على منهج من نحن؟

علي بن أبي طالب أم الخوارج؟

 

ما زلت في الحديث عن الشرعية. وأريد في هذه المقالة أن أركز على منهج علي بن أبي طالب (رض) في تعامله مع الخوارج، لأني أجد فيه آية على الشرعية التي نعجز عنها اليوم بعد أن اختلطت الشرعية باللاشرعية عند المسلمين وعلي بن أبي طالب شخصية عجيبة في تاريخنا ومعلم من معالم الحق والشرعية، ولكن تداخلت عند الناس الحقائق والخوارق في تصور حياته.

إن تاريخنا دخل حقبة جديدة في الصراع الذي حدث بين الخوارج وعلي بن أبي طالب. كان علي (كرم الله وجهه) خليفة المسلمين بالشورى والبيعة، وبعد أن صار في الحكم بطريق شرعي خرج عليه الخوارج. ولكن علياً قال لأصحابه: (لا تبدأوهم حتى يسفكوا دماً حراماً). هذه مقولة مهمة، وستظل مهمة وستظهر في المستقبل أنها الحق وأنها الشرعية.

فالأفكار تغير بالأفكار، وليس بالقتل. ومقولة علي معناها عميق، أي لا يقاتل الناس من أجل أفكارهم وعقائدهم، وإنما من أجل ممارساتهم العملية، حين يبدأون بقتل الناس وسفك الدماء. والسلطة الشرعية هي التي توقف هذا العدوان كائناً من كان مرتكبه بصرف النظر عن عقيدته، حيث لا يؤاخذ الناس على عقائدهم ما لم يلجأوا إلى سفك الدماء واستلاب الأموال بالقوة. هذان فقط المحرمان في المجتمعات النبوية التي يتمتع المجتمع بالشرعية وبالصبر على الأذى.

يقال أن علي بن أبي طالب قال: (لا تقاتلوا الخوارج بعدي). ما أدري هل قال هذا أم لا ولكن نحن يمكن أن نفهم هذا القول على ضوء معطيات التاريخ وتغيير الأقوام والأنفس. ففعلاً لم يحدث قتال شرعي بعد علي بن أبي طالب، لأن الذين جاءوا من بعده كانوا يقاتلون الباغي بالبغي من غير أن يصنعوا مجتمع الرشد بالرشد. ولم يتحول قتال البغي إلى قتال جهاد شرعي.

إن تطور البشر في فهم آيات الآفاق والأنفس فرض الشرعية. فالذي يخرج على الشرعية بشريعة الغاب يُطبق عليه القانون بغض النظر عن إخلاصه والقيم التي ينادي بفرضها بالإكراه. وفي تاريخنا كان الذين يخرجون على القانون ويصلون إلى الحكم من غير شرعية هم الذين يقاتلون غير الشرعية. أي لا شرعي يقاتل لا شرعياً. وهذا ما ظل عليه المسلمون إلى يومنا هذا والمسلمون الآن مضطرون إلى أن يفكروا ملياً وبوضوح للخروج من المأزق الذي هم فيه حتى يكشفوا الشرعية النبوية.

إن الشرعية النبوية التي جاء بها الأنبياء قاطبة ليست بارزة إلى الآن، لأن الناس إما يرونها كنتيجة لتدخل إلهي وكمعجزة أو يرونها كأسطورة حلوة مثالية غير قابلة للتطبيق، بل يرونها جنوناً (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون). لقد جاء الأنبياء جميعاً ليعملوا الناس الكفر بالطاغوت وليخرجوهم من ملة الطغيان (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به).

ويصف الله الأنبياء والذين آمنوا بالأنبياء أنهم هم (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب). ويصف الله الفاسقين بأنهم (من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل). ويصف الله الذين كفروا بأنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت (والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً).

الطاغوت - كلمة مشتقة من فعل طغى - هو الذي يعتمد على الإكراه في مولده واستمراره. وبما أنه لا إكراه في دين الأنبياء الذين أرسلهم الله فقد صار تضاد بين هاتين الملتين: ملة الأنبياء التي تنبذ الإكراه وتدعو إلى الكفر بالطاغوت، وملة الكفر أولياؤهم الطاغوت، التي تعتمد الإكراه في تثبيت نفسها. فمن هنا كانت إزالة الطاغوت ليست بالدخول إلى ملته وأسلوبه، بل كان موقف الأنبياء أن قالوا: (قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها).

لقد قدم الأنبياء البديل لمنظومة الطاغوت التي تعتمد الإكراه. فالشرعية النبوية تتأسس عن طريق تغيير ما بأنفس الناس، أي تغيير القناعات، وتغيير ما يؤمنون به. وهذا هو قانون التغيير الإلهي، وما جاء به الأنبياء. ولكن الطواغيت لا يعطون قيمة لتغيير ما بالأنفس، وإنما يقهرون الناس ويجعلونهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويحولونهم إلى منافقين، ولسان حالهم يقول: لقد أجلك من يرضيك مظهره، وقد أطاعك من يعصيك مستتراً. هذا الانفصال بين دعوة الله إلى كلمة سواء وبين دعوة الطواغيت الذين يريدون العلو في الأرض والفساد وجعل أهلها شيعاً هو ما يركز عليه القرآن.

إن تاريخ علي بن أبي طالب يظهر أزمة الشرعية في تاريخنا، حيث قتله المسلمون وهو حاكم راشد أتى بطوع الناس، وهذا يدل على أن التغيير ليس بتغيير الحاكم وإنما بتغيير ما بأنفس الناس. وعلي التزم الشرعية وكان مدركاً أن الحكم برضى الناس وبيعتهم، ولهذا لم يخرج عليها حتى عندما خرج الآخرون، وظل ملتزماً كلمة التقوى وكلمة السواء من طرفه. وهناك نقطة مهمة أخرى في حياة علي. فعندما بايعه الناس اعتبر أن هذا هو الطريق الشرعي وأن التغيير يكون بتغيير ما بأنفس الناس وليس بقهرهم، وأن ما يأتي الناس ينبغي أن يذهب برضاهم أيضاً، وهي نقطة غابت عن عثمان ومن يعطي السلطة للحاكم؟

وهذه العقبة اشتبهت على الناس، كما حصل في قضية عثمان إن الناس هم الذين يعطون الملك، وهم الذين ينزعونه، ليس بالقتل، والإكراه، وإنما بالشورى. فكما يُختار الحاكم بالشورى، يغير أيضاً بالشورى.

إن الخروج على الشرعية خطأ كما فعل المسلمون مع عثمان. ولكن الاختلاط حدث من جانبين، من جانب الذين أجازوا تغيير الشرعية بغير الشرعية، من قتل الأنفس واغتيالها، ومن جانب عثمان الذي كان يشعر أن السلطة ثوب من الله، ولا يخلعها إلا الله. ونحن يجب أن نفهم بوضوح هذا الاختلاط أكثر من الذين كانوا يحيونها في تلك الأيام. إن عثمان كان مصيباً في عدم قتال الذين خرجوا عليه. والذين خرجوا عليه انزلقوا في الغي حين قتلوه ولم يصبروا على حل المشكلة.

إني أقول مطمئناً أن علي بن أبي طالب معلم للشرعية، حسب ما جاء به الأنبياء الذين لم يخرجوا على مجتمعاتهم باستعمال القوة، وإنما بتغيير ما بأنفس الناس، من غير إكراه وحتى من غير دفاع عن النفس إذا اعتدى عليهم مجتمع الطاغوت، حتى يغيروا الناس برضاهم. لقد ظل الأنبياء صابرين على الأذى، حتى أتاهم نصر الله بالإقناع، وليس بالإكراه.

إن في حياة علي بن أبي طالب عبراً كثيرة، وهو الذي فهم منهج الخوارج على حقيقته. فعندما سئل عنهم: أكفار هم؟ قال: بل من الكفر فروا. فسُئل: أمنافقون هم؟ قال : لا. قيل: فمن هم إذن؟ قال (رض) القول الفصل الذي يشتبه على كثير من الناس: (ليس من طلب الباطل فأدركه كمن طلب الحق فأخطأه). هذا الكلام معلم من معالم الحق والنزاهة واللا إكراه في الأفكار. لقد شخص علي المرض بوضوح ووضع إصبعه على خطأ المنهجية في السلوك اللاشرعي. وحين اغتاله الخوارج. قال في وصيته عن قاتله: إن أعش فالأمر لي وإن مت من هذه الضربة فالأمر إليكم، فإن أبيتم القصاص فضربة، إن تعفوا أقرب للتقوى.

عليك سلام الله يا إمام المتقين الذين يعيشون في هذه الأرض، ومع النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً في يوم الدين.