مفهوم الدولة المدنية في فكر الإمام عليّ بن أبي طالب
(قراءة علمانية معاصرة في الفكر الإسلامي )

عدنان عويد

كاتب وباحث سوري

أمام نماذج مشروع دولة الأسلمة المعاصرة, دولة المطاوعة والتلطي وراء قيم وسلوكيات أهل الكهف, وفتاوى التكفير والجزر والخيار ونكاح الجهاد ... أمام مشروع الدولة الإسلامية المعاصرة, التي راح يُبشر بها عبر السوط والساطور والقتل على الهوية, وفرض الحصار على المخالف في الرأي والعقيدة, وقطع الاتصالات عنه والمواصلات ولقمة العيش, وتدمير الكنائس وحجز رجال الدين المسحيحي وراهباته وفرض الدين الإسلامي على أصحاب الديانات الأخرى بقوة السيف... أمام دولة الإسلام المعاصر ورجالها العظام الذين يقاتلون اليوم الشعب السوري (بكل فئاته ودياناته وطوائفه ومذاهبه) تحت راية (لا أله إلا الله محمد رسول الله), ورايات كل الفصائل المسلحة التي اتخذت من أسماء الصحابة والقادة الإسلاميين قدوة لها دون أن تنسى سعد الحريري وأردغون وحمد بن جاسم وآل سعود... أمام هذا النماذج للدولة الإسلامية المقترحة علينا اليوم بدلاً عن الدولة العادلة, نجد مشروع دولة أخرى تخرج من العباءة الإسلامية ذاتها, وهي تحمل سمات ومعاني العدل لشعبها ولشعوب العالم, أراد أن يؤسس لها منذ نهاية النصف الأول للقرن السابع ميلادي رجل قدر له أن يعيش تجربة حياة تعلم فيها أسس القيادة والحكمة على يد نبي استطاع أن يغير في مجرى التاريخ لحياة أمة كانت تعيش في دياجير الظلمة والجهل, فأخرجها إلى عالم النور والمعرفة, وتعلم أيضاً من عقيدة سمحة رسمت في خطها العام أسس حياة لتكوين إنسان أراده الله أن يكون خليفة له على الأرض, لا إنساناً يحمل الحقد والكراهية لنفسه وللآخرين فكراً وممارسة, إنه رجل الدولة بامتياز الإمام عليَ بن أبي طالب .
نقول: بالرغم من أن ما يطمح إليه عليّ من إقامة دولة إسلامية عادلة راشدة كان قد حدد معالم أسسها الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية منذ الأيام الأولى لاستلامه الخلافة, وبخاصة فيما كان يوصيه لرجالاته الذين كلفهم بقيادة أمور المسلمين في الأمصار, كوصيته ( لمالك بن الأشتر ), عندما ولاه مصر, هذه الوصية التي اعتبرت تاريخيا لدى الكثير من السياسيين وثيقة لمشروع تأسيس دولة – نقول بالرغم من طموحه هذا – إلا أن رؤيته لمفهوم الدولة بصيغتها العقلانية المطروحة في ( وصية الاشتر ) كانت قبل ذلك بكثير, حيث تجلت هذه الرؤية الدولتية العقلانية منذ اليوم الأول لوفاة الرسول الكريم محمد (ص ) وأثناء حادثة السقيفة التي ترك فيها الصحابة الرسول ( عليه الصلاة والسلام ) على فراش الموت مع علّيَ وأهله, وراحوا يتفاوضون ويتبايعون على الخلافة - بغض النظر هنا عن النيات الحسنة أو السيئة لمن تواجد في السقيفة آنذاك وراح يفاوض في أمور السلطة - , مثلما تجلت أيضا عبر حكم الخلفاء الراشدين, حيث كان عليّ المرجع الحكيم الذي كثيرا ما لجأ إليه الخلفاء الراشدون لاستشارته عند الضرورات من أمور سياستهم لشؤون الدولة . 
تذكر المصادر الإسلامية, بأنه يوم السقيفة لم يترك عليّ الرسول (ص) على فراش الموت قبل دفنه ليذهب مع الآخرين يطالب بسلطة له أو لآل بيته, وبذلك سجل موقفا أوليا لرجل دولة أراد أن يقول للآخرين إن قيادة الدولة موقف سياسي أخلاقي - قيمي, قبل أن يكون موقفا سياسويا , فا لسياسة بناء على هذا الموقف هي غاية لبناء امة بكل ما تحمل عملية البناء من دلالة, وليست غاية لتحقيق غنيمة أو وجاهة, أو الحفاظ على وجاهة. لذلك لانستغرب منه تلك المواقف الأخلاقية في فهمه للخلافة, وهذا ما جعله أيضا يرفض الخلافة عندما طلب منه أبو سفيان أن يمد يده ليبايعه, لأنه وجد في موقف أبي سفيان موقف فتنة أراد إشعالها بين المسلمين, لاسيما وان بوادرها بدأت في السقيفة, وليس حبا بعليَ أو لتحقيق عدالة المسلمين على يديه , من هنا كان رد عليّ على أبي سفيان ( إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ) . كذلك كان موقفه مع عمه العباس عندما طلب منه الأمر نفسه, حيث أدرك أن مبايعة عمه له ستشكل موقفا عشائريا قبليا في مفهوم السلطة, أو ربما تحوّل السلطة إلى (ملك عضوض ), وهو الذي قال ( من ملك استأثر ), وهذا ما جاء الإسلام لنفيه وتجاوزه أصلا , فكيف يقوم - وهو من تفهم الإسلام على حقيقته - بمخالفة تعاليم الإسلام , والإسلام يقول : ( وأمرهم شورى بينهم ), لذلك جاء رده على طلب عمه العباس بقوله: ( أني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج ). وعلى مثل هذه المواقف يأتي موقفه أيضا من جماعته الذين طلبوا منه أن يمد يده لمبايعته أكثر من مرة في عهد الخلفاء الراشدين عندما كانوا يشعرون أن أمور الدولة بدأت تؤول إلى الانهيار, وبخاصة في فترة خلافة ( عثمان ), إلا انه كان يرفض دعواتهم قائلا : ( الدين أحب إلينا من غيره ) . وهو بهذا سطر لأول مرة في تاريخ الدولة الإسلامية مفهوم المعارضة واحترام السلطة القائمة , فالمعارضة عنده لم يكن الهدف منها الوصول إلى السلطة لتحقيق برنامج عملها الذي تدعوا إليه فحسب , بل العمل من أجل تقويم عمل هذه السلطة والدفع بها للسير قدما وفق الشريعة التي رسم الله ملامحها في كتابه العزيز, وسنة نبيه , ومصالح الناس المتغيرة والمتطورة عبر التاريخ, هذا إذا كان التقصير عندها نابع عن جهل في إدارة أمور السلطة, وإذا كانت السلطة القائمة نفسها قابلة للنصح والأخذ بالرأي الأخر, فلم السعي إذا لتغييرها بالقوة, وخلق الفوضى والفتنة في البلاد, وموقفه هذا في الحقيقة هو الذي جعل الخلفاء الراشدين يأمنون لجانبه ويستشيرونه في الكثير من أمور الدواة عند الضرورة. وهل ينسى التاريخ الإسلامي مقولة الخليفة عمر بن الخطاب: ( لولا عليّ لهلك عمر ). وهذا الموقف العقلاني من المعارضة, ظل هو ذاته عندما آلت إليه الخلافة, وتسلم زمام الحكم, وراح يحكم بين الناس. لذلك عندما رفعت ألمعارضه ضده السلاح, لم يخوّنها ويكفرها, أو ينكل بها طمعا في السلطة, بل كان يقول فيها: ( هم إخوتنا بغوا علينا ) . 
مع استلام الخليفة أبي بكر الخلافة وانشغال الكثير من الصحابة في تسيير أمور الدولة, أدرك عليّ ضرورة العمل على تحقيق مسالة لها من الأهمية بمكان الدور الكبير في حياة الدولة والمسلمين معا, وهي جمع القران الكريم والحفاظ عليه من الدس والتحريف, لاسيما وأن القرآن هو المصدر الرئيس الذي على أساسه أقيمت الدولة الإسلامية. فمن هذه الرؤية العقلانية ( لعليّ ) تجاه أهمية الدستور الإسلامي في الحفاظ على الدولة واستمراريتا مستقبلا, جاء موقفه أيضا في كتابة ( الجامع ), وهو من إملاء الرسول الكريم محمد ( ًًص ). وبذلك يكون قد سجل موقفا تاريخيا في حياة الدولة العربية الإسلامية على انه رجل دولة . 
أما رؤيته أو موقفه من دولة القانون, فقد سجل في هذا الاتجاه أيضا موقفا تاريخيا آخر من خلال المحاكمة التي جرت بينه وبين اليهودي في قضية الدرع, عندما ادعى اليهودي أن الدرع له, وهو في الحقيقة ( لعليّ) , فاحتكما إلى القاضي , وعندما طلب القاضي من عليّ البينة لم يستطع تقديمها فتنازل عن حقه أمام سلطة القانون . كيف لايكون عليّ هكذا وهو القائل: ( إنا لم نحكّم الرجال , وإنما حكّمنا الله ) , فكان درسا لمن يريد أن يكون رجل دولة بامتياز. ومن موقفه تجاه دولة القانون, يأخذنا ( عليّ) إلى موقف المواطنة في الدولة, الموقف الذي لم يفرق فيه بين مسلم ومسيحي, فالكل مواطنون يخضعون لسلطة الدولة, ومثلما عليهم حقوق تجاهها, عليها واجبات تجاههم أيضا. فقصته مع النصراني الضرير تؤكد حرصه على مواطنية الدولة, حيث تذكر القصة ذاك النصراني الضرير الذي راح يسال الناس الصدقة, فأمر عليَ أن يعطى النصراني حاجاته من بيت مال المسلمين وهو يقول: ( استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه, أنفقوا عليه من بيت مال المسلين .). كما يقول في هذا الاتجاه مخاطبا ابن الاشتر أيضا : ( واعلم بان الناس نوعان, إما أخ لك في الدين, أو نظير لك في الخلق ). أمام هذا الموقف من المواطنة لعليّ ( عليه السلام ) , يأتي موقفه أيضا تجاه طبقة الفقراء والمحرومين, وذلك بقوله لابن الاشتر: ( ... الله الله في الطبقة السفلى من الذين لاحيلة لهم من المساكين والمحتاجين ). وفي الوقت الذي يوصي فيه الاهتمام بالفقراء, نراه يوصي أيضا بالتجار والصناع والحرفيين .قائلا للاشتر : ( استوص بالتجار وذوي الصناعات, وأوصي بهم خيرا . ) . وذلك لمعرفته كقائد دولة بأهمية القاعدة الاقتصادية في بناء الدولة واستقرارها, فعلى جهود الصناعيين والحرفيين والتجار, تقوم الدولة القويّة, ويتحقق الرفاه لمواطنيها, فبدون تطور الاقتصاد وتنمية المجتمع تهلك الدول, وهذا ما جعله يوصي الاشتر أيضا بقوله: ( وليكن نظرك في عمارة الأرض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج .). ويكون بذلك قد وضع الإصبع على الجرح بمعرفته النتائج الوخيمة التي ستؤول إليها الدول عندما يقتصر دخلها الوطني على الضريبة فقط دون التنمية, فالدول التي تعتمد في دخلها على الضريبة مآلها الدمار, وهذا ما كان مآل الكثير من الدويلات الإسلامية التي جاءت فيما بعد, حيث تركت البلاد والعباد في الفقر والجوع والحرمان, وبالتالي الإساءة إلى الدين نفسه. 
إن كل ما جئنا إليه في تحليلنا لتلك المواقف الإنسانية في مفهوم الدولة لدى عليّ, ولتكتمل الصورة الإنسانية في هذا الاتجاه أكثر فأكثر, نستطيع الإضافة في هذا الاتجاه لنقول: لقد كان عليّ يدعو إلى العدل والإنصاف والتسامح والمحبة والرحمة والصبر على حوائج الناس, والى حسن المعاملة بين الرعية والراعي, والى احترام القضاء والاهتمام بالقضاة, وتامين حاجاتهم وزيادة الإنفاق عليهم حتى لايقعوا في ظلم الناس بسبب الحاجة, فتعم بسبب ذلك الرشوة والفساد بينهم. 
نعم بعد كل هذا نستطيع القول: لقد كان عليّ رجل دولة أراد للإسلام أن يكون دولة قوية منيعة ليس للعرب وحدهم بل لكل من آمن بالإسلام من بني البشر. أراد لهذه الدولة أن تكون دولة عقيدة تدعو إلى الخير والمحبة و الإنسانية, ولكن الآخر أراد لها أن تكون دولة غنيمة, بيد أنهم سقطوا مع غنيمتهم هذه واسقطوا معهم الدولة. ولكن التاريخ لم ينته بعد, فطالما انه لم يزل هناك في الإسلام رجال دولة آمنوا بالإسلام عقيدة منفتحة في نصها المقدس, وآمنوا بأن الحياة في حالة تطور وتبدل, وأن عمران البلاد والعدل بين أهلها يقع على عاتق الإنسان, الذي خلقه الله ليفكر ويتدبر أمور حياته. وهذا ما آمن به عليّ , وهو الذي أوصى الاشتر قائلا : ( وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك ), بيد انه لم يسقط المرجع الأساس للبت النهائي بمصالح الناس والعدل بينهم عندما يشتبه عليهم معرفة الغامض من أمور حياتهم , لذلك نجده يقول للاشتر: ( واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور .) , وبذلك يكون ( عليّ ) في الوقت الذي آمن بالنص المقدس كمصدر أساسي للتشريع, آمن أيضا بحرية الإرادة الإنسانية والعقل الإنساني في البحث عن سعادة الإنسان . 
نعم كيف لا يكون هناك دور لحرية الإنسان وعقله في بناء عالم الإنسان, وأول آية قرآنية كريمة نزلت تقول: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق , خلق الإنسان من علق, إقراء وربك الأكرم, الذي علم بالقلم, علن الإنسان ما لم يعلم ). فالله جل جلاله لم يدعونا إلى الاتكال عليه في كل شيء من أمور حياتنا, بل طالبنا بالعمل والتفكير في هذه الحياة , كيف لا وهو الذي جعلنا خلفاء له على هذه الأرض.
بهذا الفهم العالي من قبل عليّ لأمور الدين والدنيا, جاء سر استمرارية فكره ألدولاني بامتياز, وبهذا الفهم العالي لجوهر الإسلام, تتجسد قوة الإسلام ومناعته أمام من يحاول أن يستغله لتحقيق مصالح خاصة أو فئوية غالبا ما تسودها عقلية المذهب والطائفة والغنيمة ...نعم...لهذا الموقف والفهم الأخلاقي والعقلاني والإنساني للدين الإسلامي الذي اتخذته يا أبو الحسن نهجاً في الحياة, لمواجه الفكر التكفيري ألظلامي ألوثوقي حوربت, وحورب من والاك... سلام الله عليك. 
ملاحظة : أرجو ان لا يفهم هذا المقال من زاوية طائفية . فأنا رجل علماني وضد كل أشكال الطائفية, ولكني أجزم أن العلمانية ليست ضد الإسلام أو أي دين آخر طالما أن هذا الدين لايشتغل على التعصب وكره الاخر وتكفيره او ممارسة الوصاية عليه.