرئيسية، بين الطائفتين المسلمتين السنة والشيعة، تكمن في موضوع الإمامة والخلافة، حيث يرى أهل السنة انها أمر متروك للامة، فهي تختار الإمام والخليفة بالشورى والانتخاب، بينما يرى الشيعة، ان الإمامة تكون بالنص والتعيين من قبل الرسول .

 

لماذا الحديث عن الإمامة؟

أولاً: الحديث عن الإمامة ليس له تأثير على مجرى التاريخ، وعلى ما حصل وتحقق بالفعل في حياة المسلمين، فقد كان الخليفة الأول هو أبو بكر بن أبي قحافة، وبعده كان الخليفة عمر بن الخطاب، وبعده الخليفة عثمان بن عفان، وبعده الإمام علي بن أبي طالب، وبعده ابنه الحسن، لبضعة اشهر، ثم تولى معاوية بن أبي سفيان، وتوارث الأمويون بعده الخلافة، الى ان زالت دولتهم، وجاءت دولة بني العباس، وهكذا تسلسل الحكم في التاريخ الإسلامي كما هو معروف.
ثانياً: والحديث عن الإمامة لا ينبغي ان يكون ضمن مسار إثارة الخلافات والضغائن، ولا ان يتم بطريقة متشنجة منفعلة، تشغل المسلمين عن قضايا واقعهم المعاصر، وهم أحوج ما يكونون الى الوحدة والوئام.
ثالثاً: من الضروري جداً ان يتعرف المسلمون على بعضهم البعض، وان تتضح وجهة نظر كل طرف للآخر، بشكل موضوعي هادئ، ليس بقصد التبشير المذهبي، وان يقتنع السني بوجهة نظر الشيعي أو العكس، وانما لأن المعرفة والوضوح، توفر أجواء الفهم المتبادل، وتقطع الطريق على المغرضين، الذين يشوهون صورة كل جهة أمام الأخرى، ليصطادوا في الماء العكر.
ان الدول المتقدمة تعتمد الآن منهج التعارف الموضوعي حتى للجماعات الوافدة على بلدانها، من اجل دمجهم في المجتمع، وصنع أرضية لتقبلهم ومشاركتهم في الحياة العامة، وللوقوف أمام الاتجاهات العنصرية المتطرفة ضد الآخرين.
وتخوض الحكومة الإسرائيلية الغاصبة حالياً معركة في الكنيست الإسرائيلي، لأن وزير التربية والتعليم يريد إقرار بعض المناهج التي تتضمن نصوصاً أدبية لأدباء فلسطينيين، على اساس ضرورة تعرّف الإسرائيليين على الفلسطينيين المجاورين لهم.
وديننا الإسلامي الحنيف يربينا على الاستماع للرأي الآخر: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [1] ويأمرنا ان نتأكد من معلوماتنا عن الآخرين، فلا نتهمهم بشيء عن جهل وقبل ان نتثبت ونتبين ﴿ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [2] .
من هذا المنطلق نتحدث عن موضوع الإمامة بين النص الذي يعتقد الشيعة ضرورته فيها، والشورى التي يرى السنة تحقق الخلافة بها.

 

الإمامة وشمولية الاسلام:

الاسلام كنظام شامل لجميع أبعاد الحياة، هل يمكن ان يهمل موضوع القيادة والإمامة في الأمة؟
انها الموضوع الأكثر خطورة وحساسية، فلا بد وان يكون للإسلام فيه رأي ومنهج، ونرى ان أي نظام اجتماعي يعطي الأولوية لتحديد قضية القيادة وتداول السلطة، حتى على مستوى المؤسسة المحدودة، أو الجمعية الخيرية، فكيف يمكن اذاً ان يهمل الاسلام موضوع الإمامة، ولا يبين رؤيته حولها، ولا طريقة تداولها في المجتمع الإسلامي؟ علماً بأن هذا المجتمع جديد التكوّن والنشأة، على هدي الاسلام.

ان الفقهاء في تناولهم لصلاة الجماعة، يتناولون موضوع الإمامة في الصلاة، ويذكرون تعاليم الاسلام في تحديد الأحق أو الاولى بإمامة الجماعة، طبقاً لأحاديث مروية عن رسول الله في هذا المجال، فهناك من تصح إمامته، وهناك الأحق والأولى، وهناك من تكره إمامته.. وفي الكتب الفقهية تفصيل لهذه المسألة واختلاف بين المذاهب والفقهاء على بعض تفاصيلها، فاذا كانت الإمامة في صلاة الجماعة، لها نصيب من الطرح والتحديد في الشريعة الاسلامية، فهل يمكن القول بتجاهل قضية إمامة الأمة وخلافة رسول الله ، وان الاسلام لم يحدد معالمها وضوابطها؟

 

النبي ومستقبل الدعوة:

وفاة رسول الله وارتحاله عن دار الدنيا، لم يكن أمرا مفاجئاً له، فهو يعلم ان شأنه كبقية الناس ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [3] بل وكان يشير الى قرب اجله في الفترة الاخيرة من حياته، فهل كان يفكّر في مستقبل الدعوة والأمة بعد وفاته، أم انه لم يكن مبالياً ولا مهتماً بذلك؟ ان الموقف السلبي من مستقبل الدعوة أمر مستبعد عن رسول الله وهو الحريص على حماية الدين ومصلحة الأمة.

كما ان الاطمئنان والثقة بالمستقبل، وان لا خطر على الدين والأمة من الفراغ القيادي الذي سيحدث بسبب وفاته ، هو الآخر أمر مخالف لطبيعة الحالات البشرية، وخاصة في مجتمع جديد، وحديث عهد بالإسلام، وقد يحتفظ بعض أبنائه بشيء من رواسب تاريخهم الماضي، حيث الانتماءات القبلية، والخلافات والنزاعات المصلحية، مع وجود أخطار خارجية تحيط بالإسلام، وعناصر منافقة مندسة في المجتمع الإسلامي.
وهناك شواهد كثيرة تدل على ان النبي تحدث عن بعض الفتن والمشاكل التي ستصيب أمته، وحذر منها، فهو اذاً مهتم بمستقبل الدعوة، وعارف بالأخطار والتحديات التي تواجهها، ويتوقع حصول مختلف الاحتمالات والأحداث، كيف لا وقد صرح القرآن الكريم فيما نزل حول واقعة احد، وتداعيات النكسة التي أصابت المسلمين فيها، وظهور إشاعة قتل رسول الله بأن جماعة قد اهتز موقفهم بسبب تلك الإشاعة يقول تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾[4] .
وحرص الرسول على الدعوة واهتمامه بمستقبل الأمة يستدعي ان يعالج موضوع الفراغ القيادي الذي سيحدث بوفاته.

 

الشورى:

هناك احد احتمالين لموضوع الإمامة بعد رسول الله ، الأول منهما: انه ترك الامر ليكون شورى بين المسلمين، فهناك جيل من الصحابة تربى على يد الرسول ، ونهل من توجيهات الوحي، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية اختيار الإمام والخليفة، على اساس الشورى والانتخاب من قبلهم. والاحتمال الآخر هو انه قد نص على شخص معين ليكون الإمام والخليفة من بعده.
لكن الملاحظ هنا: ان الشورى، اذا كان معولاً عليها كمنهج ونظام، فهي بحاجة الى طرح وتأكيد في أوساط الأمة، وتبيين لمعالمها وضوابطها، فمن هم أهل الشورى؟ كل المسلمين؟ أم أهل المدينة خاصة؟ أم أهل الحل والعقد؟ ومن هم بالتحديد؟ وهل هي بالإجماع أو الأكثرية؟ كل ذلك ليس واضحاً من خلال حديث الرسول أو سيرته.
من ناحية اخرى: فان الرسول لم يهيئ أصحابه، ولم يدرب أمته على ممارسة الشورى في هذه المسائل القيادية، فهو حينما كان يغادر المدينة كان يستخلف عبد الله ابن أم مكتوم، لإمامة الصلاة وغيرها من الشؤون، ولم يكن يترك الامر للناس ان يختاروا لأنفسهم إماما وأميرا، وكذلك الحال حين يبعث سرية أو فرقة من الجيش، يعيّن عليها الأمير من قبله، وفي بعض الأحيان كما حصل في غزوة مؤتة عين ثلاثة أمراء على التعاقب، جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة.
لكل ذلك لم تكن فكرة الشورى في أمر الإمامة والخلافة راسخة ولا واضحة في أذهان الصحابة، ومن يقرأ المداولات التي حدثت في سقيفة بني ساعدة، قبيل بيعة الخليفة الأول أبي بكر، وحسب الصورة التي نقلها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، يتضح له ان آراء الصحابة ومواقفهم آنذاك لم تنطلق من هذه الفكرة، لذا كان الباب مفتوحاً على مخلتف الاحتمالات، وطبقاً لقول الخليفة عمر: ان بيعة أبي بكر كانت فلتة إلا ان الله وقى شرها[5] .
وامتناع علي بن أبي طالب، وعدد من الصحابة معه، عن قبول نتائج ما حصل في السقيفة، الى فترة من الزمن، ثم اعتماد الخليفة أبي بكر لطريقة الاستخلاف، حيث عهد بالخلافة الى عمر بن الخطاب، وتقنين الخليفة عمر لموضوع الشورى عند وفاته، حيث اختار ستة من الصحابة، ليجتمعوا ويتداولوا الرأي، ويختاروا واحداً منهم خليفة على الأمة، وإصرار جماهير الأمة بعد مقتل الخليفة عثمان، على علي بن أبي طالب لتولي الخلافة، وما آل إليه أمر الخلافة فيما بعد حيث توارثها الأمويون والعباسيون بالقوة والغلبة، هذه الطرق المختلفة والمتعددة في معالجة موضوع الإمامة والخلافة، تدل على عدم وضوح معالم الشورى، كمنهج معتمد من قبل الرسول أو في ذهنية المسلمين.

 

النص والتعيين:

لذلك يرى الشيعة ان الإمامة تكون بالنص والاختيار من قبل رسول الله ، منعاً لاحتمالات الخلاف والنزاع، ولأن اختيار الله ورسوله أصوب وافضل، ولورود نصوص ثبتت صحتها عند الشيعة وغيرهم، يفهم منها الشيعة دلالتها على التعيين والنص بإمامة علي بن أبي طالب.
ويأتي في طليعة تلك النصوص حديث غدير خم، والذي روته مصادر الحديث الموثوقة والمعتمدة عند السنة والشيعة، بطرق كثيرة صحيحة.
ونذكر هنا ما أورده حول هذا الحديث المحدث السلفي المعاصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الصحيحة، المجلد الرابع، حديث رقم (1750) حيث اثبت روايته عن عشرة من الصحابة، بثلاثة وعشرين طريقاً، واستغرق تعداده لتلك الطرق أربعة عشر صفحة من 330 الى 344.
والصحابة العشرة الذين ذكر الألباني روايتهم لحديث الغدير هم:
1/ زيد بن أرقم، ولـه عنه طرق خمس.
2/ سعد بن أبي وقاص، ولـه عنه ثلاث طرق.
3/ بريدة بن الحصيب، ولـه عنه ثلاث طرق.
4/ علي بن أبي طالب، ولـه عنه تسع طرق.
5/ أبو أيوب الأنصاري، ولـه عنه طريق واحد.
6/ البراء بن عازب، ولـه عنه طريق واحد.
7/ عبد الله بن عباس، ولـه عنه طريق واحد.
8- 9- 10 / انس بن مالك، أبو سعيد الخدري، ابو هريرة، له عنهم طريق واحد.
ونص حديث الغدير بالطريق الأول من حديث زيد بن أرقم كما أورده الألباني: «عن أبي الطفيل عنه قال: لما دفع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، ونزل غدير (خم)، أمر بدوحات فقممن، ثم قال: كأني دعيت فأجبت، واني تارك فيكم الثقلين أحدهما اكبر من الآخر: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: (ان الله مولاي وانا ولي كل مؤمن). ثم اخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: (من كنت مولاه، فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه».
ثم يضيف المحدّث الألباني: وللحديث طرق اخرى كثيرة، جمع طائفة كبيرة منها الهيثمي في (المجمع) (9/103- 108) وقد ذكرت وخرجت ما تيسر لي منها، مما يقطع الواقف عليها، بعد تحقيق الكلام على أسانيدها بصحة الحديث يقيناً، وإلا فهي كثيرة جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، قال الحافظ بن حجر: منها صحاح ومنها حسان[6] .
ومن علماء أهل السنة الذين أوردوا الحديث واثبتوه ودافعوا عن صحته، المحدث احمد بن حجر الهيثمي المكي (توفي 974هـ) في كتابه (الصواعق المحرقة) ذكر (قولـه صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم -موضع بالجحفة - مرجعه من حجة الوداع، بعد ان جمع الصحابة، وكرر عليهم: «الست أولى بكم من أنفسكم؟ ثلاثاً، وهم يجيبون بالتصديق والاعتراف، ثم رفع يد علي، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، فاحبّ من احبه، وابغض من ابغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذلـه، وأدِر الحق معه حيث دار» واكد ابن حجر: (انه حديث صحيح لامرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، وطرقه كثيرة جداً، ومن ثم رواه ستة عشر صحابياً، وفي رواية لاحمد أنه سمعه من النبي ثلاثون صحابياً، وشهدوا به لعلي، لما نوزع أيام خلافته، كما مر وسيأتي، وكثير من اسانيدها صحاح حسان، ولا التفات لمن قدح في صحته، ولا لمن رده)[7] .
وحديث الغدير هذا واحد من أحاديث كثيرة، يرى الشيعة انها تعني النص على إمامة علي بن أبي طالب، ولا مانع ان يختلف معهم الآخرون، في فهم هذه النصوص ودلالاتها، لكن الفرصة يجب ان تتاح للجميع لممارسة حق الاجتهاد، وإبداء الرأي والنظر، على اساس من الموضوعية والاحترام المتبادل، ومع حفظ أجواء الاخوة والوحدة الاسلامية.
هدى الله الجميع الى الحق ووفقهم للخير والصلاح.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الزمر الآية18.
[2] سورة الحجرات الآية6.
[3] سورة الزمر الآية30.
[4] سورة آل عمران الآية144.
[5] بن عبد الوهاب: الشيخ محمد/ مختصر سيرة الرسول ص180 مؤسسة دار الكتاب السعودي – الرياض.
[6] الألباني: محمد ناصر الدين/ سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص343 الطبعة الاولى 1983م الدار السلفية – الكويت. المكتبة الاسلامية - الاردن.
[7] الهيثمي: احمد بن حجر/ الصواعق المحرقة ص40 مكتبة القاهرة 1375هـ.