مسألة الإمامة بين النص والاختيار

هيثم مزاحم

 

على الرغم من كون مسألة الإمامة مبحثاً قديماً، بل هي أول مسألة خلافية واجهت المسلمين بعد وفاة نبيِّهم (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كما يذكر الأشعري(1) ـ (وأعظم خلاف بين الأمّة .. إذ ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان) على حدِّ قول الشهرستاني(2)، إلاّ أنها لا تزال تحتلّ أهمية كبيرة في حياتنا الراهنة، وتشكِّل الركيزة الأساس في التأسيس للفكر السياسي الإسلامي المعاصر.

لذلك، لا تستهدف هذه الدراسة المقارنة لمفهوم الإمامة بين المذاهب الإسلامية نبش الخلافات القديمة ، وإثارة النعرات والأحقاد الدفينة، إنما تسعى إلى طرح هذه المسألة الخلافية ـ الإمامة ـ على بساط البحث الموضوعي الهادئ، محاولة أن تساهم في التأسيس لنظرية سياسية إسلامية تستند إلى نصوص الشريعة السمحاء ، وتتلاءم مع مقتضيات العصر وتطوّرات الحضارة الإنسانية لا سيما في ميدان الفكر السياسي.

 

الإمامة في اللغة:

جاء في القاموس المحيط للفيروزآبادي:

أن الإمامة مصدرها فعل (أمَّ) إذ يُقال: (أمّهم وأمَّ بهم: تقدّمهم) , وهي الإمامة، والإمام: كلما ائتُم به من رئيس أو غيره(3).

أمّا في لسان العرب، فيقول ابن منظور: (الإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالّين، .. والجمع أئمة، .. والقرآن إمام المسلمين، وسيِّدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، وإمام الجند قائدهم،.. وائتم به: اقتدى به.

والإمام هو المثال.. والإمام الطريق...)(4).

ويقول الزبيدي في تاج العروس:

(والدليل إمام السفر، والحادي: إمام الإبل ، وإن كان وراءها لأنه الهادي لها...)(5).

وخلاصة هذه التعريفات المتقاربة أن الإمام هو الذي يتقدّم القوم، فيأتمون به، ويتّخذونه مثالاً يقتدون به، فيكون هادياً لهم إلى الطريق، فهو إذاً رئيس القوم وقائدهم.

 

الإمامة في الكتاب والسنّة:

ورد لفظ (الإمام) في القرآن الكريم بصيغة الإفراد ، وبصيغة الجمع في عدة مواضع منها:

( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً . . . )  البقرة/ 124.

( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا . . . ) السجدة/ 24.

(يَوْمَ نَدْعُوا كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ . . . ) الإسراء/ 71.

( . . . وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) القصص/ 5 .

( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ ) القصص/ 41 .

أما في الحديث النبوي الشريف فقد ورد لفظ الإمام في مواطن كثيرة أبرزها:

(( من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ))(6).

 

الإمامة في الاصطلاح:

ثمة تعريفات كثيرة للإمامة تختلف في اللفظ أو في الدلالة والمعنى، ولئن تعددت تعريفات علماء أهل السنّة (واختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعاني)(7)، لكن الاختلاف الجوهري في تعريف مفهوم الإمامة هو بين علماء السنّة من جهة وأئمة علماء الشيعة من جهة أخرى.

وفيما يلي بعض ابرز تعريفات علماء السنّة لمفهوم الإمامة.

يعتبر الماوردي (364 ـ 450هـ) ـ وهو أول من صاغ النظرية السياسية الإسلامية عند أهل السنّة ـ

أنّ (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا...)(8) .

ويذهب إمام الحرَمَين الجويني إلى أنّ الإمامة (رياسة تامة، وزعامة تتعلّق بالخاصة والعامة في مهمّات الدين والدنيا)(9).

ويعرّفها الإيجي بأنها (خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في إمامة الدين...)(10) .

أمّا ابن خلدون فيقول: (وإذ قد بيَّنا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين، وسياسة الدنيا به تسمَّى خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإماماً)(11) .

ويذهب محمد رشيد رضا إلى الرأي نفسه، فيعتبر أنّ (الخلافة والإمامة العظمى وإمارة المؤمنين ثلاث كلمات معناها واحد)(12).

ونرى أن ثمة ترادفاً بين ألفاظ الإمامة والخلافة وإمارة المؤمنين عند أهل السنّة(13).

فالنووي يُجوِّز (أن يقال للإمام: الخليفة والإمام وأمير المؤمنين)(14) .

ويوافقه ابن خلدون(15) ومحمد رشيد رضا(16) .

ويُفسّر الشيخ محمد أبو زهرة ذلك الترادف بقوله: (المذاهب السياسية كلها تدور حول الخلافة وهي الإمامة الكبرى، وسمّيت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إدارة شؤونهم، وتُسمّى إمامة لأن الخليفة كان يُسمّى إماماً ولأن طاعته واجبة...)(17).

وهكذا أخذت الإمامة عند أهل السنّة معنىً اصطلاحياً، فقصد بالإمام: (خليفة المسلمين وحاكمهم)، فلم يفرّقوا بين لقبَي الخليفة والإمام(18).

أمّا بالنسبة إلى الشيعة (الاثني عشرية)، فإن الإمامة عندهم أصل من أصول الدين، و(حجر الزاوية في المذهب الشيعي)(19).

ولعلّ أفضل تعريف نجده في ما ينسب من القول إلى الإمام الثامن علي الرضا (عليه السلام):

(( إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء، إن الإمامة هي خلافة الله وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، . . ، إن الإمامة هي زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين، الإمامة رأس الإسلام النامي وفرعه السامي ، وبالإمامة تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف ، الإمام يُحلُّ حلال الله ويُحرّم حرام الله ويقيم حدود الله ويذبّ عن دين الله، الإمام (هو) المُطهَّر من الذنوب والمبرّأ من العيوب المخصوص بالعلم المرسوم بالحلم، الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب ولا اكتساب، بل اختصاص من المتفضّل الوهّاب . . . ))(20).

 

اختلاف مفهوم الإمامة بين السنّة والشيعة:

يختلف مفهوم الإمامة عند الشيعة عن مفهوم الإمامة والخلافة عند أهل السنّة كما اتّضح.

لأن الإمامة عند السنّة: (خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به)، أي نيابة عن النبي في سلطته الزمنية دون الدينية، وبالتالي ليس للخليفة صلاحيات الرسول في التشريع، والأحكام التي تصدر عنه اجتهادية لا إلهية(21).

بينما الإمامة عند الشيعة: (خلافة الله وخلافة رسوله) ومنزلتها (منزلة الأنبياء) وهي (إرث الأوصياء).

وعليه فإن الإمام يخلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سلطتيه الدينية والسياسية، أي له صلاحيات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في التشريع، والأحكام التي تصدر عنه هي أحكام إلهية وليست اجتهادية، فهو يحلّ حلال الله ويحرّم حرامه(22).

وعليه يجب أن يكون الإمام كالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوماً عن الذنوب والأخطاء ومخصوصاً بالعلم الإلهي لكي يكون حجّة على العباد، وهادياً لهم، ومؤيداً من الله، وعالماً بجميع ما يحتاج إليه الناس في أمور دينهم ودنياهم.

ويلزم من ذلك أن الإمام يجب أن يكون منصوصاً عليه من الله ورسوله.

ويستدل الشيعة على النصّ على الإمام بآيات من القرآن الكريم:

( وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ . . . ) القصص/ 68 .

( . . . قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً . . . ) البقرة/ 124.

( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتّقِينَ إِمَاماً ) الفرقان/74.

( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا . . . ) الأنبياء/ 73.

( . . . وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) القصص/ 5.

( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) السجدة/ 24 .

فهذه الآيات تشير إلى أن الله هو الذي يجعل أو يختار الإمام أو الأئمة للناس .

أما عصمة الإمام فيستدل الشيعة عليها بالآية القرآنية التي يخاطب الله بها النبي إبراهيم (عليه السلام) وهي :  ( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ )  البقرة/ 124.

إذ قيَّد الإمامة (عهد الله) بعدم الظلم، والمعصية ظلم، وبالتالي يجب أن يكون الإمام معصوماً من جميع المعاصي حتى ينال عهد الله ، أي الإمامة .

ويذهب العلاّمة الطباطبائي إلى أن معنى الإمامة هو غير معاني الخلافة والرئاسة والوصاية.

ففي رأيه أن الإمامة التي جعلها الله لنبيِّه إبراهيم (عليه السلام) (هي كون الإنسان بحيث يقتدي به غيره) في تقليد أفعاله وأقواله .

ويلاحظ السيد الطباطبائي أن الله تعالى كلما تعرَّض في محكم كتابه إلى (معنى الإمامة تعرّض معها للهداية تعرُّض التفسير)، ويستشهد بعدة آيات على ذلك منها:

( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا...) الأنبياء/ 72 ـ 73.( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) السجدة / 24 .

فهو سبحانه قد وصف الإمامة بالهداية وصف تعريف ، ثم قيَّدها بالأمر، فبيَّن أنّ الإمامة ليست مطلق الهداية، بل هي الهداية التي تقع بأمر الله . . . ) .

إذاً فالإمام هو (هادٍ يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه)، لأنه (هو الذي يسوق الناس إلى الله سبحانه يوم تبلى السرائر، كما يسوقهم إليه في ظاهر هذه الحياة وباطنها...) .

ويستدلّ بقوله تعالى: ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ . . . )  الإسراء/ 71 .

لذلك يشترط في الإمام أن يكون مهتدياً بنفسه لا بغيره ، إذ يقول تعالى:

( . . . أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي إِلّا أَن يُهْدَي‏ . . . )  يونس/ 35 .

ويستنتج السيد الطباطبائي (أن الإمام يجب أن يكون معصوماً عن الضلال والمعصية ، وإلاّ كان غير مهتدٍ بنفسه . . ولا يكون إماماً هادياً إلى الحق البتة) .

ويستدل على ذلك بالآية التالية: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) الأنبياء/ 73 ، فيفسِّرها بأن (أفعال الخيرات التي يقوم بها الإمام لا يهتدي إليها من غيره بل بنفسه) وذلك (بتأييد إلهي وتسديد رباني)(23) ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ ) .

ويمكننا تلخيص عقيدة الشيعة في الإمامة بما يلي:

1ـ وجوب الإمامة على الله .

2ـ وجوب النص على الإمام .

3ـ وجوب عصمة الإمام .

4ـ علم الإمام إلهام من الله .

5ـ منزلة الإمام كمنزلة النبي باستثناء الوحي والكتاب .

لهذا السبب نجد أن علماء الشيعة يميِّزون بين لفظ الإمام ولفظ الخليفة، ولا يستخدمون اللفظ الأخير في أبحاثهم إلاّ للإشارة إلى (من اغتصبوا آل البيت حقوقهم ... واقتصر لفظ الخلافة على التاريخ السياسي)(24).

ونذكر هنا أنه قد اختلف موقف الشيعة من السلطة القائمة عن موقف أهل السنّة، فشكَّل الشيعة المعارَضة السياسية والدينية لها، بينما كان الموقف السني تسليماً للأمر الواقع(25) .

وهذا ما دفع الشيعة إلى البحث في الإمامة ، فقاموا بتحديد مصطلحات هذا العلم وموضوعاته ، بل بابتداعها   (26)، فيما كانت الأبحاث السنّية في الإمامة في موضع الردّ على أسئلة الشيعة .

(وبهذا شابهت صيغة الجواب صيغة السؤال) وغلب استعمال لفظ الإمامة على استعمال لفظ الخلافة في أبحاثهم(27).

وينقل ابن النديم أن أول من تكلّم في مسألة الإمامة هو علي بن إسماعيل بن ميثم التمار، وقد ألّف (كتاب الإمامة).

وأن هشام بن الحكم أحد تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام) وأبرز متكلمي الشيعة، هو (الذي فتق الكلام في الإمامة وهذّب المذهب)(28).

غير أن تأثّر أهل السنّة بمصطلحات الشيعة في الإمامة، لا يعني ـ كما أسلفنا ـ تماثل مفهومها لدى الفريقَين (29).

فالإمامة عند السنّة نظرياً هي منصب سياسي لحفظ الدين وتنفيذ أحكامه، لكنها ـ برأينا ـ كانت عملياً ـ كما عرفها التاريخ الإسلامي ـ حكومة الأمر الواقع، وإن حاول بعض علماء أهل السنة أن يضفي عليها الشرعية بالبحث عن تبرير ديني لمن وصل واستلم زمام السلطة، وحاول فرض وصياغة النظريات السياسية الإسلامية على مقاسات الحكومات، فجاءت النظرية تجسيداً للأمر الواقع وليس العكس(30).

ومع أن المسلمين انقسموا بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فريقَين رئيسيين:

فريق أهل السنّة القائلين: (بأنّ الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار).

وفريق الشيعة القائلين: (بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين)(31).

ولكن الفريق الأول لم يخلص لرأيه سواء من الناحية العملية أو من الناحية النظرية ، ففي التطبيق العملي والتاريخي لنظرية العقد والاختيار (تباينت طرق اعتلاء الخلفاء الثلاثة: من بيعة تمت فلتة، ثم استخلاف، ثم أن تكون في ستة هم المرشّحون والناخبون على السواء)(32) .

وهنا يعتبر الدكتور أحمد محمود صبحي أن ذلك التباين قد أدّى إلى تعذر استنباط قاعدة شرعية تُحدِّد كيفية اختيار الخليفة ، مما شكّل ثغرة في النظام السياسي الإسلامي نفذ منها مبدأ الغلبة ليملأ هذا الفراغ بسهولة (حيث لا تشريع يحول دونه، وذلك منذ أن قام المُلْك العضوض بقيام الدولة الأموية)(33).

ويذهب الدكتور صبحي، وهو باحث سنِّي مصري إلى أن (تولّي أبي بكر لم يحسم مشكلة كيفية اختيار الخليفة، إذ يتعذر أن تستنبط من بيعته قاعدة شرعية تحدّد كيف يختار الحاكم، لقد كانت بيعته ـ على حد تعبير عمر فيما بعد ـ فلتة، ولا يمكن أن يستنبط تشريع مما يتمّ فلتة، وإنّما تمت البيعة لأن أحداً من المسلمين ـ في رأي عمر ـ لا يطاول أبا بكر)(34).

ويتابع الدكتور صبحي بكل موضوعية: (فإن أضيف إلى ذلك أن معظم كبار الصحابة لم يكونوا حاضري بيعة السقيفة، والى ما أشيع أن عمراً ساق الناس إليها سوقاً، لتبيّن أن الأمر قد تمّ على عجل، وأنه لم يحتكم إلى ذلك تشريع من الدين) .

ويعتبر صبحي أن بيعة أبي بكر ـ بصرف النظر عن مكانته ـ لم تستند (إلى مبدأ شرعي سواء أكان نصاً أم احتكاماً إلى اجتهاد في غياب النص)(35).

ولدى الشيعة انتقادات عديدة لمبدأ البيعة والاختيار تاريخياً وفكرياً، (فمن الناحية التاريخية لم يتمّ اختيار قط إلا بالنسبة لخليفَتين: أبي بكر وعلي .

أمّا الأول فقد ساق عمر الناس إليها سوقاً فضلاً عن أنها تمّت فلتة .

وأمّا الثاني فقد خرج عليه الذين بايعوه، وليس بعد ذلك إلاّ عهداً صرفاً من خليفة إلى من يليه أو قهراً وجبروتاً، فانقلبت الخلافة عند القائلين بالاختيار وأنها من حق الأمّة إلى أن أصبحت من الناحية الفعلية بالنص والتعيين)(36).

ويُعدّ الإمام علي (عليه السلام) أول من وجَّه نقداً قاسياً لأسلوب تولّي أسلافه للخلافة ، وذلك في خطبته المسمَّاة الشقشقية حيث يقول:

(( لقد تقمَّصها فلان (يعني أبا بكر) وإنه ليعلم أن محلّي منها محلّ القطب من الرحَّا ...

فيا عجبا !! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدّ ما تشطّرا ضرعَيها !

فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كَلامها، ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها ...

حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا لله وللشورى ! متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر! لكنني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه (سعد بن أبي وقّاص)، ومال الآخر لصهره (عبد الرحمن بن عوف)، مع هنِ وهنِ، إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنَيه ...

وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع...)(37).

أما من الناحية الفكرية أو النظرية، (فلم يقدّم أهل السنّة ـ كما يعلّق د. صبحي ـ نظرية متماكسة في السياسة تحدّد مفاهيم البيعة والشورى وأهل الحلّ والعقد فضلاً عن هوّة ساحقة تفصل بين النظر والتطبيق..

(و) ظهرت نظريات أهل السنّة في السياسة في عصر متأخر..، كما جاء أكثرها لمجرد الردّ على الشيعة، والتمس بعضها استنباط حكم شرعي من أسلوب تولّي الخلفاء الثلاثة الأوائل...)(38).

وذهب بعض فقهاء السنّة إلى القول بالنصّ على إمامة أبي بكر وعمر ، وحاول تأويل بعض الآيات القرآنية كما يستدلّ الأشعري بقوله تعالى:

(قُل لِلْمُخَلّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى‏ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ . . . ) الفتح / 16. فيتعسّف في تأويلها بأن المقصود من القوم أولى البأس الذين سيقاتلهم المسلمون (الأعراب) هم أهل اليمامة كما قال البعض وقد قاتلهم أبو بكر ، وإن كانوا الروم فقد قاتلهم أبو بكر أيضاً (وإن كانوا أهل فارس فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم .

وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر مثلها لأن عمر هو عاقد الإمامة لأبي بكر ، وإذا ثبتت إمامة أبي بكر الصدّيق ثبتت إمامة عمر لأن أبا بكر نصّ عليه ، وعقد له الإمامة واختاره، كما ثبتت إمامة عثمان بعقد الإمامة له من قبل الخمسة أصحاب الشورى الذين نصّ عليهم عمر)(39).

ولوهن مقالة الأشعري انصرف معظم أهل السنّة عن الأخذ بها، وكانت الفترة بين أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجري هي التي شهدت بداية نشوء هذه النظريات مع الأشعري (270 ـ 330هـ)، حيث تحوَّل أهل السنّة عملياً ثم نظرياً من القول بالاختيار إلى القول بالنصّ، وقد حاول الماوردي (364 ـ 450هـ) استنباط قاعدة شرعية بطريقة عقد الإمامة من واقع الخلفاء، فذهب إلى القول إن الخلافة تنعقد بوجهين:

الأول: اختيار أهل الحلّ والعقد: كعقد أبي بكر لعمر، وأقلّ عددهم واحد كعقد العباس لعلي ، أو اثنين كعقد الزواج ، أو خمسة كعقد من عقدوها لأبي بكر.

الثاني: بعهد الإمام من قبل لمن بعده: كعهد أبي بكر لعمر(40).

بل إن ابن حزم الأندلسي يستدلّ بما أشار إليه عمر قبل وفاته، بعدم جواز تأخير اختيار الخليفة أكثر من ثلاث ليالٍ منذ لحظة موت الخليفة، بأن هذه الطريقة قد انعقد عليها الإجماع(41).

وهل يصحّ اعتبار عمل الصحابي إجماعاً(42).

ويؤكد تهافت مبدأ الاختيار أمران:

(أولهما اعتراف عمر أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرَّها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه...)(43). والأمر الثاني قول أبي بكر ساعة احتضاره: (ليتني كنت سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ثلاثة أمور:

أحدها: ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر حق...)(44) .

وهذا القول يظهر شك أبي بكر في صحّة بيعته، وربما ندمه على قبول البيعة، ومنه يلزم عدم صحّة مبدأ الاختيار لانعدام الدليل عليه، وإلا لكان عرفه كل من أبي بكر وعمر ولما أقرَّا بما يخالف هذا المبدأ(45).

وهكذا كانت نظرية الشيعة القائلة بالنص من الله ورسوله على الأئمة المعصومين الهادين المهديين أكثر تماسكاً وثباتاً من الناحيتَين النظرية والعملية(46)،إضافة إلى أدلّتها النقلية والعقلية والتاريخية(47).

 

________________

(1) الأشعري، أبو الحسن (ت330هـ) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلِّين (جزءان) (تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد)، (ط2: مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1962)، ج1، ص39.

(2) الشهرستاني، أبو الفتح (ت 548هـ): الملل والنحل (3أجزاء)، (تحقيق: أحمد فهمي محمد)، (ط1: دار السرور، بيروت، 1948)، ج1، ص16.

(3) الفيروز آبادي، مجلد الدين: (القاموس المحيط) (تحقيق: محمد مصطفى أبو العلاء)، (دار الجيل، بيروت، لا، ت)، ج4، ص78.

(4) ابن منظور، جمال الدين (ت: 820هـ): لسان العرب، (تحقيق: عبد الستار فراج)، (لا. ط) دار صادر. بيروت، 1388هـ، ج12، مادة (أمم)، ص24.

(5) الزبيدي، محمد مرتضى: تاج العروس من جواهر القاموس لا. ط: دار مكتبة الحياة، بيروت، لا. ت، ج8، ص193.

(6) الكليني، محمد بن يعقوب (ت: 328هـ): أصول الكافي، تحقيق: (محمد جواد الفقيه)، (ط1: دار الأضواء بيروت، 1992)، ج1، ص 438 ـ 439؛ الأشعري. مصدر سابق، ج1، ص 34.

(7) عبد الله الدميجي: الإمامة العظمى عند أهل السنّة والجماعة، (ط1: دار طيبة، الرياض، 1987)، ص 32.

(8) الماوردي، أبو الحسن (ت: 450هـ): كتاب الأحكام السلطانية، (لا. ط: لا دار نشر، القاهرة، (1909ص3.

(9) الجويني، أبو المعالي: غياث الأمم في التياث الظلم، (تحقيق: د. مصطفى حلمي)، (ط1: دار الدعوة، الإسكندرية، 1400هـ)، ص15.

(10) الإيجي، عضد الدين: المواقف في علم الكلام، (لا. ط: عالم الكتب، بيروت، لات)، ص 395.

(11) ابن خلدون، عبد الرحمن: المقدمة (ط4: دار الباز للنشر والتوزيع ـ مكة، 398هـ) ص190.

(12) محمد رشيد رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى (لا. ط: مطبعة المنار، القاهرة، 1341هـ)، ص101.

(13) الدميجي، مصدر سابق، ص 36 ـ 37.

(14) النووي، يحيى بن شرف الدين (ت676هـ): روضة الطالبيين، (لا. ط: المكتب الإسلامي، لا مكان، لات)، ج10، ص49.

(15) ابن خلدون، مصدر سابق، ص190.

(16) محمد رشيد رضا، مصدر سابق، ص101.

(17) محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، (لا. ط: دار الفكر العربي، لا مكان، لات)، ج1، ص21.

(18) و (19) (أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية، (لا. ط: دار النهضة العربية، بيروت، 1991)، ص20 وص28.

(20) الكليني، مصدر سابق، ص 256 ـ 260.

(21) عبد الغنى سني: الخلافة وسلطة الإمامة (بالتزكية)، ص12، نقلاً عن أحمد محمود صبحي. مصدر سابق، ص 20.

(22) أحمد محمود صبحي: الزيدية، (ط3: دار النهضة العربية، بيروت، 1991). ص 27 ـ 28.

(23) محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، (ط2: مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1973)، ج1، ص270ـ 275.

(24) ـ (26) أحمد محمود صبحي، نظرية الإمامة، ص 22 ـ 24.

(27) محمد ضياء الدين الريِّس: النظريات السياسية الإسلامية، ص 76، نقلاً عن المصدر السابق، ص 23.

(28) ابن النديم، محمد بن إسحق (ت: 438هـ): الفهرست: (لا. ط: دار المعرفة، بيروت، 1987)، المقالة الخامسة، ص 249.

(29) أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة، ص 24.

(30) أحمد محمود صبحي: الزيدية، ص 31 ـ 32؛ محمد جواد مغنية: الجوامع والفوارق بين السنّة والشيعة، (ط1: مؤسسة عز الدين، بيروت، 1994)، ص 75 ـ 81.

(31) الشهرستاني، مصدر سابق، ج1، ص 16.

(32) (36) أحمد محمود صبحي: الزيدية، ص21 وص31.

(37) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج1، ص 54 ـ 68.

(38) أحمد محمود صبحي: الزيدية، ص31 ـ 32.

(39) الأشعري، أبو الحسن: كتاب الإبانة، (لا. ط: لا دار نشر، حيدر آباد. 1371هـ)، ص 48 ـ 51. انظر أيضاً: ابن حزم الأندلسي، أبو محمد: الفصل في الملل والأهواء والنحل، (لا. ط: المطبعة الأدبية، القاهرة، 1307هـ)، ج4. ص167 ـ 170؛ الدميجي: مصدر سابق، الفصل الرابع: طرق انعقاد الإمامة)، ص 125 وص 198.

(40) الماوردي، مصدر سابق، ص 4 ـ 5.

(41) ابن حزم الأندلسي، مصدر سابق، ص 167 ـ 170.

(42) أحمد محمود صبحي: الزيدية، الحاشية، ص 32.

(43) صحيح البخاري (فتح الباري)، ج12، ص 144 ـ 148؛ ومسند الإمام أحمد، ج1. ص55 ـ 57؛ وتاريخ الطبري، ج1، ص 182 ـ 184؛ المصنّف لعبد الرزاق، ج5، ص 439 ـ 445.. الخ، نقلاً عن د. رضوان السيّد: الأمّة والجماعة والسلطة (ط2: دار اقرأ، بيروت، 1986)، ص 78 ـ 79.

(44) تاريخ الطبري، ج2، ص 353، والإمامة والسياسة لابن قتيبة، ج1، ص 19.

(45) انظر: علي صبحي بلوط: مسألة الإمامة بين المعتزلة والإمامية (أطروحة دكتوراه في الفلسفة ـ كلية الآداب ـ ـ الفرع الأول ـ الجامعة اللبنانية، 1994)، القسم الثاني، الفصل السادس (الخلفاء الراشدون ومسألة الشرعية)، ص 351 ـ 376.

(46) أحمد محمود صبحي: الزيدية، ص 33.

(47) انظر: أدلة الشيعة الاثني عشرية على القول بالنص على الأئمة وعصمتهم وعلمهم ووجوب إمامتهم في دراسة أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة، مصدر سابق، في الباب الثاني من الكتاب، وكتاب المراجعات السيد عبد الحسين شرف الدين؛ وكتاب الشافي في الإمامة للشريف المرتضى؛ ودراسة نظرية الإمامة عند الشريف المرتضى (في كتاب الشافي). في أطروحة الدكتوراه لعلي بلوط، مصدر سابق، القسم الثاني.