إعداد الأُمة وتهيئتها لتولّي الإمام عليّ (عليه السلام) الخلافة

الدكتور عبد الجبار شرارة

لقد بدأت عملية إعداد الأُمة وتربيتها لقبول واستقبال خلافة الإمام عليّ (عليه السلام)، وقيادته للمسيرة الإسلامية بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، منذ وقتٍ مبكر، فعندما أُمر النبي الأكرم بالإنذار والتبليغ كما في قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ)(1) قال الطبري: وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه إلى أن أمر بإظهار الدعاء إلى الله، مستسراً مخفياً أمره (صلى الله عليه وآله)، وأنزل عليه: (وَأَنِذرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)(2) ثمّ أخرج الطبري روايةً عن عبد الله بن عباس عن عليّ بن أبي طالب، قال: (لما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لي يا عليّ إنَّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعرفتُ أني متى اباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتُّ عليه حتى جاءني جبريل، فقال يا محمد إلاّ تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربُّك؛ فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجلَ شاة، واملأ لنا عسّاً من لبنٍ ثمّ اجمع لي بني عبد المطلب حتى اُكلّمهم وأُبلغهم ما اُمرتُ به، ففعلتُ ما أمرني به ثمّ دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب والحمزة والعباس وأبو لهب...) وتكررت المحاولة فلما أكلوا وشربوا قال الطبري: (فتكلم رسول الله فقال: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلمُ شاباً في العرب جاء قومَه بأفضل ما جئتكم به؛ إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن ادعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم. قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، فقلتُ وأني لأحدثهم سنّاً، وأرمصهم عيناً... أنا يا نبي الله اكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّ قال: إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، قال ـ أي عليّ (عليه السلام) ـ فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمعَ لابنك وتطيع...)(3).

ومن هذه الرواية يتضح لنا أن أول عملية لإعداد الذهنية من أجل قبول عليّ، وصيّاً وخليفةً، قد تمت في الوسط الخاص، (عشيرة النبي المقربين) وكان ذلك جنباً إلى جنب مع التبشير برسالته والإعلان عن نبوته وبعثته صلوات الله وسلامه عليه.

ثمّ اتخذت عملية إعداد الأُمة منحىً آخر:

فقد بدأ القرآن يتنزل تباعاً، وبدأ الإمام عليٌّ يقاتل دونه مع رسول الله وبدأت الآيات القرآنية تنزل أيضاً في الإشادة بفضل الإمام عليّ (عليه السلام) وبفضائله، لأجل نفس الهدف. وقد أخرج ابن عساكر على ما نقله السيوطي: (أنه ما نزل في أحدٍ من كتاب الله كما نزل في عليّ...)(4)، وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس أيضاً (أنه نزلت في عليّ ثلاثمائة آية)(5).

ونورد هنا بعض الآيات التي ذكر غيرُ واحدٍ أنها نزلت في عليٍّ، وتدخل في هذا الإطار، أي تؤشر حقيقة إعداد الأُمة وتربيتها في هذا الاتجاه:

أ - جاء قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحمَنُ وُدّاً)(6) أخرج غير واحد من الحفاظ بأسانيد مختلفة أنها نزلت في عليّ، لأنَّ ما من مسلم إلاّ ولعلي في قلبه محبة..)(7).

فعن البراء بن عازب قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب يا عليّ: قل اللهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة.

فأنزل الله: (إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ) قال: نزلت في علي)(8).

ب - قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ...)(9) عن عليّ (عليه السلام) قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبَّهَمْ...) قال: (هم الذين بارزوا يوم بدر عليّ وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة...)(10).

ج - قوله تعالى: (وَرَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهمْ لَمْ يَنَالُواْ خيْراً وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ...)(11). روى غير واحدٍ أن عبد الله ابن مسعود كان يقرأ هذه الآية هكذا: (وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنَينَ القِتَالَ) بعليّ بن أبي طالب(12).

د - قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)(13).

ذكر غير واحدٍ من الحفاظ والمحدثين عن ابن عباس قال: هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) خاصةً(14).

هـ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلواْ بُهتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) (15).

وورد بعدة طرق أنها نزلت في عليّ، وذلك أنَّ نفراً من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه(16).

إنّ مما يؤكد أن هذه الآيات قد جاءت ونزلت لبيان منزلة الإمام علي (عليه السلام) وعظمة شخصيته، ودوره الكبير في حياة الرسالة والرسول، وأنَّ المؤمنين يلزمهم وعي هذه الحقائق والانقياد اليها، مما يؤكد ذلك هو ما جاء من الأحاديث النبوية في تثبيت هذه المعاني.

فقد روى الصحابي سعد بن أبي وقاص قال: (أمرني معاوية أن أسبَّ أبا التراب، فقلت: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله، فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهن أحبُّ إليَّ من حُمر النّعم، قد خلّفه رسولُ الله في بعض مغازيه، فقال عليٌّ: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فسمعتُ رسول الله يقول: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبوةَ بعدي(17)، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الرايةَ رجلاً يحبُّ الله ورسولَه، ويُحبُّه اللهُ ورسولُه، قال: فتطاولنا لها(18)، فقال: ادعوا لي عليّاً، فأُتي به أرمد، فبصق في عينه، ودفع الراية اليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْم فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبناءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبينَ)(19) دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: اللهم هؤلاء أهلي) رواه مسلم(20) والترمذي(21).

إنَّ هذه الرواية ـ على طولها ـ التي رواها سعد تؤكد أموراً منها:

أ ـ نزول آية المباهلة ـ وهي الآية المذكورة في نص الرواية ـ في عليّ وزوجته البتول وولديهما الحسن والحسين (عليهم السلام).

ب - تؤكد أن هؤلاء هم أهل البيت دون سواهم(22). وبالتالي نفهم أنهم هم المقصودون في آية التطهير التي هي قوله تعالى: (... إِنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (23) وفي آية التطهير هذه يتبين لنا نزاهة عليّ وأمانته، وسمو ذاته وطهارته، بل عصمته.

ومن هنا يبدأ الاستحقاق لأن يحتلَّ عليٌّ مقام الخلافة والولاية وقيادة المسيرة، قال الراغب الأصفهاني: (لا يصلح لخلافة الله ولا يكمل لعبادته وعمرة أرضه إلاّ من كان طاهر النفس قد اُزيل رجسها ونجسها، فللنفس نجاسة كما إنّ للبدن نجاسة، لكن نجاسة البدن قد تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا ترك إلاّ بالبصيرة... وإنما لم يصلح لخلافة الله إلاّ من كان طاهر النفس، لأنَّ الخلافة هي الاقتداء به تعالى على الطاقة البشرية، ومن لم يكن طاهر القول والفعل فكل إناء بالذي فيه يرشح...)(24).

يتبين لنا من ذلك أنَّ القرآن الكريم بعد أن أشادَ بفضل علي وبفضائله، ارتقى به الى منزلة التزكية المطلقة (التطهير) ثمّ صعدَ به إلى منزلةٍ على غاية من الأهمية إذ جعل نفسَ عليّ كنفس النبي محمد (صلى الله عليه وآله) كما هو صريح آية المباهلة. وتأسيساً على ذلك، أكدّ النبي (صلى الله عليه وآله) مراراً وكراراً قائلاً: (عليّ مني وأنا من علي)(25) وعندما حاول بعض الناس الشكوى من عليّ بغيةَ التشويش على مقامه هذا ومنزلته، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ما تريدون من عليّ..؟) ردّدها ثلاثاً، ثمّ قال (إنَّ علياً مني وأنا منه)(26).

ومن أجل قطع الطريق أمام المتشككين بهذه المنزلة الرفيعة التي أنزل الله تعالى فيها عليّاً، ولترسيخ وتأكيد ولايته وخلافته بع النبي، في كل ما يهم المسلمين من أجل ذلك جاء قوله تعالى: (إِنَّمَا وَليُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(27) فقد ذكر الزمخشري أن هذه الآية المباركة نزلت في عليّ (عليه السلام) حين سأله سائل، وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه(28). ولإزالة الالتباس، وقطعاً لدابر أيّ تأويل في المراد بالولي وتشخيصه في مثل هذه الموارد، صرّح النبي (صلى الله عليه وآله) في أكثر من مناسبة قائلاً: (إنَّ عليّاً مني، وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي...)(29) ولتأكيد ولاية عليّ، ودوره الهام بالنسبة إلى الرسالة الإسلامية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (عليٌّ مني وأنا من عليّ ولا يؤدي عني ـ أي بصفته نبيّاً رسولاً ـ إلاّ أنا وعليّ...)(30) ثُم رُسّخ هذا المفهوم عمليّاً جهاراً نهاراً في قصة تبليغ سورة براءة، كما أخرج هذه الرواية الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي بكر الصديق أنه قال: (إنّ النبي بعثه ببراءة إلى أهل مكة، فسارَ ثلاثاً ثمّ قال لعلي: الحقه، فردَّ عليٌّ أبا بكر وبلّغها، فلما قدم أبو بكر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا رسول الله حدثَ فيَّ شيء، قال: ما وجدتُ فيك إلاّ خيراً، لكنني اُمرت أن لا يبلغ إلاّ أنا أو رجلٌ مني...)(31) وفي الكشاف: روي أنَّ أبا بكر لما كان ببعض الطريق ـ أي لتبليغ سورة براءة ـ هبط جبرائيل (عليه السلام)، فقال: (يا محمد: لا يبلغن رسالتك إلاّ رجلٌ منك، فأرسل عليّاً...)(32).

وأخيراً ختم القرآن الكريم هذا الموضوع الحيوي والمهم أي عملية الإعداد الفكري والتربوي في آخر ما نزل منه في آية التبليغ ثمّ في آية إكمال الدين بعد حديث الغدير المشهور، وعنده لم يعد هناك عذرٌ لمعتذر. وقصة الغدير ـ كما تناقلها الرواة مع بعض الاختلاف ـ هي كما يأتي:

لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حجة الوداع، نزل عليه الوحي مُشدِّداً (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(33) فحطّ الركبُ عندَ غدير خمّ، وجمع الناس في منتصف النهار، والحرُّ شديد، وخطب فيهم قائلاً، كأني قد دُعيت فأجبتُ وإني تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتابَ الله وعترتي ـ وفي رواية مسلم (34) وأهل بيتي ـ فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض... ثمّ قال: إنَّ الله مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثمّ أخذ بيد عليٍّ فقال: من كنت مولاه فهذا وليُّه ـ فهذا مولاه (35) ـ اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره(36).. وأدر الحقَّ معه حيثما دار..(37) وقد أعقبَ هذا الحدث الكبير نزول الوحي مرةَ أخرى بقوله تعالى: (... اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتمَمتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناً...)(38).

وقد ورد في بعض الروايات أن الرسول القائد (صلى الله عليه وآله) قال بعد نزول هذه الآية في ذلك اليوم المشهود وهو يوم الثامن عشر من ذي الحجة(39) يوم الغدير قال: (الله أكبر، الحمد لله على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي بعدي)(40).

وفي رواية لأحمد، (فلقيه عمر بن الخطاب ـ أي لقي علياً ـ بعد ذلك، فقال له هنيئاً أصبحت وأمسيتَ مولى كل مؤمن ومؤمنة...)(41).

ومما يؤسف له حقاً أن بعض الناس كان لا يرضيهم أن يُعطى عليّ مثل هذه الامتيازات والمقامات، وكان بعض الناس يكثر لغطه واعتراضه عندما يَخصُّ الرسول القائد علياً بذلك، فيضطر الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله أن يذكّرهم بأنه رسول ربّ العالمين الذي يصدع بما يؤمر وأنه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى* إَنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌّ يُوحَى)(42).

ومن الشواهد على ذلك؛ ما رواه الترمذي وحسنه، عن جابر بن عبد الله قال: (دعا رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً يوم الطائف فانتجاه ـ أي كلّمة سرّاً ـ فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمّه، فقال الرسول: ما انتجيته ولكن الله انتجاه...)(43).

وعن ميمون عن زيد بن أرقم قال: (كان لنَفرٍ من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبواب شارعة في المسجد قال: فقال رسول الله يوماً سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ، قال: فتكلم في ذلك الناس، قال: فقام رسول الله فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعدُ فإني أُمرتُ بسدِّ هذه الأبواب، إلاّ باب عليّ، وقال فيه قائلكم؛ وإني والله ما سددتُ شيئاً ولا فتحتُهُ، ولكني اُمرتُ بشيء فاتبعتُه...)(44).

وهكذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلما يخصُّ عليّاً دون سواه بأمر، يصرحُ لهم، ويبين للأمة أنَّ ذلك إنما هو بأمر من الله تعالى. وقد حدث ذلك في إرسال عليّ (عليه السلام) لتبليغ سورة براءة بدلاً من أبي بكر، وحدث ذلك يوم المناجاة في الطائف، وحدث ذلك يوم الغدير، إلى غير ذلك. ومما يلاحظ أيضاً أن المواقف الحاسمة في تاريخ الإسلام، وفي حياة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، بما فيها ما يتصل بحماية التجربة الإسلامية ومستقبلها، يلاحظ أن الرسول القائد كان يقدّم عليّاً ويدعوه شخصياً دون غيره لحسم تلك المواقف ودفع الخطر الداهم، حدث ذلك في معركة بدر الكبرى، إذ كان عليٌّ صاحب الراية، وقتل من صناديد المشركين من قتل، وحدث ذلك يوم اُحد إذ قتل عليٌّ طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين، روى الطبري قال: لما قتلَ عليُّ بن أبي طالب أصحاب الالوية، أبصرَ رسولُ الله جماعةً من المشركين فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جمعهم، وقتل عمرو الجمحي، ثمّ أبصرَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) جماعةً من المشركين، فقال لعلي احمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جمعهم وقتل شيبة بن مالك، فقال (جبريل) يا رسولَ الله إنَّ هذه للمواساة، فقال رسول الله (صلىالله عليه وآله): إنه مني وأنا منه، فقال (جبريل) وأنا منكما، قال الطبري ثمّ سمعوا صوتاً يهتف:

(لا سيف إلاّ ذو الفقار* ولا فتى إلاّ علي)(45).

ويكفي ما نقله سعد بن أبي وقاص على ما روى الشيخان في يوم خيبر(46).

وقد يكون من المناسب أن نذكر هنا ما أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ولقد عاتبَ اللهُ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غير موضع وما ذكر علياً إلاّ بخير(47).

 

الهوامش:

1- سورة الحجر: الآية 94.

2- سورة الشعراء: الآية 214.

3- تاريخ الطبري: ج 3 ص 218 و 219 المطبعة الحسينية بمصر، الطبعة الأولى، راجع تفصيل الرواية وأسانيدها في ما نزل من القرآن في عليّ، لأبي نعميم، جمع الشيخ المحمودي، ص 155. وراجع تفسير الخازن: ج 3 ص 371 طبعة دار المعرفة / بيروت.

4- تاريخ الخلفاء، ص 171، الصواعق المحرقة، لابن حجر ص 127.

5- المصدران السابقان.

6- سورة مريم: الآية 96.

7- راجع ما نزل من القرآن في علي، لابي نعيم الأصبهاني، جمع الشيخ المحمودي، ص 130 وما بعدها.

8- شواهد التنزيل، الحسكاني، ج 1 ص 360 و 361 ط 1.

9- سورة الحج: الآية 19.

10- التاج الجامع للأصول: ج 4 ص 181، وقال رواه الشيخان (البخاري ومسلم) كتاب التفسير.

11- سورة الأحزاب: الآية 25.

12- (ما نزل من القرآن في علي) لأبي نعيم، تحقيق المحمودي، ص 172. وراجع ما نقله عن ميزان الاعتدال، الذهبي ج 2 ص 380 ترجمة عياد بن يعقوب تحت الرقم 4149.

13- سورة التوبة: الآية 119.

14- (ما نزل من القرآن في علي) لأبي نعيم ص 104، وراجع الهامش فقد نقل روايات بأسانيد مختلفة، وراجع أيضاً: الصواعق المحرقة، لابن حجر ص 152.

15- سورة الأحزاب: الآية 58.

16- راجع تفسير الكشاف ج 3 ص 559.

17- حديث المنزلة سبق تخريجه، راجع التاج الجامع للأصول ج 3 ص 332 رواه الشيخان والترمذي.

18- راجع: الرواية عن أبي هريرة وفيها قال عمر: (ما أحببتُ الإمارة إلاّ يومئذٍ فتساورت لها...). التاج الجامع للأصول ج 3 ص 331 رواه الشيخان.

19- سورة آل عمران: الآية 61.

20- صحيح مسلم ج 4 ص 1873.

21- صحيح الترمذي ج 5 ص 596، وراجع الصواعق المحرقة لابن حجر ص 143. وراجع الرواية في التاج الجامع للأصول ج 3 ص 333.

22- التاج الجامع للأصول، ج 4 ص 207 قال روى الترمذي ومسلم عن عمر بن اُم سلمة ربيب رسول الله: لما نزلت هذه الآية ـ التطهير ـ في بيت اُم سلمة دعا رسول الله فاطمة وحسناً وحسيناً وعلياً، فجللهم بكساء ثمّ قال: الله هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً قالت ام سلمة، وأنا معهم يا رسول الله. قال: أنت على مكانك، وأنت على خير.

23- سورة الأحزاب: الآية 33.

24- الذريعة إلى مكارم الشريعة: ابن المفضل الراغب الأصفهاني، ص 29 مراجعة وتعليق طه عبد الرؤوف سعد ط 1 مكتبة الكليات الأزهرية ـ القاهرة 1393 هجري، وراجع استفادة العصمة من آية التطهير، الاُصول العامة للفقه المقارن، محمد تقي الحكيم ص 174.

25- التاج الجامع للأصول: ناصف ج 3 ص 334، وراجع تاريخ الخلفاء: السيوطي ص 169.

26- صحيح الترمذي، ج 5 ص 594.

27- سورة المائدة: اية 55.

28- الكشاف: الزمخشري ج 1 ص 649 قال في الهامش في تخريج الحديث: رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن كهيل: قال: تصدق عليّ بخاتمه وهو راكع فنزلت أي الآية. ولابن مردويه عن سفيان الثوري عن ابن سنان عن الضحاك عن ابن عباس مثله. وراجع أيضاً أسباب النزول: الواحدي ص 134 قال: نزلت في علي.

29- صحيح الترمذي، السابق ـ باب فضائل الإمام عليّ، وراجع التاج الجامع للأصول ج 3 ص 335.

30- المصدر السابق.

31- مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 1 ص 3 ـ طبعة دار صادر، وراجع: تفسير الكشاف الزمخشري ج 2 ص 243، وراجع الرواية أيضاً في صحيح الترمذي ج 5 ص 594.

32- الكشاف المصدر السابق.

33- سورة المائدة: الآية 67، قال الواحدي في أسباب النزول ص 135، نزلت في غدير خم.

34- صحيح مسلم ج 4 ص 1874.

35- التاج الجامع للأصول ج 3 ص 333. رواية عن زيد بن أرقم عن النبي (صلى الله عليه وآله) وهي في صحيح الترمذي أيضاً ج 5 ص 591.

36- مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 4 ص 281، 368 دار صادر، وراجع تفسير ابن كثير ج 1 ص 22. وراجع سنن ابن ماجة المقدمة ج 1 باب 11 وراجع تحقيقات وافية شافية في أسانيد الحديث الغدير العلامة الأميني. وراجع البداية والنهاية: لابن كثير أيضاً بعدة طرق ج 7 ص 360 و 361.

37- التاج الجامع للأصول ج 3 ص 337. رواه مستقلاً: (رحم الله عليّاً اللهم أدر الحق معه حيث دار..).

38- سورة المائدة: الآية 3.

39- راجع الإتقان: السيوطي ج 1 ص 75 في رواية نزول الآية يوم الغدير وأنه يوم الثامن عشر من ذي الحجة. وراجع أسباب النزول: الواحدي ص 135.

40- مناقب أمير المؤمنين: الحافظ محمد بن سلمان الكوفي القاضي من أعلام القرن الثالث تحقيق الشيخ المحمودي ج 1 ص 119 مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، قم 1412 هجري.

41- مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 4 ص 281، وقد أشهد عليٌّ جمعاً من الناس، فشهد له ثلاثون أنهم سمعوا هذا الحديث من رسول الله. ابن كثير: البداية والنهاية ج 7 ص 360.

42- سورة النجم: الآية 3 - 4.

43- راجع صحيح الترمذي، ج 5 ص 597، وراجع البداية والنهاية: لابن كثير ج 7 ص 369، وراجع التاج الجامع للأصول ج 3 ص 336.

44- مسند الإمام احمد ج 4 ص 369، وراجع تاريخ ابن كثير ج 7 ص 355.

45- تاريخ الطبري ج 2 ص 25 وص 65 - 66 ـ طبعة المكتبة العلمية ـ بيروت.

46- رواية سعد أخرجها الشيخان، راجع هامش 54 و55.

47- تأريخ الخلفاء: السيوطي ص 171.