منهجية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الاستدلال على إمامته

تمهيد :

أهميته الامامة في الاسلام دفعت المتكلمين والمفكرين الاسلاميين الى تكريس العديد من كتبهم وابحاثهم لدراسة ابعادها وشرائطها وطرق انعقادها . وقد ذهب فريق من المسلمين الى التمسك بالامامة غير المعصومة ، وبنى على ذلك الكثير من النتائج والفروع . بينما اصر فريق آخر على الامامة المعصومة ، وحصر انعقادها في طريق واحد ، وهو النص المنتهي الى صاحب الشريعة العصماء.

ولا زال باب النقاش العلمي مفتوحا على مصراعيه ، رغم مضي اربعة عشر قرنا على رحيل رسول الله ( صلى الله عليه واله ) ، كل ذلك يكشف عن اهمية المسألة وانعكاسها على المنهج الفكري والسياسي لدى الفريقين ، وعلى كيفية استقاء الاحكام والمعارف الاسلامية .

ولا نريد هنا ان نخوض غمار ادلة الفريقين وتقويمها ومناقشتها ، فهو يحتاج الى موسوعة كبيرة ، وقد كتب في ذلك العديد من المؤلفات ، ولكنا نريد ان نتعرض لشبهة اوردها بعض الكتاب ، خلاصتها ان امير المؤمنين علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) لم يحتج على احقيته بالخلافة بالنصوص ، وانما كان يستدل على فضله واهليته لها ، بل حتى بعد توليه زمام الامور ، وعندما وقع النزاع بينه وبين خصومه السياسيين ، استدل على خلافته بمبايعة الناس له ورضى المهاجرين والانصار به .

وحاولوا استنادا الى هذه الدعوى التشكيك بجميع ما روي من نصوص صريحة في وصية الرسول ( صلى الله عليه واله ) لامير المؤمنين ( عليه السلام ) وامامته . ومن المعلوم ان بعضها فاق حد التواتر . الامر الذي دعاهم كما يقولون لتأويل المتواتر منها ، وطرح غير المتواتر واهماله ، واتهام من يسمونهم بالرافضة والغلاة باختلاقه .

ولاجل معالجة هذه الشبهة لابد من القاء الضوء على منهجية امير المؤمنين ( عليه السلام ) في الاستدلال على امامته ، ودراسة الاجواء العامة والظروف التي اكتنفت تلك المرحلة ، مما يمكن ان يشكل قرينة حالية تفسر الكثير من المواقف والاحداث . فانه لا يمكن لباحث ان يدرس نصا تاريخيا او موقفا معينا دون ملاحظة الامور المحيطة بذلك النص ، والظرف الاجتماعي الذي يشرح لنا الكثير من الغوامض والعديد من الحيثيات ، التي لها مدخلية في فهم الحدث التاريخي او النص المطلوب .

ولعل الكثير من الاخطاء التي يقع فيها الباحثون ترجع في الحقيقة الى اهمال هذا الجانب ، او عدم اعطائه حقه من الدراسة .

وقبل الدخول في البحث ، ينبغي التعرض لمسألة مهمة لها نوع ارتباط ببحثنا ، فقد وقع من البعض في معرض انتقاده لعقائدنا كلام حول امكانية تخلي الامام المنصوص عليه عن الخلافة ، وحول جواز سكوته عن حقه فيما لو كان هذا الحق مجعولا له من قبل الله عز وجل ، وهذا الانتقاد قائم على عدم ادراك المراد من الامامة التي وقع النص عليها ، والتي يتميز بها الفكر الشيعي عن غيره .

فالامامة منصب الهي كما هي النبوة ، وهي ولاية يؤتيها الله من يشاء من عباده ، ويصطفي لها من يشاء .

وهذه الولاية قائمة بقطع النظر عن اقرار الناس بها ورضوخهم لها . فكما ان نبوة الانبياء لا يضرها تكذيب الناس وتفرقهم ، ولا تزول نبوة النبي بذلك ، فكذلك الامامة ، لانها غير مشروطة بالتصديق والتسليم في مقام الجعل والانشاء .

وهذا يتجلى بشكل اوضح ، اذا علمنا ان الامامة التي يعتقدها الشيعة غير مختصة بالشؤون الدنيوية ، أعني سياسة الناس وادارة امورهم ، وانما هي سلطة دينية قبل ان تكون سياسية ، ووظيفة الامام اشبه بوظيفة النبي ( صلى الله عليه واله ) واقرب اليها ، الا ان النبي يتلقى الوحي والرسالة من الله عز وجل ، بينما الامام يتلقاها من النبي ( صلى الله عليه واله ) ، ويرثها منه بكل دقائقها وبجميع معارفها واحكامها ، ويتابع المسيرة في تبليغها وحفظها وصيانتها ، ويسعى لتطبيقها وتجسيدها في الناس .

فهناك فرق كبير بين السلطة السياسية في نظر ائمة اهل البيت ( عليه السلام ) ، وبين السلطة السياسية في نظر بقية الحكام ، فهي هدف عند هؤلاء ، بينما هي وسيلة عند ائمة اهل البيت ( عليه السلام ) ، وسيلة لاقامة الدين والعدل بين الناس ، وهي طريق لايصال الحق الى طالبيه ، ومن المعلوم ان تحقيق هذا الهدف يتوقف على سلطة مؤيدة من قبل المجتمع ويد مبسوطة ، وهي لا تتأتى بالقهر والغلبة . وهذا الامر يفسر لنا عدم توسلهم ( عليه السلام ) بالغدر والاحتيال للوصول الى سدة الحكم ، لان حكما يتوصل اليه بمثل هذه الاساليب لن يكون محققا للغرض الذي يرجونه من وراء الحكم .

واذا قعد احد منهم عن الخروج والمطالبة بحقه في السلطة السياسية والحكم ، فلا يعني ذلك ابدا تنازلا عن الامامة التي اختاره الله لها ، بل ربما يرى الامام نفسه غير قادر من خلال تلك السلطة على اداء مهام امامته ، لتخلف الشروط الموضوعية ، وانتشار العقبات التي تحول دون تحقيق غرضه . وفي هذه الحالة ليس من الضروري ان يصر الامام على السلطة ، بل يكون التخلي عنها والترقب والسعي لتوفير شروطها الموضوعية اقرب الى وظيفته .

وكذا الحال لو أرغم على اعتزال الساحة السياسية ، وسلبت منه الخلافة ، لا يكون ذلك موجبا لزوال امامته ، وانما يدخل فيما ذكرنا من اختلال الشروط الموضوعية للتصدي للحكم ، كما قد يحصل ذلك للرسل والانبياء .

ولا يؤدي ذلك الى عبثية التنصيب ولغويته ، لان بعض مهام الامامة يمكن ممارستها بعيدا عن الحكم ، بل حتى لو فرضنا انه لم يتمكن من اداء شئ من وظائف الامامة لا يقع محذور اللغوية والعبثية ، لان التنصيب يتم على قاعدة وجود الملاك والمصلحة ، وحاجة الناس الى ذلك بحسب الواقع ، كما هو الامر في ارسال الانبياء والرسل تماما ، فاذا امتنع الناس عن بيعته ، وخذلوه وتخلوا عنه ، حتى ادى الى فقد القدرة على اداء المهام المطلوبة ، فلله الحجة البالغة عليهم ، بأن اختار لهم ما فيه صلاح دينهم ودنياهم ، فان قبلوه ونصروه واتبعوه كان في ذلك صلاحهم ، وان اسأوا الاختيار لم يضروا الله شيئا.هذه سنة الله في خلقه .

ولاجل تقريب الفكرة اكثر نلاحظ ولاية الاب على اولاده الصغار ، فهذه الولاية غير مشروطة بتصدي الاب للامر والنهي ، ولا يؤثر على مقام الولاية الممنوح له عقوق الابناء له ، ولا سيطرة ظالم عليه ومنعه من اعمال ولايته ، لانها منصب مجعول له بقطع النظر عن كل ذلك ، واذا وقعت المساومة فانما تقع على الامور التي تتعلق بها الولاية ، اي على اعمالها ، واما نفس الولاية فلا مساومة عليها ، وهي غير قابلة للسلب والاغتصاب .

فالامام انما يجب عليه اقامة الحجة على الناس ، ولا يجب الخروج بالسيف اذا لم يتوفر الناصر ، واختلت الشروط اللازمة لتحقيق الغاية والغرض المرجو من قيامه ، وان كانت الاغراض تختلف ، فغالبا يكون الغرض تحقيق حكومة العدل ، وتحكيم القرآن واحكام الرسالة الالهية في المجتمع الاسلامي ، وهذا لا يمنع ان يكون الغرض في بعض الاحيان زلزلة عرش الظلم والطغيان ، وايجاد هزة في ضمير المسلمين ، وايقاظهم من حالة الركون والاستسلام التي يعيشونها ، او كشف الاقنعة التي يتستر بها بعض الحكام ، هذه الاقنعة التي تشكل خطرا على اصل الدين ، فقد يتعذر تحقيق ذلك الا بانتفاضة دموية استشهادية كما حصل في ثورة الامام الحسين ( عليه السلام ) .

وسنأتي على تحليل واف للحكمة الكامنة وراء قعود امير المؤمنين ( عليه السلام ) عن استخدام السيف في سبيل الوصول الى حقه ، من خلال النصوص الواردة عنه .

 

السقيفة وحق علي ( عليه السلام ) :

كانت النصوص الواردة عن رسول الله ( صلى الله عليه واله ) في امامة علي ( عليه السلام ) وائمة اهل البيت ( عليهم السلام ) كثيرة الى الحد الذي لم يتمكن من انكارها احد ، وغاية ما فعلوه هو تأويل هذه النصوص واختلاق الاعذار لتركها واهمال العمل بها .

هذا هو الجو العام الحاكم يوم توفي رسول الله ( صلى الله عليه واله ) ، اذ لم يكن احد يشك في احقية امير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقد حكى الزبير بن بكار اخبار السقيفة عن محمد بن اسحاق ، فقال : وكان عامة المهاجرين وجل الانصار لا يشكون ان عليا هو صاحب الامر بعد رسول الله ( صلى الله عليه واله ) (1) .

وروى الطبري وابن الاثير : ان الانصار قالوا يوم السقيفة او بعضهم : لا نبايع الا عليا (2) .

ولما قام عبد الرحمن بن عوف في المسجد يوم السقيفة وتكلم فقال : يا معشر الانصار انكم وان كنتم اولي فضل ونصر وسابقة ، ولكن ليس فيكم مثل ابي بكر ولا عمر ولا علي ولا ابي عبيدة ، قال له زيد ابن ارقم ، وقيل المنذر بن الارقم : وانا لنعلم ان ممن سميت من قريش من لو طلب هذا الامر لم ينازعه فيه احد : علي بن ابي طالب (3) :

ويبدو من خلال هذه الرواية ان هناك ايحاءات عمدية كانت تمارس ، مفادها ان عليا ( عليه السلام ) لا يطلب هذا الامر ، وان تصدي الاخرين لطلبه كان مبنيا على ذلك ، لكن الاحداث التي اعقبت ذلك كشفت عن عدم صحة ذلك ، وان عليا ( عليه السلام ) كان يطلبه ، الا انه حينذاك لم يكن قد فرغ من تجهيز رسول الله ( صلى الله عليه واله ) ودفنه .

 

علي ( عليه السلام ) والوصية :

ان اشتهار علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) باسم الوصي مما لا ينبغي الاستدلال عليه ، فقد كان من الشهرة بمكان ، بحيث لم يستطع انكاره احد ، ولقد عمدوا الى التأويلات كما هي العادة . وتسمية علي بالوصي وردت في العديد من النصوص النبوية ، واحتج به ائمة اهل البيت ( عليه السلام ) في عدة مواضع . واما الشعر فقد ملأ الافاق حتى لا تكاد ترى قصيدة شعرية تأتي على ذكر علي ( عليه السلام ) الا وصفته بالوصي .

وهذا يؤيد ما نرمي اليه من ان حق علي كان معروفا ومشهورا بين الانصار والمهاجرين عند وفاة رسول الله ( صلى الله عليه واله ) .

والذي دعاهم الى مخالفة النص امور عدة :

منها : انهم كانوا يرون ان عليا حدث السن ، وهم لا يستسيغون تأميره على شيوخهم وكبرائهم ، كما صرح بذلك ابو عبيدة ، اذ قال : يا ابا الحسن ، انك حدث السن ، وهؤلاء مشيخة قريش قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور ، ولا ارى ابا بكر الا اقوى على هذا الامر منك ، واشد احتمالا له واضطلاعا به . فسلم له هذا الامر وارض به ، فانك ان تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الامر لخليق ، وعليه حقيق ، في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك (4) .

وهذا النمط من التفكير كان سائدا في المجتمع آنذاك ، فقد سبق ان اعترضوا على رسول الله ( صلى الله عليه واله ) عندما امر اسامة بن زيد عليهم في آخر جيش جهزه قبل وفاته ( صلى الله عليه واله ) ، مما دعاه الى التأكيد على لياقته لهذه المسؤولية ، وبالرغم من ذلك تباطأ من تباطأ عن اللحاق بالمعسكر ، ولفقت الاعذار ، وما اشبه هذا بذاك .

ومنها : ان عليا وتر اكثر العرب ، وبخاصة قريشا ، بكثرة من قتل من صناديدهم وفرسانهم في المعارك الاسلامية الحاسمة ، والعرب لا تنسى ثاراتها ، وان منعها الاسلام من الاخذ بها ، وجعل كل دم في الجاهلية مطلولا ، الا ان ذلك ترك في نفوسهم ضغائن واحقادا ليس من السهل اخراجها ، فكره هؤلاء امارته ، وخاف آخرون ان لا تجتمع عليه العرب بسبب ذلك ، فرغبوا في اخراجها عنه .

ومنها : ان الكثير من القبائل والشيوخ كانت انفسهم تتوق الى الامارة ، وقد طلب بعضهم من رسول الله ( صلى الله عليه واله ) في حياته ان يجعل لهم من الامر شيئا ، بل ربما شرط البعض عليه ذلك عند اسلامه ، ولم يكن رسول الله ( صلى الله عليه واله ) يستجيب لرغباتهم ، وانما كان يقول : ( الامر للّه ، يضعه حيث يشاء ) (5) .

والان وبعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه واله ) كانت الفرصة قد حانت لاخذ نصيبهم ، وكانوا يخشون ان بقيت الامارة في بني هاشم ان لا تخرج منهم ابدا ، وان اخذها المهاجرون لم يجعلوا للانصار فيها نصيبا .

ومن الانصار من راى ان الخزرج ان ذهبوا بها استطالوا بها على الاوس .

وهكذا .. فقد اجتمع كل هؤلاء على اخراجها من اهلها وتوسيعها في العرب لتتسع (6) وتنتقل بين القبائل ، ولا شك ان مثل هذه الفكرة توافق الجميع .

ومنها : ان البعض كان يكره ان يتولى علي ( عليه السلام ) الامر ، خوفا من شدة وطأته في امر الله ، مما لا يدع لهم اي امل في تحقيق احلامهم الدنيوية التي لا يخلو منها الا من عصم الله .

وهو ما اشارت له السيدة الزهراء ( عليها السلام ) وهي تخاطب الانصار بعد يوم السقيفة بقولها : ( وما الذي نقموا من ابي الحسن ؟ نقموا منه والله نكير سيفه ، وقلة مبالاته بحتفه ، وشدة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمره في ذات الله ) (7) .

وهو ما اشار اليه عمر بن الخطاب وهو على فراش الموت ، مخاطبا علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) : اما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح والمحجة البيضاء (8) .

على اي حال فان نص رسول الله ( صلى الله عليه واله ) على علي ( عليه السلام ) لم يكن يوافق هوى الكثير من المسلمين ، وهو الذي كان يتخوف منه الرسول ( صلى الله عليه واله ) ، حتى انزل الله عليه : ( والله يعصمك من الناس ) (9) .

المهم في المقام ان مسألة وصاية علي ( عليه السلام ) كانت معروفة بينهم وعهدهم بيوم الغدير غير بعيد ، بل ان اشتهار علي ( عليه السلام ) بلقب الوصي كان يشكل معضلة لمن عمل على ابعاده ( عليه السلام ) عن الخلافة (10) .

 

لماذا الاستدلال ؟

الغرض من اقامة الدليل على قضية من القضايا هو اثباتها عند من ينكرها او من لم تثبت عنده ، واحقية امير المؤمنين ( عليه السلام ) من خلال ما تقدم من شواهد وغيرها ، مما لا يسع المقام لاحصائها ، كانت موضع تسليم من الجميع ، والداعي الى مخالفة ذلك الحق لم يكن الجهل به وانكاره ، بل هى مجموعة اعتبارات راوها ، ووجوه استحسنوها . وعندئذ كان لابد من الاحتجاج عليهم في تلك الاعتبارات والوجوه ، ومناقشتها وابطالها . وهذا ما دفع امير المؤمنين ( عليه السلام ) الى تحديد اسلوب احتجاجه بما يتناسب مع المقام ، واستخدام نفس الادوات التي احتجوا بها على منافسيهم من الانصار في افحام حجتهم . هذا كله لو سلمنا انه لم يتعرض لتذكيرهم بالنصوص الواردة عن رسول الله ( صلى الله عليه واله ) في شأن الوصية ، في حين انا لا نسلم به ، وسنتعرض لاحقا الى طائفة من الاخبار التي تضمنت ذلك .

هذا بالاضافة الى ان المطالبة بالخلافة على انها حق من حقوقه ، واتهامهم بالتجاوز والظلم يكفينا في المقام ، لان ذلك متفرع على وجود ذلك الحق ، ومما لاشك فيه ان ملاك ذلك الحق لم يكن مجرد الاولوية والافضلية كما يحلو للبعض ان يصوره فان هذه لا يوجب تجاوزها الظلم ولا التهمة باغتصاب الحق ، ولا التخلف عن البيعة كما هو ثابت . اذا كان المتهالكون على السلطان يعتدون بذلك ، ويتخذون المواقف على ذلك الاساس .

فان امير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي بلغ غاية الزهد في الدنيا وطلقها ثلاثا لا رجعة فيها ، وكان احرص الناس على الاسلام ووحدة المسلمين وعزتهم ، لا يمكن ان يتصور بحقه الوجد على القوم واعتزالهم لمجرد انهم لم يراعوا تقدمه واولويته .

ويكفينا في المقام انه ( عليه السلام ) قال للقوم : ( فوالله يا معشر المهاجرين ، لنحن اهل البيت ـ احق بهذا الامر منكم ، اما كان منا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بالسنة ، المضطلع بالرعية ؟ والله انه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى ، فتزدادوا من الحق بعدا ) (11) .

وكيف يكون عملهم اتباعا للهوى وبعدا عن الحق ما لم يكن هناك حق ثابت ، ودليل محرز ؟ من يطالع شخصية امير المؤمنين ( عليه السلام ) بانصاف ، يقطع بأن وراء مواقفه من السقيفة وما بعد السقيفة نصا من رسول الله ( صلى الله عليه واله ) ، وامانة حملها اياه ، ومسؤولية ليس له مندوحة عن التخلي عنها . فلا شك ان السلطان ليس له اي اهمية في حياة علي ( عليه السلام ) ، وهو القائل : (... وان دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ) . (12) ( والله لدنياكم هذه اهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم ) (13) .

وغير ذلك من درر كلامه الذي ملأ الخافقين ، وشحن به كتاب نهج البلاغة . فلو لا ان الامامة عهد من الله ورسوله اليه ، وامانة في عنقه ، لصفح عنها معرضا ، ولفر منها هاربا . لكنها في نظره مسؤولية لا محيص عن تحملها ما لم يحصل العذر وتسقط الحجة . وعلى هذه القاعدة نهض بها ( عليه السلام ) عندما آلت الامور اليه ، وجاءه الناس يسعون ، وبينه ( عليه السلام ) في خطبته آنذاك حيث قال : ( لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما اخذ الله على العلماء ، الا يقاروا على كظة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لالقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس اولها ، ولالفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز ) (14) .

وقد اتضح مما تقدم :

1ـ ان عدم الاحتجاج بالنص لو سلم انما هو لكونه معلوما عندهم ، والسعي الحثيث من قبل القوم كان لتبرير تجاوزه .

2ـ ان احتجاجه ( عليه السلام ) على اهل السقيفة وبعدها اتخذ منحى ابطال ما لفقوه من الادلة لابعاد اهل البيت ( عليه السلام ) ، واستفاد ( عليه السلام ) من نفس الطريقة التي استخدمها المهاجرون الذين حضروا السقيفة على فريق الانصار هناك ، ليكون ابلغ في اسكاتهم وابطال حجتهم ، فانهم استدلوا بأنهم عشيرة الرسول ( صلى الله عليه واله ) واقرب الناس اليه ، ولا شك انه ( عليه السلام ) الاقرب الى الرسول ، واستدلوا بأن العرب لا تعطي القياد الا لمن كانت النبوة فيهم ، واولى الناس في ذلك علي ( عليه السلام ) لانه اشد الناس التصاقا بالرسول ( صلى الله عليه واله ) ، واستدلوا بأنهم اهل السابقة ، ولم يكن فيهم اسبق منه ( عليه السلام ) الى الاسلام والجهاد .

3ـ ان عدم الاحتجاج بالنص لا يدل على عدم النص ، لان امير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يكن متفانيا في الحصول على السلطان بقدر ما كان يريد اقامة الحجة عليهم وتحصيل العذر امام الله سبحانه ، وهذا المقدار من الاحتجاج والمطالبة يحقق ذلك ، ولا يجب ابدا ان يحتج عليهم بما يعلمون وبما شاهدوا وسمعوا ، نعم لو انهم كانوا تجاوزوا حقه عن جهل بالنصوص والدلائل لوجب عليه بيانها والاتيان بالشهود والبينات .

وعلى اي حال فالذي يهمنا ان مجرد عدم احتجاجه ( عليه السلام ) بالنص ، لا يلزم منه انتفاء النص . ويبدو ان البعض قد لام امير المؤمنين ( عليه السلام ) على تأخره عن الخروج لمنازعة القوم فأجابهم ( عليه السلام ) بقوله : ( لا يعاب المرء بتأخير حقه ، انما يعاب من اخذ ما ليس له ) (15) .

هذا كله كما قدمنا على فرض انه لم يستدل عليهم بالنصوص الصريحة في الامامة ، الا ان الكثير من الروايات التي نقلت لنا في تصوير ما حدث في السقيفة وبعدها ، وفي الشورى التي عينها الخليفة الثاني عند اشرافه على الموت ، وبعد ذلك ايام خلافته ، تتضمن مناشدته ( عليه السلام ) لهم وللمسلمين واستدلاله على حقه بالنصوص . واذا خلت كتب القوم عن تلك الروايات او عن جلها فهو لا يعني عدم وجودها ، فانه من الطبيعي جدا في كتب صنفت في عهد السلاطين والاسر الحاكمة ، وتحت نظرهم ان لا تتضمن ما يزعجهم وينغص عليهم دنياهم ، خصوصا لو تضمنت تلك الكتب ادلة تاريخية وشرعية على انهم ليس لهم الحق في المناصب التي يشغلونها والعروش التي يتربعون عليها .

من اجل هذا يجب عدم الاصغاء الى من يشكك بصحة تلك الروايات ، لعدم ورودها في مجاميعهم الحديثية ولا في كتبهم التأريخية ، لان هذه الكتب لا تمثل تمام الحقيقة .

وسنذكر هنا طرفا من الروايات الواصلة التي تلقي الضوء على حقيقة الواقع الذي عاشه علي ( عليه السلام ) بعد رحيل رسول الله ( صلى الله عليه واله ) ، وكيف واجه القوم بالحجة البالغة ، والادلة القاطعة :

اولا : مرحلة السقيفة وتفاعلاتها :

روى الطبرسي عن ابي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني باسناده الصحيح عن رجاله ثقة عن ثقة حديثا يتضمن طرفا مما جرى بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه واله ) ، وفيه : ... فقال امير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( يا معاشر المهاجرين والانصار ، الله الله في امري ، ولا تخرجوا سلطان محمد ( صلى الله عليه واله ) من داره وقعر بيته الى دوركم وقعر بيوتكم ، ولا تدفعوا اهله عن حقه ومقامه في الناس .

فوالله يا معاشر الجمع ، ان الله قضى وحكم ، ونبيه اعلم وانتم تعلمون ، انا اهل البيت احق بهذا الامر منكم ، اما كنت القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، المضطلع بأمر الرعية ؟ والله انه لفينا لا فيكم فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا، وتفسدوا قديمكم بشر حديثكم ) فقال بشير بن سعد الانصاري ـ الذي وطأ الامر لابي بكرـ وقالت جماعة من الانصار : يا ابا الحسن لو كان هذا الكلام سمعته منك الانصار قبل بيعتها لابي بكر ، ما اختلف فيك اثنان .

فقال علي ( عليه السلام ) : ( يا هؤلاء اكنت ادع رسول الله مسجى لا اواريه ، واخرج انازع في سلطانه ؟ والله ما خفت احدا يسمو له ، وينازعنا اهل البيت فيه ، ويستحل ما استحللتموه ، ولا علمت ان رسول الله ( صلى الله عليه واله ) يوم غدير خم يقول : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، ان يشهد الان بما سمع ) قال زيد بن ارقم : فشهد اثنا عشر رجلا بدريا بذلك ، وكنت ممن سمع القول من رسول الله ( صلى الله عليه واله ) فكتمت الشهادة يومئذ ، فدعا على علي ( عليه السلام ) فذهب بصري (16) .

وفي رواية اخرى عن ابان بن تغلب قال : قلت لابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) : جعلت فداك ، هل كان احد في اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه واله ) انكر على ابي بكر فعله وجلوسه في مجلس رسول الله ( صلى الله عليه واله ) ؟ فقال : ( نعم كان انكر على ابي بكر اثنا عشر رجلا ) ـ وعد اسمأهم فكانوا ستة من المهاجرين وستة من الانصارـ ، ثم ذكر ما جرى بينهم وبين ابي بكر وهو على منبر رسول الله ( صلى الله عليه واله ) في المسجد، واستدلالهم على احقية علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) بالنصوص والاعتبارات ، وذكر كل واحد منهم من النصوص ما لم يذكره الاخر (17) . وخبر الاثني عشر رجلا الذين انكروا على ابي بكر متواتر عند الشيعة كما ذكر المجلسي ورواه ايضا مخالفوهم كمحمد بن جرير الطبري صاحب التأريخ في كتابه مناقب اهل البيت ( عليه السلام ) .

ثانيا : مرحلة الشورى وخلافة عثمان

وقد احتج ( عليه السلام ) بحديث الغدير يوم الشورى السداسية التي عينها عمر ، فكان فيما قال :(... فأنشدكم بالله هل فيكم احد قال له رسول الله ( صلى الله عليه واله ) : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، ليبلغ الشاهد الغائب ، غيري ) ؟ قالوا: اللهم لا (18) الى آخر الحديث .

واحتج ايضا بالنص ايام خلافة عثمان في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه واله ) بحضور اكثر من مئتي رجل من رجال المسلمين ، فناشدهم بالله ، وذكر عددا من فضائله والنصوص الواردة بحقه ، وكان من جملتها نص الغدير ، فقام عدد منهم فشهدوا انهم سمعوا كل ذلك من رسول الله ( صلى الله عليه واله ) (19) .

ثالثا : ايام خلافته ( عليه السلام ) .

كما ورد احتجاجه ( عليه السلام ) بحديث الغدير في رحبة الكوفة ايام خلافته (20) .

ورويت مناشدته ( عليه السلام ) طلحة بحديث الغدير وشهادته بسماعه ، وذلك يوم الجمل ، (21) وكذلك مناشدته ( عليه السلام ) الناس يوم صفين . (22) ومجموع ما روي من مناشدات امير المؤمنين ( عليه السلام ) وغيره ممن اعرضنا عن ذكره اختصارا ، لا يدع مجالا للشك بأن امير المؤمنين ( عليه السلام ) كان قد استدل على حقه بالنص ، الا انه لم يقبل منه ذلك ، للاعتبارات التي سبق ان اشرنا اليها .

والعجيب ممن يغمض عينيه عن كل هذه النصوص ، ويتجاهل التواتر القطعي في حديث الغدير والثقلين ، وحديث المنزلة ، وحديث السفينة ، وغيرها من النصوص التي تدل على ان رسول الله ( صلى الله عليه واله ) لم يترك امته حتى اقام لهم علماء ، ونصب لهم اماما يقتدون به ، ويجتمعون اليه ، ليقيهم من الفتنة ، ويعصمهم من الضلالة .

وعدم احتجاجه ( عليه السلام ) على معاوية بالنص فيما وصل الينا من رسائله ومكاتباته ، ايضا لا يقتضي عدم النص ، وانما عدل الى الاحتجاج عليه بما يلتزم به ويظهر الرضا به ، من باب ( الزموهم بما الزموا به انفسهم ) ، حيث ان معاوية قبل خلافة السابقين ببيعة المهاجرين والانصار ، فاحتج عليه ( عليه السلام ) بأنه بايعه الذين بايعوا ابا بكر وعمر ، فكيف قبل بهما ولم يقبل به ، اذا كان هذا هو الملاك عنده ؟ وعندما قال له : انما الشورى في المهاجرين والانصار ، اراد ( عليه السلام ) رد ما اعتذر به من انه لم يستشر بالامر ، حيث ان معاوية لم يكن من الانصار ولا كان من المهاجرين ، لان الهجرة انقطعت بالفتح ، ولم يكن معاوية الى ذلك الوقت قد اسلم ولا هاجر ، بل هو من الطلقاء . فالمقام كان مقام ابطال حجة الخصم ، وامثال معاوية لا يستدل عليهم بما يمكن ان يسرعوا لانكاره .

 

دوافع السكوت :

ان البعض ممن لا يمتلك دقة النظر ولا يحسن قراءة الاحداث والشخصيات السياسية والدينية ، ينظر الى الامور من نافذة ضيقة تقوده الى الاعتقاد بأن شجاعة علي ( عليه السلام ) المشهودة لا تنسجم مع سكوته عن حقه ، وقضية امتناع امير المؤمنين ( عليه السلام ) عن اللجوء الى السيف في حسم نزاعه مع القوم من المسلمات التاريخية . فيدل ذلك حسب زعمهم على ان حقه ( عليه السلام ) كان من قبيل اعتقاد الانسان بأنه افضل القوم واولى منهم بذلك ، فيغتاض من تأخيره وتقديم غيره ممن دونه في الفضل ، ولا يصل الامر الى المناجزة والاحتكام للسيف . ولو كان هناك وصية ونص لما ترك حقه ، ولما امتنع عن تجريد السلاح في وجوههم ، وهو لا تنقصه الشجاعة والقوة ، كما تشهد له الحروب التي خاضها مع رسول الله ( صلى الله عليه واله ) ، والاقران الذين جندلهم .

والحق ان هذا الاسلوب من التفكير والتحليل التاريخي للحدث ، يدل على قصور في النظر ، وتقصير في التتبع ، وملاحظة الامور من جهة واحدة ، وقياس الانسان الذي يعيش من اجل المبدأ ولا يتحرك الا في سبيل الدنيا ، ويستخدم كل وسيلة في سبيل الوصول الى السلطان .

فأمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان شجاعا ، الا انه لم يستخدم شجاعته في سبيل المرب الشخصية والاطماع الدنيوية ، بل كانت شجاعته في سبيل الله ، وعلى اعداء الله ، كان قويا ليستخدم قوته في سبيل اعزاز الدين واذلال الكافرين .

وبعض الناس مع الاسف يعجبون ببطولات امير المؤمنين ( عليه السلام ) ، لكنهم ينظرون اليها كما ينظرون الى بطولات عنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن ، ومثل هذا التفكير سطحي جدا .

يفترض بنا ان نبحث عن تلك البطولات وتلك الشجاعة كيف استخدمت ؟ وفي سبيل ماذا ؟ ليس فخرا ان يكون الانسان شجاعا مقداما في التعدي على الحقوق وارهاب الاخرين ، فهذا هو الطغيان المذموم .

لقد تميزت شجاعة علي ( عليه السلام ) وبطولته بأنها لم تستخدم ابدا لتحقيق غاية دنيوية ولا شخصية ، كان ( عليه السلام ) يملك عنان شجاعته ويتحكم بزمام قدرته ، ويحركها باتجاه رضى الله ، ونصرة دينه .

يروى انه ( عليه السلام ) لما صرع عمرو بن عبد ود يوم الخندق تباطأ في احتزاز راسه وتوقف قبل ان يضربه ، فلما جاء سأله النبي ( صلى الله عليه واله ) عن ذلك فقال : ( قد كان شتم امي وتفل في وجهي ، فخشيت ان اضربه لحظ نفسي ، فتركته حتى سكن ما بي ثم قتلته في الله ) . (23) لقد كان امير المؤمنين ( عليه السلام ) ابرز مصداق للاية الشريفة : ( محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم ) (24) ، وقد وصفه تعالى في آية اخرى فقال : ( يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) (25) . فقد روى الثعلبي وغيره انها نزلت في علي وان لم تكن مختصة به فهو من ابرز المقصودين فيها .

وقد أوضح ( عليه السلام ) فلسفة قعودة عن مناجزتهم في عدة مواقف نذكر بعضا منها :

1ـ في كتابه الى اهل مصر : (... فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي ، ان العرب تزعج هذا الامر من بعده ( صلى الله عليه واله ) عن اهل بيته ، ولا انهم منحوه عني من بعده على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رايت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام ، يدعون الى محق دين محمد ( صلى الله عليه واله ) فخشيت ان لم انصر الاسلام واهله ان ارى فيه ثلما او هدما تكون المصيبة به علي اعظم من فوت ولايتكم ) (26) .

2ـ وقال ( عليه السلام ) بعد ان عزموا على بيعة عثمان : ( لقد علمتم اني احق الناس بها من غيري ، ووالله لاسلمن ما سلمت امور المسلمين ولم يكن فيها جور الا علي خاصة .. ) (27) .

3ـ وقال ( عليه السلام ) في خطبته المعروفة بالشقشقية : ( لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما اخذ الله على العلماء الا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ، لالقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس اولها ، ولالفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز ) (28) .

فالذي دعاه ( عليه السلام ) الى العدول عن مناجزتهم وقتالهم امور عدة :

1ـ انه ( عليه السلام ) لم يجد من المسلمين عددا كافيا للقيام بالسيف ، وان كان يمتلك من الشجاعة ما يجعله قادرا على الوقوف لوحده ، الا ان للناصر في مثل هذا المقام موضوعية ، فان المسألة ليست مسألة انتقام ، وانما هي امارة يراد بها سياسة الناس تدبير امورهم ، فاذا عدلت الامة عن اميرها ، ولم تقف الى جانبه ولم تنصره على عدوه ، سقطت الحجة عنه وكان له القعود والاعتزال . وقد وردت نصوص عديدة تدل على انه ( عليه السلام ) قد حمل فاطمة والحسنين ( عليه السلام ) ودار بهم ليلا على بيوت المهاجرين والانصار واستنصرهم في محاولة لاستطلاع الوضع واحصاء القدرات المتاحة ، فما استجاب له الا القليل ممن لم تقم بهم الحجة .

2ـ انه ( عليه السلام ) نظر بعينه الثاقبة الى مستقبل الاسلام ، وراى ان المجتمع الاسلامي حديث عهد بالدين ، وان الحرب الداخلية ستأتي على الاسلام من الجذور ، ولن تبقي له اثرا ، وامير المؤمنين ( عليه السلام ) يعيش هم الاسلام ، وقد رعى بذرته منذ نشوئها ، وشارك في انمائها جنبا الى جنب مع الرسول الاكرم ( صلى الله عليه واله ) ، فلا يتصور منه ان يقدم على ما يؤدي الى القضاء على الاسلام ، واي فائدة تعود عليه اذا اقدم على ذلك ؟ لاجل هذا لجأ ( عليه السلام ) الى المسالمة ، وتخلى عن حقه في الامارة والخلافة .

3ـ واخيرا فهو ( عليه السلام ) ليس له رغبة شخصية في الامارة ولا يحرص عليها، واذا طلبها فانما يطلبها لغيرها ، يطلبها ليقيم قواعد العدل ويكرس احكام الدين ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهذه هي مهمة الانبياء والاوصياء واهدافهم ، فاذا امكنهم ذلك قاموا بالامر وتحملوا اعباء المسؤولية ، واذا حالت دونهم الظروف وقامت امامهم الموانع والعقبات ، لم يأسوا على مافاتهم من الامارة والسلطان ، بل اعتبروا ذلك من قبيل التكليف الذي اسقطه الله بالعجز وعدم القدرة . وهذا حاله ( عليه السلام ) مع قومه .

فقد تبين ان موقف امير المؤمنين ( عليه السلام ) عندما عدل عن السيف ولجأ الى السلم لم يكن اقرار او اعترافا بشرعية الاخرين ، ولا يدل ابدا على بطلان حقه وسقوط اولويته وتقدمه ، ولم يكن ذلك تقصيرا في وظيفته التي حمله الله اياها. وحاله كان كحال الانبياء العظام الذين ارسلهم الله رحمة للناس ، فخذلوهم وكذبوهم ، فعاد ذلك على الناس بالسوء والضلال ونجى الله انبياءه ورفع منازلهم عنده بما صبروا وجاهدوا .

والمسلمون اليوم بلا شك يعيشون ما يعيشون من الفرقة والتشتت والوهن والضياع ، لانهم لم يتمسكوا بالثقلين اللذين امرهم الرسول ( صلى الله عليه واله ) بالتمسك بهما، كتاب الله وعترة رسوله ( صلى الله عليه واله ) .

وحالوا دونه ودون ان يكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده ابدا ، وليت شعري هل كان سيكتب ( صلى الله عليه واله ) لهم الا الوصية بالكتاب والعترة اللذين لم يفتأ يوصي بهما في مواضع عدة حتى وافته المنية ؟

 

كلمة اخيرة :

انا عندما ندرس الحديث النبوي لابد ان نعتمد على قواعد ثابتة ونتجلبب الانصاف ونتحلى بالتجرد والاخلاص . والحق يقال : ان الكثير من الباحثين قد واجهتهم مشكلة كبيرة عندما حاولوا دراسة الحديث النبوي المدون في المجاميع المختلفة على اساس الواقع التاريخي الواصل الينا ، فوجدوا انفسهم بين محذورين : اما ان يقبلوا الاحاديث التي تقتضي الاصول والقواعد صحتها واعتبارها ، ومنها الاحاديث التي تقتضي ثبوت فكرة الامامة التي يقول بها الشيعة الامامية ، وتقتضي ثبوت حق علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) ، ومنها ما هو متواتر لفظا ومعنى واعدادها غفيرة جدا ، واما ان يقبلوا الواقع التاريخي الذي حكم الامة الاسلامية بعد رسول الله ( صلى الله عليه واله ) قرونا متطاولة ، وهذا يقتضي رفض الواقع الاول ، والاعراض عن الجم الغفير من الروايات المعروفة والمتواترة ، وما يلزم ذلك من اتهام رواتها والمصنفين الذين دونوها في مصنفاتهم وكتبهم .

ولا شك ان المرء اذا تأثر بالتيار العام وجرفته العاطفة والعصبية تجاه قومه وعصبته واجداده ، ووقع تحت تأثير الاجواء التي صنعتها الاجهزة الحاكمة ، سيجد نفسه عاجزا عن التخلي عن الواقع التاريخي ، فيعمد الى تصحيح ذلك الواقع على حساب المحذور الاول ، ويسلك مسلكا علميا لا يخلو من التخبط والعثرات ، فيتبع القواعد والاساليب العملية في البحث حتى اذا وصل الى مسألة الامامة طوى عن تلك القواعد صفحا ، وبدل اسلوبه العلمي بأسلوب آخر ، وجرد خنجره ليطعن في المتواتر ، ويسقط الصحيح ، وينكر الثابت ، ويؤول ما هو صريح ، ويعارض الصحيح بالسقيم ، والمسند بالمرسل ، ويخبط خبط عشواء ، مرتكبا اكبر الخطايا في حق السنة النبوية ورواتها الاثبات ، خدمة لواقع تاريخي حكم عليه مسبقا بالقداسة والمنعة ، ورسم خطا احمر حوله ، مؤذنا بأن لهذا الواقع حريما وحرما لا يمكن المساس به .

والعجيب انه بعد ذلك يبدأ بشن الحملات على الاخرين ، متهما اياهم بالابتعاد عن الحق ، والانحراف عن الدين ، والتخلي عن السنة ، ولا يقصد بالسنة طبعا الا تلك المرويات التي تتناسب مع الواقع المقدس بزعمه . واما هذه الاحاديث التي ملات الخافقين ، وتواترت عند الفريقين فيقولون : اسمحوا لنا بها وغضوا النظر عنها . فهي مما يلزم منها الحكم على البعض بارتكاب الخطأ ، وهذا يثير الحساسيات ويفرق الامة ، والجميع حريص على وحدة الامة ، فأي فائدة من التنقيب عنها وطرحها للبحث من جديد ؟ هذا المنطق مع الاسف يتبناه العديد من اهل العلم كما يسمون انفسهم ونحن لايكاد ينقضي عجبنا ، لا من الذين يرضون بالامر الواقع ، وانما من الذين يسعون جهدهم لتبرير الامر الواقع والحكم عليه بالصحة دائما .

ثم ان قضية وحدة الامة الاسلامية ، لا شك في قدسيتها ، ولا شك بأنها من اهم الاهداف التي علينا ان نسعى لتحقيقها . الا اننا لا نفهم كيف يكون البحث في الامامة مانعا من تحقيقها ، نحن نريد للامة الاسلامية ان تتوحد على ارض صلبة ، نريد لها ان تتوحد على اساس متين لا تؤثر فيه العواصف ، ولا تهزه الزلازل ، نريد للامة الاسلامية ان تتوحد على اساس المشتركات التي لا يشك احد انها عين الحقيقة ، وهي جمة كثيرة ، اليس كتاب الله تعالى الذي بين ظهرانينا هو الاصل الذي نشترك جميعا بالايمان به ، والتسليم له ؟ اليس رسول الله ( صلى الله عليه واله ) نبينا الذي لا نشك بنبوته ولا يعترينا الريب انه الرسول الذي لا ينطق عن الهوى ، وانه جاء بالحق ونطق بالصدق ؟ الى ما هناك من الاصول المشتركة والفروع الفقهية المتفق عليها ، الا يمكن ان تكون هذه الاصول والمشتركات قاعدة لتوحيد الامة ودفعها لبناء كيان واحد قوي ، يحقق عزتها وشرفها ويحررها من القيود التي فرضتها دول الضلال وسلاطين الجور ؟ لماذا نسمح للاعداء ولذوي النفوس المريضة والنزعات الخبيثة ان يلعبوا على المسائل الخلافية ويستغلونها لاثارة النزاعات وخرق صفوفنا وشرذمتنا ؟ ثم يأتي من يعلق وحدة الامة على مستحيل ، فيقول على هذا الفريق ان يترك قناعاته لصالح وحدة الامة ،وعلى ذلك الفريق ان يتخلى عن اسلوب البحث العلمي ويسلم بالامر الواقع على ما هوعليه لصالح وحدة الامة . بينما الامة الاسلامية تعيش الويلات وتتجرع الغصص ، ممن لا يقر بمسلمات هذا الفريق ولا ذاك ، ولا يؤمن بشئ من معتقدات هذا الفريق ولا ذاك ، ولا يهمه الا مصالحه الشخصية ومربه الذاتية .

فوحدة المسلمين لا تتوقف على التسليم بصحة التاريخ كما يتوهمه البعض ، ولا تتوقف على قبول كل فريق لمسلمات الفريق الاخر جميعا .

كما ان اسلوب اسقاط النصوص على النحو الذي يرتكبه البعض لتصحيح الواقع التاريخي له اخطاره الظاهرة ، لانا لا يمكننا ان نحكم المزاج والاهواء في قبول النصوص او ردها وفي تأويل ما لا يوافق الهوى على غير اساس علمي .

واذا امكن رد هذا السيل الهادر من النصوص والروايات ، الواردة في امامة علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) بمثل هذه الذرائع ، فلن يبقى للدين حصن منيع ، وبامكان هذه السهام ان تنال كل ما فيه وتجرح كل راو وكل رواية .

ولا نريد من احد ان يسلم قهرا بما نقول ، بل ندعو علماء المسلمين وباحثيهم الى التجرد عن العصبيات ، والتخلي عن العواطف الشخصية ، واعمال انظارهم ، والتأمل بأعين الانصاف ، وليكن الحق رائدنا جميعا ، ثم بعد ذلك لن يخاف على الامة الاسلامية ، فقد بلغت بذلك رشدها .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ الزبير بن بكار : الاخبار الموفقيات : 580 ، ابن ابي الحديد : شرح نهج البلاغة 5 :21 .

2ـ تاريخ الطبري 3 : 208 ، وابن الاثير في البداية والنهاية 2 : 123 ، والعسكرى ، : معالم المدرستين 1 : 155 .

3ـ الزبير بن بكار : الاخبار الموفقيات : 579 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 103 ، وابن ابي الحديد : شرح نهج البلاغة 9 : 19 20 .

4ـ ابن ابي الحديد : شرح نهج البلاغة 6 : 12 عن ابي بكر الجوهري في كتاب السقيفة .

5ـ ابن الاثير : البداية والنهاية 3 : 17 ( ط . دار احياء التراث ) في قصة عرض الرسول نفسه على بني عامر بن صعصعة وبني كندة ، ابن حبان :كتاب الثقات 1 : 89 ـ 90 ، والكاندهلوي : حياة الصحابة 1 : 78 ـ 79 ، الحلبي : السيرة الحلبية 2 : 3 ، زيني دحلان : السيرة النبوية بهامش الحلبية 1 : 283 ، ابن هشام : السيرة النبوية 1 : 424 ـ 425 ( ط . تراث الاسلام ) . وراجع : ابن شهرآشوب : مناقب آل ابي طالب 1 : 317 ( ط . الاضواء ) في قصة عرض الرسول نفسه على بني كلاب ، والمجلسي : بحار الانوار 23: 74 . وقضية عامر بن الطفيل في سعد السعود لابن طاووس : 218 ، وجعفر مرتضى العاملي : الصحيح من سيرة النبي 5 : 339 . وغيرها من المصادر .

6ـ ابن ابي الحديد : شرح نهج البلاغة 6 : 43 .

7ـ المجلسي : بحار الانوار 43 : 160 .

8ـ ابن ابي الحديد : شرح نهج البلاغة 1 : 186 حكاه عن الجاحظ في كتاب السفيانية .

9ـ سورة المائدة : 67 .

10ـ راجع : المجلسي : بحار الانوار 38 / 1 ، والعسكري : معالم المدرستين 1: 454 .

11ـ ابن ابي الحديد : شرح نهج البلاغة 6 : 12 .

12ـ نهج البلاغة : الخطبة : 224 .

13ـ نهج البلاغة : قصار الحكم : 236 .

14ـ نهج البلاغة : الخطبة 3 .

15ـ نهج البلاغة / قصار الحكم / 166، وشرح ابن ابي الحديد 18 : 168. وقد روي عن الحسن ( عليه السلام ) قوله : ( ايها الناس انه لا يعاب احد بترك حقه ، وانما يعاب ان يأخذ ما ليس له ) . ( المجلسي : بحار الانوار 10 : 143) .

16ـ الطبرسي : الاحتجاج 1: 183 185 ( ط . انتشارات اسوة ) .

17ـ راجع : المجلسي : بحار الانوار 28: 214، الصدوق : الخصال 2: 461 ، البياضي : الصراط المستقيم 2: 79 84 ، ابن قتيبة : الامامة والسياسة 1 : 12.

18ـ الاميني : الغدير 1: 159 .

19ـ الاميني : الغدير: 1 : 163 ، الحمويني : فرائد السمطين 1 : 312 (الباب 58) . وكتاب سليم بن قيس الهلالي : 111 .

20ـ الخوارزمي : المناقب : 159، مسند احمد 5: 366، ترجمة الامام علي من تاريخ ‌دمشق لابن عساكر 2: 6 ـ 25، وحديث المناشدة في الرحبة متواتر، نقل العديد من طرقه ابن عساكر، والاميني في الغدير 1 : 166 ـ 184، والمجلسي : بحار الانوار 37 : 148 وقبلها وبعدها .

21ـ راجع : العلامة الاميني : الغدير : 1 : 186 ـ 187 .

22ـ نفس المصدر 1: 195 196 .

23ـ ابن شهرآشوب : مناقب آل ابي طالب 2: 132 ( ط. بيروت ) ، المجلسي : بحار الانوار 41 : 51 .

24ـ سورة الفتح : 29 .

25ـ سورة المائدة : 54 .

26ـ نهج البلاغة / الكتاب : 62 .

27ـ الشريف الرضي : نهج البلاغة / الخطبة 74 .

28ـ الشريف الرضي : نهج البلاغة / الخطبة 3 .