تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين

واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين

وبعد.

فإن القضية التي عرفت في تاريخ الإسلام بـ"قضية الغدير" تعتبر من أهم القضايا الإسلامية، وأشدها خطورة وحساسية. وذلك لأنها تمثل المحور والأساس الذي يتم من خلال الموقف منه تحديد الإتجاه العام للإنسان المسلم، ويرتسم خط مسيرة إلى مصيره، إن من الناحية العقائدية، أو الفكرية، أو في نطاق التشريع، أو في مجال الإرتباط الشعوري والعاطفي.

وعلى أساس ذلك كله يكون رسم العلاقات في كل ما ومن يحيط به وتحدد المنطلقات، وتتكون الارتباطات، وتتشكل العوامل والمؤثرات.

ولأجل ذلك، فإن البحث في هذه القضية، وإيضاح ما لها من أبعاد، ودلالات، والتعرف على ما اكتنفها من ظروف وملابسات، يصبح بالغ الأهمية لكل مسلم يؤمن بربه، يرجو ثوابه، ويخاف سخطه وعقابه في يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار.

وقد جاء هذا البحث المقتضب، الذي بين يدي القاري ء الكريم- والذي نشر في سنة 1410 هـ.ق في مجلة "تراثنا" التي تصدر في عم المشرفة- ليوضح جانبا مما يعتقد أنه لم ينل قسط كافيا من العناية من قبل الباحثين والمحققين، أو هكذا خيل لكاتبه على الأقل.

وغني عن القول هنا: أن نظرة عابرة يلقيها القارئ على هذا البحث سوف تجعله مقتنعا: أنه قد كان بالإمكان اثراؤه بالنصوص والمصادر بصورة أوسع وأتم، وأوفى مما هو عليه الآن.

إذ من الواضح: أن ما ورد فيه من نصوص ومصادر ما هو إلا غيض من فيض، وقطرة من بحر، وكله يؤيد بعضه بعضا، ويشد بعضه أزر البعض الآخر..

فإلى القارئ الكريم عذري، وله خالص حبي وشكري.

ومن الله نستمد العون والقوة. وهو ولينا، وهو الهادي إلى سبيل الرشاد والسداد.

جعفر مرتضى العاملي

 

الغدير.. والامامة

ليتضح ما نرمي اليه، إن من المناسب قبل أن ندخل في الموضوع الذي هو محط النظر- أن نشير إلى تفسير تاريخي مقتضب لمصطلح شائع ومعروف هو مصطلح: "حديث الغدير"

فنقول:

إن كلمة "حديث الغدير" تتضمن إشارة إلى حادثة تاريخية وقعت في السنة الأخيرة من حياة الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله وسلم". وبالذات في الاشهر الاخيرة منها.

حيث إنه صلى الله عليه وآله وسلم قد حج حجته المعروفة ب "حجة الوداع" فلما قضى مناسكه، انصرف راجعا إلى المدينة، ومعه جموع غفيرة تعد بعشرات الألوف من المسلمين، فلما بلغ موضعا يقال له:

"غدير خم".

في منطقة الجحفة، التي هي بمثابة مفترق طرق، تتشعب منها طرق المصريين والمدنيين والعراقيين.

نزل جبرئيل عليه في ذلك الموضع، في يوم الخميس في الثامن عشر من ذي الحجة بقوله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"

حيث أمره الله سبحانه أن يقيم عليا إماما لأمة، ويبلغهم أمر الله سبحانه فيه.

فما كان من الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" إلا أن أمر برد من تقدم من الناس، وحبس من تأخر منهم. ثم صلى بهم الظهر، وبعدها قام بهم خطيبا على أقتاب الإبل وذلك في حر الهاجرة. وأعلن، وهو آخذ بضبع على "عليه السلام": أن عليا أمير المؤمنين، ووليهم، كولاية رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" لهم. حيث قال: من كنت مولاه فعلى مولاه "قاله ثلاث أو أربع مرات" اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.

فنزلت الآية الكريمة: "اليوم اكملت لكم دينكم، واتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا".

ثم طفق القوم من الصحابة يهنئون أمير المؤمنين "عليه السلام"، وفي مقدمتهم الشيخان: أبو بكر وعمر وغيرهما من المعروفين من صحابة رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم". ( راجع: الغدير للعلامة الأميني ج 1، ص 12-9 وغيرها من الصفحات.)

هذه صورة موجزة عن هذه القضية ذكرناها توطئة، وتمهيدا للبحث الذي هو محط نظرنا، فإلى ما يلي من مطالب وصفحات.

 

توطئة وتمهيد

قال الله سبحانه وتعالي في كتابه الكريم:

"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل، فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لا يهدي القوم الكافرين". ( سورة المائدة الآية 67.)

نزلت هذه الآية الشريعة في حجة الوداع، لتؤكد على لزوم تبليغ النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" ما أمر به من أمر الإمامة. وولاية علي عليه الصلاة والسلام على الناس.

كما ذكرته المصادر الكثيرة.والروايات الموثوقة...ولسنا هنا بصدد الحديث عن ذلك.

وقد يرى البعض: أن هذه الآية ق/ تضمنت تهديدا للرسول نفسه، بالعذاب والعقاب إن لم يبلغ ما أنزل إليه من ربه، وفي بعض الروايات: أنه "صلى الله عليه وآله" قد ذكر ذلك في خطبته للناس يوم الغدير، وستأتي بعض تلك الروايات إن شاء الله تعالى.

ولكننا نقول: إن التهديد الحقيقي موجه لفئات من الناس كان يخشاها الرسول، كما صرح هو نفسه "صلى الله عليه وآله" بذلك ولم يكن النبي "صلى الله عليه وآله" ممتنعا عن الإبلاغ. ولكنه كان ممنوعا منه، فالتهديد له- إن كان- فإنما هو من باب:

"إياك أعني، واسمعي يا جارة".

وهذا بالذات، ما نريد توضيحه في هذا البحث، بالمقدار الذي يسمح لنا به المجال، والوقت فنقول:

 

الغدير والامامة

إن من يراجع كتب الحديث والتاريخ، يجدها طافحة بالنصوص والآثار الثابتة، والصحيحة، الدالة على إمامة علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، ولسوف يجد أيضا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأل جهدا، ولم يدخر وسعا في تأكيد هذا الأمر، وتثبيته، وقطع دابر مختلف التعللات والمعاذير فيه، في كل زمان ومكان، وفي مختلف الظروف والأحوال، على مر العصور والدهور.

وقد استخدم في سبيل تحقيق هذا الهدف مختلف الطرق والأساليب التعبيرية وشتى المضامين: فعلا وقولا، تصريحا، وتلويحا، إثباتا ونفيا، وترغيبا وترهيبا، إلى غير ذلك مما يكاد لا يمكن حصره، في تنوعه، وفي مناسباته.

وقد توجت جميع تلك الجهود المضنية، والمتواصلة باحتفال جماهيري عام نصب فيه رسميا على "عليه السلام" في آخر حجة حجها رسول الله "صلى الله عليه وآله". وأخذت البيعة له فعلا من عشرات الألوف من المسلمين، الذين يرون نبيهم للمرة الأخيرة.

وقد كان ذلك في منطقة يقال لها "غدير خم" واشتهرت هذه الحادثة باسم هذا المكان. وهي أشهر من أن تذكر. وقد المحنا إلى ذلك في أول هذا البحث.

ولسنا هنا في صدد البحث عن وقائع ما جرى، واستعراض جزئياته، ولا نريد توثيقه بالمصادر والأسانيد، ولا البحث في دلالاته ومراميه المختلفة. فقد كفانا مؤونة ذلك العلماء الأبرار، جزاهم الله خير جزاء وأوفاه.

( راجع: كتاب الغدير للعلامة الأميني، وكتاب دلائل الصدق، والمراجعات).

وإنما هدفنا هو الإلماح إلى حدث سبقه بفترة وجيزة، وهو ما حصل- تحديدا- في حجة الوداع، التي نصب فيها النبي "صلى الله عليه وآله" عليا إماما لأمة، وهو في طريق عودته منها إلى المدينة.

وذلك لأن التعرف على هذا الحدث الذي سبق قضية الغدير لسوف يمكننا من أن نستوضح جانبا من المغزى العميق الذي يكمن في قوله تعالى: "والله يعصمك من الناس". ( سورة المائدة الآية 67.)

ولكننا قبل ذلك، لا بد لنا من إثارة بقض النقاط المفيدة في هذا المجال فنقول:

 

الحدث الخالد

أن من طبيعة الزمن في حركته نحو المستقبل، وابتعاده عن قضايا الماضي، وهو أن يؤثر في التقليل من أهمية الاحداث الكبيرة، التي يمر بها، وتمر به، ويساهم في افولها شيئا فشيئا، حتى تصبح على حد الشبح البعيد البعيد، ثم قد ينتهي بها الأمر إلى أن تختفي عن مسرح الذكر والذاكرة، حتى كأن شيئا لم يكن.

ولا تحتاج كبريات الحوادث في قطعها لشوط كبير في هذا الاتجاه إلى أكثر من بضعة عقود من الزمن، مشحونة بالتغيرات والمفاجآت.

وحتى لو احتفظت بعض معالمها- لسبب أو لآخر- بشئ من الوضوح، ونالت قسطا من الإهتمام، فلا يرجع لك إلى أن لها دورا يذكر في حياة الإنسان وفي حركته، وإنما لأنها أصبحت تاريخا مجيدا يبعث الزهو والخيلاء لدى بعض الناس، الذين يرون في ذلك شيئا يشبه القيمة، أو يعطيهم بعضا من الإعتبار والمجد بنظرهم.

ولكن قضية الغدير، رغم مرور الدهور والأحقاب، وبعد ألف وأربع مئة سنة زاخرة بالتقلبات العجيبة، وبالقضايا الغريبة، ومشحونة بالحروب والكوراث، بالعجيب من القضايا والحوادث.

ورغم المحاولات الجادة، والمتتابعة للتعتيم علنها ن وإرهاقها بالتعليلات غير المعقولة، باردة كانت أو ساخنة، بهف حرفها عن خطها القويم، وعن الإتجاه الصحيح والسليم..

وكذلك رغم ما عاناه ويعانيه المهتمون بها من اضطهاد وغربة، وتشريد ومحنة، وما يصب على رؤوسهم من بلايا ومصائب، وكوارث ونوائب.

نعم... رغم ذلك كله وسواه، فإن هذه الحادثة بما تمثله من قضية كبرى للإيمان وللأنسان، قد بقيت ولسوف تبقى القضية الأكثر حساسية وأهمية ن لأنها الأكثر صلة بالإيمان وبالانسان، ولانها الأعنف تأثيرا في حياة هذا الكائن، وفي بنية شخصيته من الداخل، وعلى علاقاته بكل من وما يحيط به، أو يمت إليه بأدنى صلة أو رابطة من الخارج.

وهي كذلك القضية الأكثر مساسا وارتباطا بمستقبل هذا الإنسان، وبمصيره،إن في الدنيا، وإن في الآخرة.

وهذا بالذات هو السر في احتفاظ هذه القضية بكل حيويتها، وحساسيتها بالنسبة إليه، على مر الدهور، وتعاقب العصور، ولسوف تبقى كذلك كما سيتضح فيما يأتي.

 

مفتاح الحل

وإذا كان الأمر كذلك فلا يبقى مجال لما ق/ يثيره البعض، من أنه:

سواء أكان الحق في ذلك لعلى "عليه السلام"، وقد اغتصب منه، وأقصي عن منصب هو له، أم لم يكن الأنر كذلك، فإن هذه القضية قد تجاوزتها الأحداث، وأصبحت تاريخا يحكيه البعض، وينساه آخرون، كأي حدث تاريخي آخر..

فلم يعد الوقوف عندها والإهتمام بها مجديا، ولا مفيدا، إن لم نقل: إن فيه ما يوجب الفرقة، ويرسخ التباعد، بما يثيره من كوامن وضغائن.

لا... ليس ثمة مجال لهذا القول، فإن قضية الغدير، لا تزال ولسوف تبقى هي القضية الأساسية والرئيسة بالنسبة للمسلمين جميعا، بل وحتى بالنسبة لغيرهم أيضا.

وهي المفتاح للباب الذي لا بد من الدخول منه لحل المشاكل المستعصية الكبرى، وبعث وبناء الإسلام وقوته وحيويته.

وبدون ذلك، فإن على الجميع أن يستعدوا للمزيد من المصائب، وأن يقبلوا- شاؤا أم أبوا- باستمرار حالة الضعف والتقهقر، بل وانهيار بناء الإسلام الشامخ.

 

خلافة أم إمامة

وذلك لأن القضية لا تقتصر على أن تكون مجرد قضية خلافة وحكم، أي قضية: أن يحكم هذا، أو يحكم ذاك، لسنوات معدودة، وينتهي الأمر- وربما يقال إن الذين تصدوا للحكم، واستأثروا به لأنفسهم قد قصدوا ذلك، ولكننا نجد شواهد كثيرة قد لا تساعد على هذا الفهم الساذج للأمور.

لا.. لا يقتصر الأمر على ذلك، وإنما هو يتجاوزه لما هو أهم وأخطر، حيث قد عمل الحكام الأمويون على تكريس مفهوم الإمامة والخلافة الإلهية في كل شخصية تصدت للحكم.. وذلك في نطاق تقديم العديد من الضوابط والمعايير، المستندة إلى مبررات ذات طابع عقائدي في ظاهره يتم على أساسها اضطهاد الفكر والإعتقاد المخالف، والتخلص من رجالاته بطريقة أو بأخرى.

وقد سرت تلك المفاهيم المخترعة في الناس، وأصبحت أمرا واقعا، لا مفر منه ولا نهرب، ولا ملجأ منه ولا منجى، وتفرقت الفرق، وتحزبت الأحزاب، رغم أن غير الشيعة من أرباب الفرق والمذاهب الإسلامية يعتقدون بالخلفاء أكثر مما يعتقدن الشيعة في أئمتهم ويمارسون ذلك عملا، ولكنهم ينكرون ذلك، ولا يعترفون به، كما أنهم ينكرون على الشيعة اعتقادهم في أئمتهم ما هو أخف من ذلك وأيسر.

 

دور الامامة في بناء الانسان والحياة

وليس من الغريب القول بأن قضية الإمامة والموقف منها هو الذي يحدد مسار الإنسان واتجاهه في هذه الحياة وعلى أساس هذا التحديد، والمعرفة والإعتراف يتحدد مصيره، ويرسم مستقبله، وبذلك تقوم حياته، فيكون سعيد أو شقيا، في خط الإسلام وهداه، أو في متاهات الجاهلية وظلماتها كما أشير إليه في الحديث الشريف: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية" أو ما بمعناه. ( راجع: الغدير ج 1، ص 390 عن التفتازاني في شرح المقاصد ج2، ص 275، وكنز الكراكجي: ص 151، والمناقب لإبن شهر آشوب ج 3 ص 217، ومجمع الزاوئد ج 5، ص 224 و 225 و 219 و 218، ومسند أحمد ج 4، ص 96، والبحار ج 23، ص 92 و 88 و 89 وفي هوامشه عن الإختصاص: 269، وعن إكمال الدين: ص 230 و 231، وعن عيون أخبار الرضا عليه السلام: ص 219، ومنتخب الأثر: ص 15 عن الجمع بين الصحيحين و الحاكم).

فعلى أساس الأعتقاد بالإمامة يجسد الإنسان على صعيد الواقع، والعمل، مفهوم الأسوة والقدوة، الذي هو حالة طبيعية، يقوم عليها-من حيث يشعر أو لا يشعر- يناء وجوده وتكوين شخصيته، منذ طفولته.

وعلى أساس هذا الإعتقاد، وذلك الموقف- أيضا- يختار أهدافه، ويختار السبل التي يرى أنها توصلة إليها.

كما أن لذلك تأثيره الكبير في تكوينه النفسي، والروحي، والتربوي، وفي خصوله هلة خصائصه الإنسانية وفي حفاظه على ما لديه منها.

والإمامة هي التي تبين له الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والضار من النافع.

وعلى أساس الالتزام بخطها يرتبط بهذا الإنسان أو بذاك، ويتعاون معه، ويتكامل، أو لا يفعل ذلك.

كما أنها هي التي تقدم للإنسان المعايير والنظم، والمنطلقات التي لا بد أن يلتزم بها، وينطلق منها، ويتعامل ويتخذ المواقف- إحجاما أو إقداما- على أساسها.

أضف إلى ذلك أنها تتدخل في حياته الخاصة، وفي ثقافته، وفي أسلوبه وفي كيفية تفكيره.

ومن الإمام يأخذ معالم الدين وتفسير القرآن، وخصائص العقائد ودقائق المعارف. وهذا بالذات هو السر في أننا نجد إنسانا يأخذ معالم دينه من شخص دون آخر، ويجعل هذا أسوته وقدوته دون ذاك.

إذن.. فموضوع الغدير، ونصب الإمام للناس، وتعريفهم به، لا يمكن أن يكون على حد تنصيب خليفة، أو حاكم، أو ما إلى ذلك، بل الأمر أكبر وأخطر من ذلك... كما أنه ليس حدثا عابرا فرضته بعض الظروف، لا يلبث أن ينتهي ويتلاشى تبعا لتلاشي وانتهاء الظروف التي فرضته أو أوجدته، وليصبح في جملة ما يحتضنه التاريخ من أحداث كبيرة، وصغيرة، لا يختلف عنها في شي ء، ولا أثر له في الحياة الحاضرة إلا بمقدار ما يبعثه من زهو، واعتزاز، أو يتركه من مرارة وألم على مستوى المشاعر والانفعالات لا أكثر.

بل أمر الإمامة، هو الذي يمس في الصميم حقيقة الإنسان، ومصيره ومستقبله، ودنياه وآخرته، ويؤثر في مختلف جهات وجوده وحياته.

ومعنى ذلك هو أنه لا بد من حسم الموقف في هذا الأمر ليكون الإنسان على بصيرة من أمره يموت ميتة جاهلية. كما تقدم عن الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله وسلم".

واشتراط الحديث الشريف تحصيل معرفة الإمام في النجاة من الهلكة وذلك في صيغة عامة تشمل كل إنسان حتى ولو لم يكن يعتنق الإسلام، حيث قال: "من مات ولم يعرف إمام زمانه....." ولم يقل: إذا مات المسلم ولم.......

إن هذا الإشتراط يوضح لنا: أن تجاهل قضية الإمامة، وعدم حسم الأمر في موضوع الأسوة والقدوة يساوي رفضها، وإبعادها عن محيط الحياة والإنسان في كونه يوجب الميتة الجاهلية، ويترك آثاره السلبية المهلكة والمبيدة، على مجمل حياة هذا الكائن وعلى مستقبله ومصيره، في الدنيا والآخرة.

ومما يدل على ذلك، ويثبته ويؤكده: أنه تعالى قد اعتبر عدم إبلاغ أمر الإمامة إلى الناس، يساوي عدم إبلاغ الرسالة نفسها من الأساس، وذلك يعني: أنه لا يمكن التسامح فيها ولا المحاباة، ولا مجال لإبعاده وتعطيلها لأن ذلك يعني إبعاد الدين وتعطيله، ومنعه من أن يكون هو سيد الموقف، وصاحب القرار في حياة الإنسان، وفي مجمل مواقفه.

 

فما بلغت رسالته

وبعد أن عرفنا: أن الفضية ليست قضية شخص، وإنما هي قضية الرسالة، أن تكون، أو لا تكون، حتى لقد قال تعالى، مخاطبا نبيه "صلى الله عليه وآله"، في مجال الحث على حسم أمر الإمامة "و إن لم تفعل فما بلغت رسالته" بعد أن عرف ذلك.. فإن المنع من إبلاغ الرسالة والإمامة معناه حرمان الإنسان من الهداية الإلهية، والرعاية الربانية، وليس هناك جريمة أعظم ولا أخطر من ذلك.

وهنا لا بد من إلقاء نظرة على ما كانت عليه الحال في زمن الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله وسلم"، فيما يرتبط بهذه القطة بالذات، لنتعرف على أولئك الناس الذين حاولوا منع الرسول الأكرم "صلى اله عليه وآله وسلم" من إبلاغ أمر الإمامة إلى الناس وذلك في الفصل التالي.

 

الموتورون و الحاقدون المعارضون

إننا إذا رجعنا إلى القرآن الكريم، فسوف نجد أنه قد أفصح لنا عن وجود فئات من الناس، كانت تقف في وجه الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" مباشرة، وتمنعه من بيان أمر الإمامة وإقامة الحجة فيها، حتى احتاج "صلى الله عليه وآله" إلى طلب العصمة من الله سبحانه، ليتمكن من مواجهة هؤلاء، وكبح جماحهم.

فمن هم هؤلاء الأشرار الأفاكون، والعتاة المجرمون.الذين يجترؤون على مقام النبوة الأقدس، ويقفون في وجه إبلاغ أوامر الله، وأحكامه.

الجواب : إن كتب التاريخ والحديث، والسيرة زاخرة بالشواهد والدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة، التي تكشف لنا القناع عن وجه هؤلاء، وتظهر مدى تصميمهم على رفض هذا الأمر، ومحاربة، وطمسه ومنابذته، بكل ما أوتوا من حول وقوة..

ونحن في مقام التعريف بهم، والدلالة عليهم نبادر إلى القول: إنهم- للأسف- قوم رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"، وحاربته وهو غض طري العود،ثم حاربته بعد أن ضرب بجرانه، وعلمت على زعزعة أركانه، حينما أرادت حرمانه من العنصر الضروري والأهم للحياة وللاستمرار، والبقاء... وأعني به عنصر الإمامة والقيادة.

والنصوص التالية خير شاهد على سياسات قريش هذه. فلنقرأها بتمعن، وصبر، وأناة.

 

النصوص الصريحة

قال عثمان بن عفان لإبن عباس: "لقد علمت: أن الأمر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه" ثم تذكر الرواية له كلاما آخر، وجواب إبن عباس له، فكان مما قال: "فأما صرف قومنا عنا الأمر، فعن حسد-قد والله- عرفته، وبغي، - والله - علمته بيننا وبين قومنا".

( قاموس الرجال ج 6، ص 37، وشرح النهج للمعتزلي ج 9، ص 9، والموفقيات: ص 606.( وحين ظهرت نتائج الشورى التي عينها عمر بن الخطاب، قال رجل من بني مخزوم لعمار: "ما أنت وتأمير قريش لأنفسها"

ثم تستمر الرواية إلى أن تذكر: أن المقداد قال: "تالله، ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت. واعجبا لقريش، لقد تركت رجلا، ما أقول، ولا أعلم أحدا أقضى بالعدل..."

( قاموس الرجال ج 6، ص 385، وشرح النهج للمعتزلي ج 12، ص 266 و ج 9 ص 58-57، وفي كلمات المقداد رحمه الله عبارات أخرى صريحة في ذلك، فلتراجع). وخطب أبو الهيثم بن التيهان بين يدي أمير المؤمنين على "عليه السلام"، فقال:

"إن حسد قريش إياك على وجهين، أما خيارهم فتمنوا أن يكونوا مثلك منافسة في الملأ، وارتفاع الدرجة. وأما شرارهم فحسدوك حسدا أنغل القلوب، وأحبط الأعمال، وذلك أنهم رأوا عليك نعمة قدمك إليها الحظ، وأخرهم عنها الحرمان، فلم يرضوا أن يلحقوك حتى طلبوا أن يسبقوك، فبعدت- والله- عليهم الغاية، وأسقط المضمار، فلما تقدمتهم بالسبق. وعجزوا عن اللحاق بك بلغوا منك ما رأيت، وكنت والله أحق فريش بشكر قريش....."

( الأوائل ج 1، ص 317-316).

وعمرو بن عثمان بن عفان أيضا قال: "ما سمعت كاليوم إن بقي من عبد المطلب على وجه الأرض أحد بعد قتل الخليفة عثمان- إلى أن قال:- فيا ذلاه، أن يكون حسن وسائر بني عبد المطلب- قتلة عثمان- أحياء يمشون على مناكب الأرض........"

( الإحتجاج ج 1 ص 403،والبحار ج 44، ص 71.)

يقولون هذا مع أنهم يعلمون: أن الحسن "عليه السلام" كان يدافع عن عثمان وهو محاصر في داره.

وعن على بن الحسين "عليه السلام"، أنه قال: ما بمكة والمدينة عشرون رجلا يحبنا.

( شرح النهج للمعتزلي ج 4، ص 104، والبحار ج 46، ص 143 وعن الطبعة الحجرية ج 8، ص 676 و730، وراجع: الغارات ج 2، ص 573.)

ودخل العباس على رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"، فقال: يا رسول الله. إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث، فإذا رأونا سكتوا. فغضب رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"، ودر عرق بين عينيه.

( مسند أحمد ج 4، ص 164 و ج 1، ص 208، وراجع ص 210، وسنن إبن ماجة ج 1، ص 50، وحياة الصحابة ج 2، ص 487 و 488، ونل الأبرار: ص 35-34، وراجع: تاريخ المدينة ج 2، ص 239 و 640، ومستدرك الحاكم ج 3، ص 333، وتلخيصه للذهبي، بهامش نفس الصفحة، ومنحة المعبود ج 2، ص 147 ومجمع الزوائد ج 9 ص 269 والجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 652، وصححه، واسد الغابة ج 3، ص 110، وكنز العمال ج 13، ص 90 و 89-88 و 83، و ج 16، ص 254 و 135 و 128 عن عدد من المصادر ونقله بعض الأعلام عن الكامل لإبن عدي ج 6، ص 1885، وعن المصنف لإبن أبي شيبة ج 12، ص 108، وعن المعرفة والتاريخ ج 1، ص 497 و 499. والبحار ج 8، ص 151 الطبعة الحجرية.)

وسئل الإمام السجاد "عليه السلام"- وابن عباس أيضا: ما أشد بغض قريش لأبيك؟!.

قال: لأنه أورد أولهم النار، وألزم آخرهم العار.

( نثر الدر لآبي ج 1، ص 304 والمناقب لإبن شهرآشوب ج 3، ص 220 والبحار الطبعة الحجرية ج 8، ص 151.)

وعن إبن عباس: قال عثمان لعلي "عليه السلام": "ما ذنبي إذا لم يحبك قريش، وقد قتلت منهم سبعين رجلا، كأن وجوههم سيوف الذهب".

( معرفة الصحابة لأبي نعيم الورق 22 مخطوط في مكتبة طوب قبوسراي رقم 1 ص 497 /أ، والجمل ص 99 وشرح النهج المعتزلي ج 9، ص 23.)

وقريب منه ما روي أن ابن عمر، قد قاله لعلي أمير المؤمنين "عليه السلام" أيضا.

( المناقب لإبن شهر آشوب ج 3، ص 220.)

وروي أن العباس قال لرسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم": إن قريشا، جلسوا، فتذكروا أحسابهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة من الأرض، فقال "صلى الله عليه وآله وسلم"..... الخ.

وحسب نص آخر: أن ناسا من الأنصار جاؤوا إلى النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" فقالوا: إنا لنسمع من قزمك، حتى يقول القائل منهم: إنما مثل محمد مثل نخلة.

( راجع مسند أحمد ج 4، ص 166، ولسان العرب ج 15، ص 213، والبحار ج 36 ص 294، والنهاية ج 4، ص 146.

وفي الكامل لإبن عدي ج 2، ص 665: أن القائل هو أبو سفيان وفي البحار ج 36، ص 278 و 294: أن القائل هو عمر بن الخطاب.

والكبا: الكناسة، والتراب الذي يكنس.)

ويقولون أيضا: قد كان هوى قريش كافة ما عطا بني هاشم في عثمان.

( شرح النهج للمعتزلي ج 9، ص 52.) و قال المقداد: واعجبا لقريش، ودفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيهم.

( تاريخ اليعقوبي ج 2، ص 163.)

وقال الثقفي: كانت قريش كلها على خلافه مع بني أمية.

( الغارات ج 2، ص 570، وراجع 554.) وبعد بيعة عثمان بكلن عمار، فذكرئ/ أن قريشا هي التي صرفت هذا الأمر عن أهل البيت، ثم قال المقداد لعبد الرحمن بن عوف:

"يا عبد الرحمن، اعجب من قريش، إنما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا البيت، قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" بعده من أيديهم. أما وأيم الله يا عبد الرحمن، لو أجد على قريش أنصارا لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر".

( مروج الذهب ج 2، ص 343.) "وعد أن بايع الناس عليا "عليه السلام" قام أبو الهيثم، وعمار وأبو أيوب،وسهل بن حنيف، وجماعة معهم، فدخلوا على علي "عليه السلام"، فقالوا: يا أمير المؤمنين أنظر في أمرك، وعاتب قومك هذا الحي من قريش، فانهم قد نقضوا عهدك،واخلفوا وعدك، ودهونا في السر إلى رفضك"

( شرح النهج لإبن أبي الحديد، المعتزلي ج 2، ص 40 - 39). كما أن البراء بن عازب عد ذكر: أنه حين توفي رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" تخوف أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عن بني هاشم.

( شرح النهج لإبن أبي الحديد المعتزلي ج 2، ص 51.) وروي: أن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" قد قال لعلي "عليه السلام"، إن الأمة ستغدر بك بعدي.

( نزل الأبرار: ص 261، وتاريخ بغداد ج 11، ص 216، ومستدرك الحاكم ج 3، ص 142، وتلخيصه للذهبي، بهامش نفس الصفحة، وعن كنز العمال ج 6، ص 73، والبحار- طبعة حجرية- ج 8، ص 629.) كما أنه "صلى الله عليه وآله وسلم" قد أخبر أمير المؤمنين، بأن في صدور أقوام ضغائن، لا يبدونها له إلا بعده، وفي بعض المصادر: أن ذلك كان منه "صلى الله عليه وآله وسلم" حين حضرته الوفاة.

( راجع المصادر التالية: تذكرة الخواص: ص 46-45، كفاية الطالب: ص 272، وفرائد السمطين ج 1 ص 152، والبحار ج 28، ص 54-53 وكتاب سليم بن قيس: ص 22، ومجمع الزوائد ج 9، ص 118 عن البزار والطبراني وأبي يعلى، والمناقب للخوارزمي ص 26 وتاريخ بغداد ج 12 ص 398 ومقتل الحسين للخوارزمي: ج 1، ص 36، وترجمة الإمام علي بن أبي طالب "عليه السلام"- من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ج 2، ص 325-322، ونور الأبصار: ص 79، وميزان الإعتدال ج 3، ص 355 وشرح النهج للمعتزلي ج 4، ص 107، وكنز العمال ج 15، ص 156 عن إبن النجار وأبي الشيخ والمستدرك والبزار وإبن الجوزي والخطيب وأبي يعلى، وكفاية الأثر: ص 124 و 158.)