كشف القبر وماجرى عليه

إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف


إنّ موضع القبر ظلّ سراً مكتوماً، لا يعرفه إلاّ أهل البيت (عليهم السلام)، وخواصّ شيعتهم، إلى انقضاء دولة الاُمويين، ومجيء دولة العباسيين، فحينئذ دلّ العلويون بعض الشيعة عليه، وصاروا يتعاهدونه، وصار في معرض الظهور والخفاء، يُثْبته قوم وينفيه آخرون.

فلما رأى داود بن علي العباسي، إقبال الناس على موضع القبر، أمر ـ على ما قيل ـ بعض الفعلة بالمضي إلى هذا القبر، الذي افتُتن به الناس، ويقولون: إنه قبر علي، حتّى ينبشوه ويجيئوه بأقصى ما فيه، فمضوا إليه وحفروا خمسة أذرع، فوصلوا إلى موضع صلب لم يقدروا عليه، فاستعانوا بغلام معروف بالشدة، ولكن هذا الغلام بعد أن ضرب ثلاث ضربات صاح، وصار لحمه ينتثر إلى أن مات، فلما عرف داود بالأمر تاب، وأمر عليَّ بن مصعب بن جابر، بأن يبني على القبر صندوقاً، ففعل.

ولكن مطاردة العباسيين للعلويين وشيعتهم، أوجبت أن يُهجَر القبر من جديد، فلا يزوره زائر إلا خلسة.

ثمّ جاء أبو جعفر المنصور، وحاول أن ينبش القبر، فأمر غلامه بذلك، فبدأ بالحفر حتّى ظهر له القبر، ثمّ أمر بطمّه، وصرفه الله عنه.

وبعد ذلك، وفي زمن الرشيد، عاد القبر إلى الظهور من جديد، في قصة معروفة جرت للرشيد، وهو يتصيّد حول القبر، حيث رأى الظِّباء تحتمي بالأكمَة التي فيها القبر، فلا تقتحم كلابُ الصيد وطيور الباز إليها، الأمر الذي أثار عجَبه، فسأل أحدَ شيوخ الكوفة عن ذلك، فأخبره أنها تلوذ بقبر الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

فكان أن أقام أول عمارة على القبر، وهو بناء مربع الشكل، مبنيّ بحجارة بيضاء فوقه قبة من الطين الأحمر، فوقها جرة خضراء.

وبعد ذلك جاء المتوكل العباسي، فخرّب عمارة النجف، كما خرب عمارة الحسين (عليه السلام).

ثمّ قام بالعمارة الثالثة، عمر بن يحيى القائم بالكوفة، المقتول سنة 250 هـ.

وكانت العمارة الرابعة، على يد محمّد بن زيد الداعي، المقتول سنة 287 هـ، والذي ولي إمرة طبرستان، بعد أخيه الحسن بن زيد، فإنّه بنى على القبر الشريف قبة، وحائطاً وحصناً فيه سبعون طاقاً، والظاهر أنّ هذه العمارة هي التي أعقبت خراب المتوكل، لبناء القبر كما يظهر من تاريخ طبرستان (الفارسي) ج 1 ص 95.

ثمّ كانت العمارة الخامسة، على يد أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، المقتول سنة 317 هـ، وسترها بفاخر الستور، وفرشها بثمين الحُصر.

وبعد ذلك كانت العمارة السادسة، وهي أجلّ العمارات وأحسنها، على يد عضد الدولة، المتوفّى سنة 372 هـ، وقد بذل عليها الأموال الجزيلة، وجلب إليها الزارة والنجارة والعملة من سائر الأقطار.

وقد شاهد هذه العمارةَ، الرحالة ابن بطّوطة، ووصفها حين وروده النجف، سنة 727 هـ بأنها: (معمورة أحسن عمارة، وحيطانها مزينة بالقاشاني، وهو شبه الزليج عندنا لكنّ لونه أشرق، ونقشه أحسن، وإذا ما دخل زائر يأمرونه بتقبيل العتبة، وهي من الفضّة وكذلك العضادتان، ثمّ يدخل بعد ذلك إلى القبة، وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها قناديل الذهب والفضة، منها الكبار والصغار، وفي وسط القبة مسطبة مربعة، مكسوّة بالخشب، عليها صفائح الذهب المنقوشة المُحكمة العمل، مسمّرة بمسامير الفضة، قد غلبت على الخشب، لا يظهر منه شيء، وارتفاعها دون القامة، وفوقها ثلاثة من القبور، يزعمون أن أحدها قبر آدم (عليه السلام)، والثاني قبر نوح (عليه السلام)، والثالث قبر الإمام علي (عليه السلام).

وبين القبور طشوت ذهب وفضة، فيها ماء الورد والمسك، وأنواع الطِيِب، يغمس الزائر يده في ذلك، ويدهن بها وجهه تبرّكاً، وللقبة باب آخر، عتبته أيضاً من الفضّة، وعليه ستور الحرير الملوّن، يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان، مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير، وله أربع أبواب عتبتها فضة، وعليها ستور الحرير...).

لكنّ هذه العمارة، وإن كان تأسيسها يرجع إلى عضد الدولة، إلا أنّه قد طرأت عليها إصلاحات كثيرة، وتحسينات ثمنية من البويهيين أنفسهم ووزرائهم، ومن الحمدانيين، وبعض العباسيين المتشيّعين.

فإنّ المستنصر العباسي، قد عمّر الضريح المقدس، وبالغ فيه، وزاره مراراً، وكذلك فقد أصلحه وحسّن فيه، وفي الأبنية الملحقة به، ولكنّ عمارة عضد الدولة هذه قد احترقت، في سنة 755 هـ، وكانت حيطانها قد سترت بخشب الساج المنقوش، فجُدّدت عمارة المشهد، سنة 760هـ، وهذه هي العمارة السابعة للمشهد.

ولكن عمارة عضد الدولة لم تذهب آثارها بالكلّية، بل بقيت إلى ما بعد التجديد الأخير للمشهد، حيث يذكر النسّابة النجفي، محمد حسين كتاب دار، أنّه رأى في المشهد بقية عمارة عضد الدولة في سنة 1041 هـ.

ثمّ جاء الشاه عباس الأول، فأصلح عمارة المشهد، وعمّر الروضة والقبة، والصحن الشريف على نظر الشيخ البهائي (رحمه الله)، الذي عمل رسالة في عمارة المشهد ووضعِه الهندسي.

وبعد ذلك جاءت العمارة الثامنة للمشهد الشريف، على يد الشاه صفيّ الصفوي حفيد الشاه عباس الأول، ووسع الصحن الشريف، ووسع ساحة الحرم العلوي، وأتمها ولده الشاه عباس الثاني، بعد وفاة أبيه سنة 1052 هـ.