وقفة ولائية مع ذكرى شهادة أمير المؤمنين (ع)

المهندس غريبي مراد عبد الملك

 منذ أيام عشنا الرحابة الحسنية الشريفة بكل تقوى وإيمان من خلال شهر الله الفضيل، وعانقنا إحدى الذكريات البطولية في تاريخ الإسلام واقعة بدر الكبرى التي كانت منطلقا آخر بعد المبعث والإسراء والمعراج للإسلام المحمدي، ذلك النور الذي يقتل الظلمات ويفضح الشرك والكفر، الإسلام الحق الذي يدحض الباطل، وها نحن اليوم نستذكر الشخصية العظيمة بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بيوم شهادتها الحية والباقية ما بقيت السموات والأرض، إنها ذكرى استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ‏(عليه السلام)‏، الإنسان المسلم والإمام العادل والولي الصالح والزوج الوفي والأب الحنون والجار الكريم  وآية الله الكبرى والنبأ العظيم، أخو رسول الله، وصهره  زوج الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء ‏(عليها السلام)‏ وأبو سبطي الرحمة وإمامي الهدى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة عليهما السلام وجد أئمة المسلمين بحق وعدل من ذرية الإمام الحسين ‏(عليهم السلام)‏ أجمعين، إنه إمام المسلمين والنموذج العظيم لمقام هارون ‏(عليه السلام)‏ بلا نبوة فقط... أمير المؤمنين ‏(عليه السلام)‏ مهما كتبت عنه وكتب عنه أحباؤه وشيعته لن يوفوه حقه لأنه لا يعرفه إلا الله ورسوله حق المعرفة، ومهما مجدناه سيبقى مجده الحقيقي عنده (عليه الصلاة والسلام) وهو القائل في دعائه: اللهم اجعلني خير مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون " وهو المعصوم العارف بنفسه المدرك لمقامه يتواضع بكل شموخ وعظمة أمام المدح والتبجيل ليعلم شيعته والمسلمين أجمعين أن القضية الجوهرية في الوجود وفي الإسلام أن تعرف نفسك جيدا حتى لا تتضخم شخصيتك عند المدح ولا تسقط أمام النقد بكل أشكاله، علي أمير المؤمنين جامعة ربانية نبوية إمامية من دخلها بصدق فهو آمن، لأن عليا كان الحق كله والإسلام كله الذي برز للشرك والظلم والكفر كله، ليس في جيله فقط بل عبر الزمن الإسلامي  كله، حقا لقد استشهد علي ‏(عليه السلام)‏ بالكوفة لكن روحية علي ‏(عليه السلام)‏ لا تزال حية ترزق، لأن الشهداء أحياء، وأي شهيد كعلي ‏(عليه السلام)‏، الشهادة درجات كما الحياة درجات...

القضية في هذا اليوم الأليم والمبارك في نفس الوقت، هي أن نستوحي من هذه الشخصية العملاقة والشامخة شموخ الرسالة الإسلامية لنرتب أوضاعنا كلها من خلالها، ليس حبا فقط كما عهدنا البعض يردد ذلك والحب حق، ولكن عقلا وقلبا،  فكرا وروحا  حتى لا نظلم علي ‏(عليه السلام)‏، لأن الإمام علي ‏(عليه السلام)‏ نبأ عظيم وآية كبرى لابد أن يشمل منهجه وسيرته وأخلاقه وأسلوبه وجهاده وعلمه وإيمانه كل حياتنا أفرادا ومجتمعات، حتما سوف نحيي هذه الليلة بالمجالس الحسينية وبالبيوت كما أوصانا عالم آل محمد ‏(عليه السلام)‏ ولكن لنوسع الإحياء أكثر ونفتح قلوبنا وعقولنا أكثر ونستلهم الرحابة العلوية أكثر ولندخل عالم علي وأهله وأحبائه أكثر، حتى لا نبقى نعيش العادة دون المواقف ونعيش الكلمة دون العمل ونعيش الحب دون التضحية، فعلي ‏(عليه السلام)‏ عاش الإسلام كله وأرشدنا بمواعظه وكلماته التي نرددها دوما في المنابر والمجالس والمقالات، أرشدنا لنرتفع لنكون الأقوياء بالحق ونعتز بالإسلام ونتسامح ونتراحم لنكون الرحماء لنتشاور ليكون رأينا الأصوب ونغض أبصارنا عن زخارف الدنيا ومدلهماتها لنبصر الامام الغائب (عجل الله تعالى فرجة الشريف)، علي أمره كأمر النبي (صلى الله عليه وآله) صعب مستصعب لا يقدر على حمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، لنفكر في هذه الليلة في شخصية علي ‏(عليه السلام)‏ وروحه صاعدة إلى رحاب الطهر الإلهي إلى جوار النبيين والصديقين إلى لقاء الأحبة النبي (صلى الله عليه وآله) وفاطم الزهراء ‏(عليها السلام)‏ وأبو ذر وعمار رضوان الله عليهما، كيف كانت شخصيته جد طبيعية لم تتقهقر قوامة الإسلام فيها بحيث تعاملت مع قاتلها بكل شرعية وعدالة، كان إمامنا علي ‏(عليه السلام)‏ أكبر من الدنيا ومن المادة ومن النفس الأمارة بالسوء واللوامة كان روحا ونفسا مطمئنة كان الصادق الأمين كان الأخ الوفي للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وكان المسلم الصادق الرشيد  الذي يسلمن ما سلمت أمور المسلمين كان بكله للإسلام لأن الإسلام كان مصداق روحه الطاهرة...

أحبتي رغم كل الأسى والحزن الجميل الذي يعيشه الشيعي في بعض الأحوال، إلا أنه عندما يستحضر ذكرى من ذكريات أهل البيت ‏(عليهم السلام)‏ سواء مناسبة فرح أو حزن، ترتفع درجة العزة والإيمان والتقوى والرسالية والمسؤولية لديه، وهذا هو سر واقعية الإمامة في الإسلام كله، في هذه الليلة المباركة أسرار عظيمة تحكي نفس الرواية، شهادة علي ‏(عليه السلام)‏ تلج بنا في ليالي مباركة ليالي خير من ألف شهر، لتعرفنا على مسألة الشهادة على أنها الحياة الخالدة وليست الموت، كما هي الحياة الإنسانية لا تستوعب إلا بمعرفة النهاية (الآخرة ) حتى تستقيم البداية، والقضية في هذا كله أننا لوحقا نحن شيعة علي ‏(عليه السلام)‏ لنكن العلويين الشهداء الذين يعلمون العالم العزة والصدق والرحمة والإسلام، ليس بالكلام ولكن بالعمل الصالح والقول السديد.كانت بداية الرشد مع ولاية أمير المؤمنين ‏(عليه السلام)‏ ونسأل الله ثبات اليقين عليها ومحض الإخلاص لها ودوام الإستقامة بها ومعدن الصبر لأجلها.

لا أزال أتشيع لعلي أمير المؤمنين ‏(عليه السلام)‏ كل يوم وفي كل لحظة، لأن التشيع ليس إرهاصة فكرية  أوخفقة قلبية أوموقف عشوائي  في حال ما ولكنه مسؤولية إسلامية مستديمة لألا نقع في شباك الهوى وحتى يكون التشيع عقلا يفكر وقلبا ينبض بالحق والصدق وسلوكا قويما يجدد الحياة ويصلح ما فسد منها...

السلام عليك سيدي ومولاي وإمامي ونور قلبي يا من عشقته من قبل أن أتشيع له، السلام عليك يا وليد الكعبة وفادي المصطفى وهازم الأحزاب وقاصم المستكبرين وشهيد المحراب،السلام عليك يا أخو محمد المصطفى ووصيه المرتضى وصهره النجيب، السلام عليك يا سيدي سلاما كثيرا دائما سرمدا وأنا على عهدك بإذن الله ما حييت، ولا جعل الله هذا آخر العهد مني إليك، سنبقى نردد يا علي يا علي يا علي ليس شركا معاذ الله  ولكن حقا وعدلا، سنواصل الدرب العلوي إلى أن نوفق لوسام الجهاد مع ولدك صاحب العصر والزمان ((عجل الله تعالى فرجة الشريف)).

  ويبقى علي النور الساطع من أنوار الإمامة، به نستنير وبه نكتشف المنافقين وبه نستهدي للحق وأهله وبه نجاهد المستكبرين، لنحدق جيدا في رسالية علي الإسلامية القرآنية المحمدية، لنقتدي القدوة الحسنة بأمير المؤمنين ولنتحاور ونتواصل مراجعا وعلماء ومثقفين وموالين، لنتسامح، لنتعاطف، لنتواصى بالرحمة وبالحب وبالخلق الحسن ألسنا شيعة علي بن أبي طالب ‏(عليه السلام)‏ ؟أم أننا نؤمن بعض علي ونتناسى بعضه الآخر، لنتآخى ولا نتنازع لنغني الواقع الإسلامي بالكلمة الطيبة والخطاب الجامع والموقف الإسلامي الرشيد.

وليعلم كل شيعي أن عليا لم يحقد أبدا، علي كان حكيما واعيا واقعيا أكبر من التخلف الجاهلي الذي أصبحنا نعيشه في جل مجالات حياتنا ونحن نحاكي بعضنا بسيرة نحن شيعة علي! ليس التشيع لعلي مزاج عاطفي أو صفقة دينية دنيوية، إن التشيع صميم الإسلام، إنه أن نكون مع الحق كما كان علي ‏(عليه السلام)‏ مع الحق...وأيضا هناك مسألة جوهرية حيث يقال في المثل " إن من الحب ما يقتل"، إذن علينا أن نحب عليا ولائيا ليحيينا، لا أن نحبه الحب المتحجر الحب المتخلف الذي يقتلنا في التعصب والتناحر... لنراجع تشيعنا من خلال هذه الذكرى العظيمة التي نطمح لأن نحيي فيها ثقافة علي الإسلامية، بينما نحن قد نشوه ونميع المناسبة من خلال قصورنا الثقافي، لنبكي البكاء الرسالي الذي يجعلنا المسلمين المجاهدين الصامدين الواعين لكل خطط الاستكبار والكفر والضلال كما وقف بوجه الاستكبار أمير المؤمنين ‏(عليه السلام)‏ وشيعته الصادقين.

والسلام على من اتبع الهدى وألقى السمع وهو شهيد....وعظم الله أجورنا وأجوركم في مصاب أبي الحسن المرتضى وجعلنا من شيعته الصادقين الصابرين....

***