حديث الثقلين


تأليف
السيّد علي الحسيني الميلاني

إعداد: مركز الأبحاث العقائدية

 

مقدّمة المركز

لا يخفى أنّنا لازلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والافهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث.

وانطلاقاً من ذلك، فقد بادر مركز الابحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الاسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن.

ومن هذه المحاور: عقد الندوات العقائديّة المختصّة، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين، التي تقوم نوعاً على الموضوعات الهامّة، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد


الصفحة 6


 

والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها، ثم يخضع ذلك الموضوع ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج.

ولاجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الانترنت العالمية صوتاً وكتابةً.

كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم.

وأخيراً، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان «سلسلة الندوات العقائدية» بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها.

وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها.

سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله.

مركز الابحاث العقائدية
فارس الحسّون   


الصفحة 7


 

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الاولين والاخرين.

موضوع بحثنا «حديث الثقلين»، هذا الحديث الذي لو عمل به وطبّق لما وقع خلاف بين المسلمين.

إنّ الدعوة إلى الوحدة الاسلامية وإلى نبذ الخلافات بين الفرق، من جملة الاُمور التي يهتمّ بها المفكّرون المصلحون من المسلمين، وعندهم للوصول إلى هذا الهدف مشاريع واقتراحات ونظريات، ولكن حديث الثقلين خير جامع بين المسلمين، لانّه حديث يتّفق عليه كلّ الاطراف، وهو حديث واضح في مدلوله وفي معناه.

ولنذكر قبل الورود بالبحث لفظاً أو لفظين من ألفاظ هذا الحديث الشريف:

 


الصفحة 8


 

في صحيح الترمذي بسنده عن جابر بن عبدالله الانصاري، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «يا أيّهاالناس إنّي تركت فيكم ما إنْ أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(1) .

وفي صحيح الترمذي أيضاً بإسناده عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الاخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتّى يردا عَلَيّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(2) .

فهذان لفظان من ألفاظ الحديث، عن صحابيين من رواة هذا الحديث الشريف من الصحابة.

والبحث في هذا الحديث لابدّ وأن يكون في جهات:

الجهة الاُولى: في تحقيق ألفاظ هذا الحديث.

الجهة الثانية: في رواة هذا الحديث.

الجهة الثالثة: في دلالات هذا الحديث.

الجهة الرابعة: في المناقشات والمعارضات.

____________

(1) صحيح الترمذي 5/662 رقم 3786 ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

(2) صحيح الترمذي 5/663 رقم 3788.


الصفحة 9


 

الجهة الاُولى
في تحقيق ألفاظ حديث الثقلين

هذا الحديث مشهور بحديث الثقلَين، والثَقَل: متاع المسافر كما في اللغة، فإنّي تارك فيكم الثَقَلين، الثقلين تثنية ثَقَل، وجماعة من المحدّثين واللغويين يقرأون الكلمة بالثِّقْلين: «إنّي تارك فيكم الثِّقْلين»، فيكون تثنية للثِقْل.

ولعلّ الاظهر كون الكلمة محرّكةً، أي «إنّي تارك فيكم الثَّقَلين» على أن تكون تثنية للثَقَل.

يقول صاحب القاموس: والثقل ـ محركة ـ متاع المسافر وحشمه وكلّ شيء نفيس مصون، ومنه الحديث: إنّي تارك فيكم الثَقَلين كتاب الله وعترتي(1) .

وإنّما أُرجّح الثَّقَل والثَّقَلين على الثِّقْلين، لانّه إذا كان الثَّقَل

____________

(1) القاموس المحيط 3/342 ـ ثقل ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1403 هـ.


الصفحة 10


 

بمعنى متاع المسافر، فهذا أنسب بحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالظروف التي قال فيها هذا الكلام، لانّ المسافر من بلد إلى بلد وخاصةً مع العزم على عدم العود إلى بلده السابق، يأخذ معه متاعه، ولمّا كانت المراكب في تلك العصور لا تتحمّل أخذ جميع وسائل الانسان وأمتعته، فلابدّ وأن يأخذ المسافر أنفس الاشياء وأغلى الاشياء وأثمن الاشياء التي يمتلكها، أو تكون في حوزته.

ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في حديث الثقلين: «إنّي قد دعيت فأجبت»، أو: «يوشك أنْ أُدعى فأُجيب»، هذه مقدمة حديث الثقلين، فيخبر رسول الله عن دنوّ أجله وقرب رحيله عن هذه الحياة، وحينئذ يقول: «وإنّي تارك»، ولا يخفى أنّ أغلى الاشياء عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأثمنها في حياته: القرآن والعترة، فكان ينبغي أنْ يأخذ القرآن والعترة معه، لكن مقتضى رأفته بهذه الاُمّة وحرصه على بقاء هذا الدين هو أن يبقي أغلى الاشياء عنده في هذا العالم، ويترك الثقلين الامرين اللّذين كان مقتضى الحال أن يأخذهما معه، فيقول: «إنّي تارك فيكم الثَقَلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، ثمّ يوصيهم بقوله: «ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا»، فالغرض من إبقاء هذين الامرين بين الاُمّة، والهدف من تركهما فيهم هو أنْ لا يضلّوا من بعده.


الصفحة 11


 

فبهذه القرائن الموجودة في داخل الحديث، والظروف المحيطة بهذا الحديث، نرجّح أنْ تكون الكلمة الثقَلين لا الثقْلين.

وقد لاحظتم في اللفظين المذكورين أنّه في اللفظ الاوّل يقول: «ما إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا»، وفي اللفظ الثاني يقول: «ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا»، وهذان اللفظان موجودان عند غير الترمذي أيضاً.

فلفظة «ما إن أخذتم» أو لفظة «الاخذ» موجودة في مسند أحمد(1) ، وفي مسند ابن راهويه(2) ، وفي طبقات ابن سعد(3) ، وفي صحيح الترمذي(4) ، وفي مسند أبي يعلى(5) ، وفي المعجم الكبير للطبراني(6) ، وفي مصابيح السنّة للبغوي(7) ، وفي جامع الاُصول لابن الاثير(8) ، وفي غيرها من المصادر.

____________

(1) مسند أحمد 5/492 رقم 18780.

(2) أنظر: المطالب العالية لابن حجر العسقلاني، رقم 1873.

(3) طبقات ابن سعد 1 / 194.

(4) صحيح الترمذي 2 / 219.

(5) على مافي بعض المصادر، مثل كتاب مفتاح النجا للعلامة البدخشي.

(6) المعجم الكبير للطبراني 3/62 رقم 2678 ـ دار إحياء التراث العربي.

(7) مصابيح السنة 4/190 رقم 4816 ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ 1407 هـ.

(8) جامع الاصول 1/278 رقم 66 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1403 هـ.


الصفحة 12


 

ولفظ «التمسك» تجدونه في مسند عبد بن حميد(1) ، وفي الدر المنثور(2) ، وغيرهما من المصادر.

وأنتم لو راجعتم اللغة لوجدتم معنى «الاخذ» في مثل هذا المقام، ومعنى «التمسك» في مثل هذا المقام هو «الاتّباع».

لكنّ كلمة «الاتّباع» أيضاً من ألفاظ حديث الثقلين، وهذا ما تجدونه في رواية ابن أبي شيبة(3) .

وفي رواية الخطيب البغدادي(4) لفظ «الاعتصام» بدل لفظ «التمسك» و«الاخذ»، يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تركت فيكم مالن تضلّوا بعدي إنْ اعتصمتم به كتاب الله وعترتي»، و«الاعتصام» في اللغة العربية في الكتاب والسنّة وفي الاستعمالات الفصيحة هو «التمسك».

ولذا نرى في الحديث المتفق عليه ـ أي الموجود في كتب أصحابنا وفي كتب القوم ـ عن الامام الصادق (عليه السلام) بتفسير قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا)(5) يقول الامام

____________

(1) منتخب مسند عبد بن حميد: 265.

(2) الدر المنثور، الجامع الصغير، إحياء الميت: 12.

(3) مصنف ابن أبي شيبة 10/505 رقم 10127 ـ الدار السلفية ـ الهند ـ 1401 هـ.

(4) مفتاح النجا للعلامة البدخشي عن المتفق والمفترق للخطيب.

(5) سورة آل عمران: 103.


الصفحة 13


 

جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): «نحن حبل الله». حديث الصادق (عليه السلام)هذا بتفسير الاية المباركة موجود في تفسير الثعلبي، وفي الصواعق المحرقة(1) ، وبعض المصادر الاُخرى.

وإذا راجعتم تفسير الفخر الرازي(2) في تفسير هذه الاية المباركة، وأيضاً تفسير الخازن(3) وبعض التفاسير الاُخرى، لرأيتم أنّهم يذكرون حديث الثقلين في تفسير الاية المباركة، وقد عرفنا أنّ الاعتصام هو «التمسك»، و«التمسك» يرجع إلى «الاتّباع» أيضاً، وذلك موجود أيضاً بسند صحيح في مستدرك الحاكم(4) .

وإذا وجب «الاتّباع» ثبتت الامامة بلا نزاع، فيكون علي وأهل البيت (عليهم السلام) خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده.

لكن حديث الثقلين ورد بلفظ «الخليفتين» أيضاً، كما تجدونه عند أحمد في المسند(5) ، وابن أبي عاصم في كتاب

____________

(1) الصواعق المحرقة: 233 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1414 هـ.

(2) تفسير الرازي 8/173.

(3) تفسير الخازن 1/277 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1415 هـ.

(4) المستدرك على الصحيحين 3 / 109.

(5) مسند أحمد 6/232 رقم 21068 و244 رقم 21145.


الصفحة 14


 

السنّة(1) ، وفي المعجم الكبير للطبراني، يقول الحافظ الهيثمي بعد أن يرويه عن المعجم الكبير للطبراني يقول: ورجاله ثقات(2) ، وكذا صحّح الحديث جلال الدين السيوطي(3) .

والالطف من هذا، عندما نراجع فيض القدير في شرح الجامع الصغير(4) يقول المنّاوي بشرح كلمة «عترتي» يقول: وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

فلاحظوا، ألفاظ هذا الحديث كيف تنتهي إلى الامامة والخلافة، وإلى تعيين الامام والخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

فظهر: أنّ هذا الحديث بجميع ألفاظه يؤدّي معنىً واحداً، وهو معنى الامامة، أمّا بلفظ «الخليفتين» فهو نص، ولا خلاف في هذا، وأيّ لفظ يكون أصرح في الدلالة على الامامة والخلافة من هذا اللفظ ؟! «إنّي تارك فيكم خليفتين ـ أو الخليفتين ـ: كتاب الله وعترتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي».

إذن، رأينا كيف يصدّق الحديث القرآن الكريم، وكيف يصدّق

____________

(1) كتاب السنّة لابن أبي عاصم: 336 رقم 754 ـ المكتب الاسلامي ـ بيروت ـ 1405هـ.

(2) مجمع الزوائد 9/165 ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ 1402 هـ.

(3) الجامع الصغير بشرح المناوي 3 / 14.

(4) فيض القدير 3/14 شرح حديث 2631 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1391 هـ.


الصفحة 15


 

القرآن الكريم الحديث النبوي الشريف.

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا) .

فهذه هي الجهة الاُولى فيما يرتبط بألفاظ حديث الثقلين، وأنّه كيف نستكشف الامامة والخلافة من نفس الالفاظ، بغضّ النظر عن ذلك اللفظ الذي هو نصّ صريح بالخلافة بعد رسول الله.


الصفحة 16



الصفحة 17


 

الجهة الثانية
رواة حديث الثقلين

إنّ رواة حديث الثقلين من الصحابة هم أكثر من ثلاثين شخص، على رأسهم:

1 ـ أمير المؤمنين (عليه السلام).

2 ـ الامام الحسن السبط (عليه السلام).

3 ـ أبو ذر الغفاري.

4 ـ سلمان الفارسي.

5 ـ جابر بن عبدالله الانصاري.

6 ـ أبو الهيثم ابن التّيهان.

7 ـ حذيفة بن اليمان.

8 ـ حذيفة بن أسيد أبو شريحة أو سريحة.

9 ـ أبو سعيد الخدري.


الصفحة 18


 

10 ـ خزيمة بن ثابت.

11 ـ زيد بن ثابت.

12 ـ عبد الرحمن بن عوف.

13 ـ طلحة.

14 ـ أبو هريرة.

15 ـ سعد بن أبي وقّاص.

16 ـ أبو أيّوب الانصاري.

17 ـ عمرو بن العاص.

وغير هؤلاء من الصحابة.

18 ـ فاطمة الزهراء بضعة الرسول صلوات الله عليها.

19 ـ أُمّ سلمة أُمّ المؤمنين.

20 ـ أُم هاني أُخت الامام أمير المؤمنين (عليه السلام).

ورواة الحديث من مشاهير الائمّة في مختلف القرون يبلغون المئات، وسأذكر أسامي خمسين رجلاً منهم، وهؤلاء أشهر مشاهيرهم عبر القرون المختلفة:

1 ـ سعيد بن مسروق الثوري.

2 ـ سليمان بن مهران الاعمش.

3 ـ محمّد بن إسحاق، صاحب السيرة.


الصفحة 19


 

4 ـ محمّد بن سعد، صاحب الطبقات.

5 ـ أبو بكر ابن أبي شيبة، صاحب المصنّف.

6 ـ ابن راهويه، صاحب المسند.

7 ـ أحمد بن حنبل، صاحب المسند.

8 ـ عبد بن حُميد، صاحب المسند.

9 ـ مسلم بن الحجّاج، صاحب الصحيح.

10 ـ ابن ماجة القزويني، صاحب السنن الذي هو أحد الصحاح الستّة.

11 ـ أبو داود السجستاني، صاحب السنن وهو أحد الصحاح.

12 ـ الترمذي، صاحب الصحيح.

13 ـ ابن أبي عاصم، صاحب كتاب السنّة.

14 ـ أبو بكر البزّار، صاحب المسند.

15 ـ النسائي، صاحب الصحيح.

16 ـ أبو يعلى الموصلي، صاحب المسند.

17 ـ محمّد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ والتفسير.

18 ـ أبو القاسم الطبراني، صاحب المعاجم.

19 ـ أبو الحسن الدارقطني البغدادي، الامام المعروف.


الصفحة 20


 

20 ـ الحاكم النيسابوري، صاحب المستدرك.

21 ـ أبو نعيم الاصفهاني، صاحب المؤلّفات المعروفة.

22 ـ أبو بكر البيهقي، صاحب السنن الكبرى.

23 ـ ابن عبد البر، صاحب الاستيعاب.

24 ـ الخطيب البغدادي، صاحب تاريخ بغداد.

25 ـ محي السنّة البغوي، صاحب مصابيح السنّة.

26 ـ رزين العبدري، صاحب الجمع بين الصحاح الستّة.

27 ـ القاضي عياض، صاحب كتاب الشفاء.

28 ـ ابن عساكر الدمشقي، صاحب تاريخ دمشق.

29 ـ ابن الاثير الجزري، صاحب أُسد الغابة.

30 ـ الفخر الرازي، صاحب التفسير الكبير.

31 ـ الضياء المقدسي، صاحب كتاب المختارة.

32 ـ أبو زكريا النووي، صاحب شرح مسلم.

33 ـ أبو الحجّاج المزّي، صاحب تهذيب الكمال.

34 ـ شمس الدين الذهبي، صاحب الكتب المشهورة.

35 ـ ابن كثير الدمشقي، صاحب التاريخ والتفسير.

36 ـ نور الدين الهيثمي، صاحب مجمع الزوائد.

37 ـ جلال الدين السيوطي، صاحب المؤلفات المعروفة.


الصفحة 21


 

38 ـ شهاب الدين القسطلاني، شارح البخاري.

39 ـ شمس الدين الصالحي الدمشقي، تلميذ الحافظ السيوطي، صاحب السيرة النبوية.

40 ـ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، شيخ الاسلام، وصاحب المؤلفات الكثيرة المعتبرة.

41 ـ شمس الدين ابن طولون الدمشقي.

42 ـ شهاب الدين ابن حجر المكّي، صاحب الصواعق.

43 ـ المتقي الهندي، صاحب كنز العمّال.

44 ـ علي القاري الهروي، صاحب المرقاة في شرح المشكاة.

45 ـ المنّاوي، شارح الجامع الصغير.

46 ـ الحلبي، صاحب السيرة.

47 ـ دحلان، صاحب السيرة.

48 ـ منصور علي ناصف، صاحب التاج الجامع للاُصول.

49 ـ النبهاني، صاحب المؤلّفات.

50 ـ المبارك پوري، شارح صحيح الترمذي.

هؤلاء خمسون نفر، وهذا العدد عُشر رواة حديث الثقلين من أعلام أهل السنّة في القرون المختلفة.


الصفحة 22



الصفحة 23


 

الجهة الثالثة
دلالات حديث الثقلين

قد عرفتم بنحو الاجمال دلالة حديث الثقلين على الامامة في نفس البحث حول ألفاظه فقط، فكان الحديث في بعض ألفاظه نصّاً على إمامة وخلافة علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو في ألفاظه الاُخرى ـ كلفظ «التمسّك» ولفظ «الاخذ» ولفظ «الاتّباع» و «الاعتصام» ونحو ذلك ـ يدلّ على الامامة والخلافة بالدلالة الالتزاميّة، من حيث أنّ هذه الالفاظ تدلّ على وجوب «الاتّباع» و «الانقياد» و«الاطاعة المطلقة»، وهناك ملازمة بين «الاطاعة المطلقة» وبين «الامامة» و«الخلافة».

وإن كنتم في شك فارجعوا إلى شرّاح الحديث، بإمكانكم أن ترجعوا إلى فيض القدير في شرح جامع الصغير، وإلى المرقاة في شرح المشكاة، وإلى نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض،


الصفحة 24


 

وإلى شرح المواهب اللدنيّة، والسراج المنير في شرح الجامع الصغير، وحتى إذا ترجعون إلى الصواعق المحرقة، إلى كتاب جواهر العقدين، وإلى أمثال هذه الكتب، لكي تروا كيف يشرحون حديث الثقلين وينصّون على أنّ هذا الحديث حثٌّ وأمرٌ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاهتداء بهدي أهل البيت، بالتعلّم من أهل البيت، بالاقتداء بأهل البيت:

يقول المنّاوي: في هذا الحديث تصريح بأنّهما ـ أي القرآن والعترة ـ كتوأمين خلّفهما وأوصى أُمّته بحسن معاملتهما، وإيثار حقّهما على أنفسهم، والاستمساك بهما في الدين(1) .

ويقول القاري في شرح الحديث: معنى التمسك بالعترة محبّتهم والاهتداء بهداهم وسيرتهم(2) .

ويقول الزرقاني المالكي وهو أيضاً محقق في الحديث يقول: وأكّد تلك الوصية وقوّاها بقوله: فانظروا بمَ تخلفوني فيهما بعد وفاتي، هل تتبعونهما فتسرّوني أو لا فتسيئوني(3) .

ويقول ابن حجر المكّي: حثّ (صلى الله عليه وسلم) على الاقتداء والتمسك بهم

____________

(1) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 3/15.

(2) المرقاة في شرح المشكاة 5 / 600.

(3) شرح المواهب اللدنية 7 / 5.


الصفحة 25


 

والتعلّم منهم(1) .

وحينئذ، يكون من دلالات حديث الثقلين: أعلميّة أهل البيت من غيرهم، والاعلميّة المطلقة، وهي تستلزم أفضليّتهم، والافضليّة مستلزمة للامامة، كما سنقرأ إن شاء الله تعالى ونحقّق هذا الموضوع.

إذن، كلّ الصحابة كانوا مأمورين بالرجوع إلى أهل البيت، والاقتداء بهم، والتعلّم منهم، وإطاعتهم والانقياد لهم.

ومن هنا، فقد جاء في بعض ألفاظ حديث الثقلين ـ كما هو عند الطبراني(2) ، وفي مجمع الزوائد(3) ، وعند ابن الاثير في أُسد الغابة(4) ، وأيضاً في الصواعق المحرقة(5) ـ قال رسول الله بعد: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما...» قال: «فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم»، ففي نفس حديث الثقلين توجد هذه الفقرة في رواية القوم.

____________

(1) الصواعق المحرقة: 231 ـ دارالكتب العلمية ـ بيروت ـ 1414 هـ.

(2) المعجم الكبير 5 / 186 ـ 187.

(3) مجمع الزوائد، عن الطبراني.

(4) أُسد الغابة 1/490 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1409 هـ.

(5) الصواعق المحرقة: 90.


الصفحة 26


 

أمّا الشرّاح فيوضّحون هذه الناحية أيضاً، مثلاً يقول القاري في المرقاة: الاظهر هو أنّ أهل البيت غالباً يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم المطّلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن يكونوا عِدلاً لكتاب الله سبحانه، كما قال تعالى: (يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)(1) .

وإذا راجعتم الصواعق لوجدتم هذه العبارة بالنص يقول: وفي قوله (صلى الله عليه وسلم): «فلا تقدّموهم فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم» في قوله هذا دليل على أنّ من تأهّل منهم للمراتب العليّة والوظائف الدينيّة كان مقدّماً على غيره.

فتكون هذه الفقرة الدالة على وجوب التعلّم منهم دالة على إمامتهم وتقدّمهم على غيرهم.

وهذه أيضاً من دلالات حديث الثقلين.

وفي قِران أهل البيت بالقرآن دلالة على عصمة أهل البيت، وعلى وجود الامام من أهل البيت في كلّ زمان، يصلح للامامة، ولان يكون قدوة للناس، ولان يتعلّم منه الناس جميع العلوم

____________

(1) سورة آل عمران: 164، سورة الجمعة: 2.


الصفحة 27


 

الاسلاميّة وجميع الاُمور المحتاج إليها، لابد وأنْ يكون موجوداً في كلّ زمان مادام القرآن موجوداً، وسنبحث عن هاتين الدلالتين في المباحث الاتية، لانّ مسألة العصمة سنخصّص لها ليلة، ومسألة إمامة بقيّة الائمّة أيضاً سنخصّص لها ليلة كذلك.


الصفحة 28



الصفحة 29


 

تتمّة
تشتمل على مطالب

المطلب الاول: اقتران حديث الثقلين بأحاديث أُخرى

لقد اقترن حديث الثقلين في كثير من ألفاظه وموارده بأحاديث أُخرى، تلك الاحاديث هي بدورها من الادلّه المعتبرة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام).

ففي بعض الالفاظ عن ابن جرير الطبري، وابن أبي عاصم، وأمالي المحاملي الذي هو محدّث كبير من المحدّثين عند القوم وقد صحّح المحاملي هذا الحديث، ويرويه عنهم صاحب كنز العمّال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو آخذ بيد علي (عليه السلام) في يوم الغدير: «أيها الناس ألستم تشهدون أنّ الله ورسوله أولى بكم من أنفسكم، وأنّ الله ورسوله مولاكم ؟» قالوا: بلى، قال: «فمن كان الله ورسوله مولاه فإنّ هذا مولاه، وقد تركت فيكم ما إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا


الصفحة 30


 

بعدي كتاب الله وأهل بيتي»(1) .

واقتران حديث الثقلين بحديث الغدير المتواتر الدال على إمامة أمير المؤمنين ومجيؤهما في سياق واحد، يدلّ على دلالة حديث الثقلين أيضاً على نفس مدلول حديث الغدير، والسياق كما قلنا قرينة يؤخذ بها ما لم يكن في مقابلها نصّ قاطع، وليس هنا في المقابل نصّ قاطع يمنعنا من الاخذ بهذا السياق.

ومن مصادر اقتران الحديثين: المعجم الكبير(2) للطبراني، ومسند ابن راهويه(3) ، والمستدرك(4) ، ونوادر الاُصول للحكيم الترمذي(5) ، والاصابة(6) ، وأُسد الغابة(7) ، والسيرة الحلبيّة(8) .

ولقد اقترن حديث الثقلين بحديث الغدير وحديث المنزلة أيضاً، فأصبح ثلاثة أحاديث في سياق واحد، في رواية ابن حجر

____________

(1) كنز العمال 13/140 رقم 36441 ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1405 هـ.

(2) المعجم الكبير 5/195 رقم 5070.

(3) مسند ابن راهويه: مخطوط.

(4) مستدرك الحاكم 3 / 109، 174.

(5) نوادر الاصول، كما في غير واحد من المصادر عنه.

(6) الاصابة 7/78 رقم 4767 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت.

(7) أُسد الغابة 3/605.

(8) السيرة الحلبيّة 3/274 ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.


الصفحة 31


 

في كتاب الفتاوي الفقهية(1) وكلّ منها يدلّ على إمامة أمير المؤمنين بالاستقلال.

المطلب الثاني: تكرار الوصية بالكتاب والعترة في عدّة مواطن

قد ثبت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كرّر هذه الوصية، أي الوصية بالكتاب والعترة، في موارد عديدة:

المورد الاول: عند انصرافه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الطائف، وهذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة، وعنه ابن حجر المكي في الصواعق المحرقة(2) .

المورد الثاني: في حجة الوداع، وفي عرفة بالذات، وقد أخرج هذا الحديث ابن أبي شيبة كما في كنز العمال(3) ، والترمذي في صحيحه(4) ، والطبراني في المعجم الكبير(5) ، وابن الاثير في

____________

(1) الفتاوي الفقهية 2 / 122.

(2) الصواعق المحرقة: 64.

(3) كنز العمال 1 / 48 ط1.

(4) صحيح الترمذي 5 / 621.

(5) المعجم الكبير 3 / 63 رقم 2679.


الصفحة 32


 

جامع الاصول(1) ، وغير هؤلاء.

المورد الثالث: في يوم غدير خم، وفي الخطبة، وقد أخرج هذا الحديث أحمد في المسند(2) ، الدارمي في السنن(3) ، البيهقي في السنن الكبرى(4) ، وابن كثير في تاريخه(5) ، وغيرهم.

المورد الرابع: في مرضه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي توفي فيه، قاله وقد امتلات الغرفة أو الحجرة بالناس، أخرجه ابن أبي شيبة(6) ، والبزّار(7) ، وابن حجر المكي(8) ، وغيرهم.

وربّما يكون هناك موارد أُخرى لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين...».

____________

(1) جامع الاصول 1 / 277.

(2) مسند أحمد 3 / 17.

(3) سنن الدارمي 2 / 310.

(4) سنن البيهقي 2 / 148.

(5) البداية والنهاية 5 / 209.

(6) رواه عنه العصامي في سمط النجوم العوالي 2 / 502 رقم 136.

(7) كشف الاستار عن زوائد البزّار 3 / 221 رقم 2612.

(8) الصواعق المحرقة: 89.


الصفحة 33


 

المطلب الثالث: مسألة الدعوة إلى الوحدة الاسلامية على ضوء حديث الثقلين

كان جدّنا السيّد الميلاني رحمة الله عليه يحدّثنا عن مبادرة بعض أعلام النجف الاشرف(1) إلى التفاهم والتقارب مع بعض علماء السنّة في ذلك الزمان، كان يقول رحمة الله عليه: كنّا نقترح عليه وعلى غيره: إنّ السبيل الصحيح السليم للتقارب بين المذاهب الاسلامية، هو الاخذ بحديث الثقلين، لانّ المفروض أنّه حديث صحيح عند الطرفين إنْ لم يكن متواتراً وهو متواتر قطعاً، حديث مقبول عند الطرفين، ودلالته واضحة.

فحينئذ إذا كان هناك شيء عن رسول الله نفسه وهو صحيح سنداً ودلالته تامّة، ويصلح لان يكون جامعاً بيننا، لماذا نتركه ونتوجّه إلى نظريّات واقتراحات ومشاريع أُخرى، قد لا تفيدنا ولا نصل عن طريقها إلى الهدف.

كان رحمة الله عليه يقول: كنّا نصرّ على هذا المعنى، وكان بعض أعلام النجف الاشرف الذي كان يقود فكرة التقريب له اقتراح آخر.

____________

(1) هو الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.


الصفحة 34


 

حتّى أنّه عاد واعترف بأنّ الطريقة الصحيحة ليست إلاّ هذه الطريقة، ولا علاج لهذه المشكلة إلاّ الرجوع إلى هذا الحديث وأمثاله.

وتلخّص: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر عن دنوّ وفاته وقرب رحيله، وأخبر الاُمّة بأنّه تارك بينهم أعزّ الاشياء عنده وأثمن الاشياء وأغلاها عنده، إنّه تارك بين الاُمّة القرآن والعترة، حتّى لا يضلّوا من بعده، وكلمة «لن» تدلّ على التأبيد، وهذه موجودة في ألفاظ الحديث: «ما إن تمسّكتم بهما»، أو «ما إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا».

ثمّ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أكّد عليهم أنّه سيسألهم عند الحوض عن معاملتهم مع الثقلين، وأنّهم كيف خلفوه فيهما.


الصفحة 35


 

ولعلّه أراد أن يشير بهذا الموعد والملتقى إلى أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الساقي على هذا الحوض، وهو الذي يذود المنافقين عنه.

وأيضاً: لعلّه كان يريد الاشارة إلى حديث الحوض الشهير الذي قال (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في الصحاح: «سيرد عَلَيّ أصحابي وأنّهم يذادون عن الحوض وأقول: يا ربّ هؤلاء أصحابي، فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا من بعدك».

وسنذكر هذه الاحاديث في موضعها إنْ شاء الله تعالى.


الصفحة 36


 

الجهة الرابعة
المناقشات والمعارضات في حديث الثقلين

وإذا راجعنا كتب القوم، رأينا أنّ محاولات القوم في ردّ حديث الثقلين وإبطاله تتلخّص بالطرق التالية:

الطريق الاوّل:

ما مشى عليه أبو الفرج ابن الجوزي، حيث أدرج حديث الثقلين في كتاب العلل المتناهية في الاحاديث الواهية(1) ، فقد ذكر فيه هذا الحديث بسند واحد، وجعل يناقش في سنده ويضعّفه،

____________

(1) العلل المتناهية في الاحاديث الواهية 1/268 رقم 432 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1403 هـ.


الصفحة 37


 

وهذا الكتاب خاص بالاحاديث الضعيفة بنظره، كما أنّ له كتاباً آخر عنوانه كتاب الموضوعات جعله للاحاديث الموضوعة بنظره، فأدرج هذا الحديث في كتاب العلل المتناهية ليقول بأنّه حديث ضعيف، ونحن إلى الان لم نجد أحداً ضعّف هذا الحديث قبل أبي الفرج ابن الجوزي.

وتضعيفه مردود حتّى من قبل علمائهم، وسنقرأ بعض الاسماء من كبار العلماء المحققين المتأخرين الذين خطّأوه في عمله هذا.

مضافاً إلى أنّ هذا الحديث موجود في صحيح مسلم وإنْ كان مبتوراً، وفي صحيح الترمذي، وفي صحيح ابن خزيمة الملقّب عندهم بإمام الائمّة، وفي صحيح أبي عوانة، وفي الجمع بين الصحيحين، وفي تجريد الصحاح، وقد صحّح الحاكم هذا الحديث، وكذا محمّد بن إسحاق، والضياء المقدسي، والبغوي، والمحاملي، وابن النجار، والنووي، والمزي، والذهبي، وابن كثير، والهيثمي، والسيوطي، والقسطلاني، وابن حجر المكي، والمنّاوي، والزرقاني، وولي الله الدهلوي، وغيرهم.

مضافاً إلى أنّ أبا الفرج ابن الجوزي معروف عندهم بالتسرّع في الحكم بالوضع أو الضعف، ومعروف عندهم بالتعصب، وفي خصوص هذا الحديث خطّأه غير واحد من المحققين كما أشرنا،


الصفحة 38


 

منهم:

1 ـ سبطه، في كتاب تذكرة الخواص.

2 ـ الحافظ السخاوي، في كتاب إرتقاء الغرف.

3 ـ الحافظ السمهودي، في كتاب جواهر العقدين.

4 ـ ابن حجر المكي، في الصواعق.

5 ـ المنّاوي، في فيض القدير.

وكلّهم قالوا: قد أخطأ ابن الجوزي، وحذّروا من الاغترار بفعله، حتّى أنّ بعضهم يقول: وإيّاك أنْ تغترّ بما صنع.

فالطريق الاوّل تضعيف الحديث، وهذا جوابه باختصار.

الطريق الثاني:

الحكم بنكارة المتن، متن الحديث منكر، نسبه البخاري إلى أحمد بن حنبل، ففي التاريخ الصغير للبخاري(1) يقول: قال أحمد في حديث عبد الملك عن عطية عن أبي سعيد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «تركت فيكم الثقلين» قال: أحاديث الكوفيين هذه مناكير.

ونحن نقول: أمّا نسبة هذا الكلام إلى أحمد، فنسبة كاذبة، لانّ

____________

(1) التاريخ الصغير 1 / 302.


الصفحة 39


 

أحمد يروي هذا الحديث في مسنده، وفي كتاب فضائل الصحابة، بأسانيد كثيرة عن عدة من الصحابة، وأين قال أحمد هذا ؟ ومتى قال ؟

وأمّا دعوى: أنّ هذا الحديث منكر، فنقول: صحيح، إنّه منكر عند البخاري، لانّه يدلّ على إمامة أمير المؤمنين وأهل البيت، عن طريق الافضليّة، عن طريق الاعلميّة، بالقِران مع القرآن، بدلالته على العصمة، وغير ذلك من جهات الدلالة الموجودة في هذا الحديث.

الطريق الثالث:

تحريف الحديث، وهذا ما صنعه مسلم في صحيحه، وفي تاريخ بغداد للخطيب البغدادي(1) يقول: أخبرنا المطيّن، حدّثنا نصر بن عبد الرحمن، حدّثنا زيد بن الحسن، عن معروف، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «يا أيّها الناس إنّي فرط لكم وأنتم واردون عَلَيّ الحوض، وإنّي سائلكم حين تردون عَلَيّ عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما: الثقل الاكبر كتاب سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به ولا

____________

(1) تاريخ بغداد 8/442 ـ دار الكتب العربي ـ بيروت.


الصفحة 40


 

تضلّوا ولا تبدّلوا» انتهى الحديث.

وهذا الحديث بنفس السند، أي عن طريق نصر بن عبد الرحمن عن زيد بن الحسن عن معروف عن أبي الطفيل عن حذيفة، فبنفس السند وبنفس اللفظ موجود في المصادر، أقرأ لكم نصّ الحديث عن واحد منها، عن نوادر الاُصول للحكيم الترمذي(1) ففيه: «إنّي فرطكم على الحوض وإنّي سائلكم حين تردون عَلَيّ عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما: الثقل الاكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به ولا تضلّوا ولا تبدّلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنّي قد نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عَلَيّ الحوض».

فهذا كتاب نوادر الاُصول، وهذا كتاب تاريخ بغداد، وكلاهما موجودان بين أيدي الناس، وهل المتصرف بالحديث هو الخطيب نفسه أو النسّاخ أو الناشرون ؟ الله أعلم.

وأكتفي من التحريفات بهذا المقدار إذ طال بنا المقام.

الطريق الرابع:

المعارضة بأحاديث يروونها في كتبهم، يعارضون بها حديث

____________

(1) نوادر الاصول: 68.


الصفحة 41


 

الثقلين، والمعارضة كما تعلمون بحث على القاعدة وأسلوب مقبول، المعارضة معناها أنّ هناك حديثاً صحيحاً في سنده وتامّاً في دلالته، يعارض هذا الحديث الصحيح التام دلالةً، ولذا نحن الطلبة نقول: المعارضة فرع الحجية، فلابدّ وأنْ يكون الخبران كلاهما حجة، فإذا كانا تامّين سنداً ودلالةً فيتعارضان فيكون أحدهما صدقاً والاخر كذباً، فإنْ تمكنّا من ترجيح أحدهما على الاخر فهو، وإلاّ يتعارضان ويتساقطان، فالبحث عن طريق المعارضة بحث على القاعدة.

لكنْ بأيّ شيء يعارض حديث الثقلين وهو حديث الوصية بالقرآن وأهل البيت ؟

يعارضون حديث الثقلين بأشياء، أهمّها:

حديث الاقتداء بالشيخين، وأيّ حديث هذا ؟ إنّهم يروونه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّه قال: «إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» هذا الحديث موجود في بعض كتبهم، فإذا كان حديث الثقلين أي الوصيّة بالكتاب والعترة، دالاًّ على وجوب الاقتداء بالقرآن والعترة، فهذا الحديث يدلّ على وجوب الاقتداء بالشيخين، إذن يقع التعارض بين الحديثين.

الحديث الاخر المهم الذي يحاول بعض كتّاب عصرنا أنْ


الصفحة 42


 

يعارض به حديث الثقلين، أي الوصية بالكتاب والعترة، هو حديث الثقلين والوصية بالكتاب والسنّة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنّتي»، فحديث الوصيّة بالكتاب والعترة يدلّ على وجوب الاقتداء بالكتاب والعترة الاخذ والتمسّك بهما، وهذا الحديث يقول بوجوب الاخذ والتمسّك بالكتاب والسنّة، إذن يقع التعارض بين الحديثين.

وهذا هو الطريق الرابع لردّ حديث الوصية بالقرآن والعترة.

أمّا الحديث الاوّل فسنبحث عنه إنْ شاء الله في إحدى الليالي الاتية، حيث سنتعرض لادلّة القوم على إمامة الشيخين، وقد خصّصنا ليلةً للبحث عن تلك الادلّة.

وأمّا حديث الثقلين والوصية بالكتاب والسنّة، فقد كتبت فيه رسالة مستقلّة مفردة، وهي رسالة مطبوعة، فمن شاء فليرجع إليها.

فهذا هو الطريق الرابع.

وقد كان الطريق الاول: التضعيف، والطريق الثاني: دعوى نكارة المتن، والطريق الثالث: تحريف الحديث، والطريق الرابع: المعارضة.


الصفحة 43


 

وهل من فائدة في هذه الطرق ؟ وأيّ فائدة ؟ بل المتعيّن هو:

الطريق الخامس:

وهو طريق شيخ الاسلام !! ابن تيميّة، إنّه يقول: هذا الحديث كذب.

وما أسهل هذا الطريق وأيسره ؟ ولماذا يتعبون أنفسهم فيحرّفون الحديث، أو يجيؤون بأحاديث فيعارضون بها حديث الثقلين، وما الفائدة من تضعيف الحديث من ابن الجوزي فينبري للرد عليه أعلام طائفته ويخطّئونه في هذا التضعيف ؟ فأحسن طريق أنْ لا يصدّق بحديث الثقلين، ويدّعي أنْ ليس هناك سند معتبر لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وعترتي أهل بيتي ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا»، ولماذا يصرّ الشيعة على هذا الحديث ويبنون عليه إمامة أمير المؤمنين ؟ وهذا هو دأب شيخ إسلامهم في قبال أحاديث إمامة أمير المؤمنين، ومناقب أهل البيت (عليهم السلام).

ونعم الحكم الله بين ابن تيميّة وأمثاله وبين أهل البيت، نعم الحكم الله وهو خير الحاكمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

 

***