وصف إجماليّ للمشهد العلَوي

إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف


إنّ عمارة المشهد القائمة في هذه الأيّام، هي عمارة الشاه صفي، وهي بديعة الشكل فخمة الصنعة.

يقع القبر الشريف تحت قبة عالية، ويحيط به فسحة طول كل ضلع منها 13 متراً، ويحيط الروضة المقدسة من جوانبها الأربعة رواق مسقّف، ثمّ من الجهة الشرقية إيوان الذهب، الذي تقع على جانبيه مئذنتان مذهّبتان، ويحيط بهذا المبنى كلّه الصحن الشريف، الذي له سور عالٍ، مؤلّف من طابقين، فيه أربعة أبواب رئيسية، وخامس جانبي، وارتفاع سور الروضة، والرواق المحيط بها، ثمّ السور المحيط بالصحن كلّه واحد لا يختلف.

 

وصف الروضة المقدسة:

يقع القبر الشريف وسط الروضة المقدسة المربعة الشكل، يعلوه قبتان: خارجية وداخلية:

الخارجية مدببة الشكل، يبلغ سمك جدرانها 8 سنتمترات، وارتفاعها عن سطح الضريح 42 متراً، وقطرها 16 متراً، ومحيط قاعدتها 50 متراً...

والداخلية مستديرة الشكل، سمك جدرانها 60 سنتمتراً، وارتفاعها عن سطح الضريح 35 متراً، وقطرها 12 متراً.

وتقوم القبة على رقبة طويلة، علوّها 12 متراً، فُتح فيها 12 شبّاكاً للتهوية والإضاءة، وقد زُخرفت القبة الداخلية والخارجية، بزخارف تعتبر آية من آيات الفنّ الإسلامي، فالمقرنص الكبير الذي حمل رقبة القبة كُسي بالمرايا المصنوعة على شكل بديع، وبالقاشاني والكتابات الجميلة، والنقوش الرائعة، وكذلك القبة نفسها من الداخل.

أمّا القبة الخارجية، فقد كانت مغشاة بالبلاط القاشاني ـ وكذلك المئذنتان والايوان وسائر الصحن الشريف ـ إلى أن جاء السلطان نادر شاه لزيارة النجف، فأمر بقلع القاشاني عن القبة، والإيوان والمئذنتين، واستُبدلا بصفائح الذهب، وصرف على ذلك مبالغ جسيمة، وذلك سنة 1156 هـ.

وفي وسط القبة يوجد القبر الشريف، وقد وُضع عليه صندوق من خشب الساج الهندي المطعَّم بالصدف، والعاج والأَبنوس، وأنواع أخرى من الأخشاب المتعددة الألوان، فجاء تحفة رائعة، وقد حُفر على الصندوق الكثير من الكتابات العربية المتعددة الطرز، وتاريخ صناعة هذا الصندوق هو 1202هـ.

ووضع فوق الصندوق مقصورة من الحديد، ثمّ فوق هذه المقصورة مقصورة أخرى من الفضة الخالصة، يبدو أنها صُنعت ووضعت في عهد الصفويين، وجُدّدت عدة مرات، ثمّ استُبدلت أخيراً، أي في سنة 1361 هـ بمقصورة أخرى تحوي: عشرة آلاف وخمسمائة مثقال من الذهب، ومليوني مثقال من الفضة، وتعتبر آية من آيات فن صناعة الذهب والفضة، وكذا الترصيع بالميناء المتعددة الألوان.

أما جدران المربع التي تقوم عليها القبة، فيبلغ ارتفاعها 17 متراً، قد غُشيت كلّها بأنواع متعددة من الزخارف النفيسة، والألوان البديعة، والكتابات الرائعة.

كما فرشت أرض الروضة المقدسة، وكذلك الجدران إلى ثلاثة أذرع ونصف بالمرمر، فوقها على الجدران شريط من القاشاني المزين بالنقوش والآيات، فوق هذا الشريط حتّى رقبة القبة، طبقة من الفُسيفساء تتكوّن من أحجار كريمة، كالياقوت والزمرّد والألماس واللؤلؤ النادر، ثمّ يأتي بعد ذلك التزيين بالمرايا على شكل بديع جميل.

 

أبواب الروضة المطهّرة:

وللروضة المطهرة ستة أبواب تؤدّي إلى الرواق المسقّف المحيط بها، إثنان من جهة الغرب لا ينفذان إلى الرواق، لأنّ خلفهما شباكاً من الفضة، وإثنان من جهة الشرق يؤديان إلى الرواق، في مقابل باب الإيوان الذهبي، واثنان خلف الإمام من جهة الشمال، يؤديان إلى الرواق أيضاً.

وأما البابان اللذان في مواجهة باب الإيوان الذهبي، فالذي يكون على يمين الداخل، نُصب سنة 1283 هـ، والذي على يسار الداخل، نصب سنة 1287هـ.

والأول كان قد أهداه لطف علي خان الإيرواني، والثاني أهداه ناصر الدين شاه القاجاري، وكلاهما كانا من الفضة، ولكنهما معاً قُلعا في سنة 1376 هـ، واستُبدلا ببابين ذهبيين جميلَي الصنعة، بذل نفقتهما الحاج محمّد تقي الاتفاق الطهراني.

والبابان اللذان من جهة الشمال خلف الضريح، ويؤديان إلى الرواق، فهما من الفضة الخالصة، وكانا في الأصل باباً واحداً، لكنّه قُلع في سنة 1366 هـ، وجُعل مكانه البابان اللذان كانا إلى جهة الغرب، عند رأس الإمام (عليه السلام)، ومن هذه الأربعة فقط يكون الدخول والخروج، من الرواق إلى الروضة المطهرة.

 

الرواق المحيط بالروضة المقدسة:

ويحيط بمبنى القبة (الروضة) من جميع الجهات، رواق مفروش أرضه، وقسم من جدرانه متصل بجدار الروضة نفسها، بسقف مزيّن بالمرايا الملونة، ذات الأشكال الهندسية المختلفة البديعة، وأرضه والقسم الأسفل من جدرانه مفروش بالمرمر، ويساوي ارتفاع جداره ارتفاع جدار الروضة، وجدار الصحن الخارجي، ويبلغ طول ساحته من الشرق إلى الغرب 30 متراً، ومن الشمال إلى الجنوب 31 متراً، وله ثلاثة أبواب:

بابان متقابلان: أحدهما من جهة الشمال مقابل لباب الصحن المعروف بباب الطوسي، والثاني من جهة الجنوب، مقابل لباب القبلة، وهذا قد نصب فيه باب فضي ثمين مُحلّى بالذهب، نصب سنة 1341هـ، وقد بذلت نفقته والدة الحاج عبد الواحد زعيم آل فتلة، وهو المعروف بباب المراد.

والباب الثالث: هو الذي في الإيوان الذهبي، ويدخل الداخل منه إلى الرواق، وهو من الأبواب الثمينة المتقنة، نُصب سنة 1373هـ، وهو مرصّع بالأحجار الكريمة ومطعّم بالميناء، وهو لوحة فنيّة رائعة كُتبت عليه الآيات القرآنية، والأشعار اللطيفة.

وفتح في سنة 1373هـ باب جديد ينفذ إلى الرواق، ويمرّ على مرقد العلاّمة الحلّي، الذي برز للرائح والغادي حين فُتح هذا الباب.

وجدران مبنى الروضة والإيوان الخارجية مزينة بالقاشاني، يرجع معظمها إلى العصر العثماني، ويحيط بالجدران من أعلى شريط من الكتابة بخط الثلث الجميل.

 

الإيوان الذهبي الكبير:

ومن جهة الشرق يقع الإيوان الذهبي الكبير، وسقفه وجدرانه مكسوّة بالذهب الإبريز الخالص، وفي ركنيه المئذنتان الذهبيتان، كُتب في وسطه على جانبي الباب قصيدة فارسية بحروف ذهبية بارزة، وفي أعلاه كلمات عربية وحروفها ذهبية بارزة، وفيها تاريخ تذهيب القبة، والمئذنتين والايوان بأمر السلطان نادرشاه، وقد دفن في هذا الايوان كثير من العلماء والأعيان.

وفي غرفة تقع على يمين الداخل إلى الرواق، يوجد قبر العلاّمة الحلّي، وفي أخرى على يسار الداخل يقع قبر المقدس الأردبيليّ، وهذه الغرفة اليوم مخزن لبعض النفائس الثمينة.

أمام هذا الايوان رحبة كبيرة، ترتفع عن أرض الصحن قدر متر، ويبلغ طولها 33 متراً، وعرضها 20 متراً.

 

المآذن:

تقع المئذنتان في ركنَي الايوان، في الجهة الشرقية من الروضة الشريفة، ومحيط كل منها ثمانية أمتار، وارتفاع كل واحدة منها 35 متراً، وقطرها متران ونصف، ويقال: إنّ على كل واحدة منهما أربعة آلاف صفحة من الذهب الخالص.

وعلى ارتفاع 25 متراً، يحيط بالمئذنتين شريط عرضه متر من الكتابة العربية، فيه آيات من سورة الجمعة، ويعلو الكتابة صفّان من المقرنصات، ترتكز عليهما شرفة المؤذّن، التي قطرها متر ونصف، وارتفاعها ثلاثة أمتار، فوقها اُسطوانة ضيّقة، يبلغ قطرها متراً ونصفاً، وارتفاعها ستة أمتار، ويتوّج الاسطوانة طاقية مصفّقة يعلوها الهلال.

ونادر شاه هو الذي أمر بإزالة القاشاني الذي عليهما، وعلى القبة والإيوان، واستبداله بصفائح الذهب، وذلك في سنة 1156 هـ، وقد هُدّمت المئذنة الجنوبية، في سنة 1281 هـ حتّى أساسها، ونُزعت الصفائح الذهبية عنها؛ لهدف إصلاحها، ثمّ أعيد بناؤها على طرزها الأول.

وفي سنة 1352 هـ، قُلع الذهب عنها أجمع، وهدم أعلاها، ثمّ اُعيد كلّ ذلك كما كان، واُصلحت المئذنة الشمالية المجاورة لمرقد العلاّمة الحلّي، في سنة 1315هـ، فنزع ما عليها من الذهب، وهدمت إلى نصفها، ثمّ أعيد بناؤها على طرازها السابق كذلك.

وفي سنة 1367هـ، قُلع الذهب عنها أجمع، وهدم أعلاها ثمّ أعيد بناؤه.

 

الصحن الشريف:

يحيط بهذا المشهد الشريف سور مربع الشكل تقريباً، طول كل من ضلعيه: الشرقي والغربي 84 متراً من الخارج، و 77 متراً من الداخل، وطول ضلعه الشمالي 74 متراً من الخارج، و 72 متراً من الداخل، والجنوبي من الخارج 75 متراً، ومن الداخل 72 متراً.

أما ارتفاع السور فيبلغ 17 متراً، وهو مؤلّف من طابقين:

الأول منهما: مؤلف من 54 ايواناً مقبباً، يتقدم حجرة هي مقبرة لأحد المشاهير، ويسكنها عادة طلاب العلم، ولكنها أصبحت الآن مشغولة بالقرّاء على الأموات.

أما الطابق الثاني: فهو عبارة عن إيوان معقود بعقود فارسية مدببة، يتقدم مجموعة من الغرف المقبّبة يسكنها عادة الطلبة والمنقطعون للعبادة، ويحتوي الطابق الأعلى على 78 غرفة، وجميع جدران السور مكسوة بالقاشاني البديع النقش، وعلى حواشي جدرانه العليا مكتوب بعض السور القرآنية بأحرف عربية جليّة.

وهذا السور يحيط بالصحن الشريف الذي هو رحبة واسعة تبلغ مساحتها ثمانية آلاف متر مربع مفروشة بالرخام، كانت قبل فرشها بالرخام مملوءة بالقبور والمحاريب التي تعيق عن التحرّك بحريّة.

وفي سنة 1306 هـ حُفرت السراديب التي نُقل إليها كثير من القبور، ثمّ سُوّيت أرض الصحن، وكسيت ببلاطات من المرمر.

وفي هذا السور المحيط بالصحن خمسة أبواب:

الباب الأول:

الباب الكبير في الجهة الشرقية من السور مقابل السوق المشهور بـ:

السوق الكبير، وفوق هذا الباب توجد الساعة التي أمر بإرسالها من إيران الوزير أمين السلطنة سنة 1305 هـ، وقد زُخرفت جهات الساعة الأربع، وكذا القبة التي تعلوها ببلاطات من الذهب الخالص، في سنة 1323هـ.

والباب الثاني:

باب ليس رئيسياً إلى يمين الباب الكبير، ويسمى بـ: باب مسلم بن عقيل.

والباب الثالث:

هو المعروف بباب الطوسي، لأن الخارج منه ينتهي إلى قبر الشيخ الطوسي، المتوفى سنة 460 هـ.

والرابع:

باب القبلة الذي جُدد بناؤه عدة مرات، وهو أصغر الأبواب الرئيسية.

والخامس:

الباب السلطاني الذي هو في الجهة الغربية، سُمّي بذلك لأنه فُتح في عهد السلطان العثماني عبد العزيز سنة 1279 هـ.

ويسمى أيضاً: باب الفرج، لأنه ينتهي إلى مقام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه.

وعلى سائر الأبواب كتابات جميلة وتواريخ تجديد بنائها، وفيها مدح لسيّد الأوصياء (عليه السلام)، ونقوش جميلة بالقاشاني.

وأخيراً.. ففي الجهة الشمالية من السور الخارجي يوجد إيوان العلماء؛ لأن كثيراً من العلماء مدفونون فيه.

 

إعجاز هندسيّ للمشهد العلوي:

وبعد.. فقد كان ما تقدم وصفاً موجزاً للمشهد العلويّ المقدس، ويبقى أن نشير إلى أن الهندسة العامة للمشهد المقدس تُحيّر العقول حقاً، فقد رُوعي في المشهد الشريف أمران:

الأول:

أن يكون شكل البناء بحيث أنه كلّما وصل الظلّ إلى نقطة معينة عُرف أنّ الشمس قد زالت، وأنّ وقت الظهر هو تلك اللحظة، لا يختلف ذلك لا صيفاً ولا شتاءً.

الثاني:

أنّ الشمس كلّما طلعت فإنها تطلع وتشرق على الضريح المقدس مباشرةً، سواءً في الصيف أو في الشتاء.

وتحكيم هذين الأمرين ـ كما هو معلوم ـ صعب عادة، يحتاج إلى الكثير من الدقة والمعرفة.