الغدير ظلامة التاريخ المشجية

أحمد المؤمن


بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم على محمد الطيبين الطاهرين


من الوقائع المهمة في تأريخ المسلمين واقعة غدير خم عندما أمر الباري تعالى نبيه بعد رجوعه من حجة الوداع - التي نعى فيها النبي صلى الله عليه وآله نفسه أمام المسلمين كافة - أن يبلغ بالولاية لأمير المؤمنين ويعيّنه خليفة من بعده آخذاً له منهم البيعة بالمولوية لكل مسلم ومسلمة.
إن قضية غدير خم وبيعة المسلمين كافة بما فيهم الخلفاء الثلاثة وزجات النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين لا يمكن إنكارها، فهي كالشمس في رابعة النهار، خاصة إذا دققنا في الحرص الشديد من الباري تعالى على أن يبلّغ النبي صلى الله عليه وآله للإمام علي بالولاية حتى نزل قوله عزّ وجلّ: «يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس» حتى يمكن القول أنه لم يوجّه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله في القرآن الكريم بهذا التشديد.
وقد اختلفت الأقوال في عدد الذين شهدوا قضية غدير خم، فقد نقلٍ العلامة الأميني في موسوعته «الغدير» قال: وعند خروجه صلى الله عليه وآله أصاب الناس بالمدينة جدريّ أو حصبة منعت كثيراً من الناس من الحج، ومع ذلك كان معه جموع لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد يقال: خرج معه تسعون ألف، وقد يقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، وقيل: مائة ألف وعشرون ألفاً، وقيل: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، ويقال أكثر من ذلك، وهذه عدة من خرج معه، وأما الذين حجّوا معه فأكثر من ذلك كالمقيمين بمكة والذين أتوا من اليمن مع علي (أميرالمؤمنين ) وأبي موسى.(الغدير ج1، ص9).
وفي كتاب الغدير أشار العلامة الأميني أن رواة حديث الغدير من الصحابة يبلغون مائة وعشرة صحابياً، أما رواته من التابعين فهم أربعة وثمانون تابعياً، بينما بلغ عدد من نقلوا الحديث من أئمة الحديث وحفّاظه والأساتذة ثلثمائة وستون، فضلاً عمّن ألّفوا من الفريقين في الغدير، والذين بلغوا حسب إحصاء العلامة الأميني وما بلغ بيده ستة وعشرون؛ منهم الطبري صاحب التأريخ، وابن عقدة والجعابي والشيباني والغضايري والسجستاني والكراجكي وغيرهم.
بل يمكن القول: لو أنكرت قضية الغدير وشُكّك في دلالتها على ولاية أمير المؤمنين وتعيينه خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه لا يمكن أن يقام لأيّ قضية أخرى دليل ولشُكّك في حجية كل الأدلة، وذلك لما للغدير من الصراحة والوضوح في الدلالة على ما يذهب إليه الشيعة الإمامية بأن الرسول صلى الله عليه وآله جمع كل هذه الجموع الغفيرة تحت هجير الشمس الحارقة ليعيّن الخليفة من بعده ليس إلا.
ومع ذلك ورغم صراحة قضية الغدير ودلالتها على تعيين الإمام علي كخليفة وإمام من السماء لكن العامة تبعاً لأسلافهم اختلفت مواقفهم إزاء هذه الحادثة المهمة بل تضاربت آراؤهم بين مؤيّد لما يذهب إليه الشيعة على مضضٍ وبين مخالف، وبين من يطعن في القضية وبين مؤوّل لها...
لذا وجدت من الجدير أن أستعرض آراءهم حول الغدير مقدّماً في ذلك آراء أسلافهم ليتسنى للقارئ الكريم مدى مظلومية مولى الموحدين الذي قال الإمام الصادق عن ظلامته: نعطي حقوق الناس بشهادة شاهدين، وما أعطي أمير المؤمنين حقه بشهادة عشرة آلاف نفس ـ يعني الغدير.(المناقب ج3، ص26).
وقبل أن نشير إلى ذلك لا بأس في التعرض إلى تعامل مخالفي أمير المؤمنين مع الغدير في عهد أمير المؤمنين نفسه ثم ننتقل إلى تعامل الناس مع الغدير بعد شهادته. فقد روى الحافظ أبو عبيد الهروي في تفسيره (غريب القرآن) قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله غدير خم ما بلغ وشاع في البلاد أتى جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، فقال: يا محمد، أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وبالصلاة والصوم والحج والزكاة فقبلنا منك، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضع ابن عمك ففضّلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله.
فولَّى جابر يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع... الآية.
وفي سنة خمس وثلاثين للهجرة بلغ أمير المؤمنين اتهام الناس له فيما يرويه من تقديم رسول الله صلى الله عليه وآله إياه على غيره، فحضر في مجتمع من الناس بالرحبة في الكوفة واستنشدهم بحديث الغدير، ردّاً على من نازعه فيها، وقد بلغ الاهتمام بهذه المناشدة كما ينقل العلامة الأميني أن رواها غير يسير من التابعين وتظافرت إليها الأسانيد في كتب العلماء، حتى أن الأميني ظفر على رواية أربعة من الصاحبيين وأربعة عشر من التابعين لها.(راجع الغدير ج1، ص166).
أما الحادثة فهي:
نقل البلاذري في أنساب الأشراف قال: قال علي على المنبر: أنشد الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوم غدير خم: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، إلا قام وشهد، وتحت المنبر أنس بن مالك والبراء بن عازب وجير بن عبد الله الجبلي، فأعادها فلم يجبه أحد، فقال: اللهم من كتم هذه الشهادة وهو يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يعرف بها. قال: فبرص أنس وعمي البراء ورجع جرير أعرابياً بعد هجرته فأتى الشراه فمات في بيت أمه.(أنساب الأشراف ج1 ص289).
ولذا فلا عجب أن يتصرف القوم بحديث الغدير بعد هذه السنين الطوال ويؤوّلونه وفق مصالحهم وأهوائهم إذا كانوا في عهد أمير المؤمنين أبوا أن يذعنوا بمفاده ويعترفوا بحق الإمام علي المسلم.
وعلى أي حال لننظر كيف تعامل القوم مع الغدير علّنا ندرك شيئاً من ظلامة سيد الموحدين الذي كان يصرّح في حياته قائلاً: مازلت مظلوماً منذ ولدتني أمي... ولماذا جاء في زيارته: أنت أول مظلوم ظُلم وأول من غُصب حقه.
 

التعتيم على نشر الحديث

حرص مناوئو أمير المؤمنين على إخفاء فضائله قاطبة خاصة حديث الغدير، بل إنهم نسبوا بعضها لغيره، فمثل حديث الغدير الذي رواه كبار الصحابة والتابعين حتى صار من الأخبار المتواترة عند الفريقين سعى مجموعة من المناوئين للإمام علي إلى إخفائه وعدم نقله، فعن عطية العوفي قال: رأيت ابن أبي أوفى وهو في دهليز له بعد ما ذهب بصره، فسألته عن الحديث، فقال: إنكم يا أهل الكوفة فيكم ما فيكم. قال: قلت: أصلحك الله إني لست منهم، ليس عليك مني عار. قال: أيّ حديث؟ قال: قلت: حديث علي يوم غدير خم. فقال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله في حجته يوم غدير خم وهو آخذ بعضد علي فقال: يا أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فمن كنت مولاه فهذا مولاه.(المناقب لابن الغزالي ص41).
وعن عطية العوفي قال: أتيت زيد بن أرقم فقلت له: إن ختناً لي حدَّثني عنك بحديث في شأن علي يوم غدير خم فأنا أحبّ أن أسمعه منك. فقال: إنكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم. فقلت له: ليس عليك مني بأس. قال: نعم كنا بالجحفة فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلينا ظهراً وهو آخذ بعضد علي فقال: {أيها الناس، ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟} قالوا: بلى. قال: {فمن كنت مولاه فعلي مولاه}. قال: فقلت له: هل قال: {اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه}؟ قال: إنما أخبرك كما سمعت.(فضائل الصحابة ج2، ص473).

 

التأويلات المنحرفة

ولما وجد العامة صعوبة التشكيك في سند حديث الغدير لتواتره وشياعه الشديد لجأوا إلى التلاعب بمحتواه وتأويل المعنى المراد منه مخالفين في ذلك كثيراً من علمائهم بل مخالفين لأنفسهم وقناعاتهم أيضاً، فهذا الفخر الرازي في تفسيره لما يصل إلى تفسير قوله صلى الله عليه وآله (من كنت مولاه فعلي مولاه) قال: وفي لفظ المولى ههنا أقوال: أحدها قال ابن عباس: {مولاكم} أي مصيركم، وتحقيقه أن المولى موضع الولي، وهو القرب، قال تعالى: «النار هي مولاكم» سورة الحديد: الآية 15، فالمعنى أن النار هي موضعكم الذي تقربون منه وتصلون إليه، والثاني: قال الكلبي: يعني أولى بكم، وهو قول الزجاج والفراء وأبي عبيدة، واعلم أن هذا الذي قالوه معنى وليس بتفسير للفظ، لأن لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة، لصح استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر، فكان يجب أن يصح أن يقال: هذا مولى من فلان كما يقال: هذا أولى من فلان، ويصح أن يقال: هذا أولى فلان كما يقال: هذا مولى فلان، ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنى وليس بتفسير، وإنما نبّهنا على هذه الدقيقة لأن الشريف المرتضى لما تمسّك بإمامة علي، بقوله : من كنت مولاه فعلي مولاه قال: أحد معاني مولى أنه أولى، واحتجّ في ذلك بأقوال أئمة اللغة في تفسير هذه الآية، بأن مولى معناه أولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه، لأن ما عداه إما بين الثبوت، ككونه ابن العم والناصر، أو بين الإنتفاء، كالمعتق والمعتق، فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً، وأما نحن فقد بيّنا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير، وحينئذ يسقط الاستدلال به، وفي الآية وجه آخر: وهو أن معنى قوله: «هي مولاكم» أي لا مولى لكم، وذلك لأن من كانت النار مولاه فلا مولى له، كما يقال: ناصره الخذلان ومعينه البكاء، أي لا ناصر له ولا معين، وهذا الوجه متأكد بقوله تعالى: «وأن الكافرين لا مولى لهمْ» سورة محمد: الآية 11 ومنه قوله تعالى: «يغاثواْ بماء كالمهل» سورة الكهف: الآية 29 تفسير الرازي ج15، ص227.
بهذه الصراحة والمغالطة يخالف الرازي جمعاً كبيراً من علماء اللغة والأدب ممن صرحوا أن المراد من الولي الخليفة. ويكفينا اعترض الحارث أو جابر بن النعمان الفهري على رسول الله صلى الله عليه وآله بتنصيبه لأمير المؤمنين من بعده، فضلاً عن تسليم أبي بكر وعمر بالمعنى المتبادر من الولي ومبايعتهما لأمير المؤمنين بالولاية حيث قالا له: هنيئاً لك يابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

 

وقفة مع ابن تيمية

وممن حاول تحريف حديث الغدير عن دلالته على إمامة أمير المؤمنين وبذل جهده الجهيد عله يزيح شيئاً من الحقائق الجلية في واقعة الغدير ابن تيمية الذي جمع سبع قرائن حاول من خلالها نفي وجود الحارث بن النعمان الفهري وإبطال حدوث نزول العذاب عليه؛ لما لهذه الحادثة المهمة من التأكيد من السماء على قبول ولاية أمير المؤمنين؛ متوخياً في ذلك ستر شمس الحقيقة وإخفاء نور الهداية عن الناس لكن هيهات وأنى له ذلك، فلم يلتزم بقرائنه حتى جمهور العامة فضلاً عن الموالين والمحبين.
أما قرائنه التي ذكرها فهي:
1- إن قضية الغدير حدثت أبان رجوع النبي صلى الله عليه وآله من مكة وبالدقة بالأبطح، ومن المعروف أن الأبطح بالمدينة، وهذا يكشف أن مفتعل رواية الغدير كان يجهل تأريخ قصة الغدير حيث ادعى أنها حصلت في الثامن عشر من ذي الحجة في غدير خم.
2- إن سورة المعارج التي ورد فيها «سأل سائل بعذاب واقع» مكية باتفاق أهل العلم فيكون نزولها قبل واقعة الغدير بعشر سنين أو أكثر من ذلك.
3- إن قوله تعالى «وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء» المدعى أنها نزلت في الفهري نزلت عقيب بدر بالاتفاق قبل يوم الغدير بسنين.
4- إن هذه الآية نزلت بسبب ما قاله المشركون بمكة ولم ينزل عليهم العذاب هناك؛ لوجود النبي صلى الله عليه وآله بينهم؛ لقوله تعالى «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون».
5- لو صحّت هذه الواقعة لكانت آيةً كآية أصحاب الفيل ومثلها ولتوفرت الدواعي لنقلها، وحيث إن المنصفين في العلم من أرباب المسانيد والصحاح والفضايل والتفسير والسير ونحوها أهملوها رأساً، فلا يروى إلا بهذا الإسناد المنكر، فعلم أنه كذب باطل.
6- من المعلوم من الحديث أن حارثاً المذكور كان مسلماً باعترافه بذلك أمام رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً من المسلمين لم يصبه عذاب على العهد النبوي.
7- إن الحارث بن النعمان غير معروف في الصحابة ولم يذكره ابن عبد البر في الاستيعاب، وابن مندة، وأبو نعيم الإصبهاني، وأبو موسى في تأليفاتهم في أسماء الصحابة فلم نتحقّق وجوده. (راجع منهاج السنة ج4، ص13 نقلاً عن كتاب الغدير).
بالطبع جميع هذه القرائن مردودة ومخالفة لتصريح كبار علماء العامة بل لا تخلو من مغالطات وتحريف لا يلتزم بها ابن تيمية نفسه، ولكن ماذا نصنع حيث جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم.

 

مع الآلوسي في تفسيره

وممن حاول تحريف حقيقة الغدير ومحو ما ورد فيها من النص على إمامة مولى المتقين الآلوسي في تفسيره (روح المعاني)، فلما بلغ تفسير قوله تعالى «اليوم أكملت لكم دينكم»، قال: وأخرج الشيعة عن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت بعد أن قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي كرم الله تعالى وجهه في غدير خم: من كنت مولاه فعلىّ مولاه، فلما نزلت قال عليه الصلاة والسلام: الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضاء الرب برسالتي وولاية علي كرم الله تعالى وجهه بعدي. ولا يخفى أن هذا من مفترياتهم، وركاكة الخبر شاهدة على ذلك في مبتدأ الأمر. نعم ثبت عندنا أنه صلى الله عليه وآله قال في حقّ الأمير كرم الله تعالى وجهه هناك: من كنت مولاه فعلى مولاه وزاد على ذلك ـ كما في بعض الروايات ـ لكن لا دلالة في الجميع على ما يدعونه من الإمامة الكبرى والزعامة العظمى كما سيأتي إن شاء الله تعالى غير بعيد. (تفسير روح المعاني ج4، ص376).
وفي تفسيره لقوله تعالى يا أيها الرسول بلغ... قال: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نزلت هذه الآية في علي كرم الله تعالى وجهه حيث أمر سبحانه أن يخبر الناس بولايته فتخوف رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقولوا حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله تعالى إليه هذه الآية فقام بولايته يوم غدير خم، وأخذ بيده فقال عليه الصلاة والسلام: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأخرج الجلال السيوطي في {الدر المنثور} عن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر راوين عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم في علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه، وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله «ياأيها الرسول بلغْ ما أنزل إليْك من ربك» إن علياً ولي المؤمنين «وإن لمْ تفْعلْ فما بلغْت رسالته» وخبر الغدير عمدة أدلتهم على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه، وقد زادوا فيه إتماماً لغرضهم زيادات منكرة، ووضعوا في خلاله كلمات مزوَّرة ونظموا في ذلك الأشعار وطعنوا على الصحابة رضي الله تعالى عنهم بزعمهم أنهم خالفوا نص النبي المختار صلى الله عليه وآله، فقال إسماعيل بن محمد الحميري عامله الله تعالى بعدله من قصيدة طويلة:
عجبت من قوم أتوا أحمدا... بخطة ليس لها موضع
قالوا له: لو شئت أعلمتنا... إلى من الغاية والمفزع
إذا توفيت وفارقتنا...وفيهم في الملك من يطمع؟

فقال: لو أعلمتكم مفزعا...

إلى أن قال: إلى آخر ما قال لا غفر الله تعالى له عثرته ولا أقال، وأنت تعلم أن أخبار الغدير التي فيها الأمر بالاستخلاف غير صحيحة عند أهل السنة ولا مسلّمة لديهم أصلاً، ولنبين ما وقع هناك أتمّ تبيين ولنوضح الغثّ منه والسمين، ثم نعود على استدلال الشيعة بالإبطال ومن الله سبحانه الاستمداد وعليه الاتكال.(تفسير روح المعاني ج5، ص67).
 

الشيخ البشري والتنصل من الحقائق

لايخفى أن الشيخ سليم البشري يعد من أكثر القوم إنصافاً وتعقلاً وبحثاً عن الحقائق، وهذا يظهر جلياً لكل من يطالع مناظراته مع العلامة الحجة القدير السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه القيّم المراجعات، ومع ذلك فلما بلغ المقام في مناظراتهم حول حديث الغدير الذي تظافرت به تفاسير وأسانيد وتواريخ العامة حتى بلغ حد الاستفاضة كان الشيخ البشري يتعامل مع الحديث تعامل من لا إطلاع له به أصلاً.
ففي المراجعة رقم55 حاول أن يشكك في تواتر الحديث فكتب للعلامة شرف الدين ما نصه: الشيعة متفقون على اعتبار التواتر فيما يحتجون به على الإمامة لأنها عندهم من أصول الدين، فما الوجه في احتجاجكم بحديث الغدير مع عدم تواتره عند أهل السنة، وإن كان ثابتاً في طرقهم الصحيحة؟ (المراجعات ص373).
ولما أثبت العلامة شرف الدين له تواتر حديث الغدير عند الشيعة الإمامية لجأ إلى تأويل الحديث فقال: حمل الصحابة على الصحة يستوجب تأويل حديث الغدير، متواتراً كان أو غير متواتر، ولذا أهل السنة: لفظ المولى يستعمل في معان متعددة ورد بها القرآن العظيم... ثم ذكر القرينة المعينة بأن المراد من المولى الناصر والحبيب والصديق أن أمير المؤمنين كان في تلك السنة في اليمن فرأى من كانوا معه شدة في ذات الله، فتكلموا فيه ونالوا منه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الغدير بما قام به من الثناء عليه.(المراجعات ص403).
ولما رد هذا التأويل أيضاً لم يجد بدّاً من القول: ليتكم تقنعون منا في تفسير الحديث بما ذكره جماعة من العلماء كالإمام ابن حجر في صواعقه، والحلبي في سيرته، إذ قالوا: سلمنا أنه أولى بالإمامة، فالمراد المآل- أي تؤول إليه الخلافة- وإلا كان هو الإمام مع وجود النبي صلى الله عليه وآله... فالمراد عقد البيعة له، وهو لا ينافي تقديم الأئمة الثلاثة عليه، وبهذا تحفظ كرامة السلف الصالح.(المراجعات ص410).
هكذا كان الشيخ سليم البشري يبرّر موقف العامة في عدم قبول دلالة حديث الغدير على إمامة أمير المؤمنين .

 

لماذا يؤولون حديث الغدير؟

أشار الدكتور محمد التيجاني في كتابه (لأكون مع الصادقين) إلى قصة جميلة تكشف عن سر تأويل العامة لحديث الغدير فقال: إني لأذكر مناقشتي مع أحد علماء الزيتونة في بلادنا عندما ذكرت له حديث الغدير محتجاً به على خلافة الإمام علي فاعترف بصحّته، بل زاد في الحبل وصلة فأطلعني على تفسيره للقرآن الذي ألّفه بنفسه، والذي يذكر فيه حديث الغدير ويصحّحه ويقول بعد ذلك: وتزعم الشيعة بأن هذا الحديث هو نصّ على خلافة سيّدنا علي كرم الله وجهه، وهو باطل عند أهل السنة والجماعة لأنه يتنافى مع خلافة سيدنا أبي بكر الصديق، وسيدنا عمر الفاروق، وسيدنا عثمان ذي النورين، فلا بد من تأويل لفظ المولى الوارد في الحديث على معنى المحبّ والناصر، كما ورد ذلك في الذكر الحكيم، وهذا ما فهمه الخلفاء الراشدون والصحابة الكرام رضي الله تعالى عليهم أجمعين، وهذا ما أخذه عنهم التابعون وعلماء المسلمين، فلا عبرة لتأويل الرافضة لهذا الحديث لأنهم لا يعترفون بخلافة الخلفاء ويطعنون في صحابة الرسول، وهذا وحده كاف لردّ أكاذيبهم وإبطال مزاعمهم.
يقول الدكتور التيجاني: سألته: هل الحادثة وقعت بالفعل في غدير خم؟
أجاب: لو لم تكن وقعت ما كان يرويها العلماء والمحدثون.
قلت: فهل يليق برسول الله صلى الله عليه وآله أن يجمع الصحابة في حرّ الشمس المحرقة ويخطب لهم خطبة طويلة ليقول لهم بأن علياً محبكم وناصركم؟ فهل ترضون بهذا التأوّل؟
أجاب: إن بعض الصحابة إشتكى علياً وكان فيهم من يحقد عليه ويبغضه، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يزيل حقدهم فقال لهم بأن علياً محبكم وناصركم، لكي يحبوه ولا يبغضوه.
قلت: هذا لا يتطلب إيقافهم جميعاً والصلاة بهم وبدء الخطبة بقوله: ألست أولى بكم من أنفسكم لتوضيح معنى المولى، وإذا كان الأمر كما تقول فكان بإمكانه أن يقول لمن اشتكى منهم علياً إنه محبكم وناصركم وينتهي الأمر بدون أن يحبس في الشمس تلك الحشود الهائلة وهي أكثر من مائة ألف فيهم الشيوخ والنساء، فالعاقل لا يقنع بذلك أبداً.
قال: وهل العاقل يصدق بأنّ مائة ألف صحابي لم يفهموا ما فهمت أنت والشيعة؟
قلت: أولاً: لم يكن يسكن المدينة المنورة إلا قليل منهم.
ثانيا: إنهم فهموا بالضبط ما فهمته أنا والشيعة، ولذلك روى العلماء بأن أبا بكر وعمر كانا من المهنئين لعلي بقولهم:بخ بخ لك يا بن أبي طالب أمسيت وأصبحت مولى كل مؤمن.
قال: فلماذا لم يبايعوه إذاً بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله؟ أتراهم عصوا وخالفوا أمر النبي صلى الله عليه وآله؟ أستغفر الله من هذا القول.
قلت: إذا كان العلماء من أهل السنة يشهدون في كتبهم بأن بعضهم - أعني الصحابة-كانوا يخالفون أوامر النبي صلى الله عليه وآله في حياته وبحضرته، فلا غرابة في ترك أوامره بعد وفاته... لأكون مع الصادقين ص45-46.
نعم هكذا تعامل القوم مع حديث الغدير لأنه يمسّ معتقداتهم فغضّوا الطرف عن الحقيقة وأعرضوا عن حقّ أمير المؤمنين .
فسلام الله عليك يا أبا الحسن يوم عشت مظلوماً ويوم قُتلت شهيداً مظلوماً.

***