آية الإمامة *

  ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1) .

  الابتلاء :

( الابتلاء والبلاء هما بمعنى واحد ، يُقال : بلوْتُه وابتليْتُه بكذا أي أوقعتُه في أمر ليظهر ما يخفى من صفاته ) .

وهو غالباً لتعرف ما يجهل من أمره ، ويقرُب منه الاختبار والامتحان والفتنة ، ولكن يبدو أنّ التعرّف من غايات الابتلاء وليس جزءاً من معناه , بحيث إذا جُرّد عنه كان الاستعمال مجازيّاً .

( وعلى أيّ حال فإنّ ابتلاء الله تعالى لم يكن لأجل التعرّف على حال المبتلى ، وإنّما هو لإظهار حاله وإبراز ما كمن في نفسه ، وفعليّة ما يستعد له من السعادة والشقاء ) وهي غاية الخلقة نفسها ، حيث قال تعالى : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (2) ، وقال تعالى : ( إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (3) .

وقال تعالى : ( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (4) .

  الكلمات :

الكلمة ما يُتكلّم به ، فتُطلق على اللفظ المفرد والجملة وعلى محكيّهما ، وقد استُعملت في القرآن الكريم في الحاكي كما في قوله تعالى : ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) (5) وفي المحكي كما في قوله تعالى : ( مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ) (6) ، وقد أُطلقت على بعض الموجودات الخارجيّة ـ بغضّ النظر عن كونها مدلولة لألفاظ معيّنة ـ كما في قوله تعالى : ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ) (7) ، وربّما كان ذلك باعتبار أنّ الوجود الإمكاني ليس إلاّ كلمة ( كن ) الإيجاديّة ، إذ قال الله تعالى : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (8) ، كما يُحتمل أنّ تسمية الموجودات الخارجية بذلك باعتبار أنّها تعرب عن الله تعالى كإعراب اللفظ عن المعنى .

  الإمام :

وهو من يُؤتمّ ويُقتدى به ، يقال : أَمّ القوم إذا تقدّمهم . وكأنّه مأخوذ من الأَمام ـ بالفتح ـ بمعنى القُدّام . فالأصل في معناه : ( ما هو أمامك ) ، ولذا يستعمل بمعنى الطريق كما في قوله تعالى : ( وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ) (9) ، كما أنّ القرآن الكريم أطلقه على الكتاب التكويني في قوله تعالى : ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) (10) ، والكتاب التشريعي كقوله تعالى : ( وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً ) (11) ، وأطلقه على قائد القوم ومقتداهم سواء في طريق الهدى كقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (12) ، أو طريق الضَلال كقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) (13) .

  بماذا ابتُلِي إبراهيم (ع) ؟

إنّ المراد بالكلمات التي ابتلى بها إبراهيم عليه السالم إمّا أنْ تكون هي الأوامر الصادرة من الله تعالى والحاوية لتكاليف هامّة ، أو يكون المراد متعلّقات تلك التكاليف باعتبار كونها محكيّة لكلامه تعالى تارةً ، أو بما أنّها أمور كائنة بكلمة الإيجاد تارةً أخرى .

أمّا إتمامهنّ فالمقصود به الإتيان بهنّ على الوجه الأتم ، فكأنّ تلك الكلمات كانت حوادث ناقصة قام إبراهيم بإتمامهنّ من خلال العمل بها ، وبهذا يكون الضمير الفاعلي في ( أَتَمَّهُنَّ ) راجعاً إلى إبراهيم ، ويحتمل رجوعه إلى ( ربّه) ، وحينئذ يكون المراد بالإتمام ، الامتحان أو التوفيق للعمل بموردها .

إلاّ أنّ الأظهر أنّ المراد بـ ( كلمات ) هو نفس البلايا التي ابتلى بها مدى حياته كالإلقاء في النار ، والاضطرار للهجرة ، والأمر بتضحية الولد ، والعهود التي أُخذت منه للصبر عليها . يقول تعالى في قصّة ذبح إسماعيل : ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَء الْمُبِينُ ) (14) .

أمّا حقيقة الإتمام فهي الصبر على البليّة ، والعمل بما يرضى الربّ تبارك وتعالى فيها ، قال تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) (15) .

وعلى أيّ حال ، فإنّ ما نعرفه من خلال ما مرّ هو أنّ الابتلاء كان عمليّة تأهيل لمقام الإمامة السامي ، وأنّ العمل بما يلزم في البليّة كان شرطاً ضرورياً للفوز بهذه الكرامة العظمى .

إمامة إبراهيم (ع) :

وهكذا نال إبراهيم تلك الحظوة الكبرى بعد أنْ قدّم امتحانه الرائع الذي أثبت أهليّته عليه السلام لها ، وكان الصبر على تحمّل الامتحان مقدّمة للصبر على تحمّل أعباء الإمامة .

  ولكن ما المراد بالإمامة هنا ؟

وهل هو مقام تشريعي دون مقام النبوّة ؟ أو فوق مقام النبوّة ؟ أو أنّ المراد به هو النبوّة لا غير ؟ أو أنّه مقام تكويني من مراتب القرب إلى الله تعالى كالصلاح والإخلاص وما أشبه ؟ أو أنّه مقام تكويني يتعلّق بتكميل النفوس وإيصالها إلى الغايات ، أي أنّه يشكّل واسطة للفيض والعطاء الإلهي ؟

وإذا ركّزنا على عبارة : ( جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ ) عرفنا أنّ هذا المقام لم يكن مقاماً نفسياً محضاً في مجال العلاقة بين العبد وربّه بلا أيّ ارتباط بالناس ، سواء كان الارتباط تشريعيّاً بأنْ يُؤمر الناس بإتّباعه والاقتداء به ، أو تكوينيّاً بأنْ يكون هذا الإمام وسيلة لتكميل نفوسهم .

  متى تمّ مَنْحه مقام الإمامة ؟

ما يبدو من هذه الآية أنّه عليه السلام مُنح هذا المقام بنفس هذا الخطاب الإلهي بقوله تعالى : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )(16) أو بعده ، ذلك أنّا عرفنا أنّ مَنْحَه ذلك كان نتيجة لابتلائه وامتحانه ، فلا يُعقل مَنْحه المقام قبل الامتحان ، ويؤيّد ذلك أنّ اسم الفاعل : وهو هنا ( جاعل ) ، لا يعمل في المفعول : وهو هنا ( إماماً ) ، إلاّ إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال ـ كما قيل .

ومن الواضح أنّ علميّات الامتحان بهذه الكلمات تمّت في زمن نبوّته ورسالته ؛ لأنّه عليه السلام أعلن دعوته الحنيفيّة ورفع لواء التوحيد وهو شاب يافع ، إذ يقول تعالى : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * ... * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً ) (17) ، ويقول تعالى : ( قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) (18) ، وهكذا نجد إشارات حقيقة البعثة المُبكّرة في باقي الآيات التي تتحدّث عن بعض أطوار حياته .

كما أنّ الظاهر هو وجود ذرّية له عند سؤاله الذي ذكرته هذه الآية بقوله : ( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) ، أو علمه بحصول ذرّيّة له ـ على الأقل ـ وإلاّ لكان مقتضى الأدب العبودي أنْ يُقيّد سؤاله بأنْ يقول مثلاً : ( ومِن ذريتي إنْ رُزِقت ) ، فإذا لاحظنا هذا ولاحظنا أيضاً أنّ القرآن الكريم يحكي على لسانه قوله : ( الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ ) (19) ، ورأينا أنّه عَلِم بأنّه سيُرزق ولداً بوحي من الله وبشارة جاءت بها الملائكة الذين دخلوا عليه في طريقهم إلى قوم لوط لإهلاكهم , حيث تعجّب من هذه البشارة ! فقال : ( أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) (20) ، وكانت هذه البشارة بعد رسالته وإيمان لوط له ، إذ قال تعالى : ( فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ... ) (21) ، وقال تعالى : ( وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ) (22) ، إذا لاحظنا كل هذا بدقّة حصل لنا الاطمئنان بأنّ الإمامة قد أُعطيت له بعد أنْ كان نبيّاً رسولاً ، وبذلك لا يمكن قبول ادّعاء أنّ مقام الإمامة هو النبوّة لا غير ، وهذا المعنى تؤكّده روايات كثيرة وتدلّ عليه بصراحة .

وإذا كانت الإمامة مقاماً منح بعد كون إبراهيم نبيّاً رسولاً ، فإنّ ذلك يكشف عن كونها مقاماً أرفع من النبوّة والرسالة ، وممّا يؤكّد ذلك توقّفها على إتمام الكلمات والصبر على البليّات .

* فلا يبقى لدينا إلاّ احتمالان :

الاحتمال الأوّل : أنْ تكون الإمامة مقاماً تشريعيّاً فوق النبوّة ، وأثرها وجوب الاتّباع المطلق في جميع أقواله وأفعاله ، ذلك أنّ النبوة والرسالة لا تتطلّبان في ذاتهما الاقتداء بالنبيّ الرسول في جميع الحركات والأعمال ، وغاية ما تفرضانه هي الطاعة والاستماع لِما يُبلّغ للناس من دعوة ورسالة ، اللّهم إلاّ أنْ يأتي دليل آخر هو غير الدليل الدال على النبوّة أو الرسالة فيدلّ على وجوب الاتّباع العملي ، وذلك مثل قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ ) (23) ، وقوله تعالى : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (24) .

الاحتمال الثاني : أنْ تكون الإمامة مقاماً تكوينيّاً يشكّل فيه الإمام واسطة لإيصال عطاء الهداية الحقيقية لمَن هو أهلٌ لها , إضافة للهداية التشريعيّة التي يستوي فيها المؤمن والكافر ، ومن الممكن دخولهما معاً في ما جعل بهذه الآية بشكل ترتّبي طولي .

ما يؤيّد الاحتمال الثاني :

والذي يؤيّد الاحتمال الثاني أنّ هذه الإمامة لها خصيصة يخبرنا عنها القرآن الكريم بقوله تعالى : في سورة الأنبياء : ( أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (25) .

وليست هذه الهداية مجرّد إراءة للطريق وإيضاح للهدف ؛ لإتمام الحجّة على الخلق كما هو شأن النبي المنذر ، بل هي أمر فوق النبوّة ومقتضياتها .

ومن هنا نفهم أنّها تعني الإيصال إلى المطلوب الذي يُنسب إلى الله حقيقة , والى الوسائط باعتبارهم وسائل غير مستقلة والتي إنّما تؤثّر بأمر الله , كما أنّ الملائكة تعمل بأمره تعالى حيث يقول سبحانه : ( وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (26) .

وعلى هذا ، فالمراد بالهداية الخاصّة بالإمام هي الهداية التكوينيّة ، والمراد بالإمامة إمّا نفس هذا المقام التكويني السامي أو أنّها أمر تشريعي يبتني عليه .

وبتعبير آخر : فإنّ مقام الإمامة مقام ظاهره التشريع وباطنه التكوين ، بمعنى أنّ ظاهر هذه الآية الشريفة هو إثبات مقام تشريعي للإمام يستلزم أنْ يكون قوله وفعله وتقريره حجّة مطلقاً على الخلق ، وباطنها هو إثبات مقام تكويني للإمام ، ومن خواص هذا المقام التكويني جريان الهداية الإلهيّة على يديه ، ولا يوجد أيّ تنافٍ بين المعنيين : التشريعي والتكويني ؛ لأنّهما مترتّبان طوليّان ، أي أحدهما يراد بعد الآخر ، وهذا هو الشأن في بطون الآيات .

وهنا يجب التنبيه على أنّ إعطاء وصف الإمام مطلقاً للشخص يعني كون المتّصف هو القدوة والأسوة في جميع الأمور التشريعيّة ممّا يتعلّق بسعادة الإنسان ومسيرته الكمالية ، من غير اختصاص بشأن دون شأن ، ومع هذا الإطلاق في الوصف لا نحتاج لدليل يثبت لنا حجّيّة جميع أقواله وأفعاله ، قوله تعالى : ( وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (27) .

بملاحظة الموارد المختلفة التي تتحدّث عن حالات إبراهيم عليه السلام ، نجد أنّه كان مثال الاعتناء بأمر ذرّيته وصلاحها ومصيرها الحسن ، فهو يستوهب الله ذرّيّة صالحة : ( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) (28) ، ويسأل الله ذرّية مسلمة لله في دعائه المشترك مع ولده إسماعيل عند بناء بيت التوحيد الكعبة الشريفة : ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) (29) ، ويطلب منه تعالى أنْ يبعده وبَنِيْه عن عبادة الأصنام : ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ) (30) .

وها نحن نراه لا يترك فرصة تلقّيه بشارة جعله إماماً حتّى يتساءل عن إعطائها لذرّيته ، فيجاب بأنّه : ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (31) ، حيث تدلّ على أنّ عهد الله تعالى الذي يدخل فيه عهد الإمامة لا ينال الظالم ، وهذه سُنّة إلهيّة كبرى ثابتة .

والملاحظة أنّ الجواب إمّا جاء ردّاً على بعض ما سأل ، أو تعييناً لِما أهمل ، أو تنبيهاً له على ما أغفل . ولعلّ الأوسط هو الأنسب .

وقد تمسّك الشيعة ـ تبعاً لأئمّتهم عليهم السلام منذ العهد الأوّل ـ بهذه الآية الشريفة لإثبات عصمة الإمام ، إذ هي صريحة في عدم أهليّة الظالم لهذا المقام السامي ، ولا ريب في أنّ مِن أظهر مصاديق الظلم الشرك بالله وعبادة غيره ، حيث قال تعالى : ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (32) ، وأنّ إطلاق ( الظالمين ) شامل لكلّ ظلمٍ ، سواء كان على الغير أو على النفس ، وكل معصية صغيرة أو كبيرة ظلم ، لا يصلح مرتكبه لهذا المقام الشامخ .

هذا ، وقد ذكر أعلام الشيعة وجوهاً لتقريب وتوضيح دلالة الآية على لزوم أنْ يكون الإمام معصوماً قبل أنْ يناله عهد الإمامة .

* وفي ما يلي بعض هذه الوجوه :

الوجه الأوّل : إنّ إبراهيم عليه السلام سأل الله تعالى أنْ يُمنح هذا المقام الرفيع لبعض ذرّيته ، فاستجاب الله تعالى في بعض مَن سأل لهم هذا المقام .

ولا ريب في أنّ إبراهيم ـ ومَنْ هو في جلالة قدره ـ لا يطلب الإمامة لِمَن يستوعب الظلم كلّ حياته ، كما أنّه لا يطلبها لمَن ينحرف , فهو عليه السلام إذاً كان يطلب الإمامة لمَن لا يدخل في هذين الفرضين وهم : إمّا رجل لا يَظلم طول حياته ، أو آخر تلبّس بالظلم حيناً ثمّ تاب عنه . وهنا جاءت هذه الآية الشريفة لتنفي صلاحيّة الفرد الثاني الذي صدر منه الظلم للإمامة العظمى .

الوجه الثاني : إنّ قانون : ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) جاء جواباً على سؤال إبراهيم الإمامة لبعض ذرّيّته ، ليؤكّد أنّ دعاء إبراهيم لن يُستجاب في الظالمين منهم .

ومن الواضح أنّه يتحدّث عن المستقبل ، وأنّ إطلاق وصف ( الظالم ) إنّما هو بملاحظة حال تلبّسه وقيامه بالظلم ، أمّا حين صدور هذا الخطاب لإبراهيم فليس ملحوظاً قطعاً . وإنّ تعبير النَيْل وإسناده الفاعلي إلى العهد يُشير إلى أنّ هذا العهد أمر ينزل من الله تعالى فيجري فيمَن كان قابلاً لاتّصافه بالإمامة ، والمرتكب للظلم في بعض حالات حياته كان قد انطبق عليه عنوان ( الظلم ) عند ارتكابه ، ففقد بذلك صلاحيّة ارتفاعه لمقام الإمامة المنيع ، فلا يناله ذلك العهد النازل من الله .

الوجه الثالث : إنّ المراد بالظالم في هذه الآية بملاحظة مناسبات المقام هو ظلم في آنٍ ما من حياته (33) فإنّ من الملاحظ بوضوح في مجال مَنْح المناصب وخصوصاً الهامّة المصيرية منها ـ حتى ولو كانت مناصب دنيوية ـ أنْ لا يكون التركيز مقصوراً على حالة الشخص حينما يُراد إعطاؤه هذا المنصب ، وإنّما تُدرَس حياته الماضية وسوابقه السلوكيّة ، فإنّ ماضيه يؤثّر على حاضره بلا ريب . والظلم ولو في لحظة حياتيّة يمنع الإنسان من أنْ يكون مؤهّلاً لمنصب هو من أخطر المناصب على الإطلاق ، وهو منصب الإمامة ؛ لأنّه يعني تسلّم مصير الأُمّة كلّها .

وهناك وجه آخر للزوم العصمة قبل نيل الإمامة ، وحاصله :

إنّ الآية الكريمة أعطت سُنّة إلهيّة في مجال إعطاء العهود والمناصب الإلهيّة ، وهي تؤكّد أنّ هذه العهود لن تُعطى إلاّ لمَن له رادع داخلي على الظلم والطغيان ، وليست الإمامة سلعة تُعطى ثمّ تُسترَد عند ظهور عدم صلاحيّة حاملها وصدور الظلم والطغيان عنه . مَثَلُها في ذلك مثل النبوّة ، فهي إنّما تُعطى لمَن هو مأمون عن الظلم والفساد ، ولا يحصل الأمن إلاّ إذا وُجدت مَلَكَة ومبدأ عاصم في النفس ، وقوّة فائقة في القلب ، وهذا المبدأ ليس أمراً جُزافياً اتفاقيّاً ، وإنّما ينشأ عن بُنية خاصّة وشرايط تكوينيّة مساعدة وصلاحيّات تصونه عن الخطأ والانحراف ، ولسنا نعني بالعصمة غير هذا .

هذا ، وإنّ نسبة العهد إلى الله يؤكّد على أنّه أمر لا دخل للناس فيه ، وإنّه تعيين إلهي لا انتخاب ولا اختيار للأُمّة فيه .

والواقع أنّنا نحتاج إلى هذه الوجوه عندما نريد إقامة الحجّة على مَن لم يستبصر بعد , ولم تثبت له حجّيّة كلام أهل البيت عليهم السلام .

أمّا العارف بشأنهم والآخذ من علومهم فهو في غنىً عن إقامة هذه الوجوه ، بعد أنْ وردتْ روايات كثيرة عنهم عليهم السلام تدلّ على أنّ الآية تُبطل إمامة كل مَن عبد صنماً ، وأنّه لا يمكن أنْ يكون السفيه الذي رغب عن ملّة إبراهيم إمام المتّقين . فراجع جوامع الحديث والتفاسير الروائيّة . وها نحن نذكر من طريق كل من الفريقين نموذجاً لها :

فعن السُنّة : عن أبي الحسن الفقيه ابن المغازلي الشافعي مسنداً , عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( أنا دعوة إبراهيم . قلتُ : يا رسول الله وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم ؟

قال : أوحى الله عزّ وجل إلى إبراهيم : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) (34) فاستخفَ إبراهيم الفَرَح ، قال : ( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) أئمّة مثلي ، فأوحى الله عزّ وجل إليه أنْ يا إبراهيم ، إنّي لا أعطيك عهداً لا أفي لك به ، قال : يا ربّ ، ما العهد الذي لا تَفِي به ؟ قال : لا أعطيك لظالم مِن ذرّيّتك عهداً . قال إبراهيم عندها : ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ ) (35) . فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم : فانتهت الدعوة إليّ والى علي ، لم يسجد أحدنا لصنم قط ، فاتّخذني نبيّاً واتّخذ عليّاً وصيّاً ) .

عن الشيعة : عن الكليني والمفيد والعيّاشي ـ رحمهم الله ـ مسنداً , عن الصادق عليه السلام : ( إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أنْ يتّخذه نبيّاً ، وإنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أنْ يتّخذه رسولاً ، وأنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أنْ يتّخذه خليلاً ، وأنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أنْ يجعله إماماً ، فلمّا جمع له الأشياء قال : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) (36) .

قال : فمن عِظَمِها في عين إبراهيم قال : ( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) ؟ ( قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (37) قال : لا يكون السفيه إمام التقي ) (38) .

ومثله عن الباقر عليه السلام (39) .

_______________________

 * اقتباس من کتاب : الإمامة والولاية في القرآن الكريم - تأليف : مجموعة مؤلّفين .

(1) سورة البقرة : الآية : 124 .

(2) سورة الملك : الآية : 2 .

(3) سورة الكهف : الآية : 7 .

(4) سورة الأنبياء : الآية : 35 .

(5) سورة الكهف : الآية :5 .

(6) سورة إبراهيم : الآية : 24 .

(7) سورة النساء : الآية : 171 .

(8) سورة آل عمران : الآية : 59 .

(9) سورة الحجر : الآية : 79 .

(10) سورة يس : الآية : 12 .

(11) سورة الأحقاف : الآية : 12 .

(12) سورة الأنبياء : الآية : 73 .

(13) سورة القصص : الآية : 41 .

(14) سورة الصافات : الآية : 106 .

(15) سورة السجدة : الآية : 24 .

(16) سورة البقرة : الآية : 124 .

(17) سورة مريم : الآية : 41 ـ 43 .

(18) سورة الأنبياء : الآية : 60 .

(19) سورة إبراهيم : الآية : 39 .

(20) سورة الحجر : الآية : 54 .

(21) سورة العنكبوت : الآية : 26 .

(22) سورة الصافات : الآية : 101 .

(23) سورة النساء : الآية : 64 .

(24) سورة الأحزاب : الآية : 21 .

(25) سورة الأنبياء : الآية : 73 .

(26) سورة الأنبياء : الآية : 27 .

(27) سورة البقرة : الآية : 124 .

(28) سورة الصافات : الآية : 100 .

(29) سورة البقرة : الآية : 128 .

(30) سورة إبراهيم : الآية : 35 .

(31) سورة البقرة : الآية : 124 .

(32) سورة لقمان : الآية : 13 .

(33) وقد يُقال : إنّ الأوصاف على قسمين : فقسم منها العالم والعادل لا يكفي حصولها في وقت ما لبقاء صدقها على صاحبها ، بل يجب استمرارها ، وقسم منها ما يكفي أنْ يحصل مبدؤها الاشتقاقي ولو في آن من الحياة لتبقى وصفاً لصاحبها كالقاتل والوالد وأمثالهما ، ووصف الظالم هو من القسم الثاني دون الأوّل .

(34) سورة البقرة : الآية : 124 .

(35) سورة إبراهيم : الآية : 35 ـ 36 .

(36) سورة البقرة : الآية : 124 .

(37) سورة البقرة : الآية : 124 .

(38) أصول الكافي : ج1 ، ص ح2 و 4 . مرآة العقول : ج2 ، ص 285 و 286 . غاية المرام : نقلاً عن المفيد في أماليه : ص 272 ، ح 11 . نور الثقلين : ج1 ، ح 342 ، ص 102 .

(39) نور الثقلين : ج1 ، ح 343 ، ص 102 .