كيف نُحيي الغدير؟

ماذا خسر المسلمون والعالم بتغييب الغدير؟

بحث مستمد من كتاب نفحات الهداية للسيد صادق الحسيني الشيرازي

الباحث: عبد الكريم العامري

 

ان عيد الغدير هو أعظم الاعياد في الاسلام، كما ورد في الروايات، فما هو السر في ذلك؟ وما الذي كان يحدث فيما لو تحقق وأستمر مفهوم الغدير؟ وما الذي خسرناه أذ أُقصي الغدير وطُويت صفحته في التاريخ؟.

هذه التساؤلات كانت مثار بحث ومناقشة طرحها على بساط العلم المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي (دام ظله) في طروحاته الفكرية وكتبه العلمية ومنها كتاب (نفحات الهداية).

هناك زيارة شريفة تزخر بمضامين ومفاهيم قلما توجد في الزيارات الاخرى للأمام علي (ع)، ينبغي للزائر ان يتوقف ويتأمل عباراتها، ومن تلك العبارات قول الامام الهادي (ع) في الزيارة مخاطباً جده أمير المؤمنين: (وحال بينك وبين ما وهب الله لك) اي صار مانعاً وحائلاً بينك وبين المواهب الإلهية لك.

المواهب الإلهية:

هناك مواهب حيل بينها وبين الإمام علي (ع) يشير اليها السيد صادق الشيرازي ويقول منها: علمه، عصمته، مقامه، إمامته، درجاته عند الله تعالى.. كلها ثابتة، لكن هناك جانب لا بد من الاشارة اليه، لقد حيل بين الامام وبين الحكومة، اي منعوه من الحق الذي وهبه الله تعالى له بخلافة الرسول (ص) وإدارة شؤون الامة الاسلامية. لكن هذا الحؤول وهذا المنع اضر بالمسلمين انفسهم.

فلماذا قال الإمام الهادي (ع): (وبين ما وهب الله لك)؟

نقول في الجواب لأن المولى امير المؤمنين (ع) هو المتفضل علينا بما وهبه الله تعالى، لذلك لو لم يقص الامام (ع) ويبعد وسمح له بأن يحكم الامة مباشرة خلال الثلاثين سنة التي عاشها بعد رسول الله (ص) لكانت حكومته امتداد كاملاً ودقيقاً لحكومة النبي (ص) بفارق واحد فقط هو انه ليس بنبي كما اخبر بذلك النبي (ص).

وهذا معناه ان كل حالات الخير والعدل التي كانت ستقام منذ ذلك اليوم حتى يوم القيامة، وكذلك دفع كل حالات الظلم التي ما كانت لتقع فيما لو سمح للأمام (ع) بممارسة حقه، كان نفعها سيعود للأمة لعدم تفريطها بمواهب الله تعالى التي وهبها كلها للأمام امير المؤمنين (ع).

دعائم الحرية:

يعرض المرجع الشيرازي سؤالين هامَّين ويجيب عنهما باختصار:

الأول: ما الذي كان سيحدث لو ان الغدير تحقق وكان الأمام هو الحاكم مباشرة بعد رسول الله (ص)؟ وماذا خسر المسلمون والعالم بتغيب الغدير وإقصاء الإمام علي (ع)؟

الثاني: ماذا ينبغي لنا ان نعمل الآن؟ أي ما هي مسؤوليتنا تجاه ما حدث وقد مر عليه زهاء 1400عام، وما هو واجبنا حسب الأدلة الشرعية؟

الحرية بعد الغدير:

الكلام كثير والروايات عديدة في هذا المقام، ولكن المرجع السيد الشيرازي يشير الى بعضها ليتبين لنا أننا أذا كنا نشهد اليوم بعض الحرية في العالم، في اي بقعة من الارض وبأي درجة، فأن الفضل في ذلك يعود لأمير المؤمنين (ع) لأنه هو الذي وضع اساسها وارسى دعائمها طبعاً بعد رسول الله (ص) .

فكل من يتمتع اليوم بشيء من الحرية فهو مدين فيها لأمير المؤمنين (ع) وكل من كان محروماً من الحرية فالسبب في ذلك يعود لعدم قيام واستمرار الغدير، لأبعاد الأمام (ع) عن تحقيق ما أراده الله تعالى ورسوله له.

واذا كانت هناك اليوم حرية في الغرب، فهي في اساسها مدينة للأمام امير المؤمنين مع فارق ان الحرية الغربية فهي خاطئة ومبتلاة بالإفراط والتفريط في حين ان الحرية التي طبقها الامام (ع) حرية صحيحة ومعتدلة.

الامام علي في سدة الحكم:

بعد مرور 25 سنة من الغصب والظلم وغياب العدالة وكبت الحريات، جاء الإمام علي (ع) الى الحكم، لقد كان تدوين الحديث وروايته ممنوعاً يعاقب مرتكبه وان كان من اتباع السلطة وانصارها، حتى ان عبد الله بن عمر نفسه لم يستطيع ان يروي في زمن ابيه عمر حديثاً عن رسول الله (ص) في ظل اوضاع كهذه الحرية مغيبة الى هذا الحد والمشاكل تحيط بالامة من كل جهة، استلم الامام علي (ع) زمام الحكم وتصرف مع الناس بسواسية وتوازن وجعل للحريات حدود سمح بها لهم، سواء في عاصمته الكوفة، حيث اختلاف المذاهب والمشارب والاعراق والاذواق، أو في البصرة بعد ما تمردت بعض الطوائف ضده في حرب الجمل بقيادة عائشة وطلحة والزبير، أو مع غيرهم من المارقين و القاسطين كالخوارج بقيادة الاشعث بن قيس وأهل الشام بقيادة معاوية.

رئيس اكبر حكومة:

لا قيمة الى ما وصل اليه الغرب من حرية اذا قيس الى الحرية في ظل حكم الامام علي (ع)، أما في البلاد الاسلامية فلا وجود حتى لذلك القدر من الحرية الموجودة في الغرب.

والأعجب من هذا ان الامام منح هذه الحريات للناس في عصر كان العالم كله يعيش في ظل الاستبداد والفردية في الحكم، كان الامام رئيس اكبر حكومة لا نظير لها اليوم سواء من حيث القوة او العدد، لأن الامام كان يحكم زهاء خمسين دولة من دول عالم اليوم.

فقد توجد اليوم في العالم حكومة تحكم ما ينيف عن المليار إنسان كالحكومة الصينية ولكنها ليست الاقوى، وقد توجد حكومة تحكم دولة قوية كالولايات المتحدة ولكنها لا تحكم اكبر عدد من الناس، أما الامام علي (ع) فكان يحكم اكبر رقعة من الارض واكبر عدد من الناس، وكانت الحكومة الاسلامية يومذاك اقوى حكومة على وجه الارض، فالامام لم ينتقصه القوة، وكان يكفي ان يقول للرافضين: لا .

ولكنه لم يقلها وأعلن للبشرية عملياً انه (لا إكراه في الدين) البقرة / 256.

هذا هو النموذج العالمي للحرية وليست حرية اليوم.

ماذا لو تحقق الغدير:

فلو حكم الإمام (ع) وتحقق الغدير لأكل الناس من فوقهم ومن تحت ارجلهم رغداً الى يوم القيامة، ففي رواية انه قال سلمان لأبي بكر: قم عن هذا المجلس ودعه لأهله يأكلوا به رغداً الى يوم القيامة، فلفظة (الرغد) تشير الى الكيف ولفظة (الى يوم القيامة) تشير الى كم السعادة التي كان سيتحقق فيما لو تحقق الغدير.

فالرغد في اللغة هو المعيشة التي لا ظنك فيها ابداً ولا ادنى ما يعكرها، فلا مرض ولا فقر ولا جهل ولا حروب ولا تراع ولا قلق ولا مشكلات ولا حبس ولا ويلات، هذا هو معنى الرغد، ولذلك قيل فيه: وإنما العيش الرغد في الجنة.

ويرى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) ان معنى هذا لو كان الامام يحكم كما اراد الرسول (ص) لما وجد اليوم مريض ولا سجين واحد في العالم، ولا اريقت قطرة دم ظلماً ولا وجد فقير ولا تنازع زوجان ولا قطع رحم.

فهل يتبين لماذا كان الغدير اعظم الاعياد في الاسلام؟

هذا السؤال طرحه المرجع آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي (دام ظله) واجاب: ان المفاهيم التي ينطوي عليها الغدير لا تتوفر حتى في عيدي الفطر والاضحى وغيرهما من اعياد الاسلام، فقارنوا بين كل الاعياد الاسلامية ومنها الجمعة وبين عيد الغدير وانظروا هل يؤيدنا التاريخ في كونه اعظم الاعياد ام لا؟

أذن لم يعد يخفى علينا معنى قول الإمام الصادق (ع): يوم غدير خم هو عيد الله الاكبر.

الاقصاء من الغدير:

بعدما سُلب من الامام علي (ع) حق الخلافة وأُقصي عن الحكومة ولم يُمتثل لأمر الله تعالى ورسوله (ص) في يوم الغدير، فما الذي حدث؟

يجيب المرجع الشيرازي بالقول: بعد جلوس الإمام 25 سنة في الدار، ظهرت المشاحنات والقتل والحروب والظلم بدءاً من الظلم الذي حاق بمولاتنا السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) وإسقاطها محسناً ثم بالحروب التي اسماها القائمون بها بحروب الردة واستمراراً بما تلاها من حروب حتى يومنا هذا، حيث قتل الملايين من البشر. كل ذلك بسبب أقصاء الغدير وتجاهل قول رسول الله (ص): (هذا وليكم من بعدي) اي متولي اموركم وحاكمكم.

هناك رواية تستدعي التأمل وتؤيد ما ذهبنا اليه، مفادها انه لو تحقق الغدير لما اختلف في هذه الامة سيفان، اي لما تحارب اثنان وهذه حقيقة واقعية، اما الحروب التي خاضها الامام (ع) فلم تكن لتقع لو تحقق الغدير كما اراد الله تعالى ورسوله (ص) ولكنها فرضت على الامام (ع) من قبل أولئك الذين مكنهم الاسبقون الذين لم يروقهم تحقق الغدير.

وبالنتيجة صرنا نشهد على مر التاريخ حروباً ودماراً وظلماً وفساداً وهتكاً للحرمات حتى آل الامر الى ما نشهد اليوم من حروب وتفجيرات وقتل وعنف في كل بقاع العالم تقريباً، فهذا يقتل ذاك يظلم هذا، وعمليات خطف وإبادة ودمار في كل مكان.

وهذا ما حذرت منه مولاتنا السيدة فاطمة الزهراء (ع) بقولها: (ثم احتلبوا طلاع التعب دماً عبيطاً وزعافاً ممرقداً).

بعبارة اخرى: أن الهدف الذي سيظهر من اجله الأمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كان سيتحقق على يد الامام امير المؤمنين (ع) لو استقاموا على دين النبي وائتمروا به.

كيف نحيي الغدير؟

يتساءل المرجع الشيرازي (دام ظله) ويتوجه بالسؤال الى كافة المسلمين الموالين للإمام علي وآل البيت الاطهار(ع).. ما هي مسؤوليتنا تجاه الغدير؟.

اذا كان العالم لا يعرف الغدير وحقيقته بسبب إقصائه، وحرم النهل من مبادئه وعطاياه، وحتى بعض المسلمين لم يتعلم من علي (ع) وابتعد من سيرته، فما هي مسؤوليتنا نحن الذين ادركنا بعضاً من عظمة الغدير ووعينا خسارة البشرية جراء تغييب الغدير؟ وبتعبير آخر: كيف نحيي الغدير؟.

روى عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: سمعت أبا الحسن الرضا (ع) يقول: (رحم الله عبداً أحيى أمرنا) فقلت له: فكيف يحيى أمركم؟ قال: (يتعلم علومنا ويعلمها الناس) والامام (ع) لم يحصر المسألة في الشيعة أو المسلمين فقط بل قال (الناس) اي كل الناس.

فعالم اليوم يجهل الغدير وتعاليم أهل البيت (ع)، بل يجهلها اكثر المسلمين مع الاسف. ارجو الله تعالى ببركة عيد الغدير أن يزيدنا معرفة بعظمة الغدير فنحن لا نعرف منها إلا اللفظ. أما العظمة فالله تعالى يقدرها ورسوله وأمير المؤمنين (ع) والمخلصين من العباد.

قصيدة بالمناسبة:

مقطع من قصيدة (ملحمة الغدير) للشاعر المسيحي بولس سلامة جاء فيها:

أولست الحسين نجل علي        وعلى انشـــــودة للحداة
يذكرون اسمه فتخشع اسد        البيد، من هيبة لذاك الرفات
اعلم الناس، اطهر الناس كفاً     واعز الفرسان في الصهوات
اول المسلمين يحمل بيد الحمد     يــوم الاشرار في الغمرات
يمنع الحوض غب هول وحشر     يــوم تأتي النفوس مبتردات
وهو مولى لكل من قال هيا        لفــــلاح، ومن دعا لصلاة
.. أي شيء انتم فلولا جدودي       ما عرفتم (منى) ولا (عرفات)

***