مفهوم السلطة في فلسفة الإمام علي (عليه السلام)

في سيرة وفكر الإمام علي (عليه السلام) ما يكشف لنا عن جوانب كثيرة من المبادئ العظيمة التي اكتسبها من معاني القرآن الكريم ومن تعاليم مربيه العظيم وابن عمه النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) وهذه المبادئ تظهر لنا عناصر الحكمة من جميع جوانبها المادية والمعنوية وهي متسمة بالعاطفة والإحساس المتطلع دائما إلى الرحمة والرأفة والدفاع عن الحق والحرية والإنسان.

فكان (عليه السلام) يهتم بتنمية الشخصية الإنسانية إذ يركز على الجانب الفكري يوليه مكانة خاصة انسجاما مع النهج القرآني الذي يؤكد على التفكير والتأمل ويرفض الجهل والتقليد.

فمن أقواله التي تشيد بمقام العلم ودوره في تقويم شخصية الفرد: (لا غنى كالعقل, ولا فقر كالجهل, ولا ميراث كالأدب, ولا ظهير كالمشاورة... وقوام الدين والدنيا أربعة: عالم مستعمل لعلمه, وجاهل لا يستنكف أن يتعلم, وجواد لا يبخل بمعروفه, وفقير لا يبيع آخرته بدنياه...

والعلم الذي يدعو إليه هو العلم المفيد النافع الذي يخدم الحضارة وينسجم مع الأخلاق والقيم (وأعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه) وطبقات الناس العلمية (قيمة كل امرئ ما يحسنه) هذا هو المقياس الذي اعتمده الإمام علي (عليه السلام) واستخدمه في تصنيف الناس إلى فئات ثلاث:

(عالم رباني, ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريع, لم يستضيئوا بنور العلم, ولم يلجأوا إلى ركن وثيق) والعلماء الربانيون هم المؤمنون الواعون الذين دعاهم إيمانهم ووعيهم إلى أن ينذروا أنفسهم لطلب العلم لينفتحوا على الله ويفتحوا عيون الناس على الحق.

والطلاب المتعلمون المؤمنون العاديون الذين انطلقوا نحو رحاب العلم ليأخذوا بأسبابه فلاحقوا العلماء في مدارسهم وكتبهم واستفادوا من خيراتهم وتجاربهم كل ذلك من أجل معرفة الحق ليأخذوا به ويعملوا له, ومعرفة الباطل ليحذروا منه ويتجنبوا طريقة فيحققوا بذلك رضا الله في الدنيا ونجاتهم في الآخرة أما الهمج الرعاع وهم الجهلاء الذين يفتقدون العلم والوعي والثبات ولا يملكون الكفاءة الثقافية والعلمية التي تحولهم إلى اتخاذ مواقف ثابتة وموضوعية فهم من التيار المنتصر فمهما كانت طبيعة أفكاره وأهدافه فإذا ما انهزم تركوه ليلحقوا بمنتصر آخر قد يخالفه في الفكر والهدف.. والإمام علي (عليه السلام) يؤكد على المحبة من خلال النصائح الموجهة إلى الحاكم السياسي (واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

ويدرك الإمام علي (عليه السلام) أن الإنسان الذي ينشد التغيير الاجتماعي ويسعى له عليه أن يتمتع بخصائص تؤهله لذلك ومن أهمها: الحرية التي تنطلق من عبودية الفرد لله ليكون حرا في كل المواقع التي أرادها الله تعالى فيملك حق التصرف بنفسه وبما حوله متى شاء وكيف شاء على الشكل الذي رسمه الله وهو جلب المنافع المشروعة ودرء المفاسد الممنوعة (ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا) وحتى تتأكد هذه الحرية يقدم الإمام علي (عليه السلام) الوسائل التربوية التي تساعد على ذلك: تحرير الداخل من كل العبوديات الأرضية (المال, الجاه, السلطان, الغريزة) لينصرف إلى عبادة الله الواحد الذي منحه العقل ليهذب الشهوة والحكمة لينظم الغريزة والهداية ليقام الغواية: (فلا يكن أفضل ما قلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أشفاء غيظ ولكن إطفاء باطل أو إحياء حق (فالإمام علي (عليه السلام) يدعو إلى التوازن والتكامل وهو ما تنادي به اليوم التربية الحديثة فالإنسان بتكوينه جسدا وعاطفة وروعا شخصيته يتم بتغذية كل منها بالعناصر الفعالة التي تساهم في تنميتها بالاتجاه السليم لأن الفصل بينهما يولد انحرافا في الشخصية ونقصا في مكوناتها ومسارها الطبيعي وخطأ الفصل بين الروح والجسد افرز مشكلات لا تزال نعيش آثارها على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والخلقية والنفسية والروحية.

أما التربية السياسية والمواقع المتقدمة في السلطة كما يفهمها الإمام علي (عليه السلام) فقد تميزت بالأمور التالية: لم تعد حقا إلهيا يتولاه الحاكم نيابة عن الله وإنما هي منوطة بإرادة الجماهير توليها من تشاء بحسب اعتبارات تتعلق بمصلحة الجماعة (ألزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة) وهي ليست منعزلة عن الجماهير لتمارس سلطانها من فوق بالقهر والتعسف ولكنها مندمجة معهم تعاين أمورهم عن كثب وتصنع الحلول السريعة لمشاكلهم (فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق, وقلة علم بالأمور) وهي ليست وسيلة للإثراء غير المشروع والتوسعة على الأهل والأقارب بغير حساب... ولكنها إنصاف للناس والعدل عليهم والمساواة بينهم (فلا يكن حظك في ولايتك ما لا تستفيده وغيظا تشفيه ولكن أمانة باطل وإحياء حق) كما إنها ليست حسيا تشاد عليه الأمجاد وشرفا يدفع إلى التكبر والتجبر إذ (لا حب كالتواضع) وليست استبدادا في الرأي ولا خداعا للجماهير لكسب المجد والسلطان ولكنها صراحة في القول ونزاهة في العمل وصدق في المعاملة.

فالإنسان يمارس حقه في حدود المحافظة على حقوق الآخرين وبهذا يحصل التوازن بين الفرد والمجتمع ذلك إنهما متفاعلان ولكن بحدود حسن السيرة وموازين الحق والعدل.. من هنا نرى الإمام علي (عليه السلام) ينظر في حرية الفرد ومصلحة الجماعة نظرة موحدة شاملة فلا يغبن هذا ولا يؤذي ذاك بل يقيم بينها انسجاما يجعل الفرد جديرا باستخدام حريته ويجعل الجماعة خليقة بالاستفادة من الإجماع بل قد يجعل الفرد للجماعة والجماعة للفرد في نطاق الحرية الرحبة السمحة.. وإذا حدث واختل التوازن بين الفرد والجماعة وكانت مصلحة أحدهما على حساب مصلحة الآخر فإن ديمقراطية الإمام (عليه السلام) تأبى القيود إلا بمصلحة الأكثرية لا لأن سخط العامة يجحف برضا الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة.

إن فلسفة الإمام علي (عليه السلام) وعدالته تتلاقى مع عدالة السماء التي لا تبغي ولا تظلم بل تساوي بين الناس في الحقوق والواجبات وترفض أن يكون لأحد أي تمييز على آخر إلا بالتقوى والعمل الصالح.