صفات الإمام في القرآن الكريم

الدكتور السيد خليل الطباطبائي

يحدثنا القرآن الكريم في آيات كثيرة عن الصفات الراقية التي يتحلى بها الإمام والتي أهلته لأن يتبوأ هذا المقام الإلهي الشامخ ، وفيما يلي بعض هذه الصفات :

1- الإمامة(عهد) من الله للإمام ( المعصوم ) :

قال تعالى : (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) سورة البقرة:124

تشير هذه الآية الكريمة إلى أنّ الله سبحانه وتعالى ابتلى نبيه إبراهيم (عليهم السّلام) بكلمات ، فأتمهنّ ونجح في هذا الامتحان الذي امتحنه الله به ، وهذا ما أهّله لكي يعطى منصب الإمامة ، بعد أن كان قد نال درجة النبوّة . فلما رأى النبي إبراهيم(عليهم السّلام) عظم هذه الدرجة تمناها لذريته وسأل الله ذلك . فاستجاب الله سبحانه وتعالى طلب نبيه ولكن أوضح له أنّ هذه الدرجة العليا والتي هي عهد منه تعالى للإمام لا يمكن أن تنال ظالماً . ولما كان كُلّ ذنب يعد ظلما للإنسان نفسه ، فإنّ من عصى الله ولو مرّة واحدة في حياته لا يستحقّ أن يكون إماما. أمّا من سجد إلى صنم أو وثن فهو أبعد من أن ينال ذلك .

ونلاحظ أوّلاًً : أنّ الآية الكريمة تعبر عن الإمامة ب(عهدي) ومعنى ذلك أنّ الإمامة عهد من الله للإمام المعصوم ، وأنّ تعيين الإمام ونصبه للناس يكون بأمر الله سبحانه وتعالى ونصّه عليه ، وليس باختيار الناس وانتخابهم له . ولو كانت الإمامة تثبت للخليفة أو الإمام بالانتخاب أو الشورى أو البيعة أو غير ذلك من أمور ، لكانت عهداً بين الإمام والناس الذين انتخبوه وبايعوه ، بينما نرى أنّ الله يصرّح في قرآنه بأنّ الإمامة (عهدي ) وليست عهد الناس .

وثانياً : تصرّح الآية الكريمة بأنّ الإمامة لا يمكن أن تنال من كان ظالماًَ ، لأنّه غير مؤهل لذلك ، فهي للمعصوم من الناس فقط ، ولا تصحّ لمن لم يكن معصوماً في أي فترة من فترات حياته.

وقد ورد في الأحاديث الشريفة ما يؤيد ذلك ، فقد ورد عن ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الآية عن قول الله لإبراهيم (عليهم السّلام) :( من سجد لصنم دوني لا أجعله إماما). وقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) : (وانتهت الدعوة إليّ والى أخي عليّ ، لم يسجد أحدنا لصنم قط ).

وفي الكافي عن الإمام الصادق (عليهم السّلام) : ( إنّ الله اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً ، وإنّ الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً ، وأنّ الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً ، وأنّ الله اتخذه خليلاً قبل أن يتخذه إماما ، فلما جمع له الأشياء قال: ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) قال 0‘9 : فمن عظمها في عين إبراهيم قال: (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ  )  قال (عليهم السّلام) : لا يكون السفيه إمام التقي .

وفي تفسير العياشي ، عن صفوان الجمّال قال : كنّا بمكة فجرى الحديث في قول الله : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) قال : فأتمهنّ بمحمد وعلي والأئمة من ولد علي في قول الله : (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ) . وهذه الرواية تشير إلى ما ورد من تفسير (الكلمة ) بالإمامة وذلك في قوله تعالى: ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) سورة الزخرف:آية28 . فيكون معني الآية:  (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) هنّ إمامته وإمامة إسحاق وذريته ( فأتمهنّ ) بإمامة محمد وعلي والأئمة من أهل البيت من ولد إسماعيل ثم بيّن الأمر بقوله تعالى : ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) إلى آخر الآية .

2- الإمام يهدي بأمر الله :

قال تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) سورة السجدة :24

وقال تعالى : (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ  ) الأنبياء : 73

ونرى في هاتين الآيتين أنّ الإمام يهدي الناس إلى الحقّ والهدى بأمر الله سبحانه وتعالى . وهذا الأمر الإلهي هو من الملكوت وثابت الوقوع لأنّه من قبيل قوله تعالى: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) سورة ياسين :82- 83 . فالإمامة بحسب الواقع هي ولاية على الناس في أعمالهم ، وهدايتها هي إيصالهم إلى الكمال بأمر الله . وهذا الإيصال للكمال يختلف عن التبليغ والهداية باراءة الطريق والوعظ والإرشاد ، والذي هو شأن النبيّ والرسول والمؤمنين الذين يهدون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وهدايتهم قد تحقق الهدف فتوصل الناس إلى المطلوب ، وقد لا تؤثر أثرها فيبقى الناس على ضلالتهم . قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) سورة إبراهيم :4 . وقال تعالى : (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) سورة الرعد:7 .

وقد بيّن الله سبب استحقاقهم وحصولهم على الإمامة بقوله : ( لَمَّا صَبَرُوا ) وهذا الصبر المطلق على المكاره والابتلاء والامتحان وغير ذلك بسبب أنّهم وصلوا إلى درجة اليقين ( وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) . ومن يصل إلى درجة اليقين لابدّ وأن يكون معصوماً من كُلّ ذنب وخطأ ونسيان .

ومن الضروري الإشارة إلى أنّ الوحي النازل على الأئمة في قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ) هو وحي الهام وتسديد ، وليس وحي تشريع ، لأنّ ذلك من شأن الأنبياء وختمت النبوة بنبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) فلا نبيّ بعده. وهذا الوحي للأئمة يتعلق بالفعل الصادر عنهم، وبالهام وتسديد من الله سبحانه وتعالى لهم ، وهو من الأدلة على عصمتهم لأنّ ما كان من الله فهو الحقّ ولا يتطرق إليه الباطل .

3- الإمام موجود في كُلّ زمان :

من الأمور الثابتة هي أنّ الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى لأنّ وجود الإنسان المعصوم هو ضرورة كونية . وقوله تعالى: ( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) لا يتحقق إلاّ بوجود الإمام المعصوم في كُلّ زمان ، لأنّ النبوة انقطعت وختمت بنبينا محمد(صلى الله عليه وآله وسلّم)، ولابدّ إذن أن يكون استمرار الهداية على يد الإمام المعصوم .

قال تعالى : (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) سورة الإسراء :71 ، ومعنى ذلك وجود إمام حقّ للمؤمنين يدعون به في يوم القيامة ويكون سبيلهم إلى الجنة ، وبخلافه أئمة الكفر يقودون أتباعهم إلى النار . ولعلّ دعوة كُلّ أناس بإمامهم على هذا الوجه كناية عن ملازمة كُلّ تابع لمتبوعه ، والباء للمصاحبة . وفي الدر المنثور عن علي (عليهم السّلام) أنّه قال:(قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) قال: يدعى كُلّ قوم بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم) .

وفي تفسير البرهان عن الإمام الصادق(عليهم السّلام) أنّه قال : ( ألا تحمدون الله؟ أنّه إذا كان يوم القيامة يدعى كُلّ قوم إلى من يتولونه ، وفزعنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وفزعتم أنتم إلينا ) .

وفي تفسير العياشي عن الإمام الصادق (عليهم السّلام) قال : (لا يترك الأرض بغير إمام يحلّ حلال الله ويحرّم حرامه ، وهو قول الله : (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ). ثمّ قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) : من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية) .

وأئمة الهدى قد يكونوا أنبياء كالنبي إبراهيم(عليهم السّلام) والنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وهو سيد الأنبياء والمرسلين والأئمة ، وقد يكونوا غير أنبياء ، أي أوصياء الأنبياء كأمير المؤمنين علي (عليهم السّلام) والأئمة الطاهرين من ولده .

هذه بعض صفات الإمام في القرآن الكريم وهناك صفات أخرى لا مجال لذكرها في هذه المقالة . والحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة على محمد وآله الطاهرين .