بحث ميداني حول موضع غدير خمّ

    

الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي*

اضغط على الصورة لتكبيرها

  إنّ موضع غدير خُمّ من المواضع الإسلاميّة التي شهدت أكثر من موقف من مواقف النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، والتي يمكننا تلخيصها بالتالي :

1ـ وقوعه في طريق الهجرة النبويّة .

٢ ـ وقوعه في طريق عودة النبي ( صلّى الله عليه وآله ) من حجّة الوداع .

3ـ وقوع بيعة الغدير فيه .

وكلّ واحد من هذه المواقف الثلاثة يشكّل بُعداً مهمّاً في مسيرة التاريخ الإسلامي .

فالهجرة كانت البدء لانتشار الدعوة الإسلاميّة وانطلاقها خارج ربوع مكّة ، ومن ثمّ إلى العالم كلّه . وحجّة الوداع والعودة منها إلى المدينة المنوّرة كانت ختم الرسالة ; حيث كَمُل الدين فتمّت النعمة . وبيعة الغدير هي التمهيد لعهد الإمامة والإمام حيث ينتهي عهد الرسالة والرسول .

ومن هنا اكتسب موضع "غدير خُمّ" أهمّيته الجغرافيّة في التراث الإسلامي ، ومنزلته التكريميّة كمَعْلَمة خطيرة من معالم التاريخ الإسلامي .

واشتهر الموقع بحادثة الولاية للإمام أمير المؤمنين  ( عليه السلام ) أكثر من شهرته موقعاً أو منزلاً من معالم طريق الهجرة النبويّة ، أو من طريق العودة من حجّة الوداع ... .

وسيكون الحديث عن هذا الموضع الشريف في حدود النقاط التالية :

ـ اسم الموقع .

ـ سبب التسمية .

ـ تحديد الموقع جغرافيّاً .

ـ وصف الموقع تاريخيّاً .

ـ وصف مشهد النصّ بالولاية .

ـ الأعمال المندوب إليها شرعاً في هذا الموقع .

ـ وصف الموقع الراهن .

ـ الطُّرق المُؤدّية إليه .

اسم الموقع :

١ ـ اشتهر الموضع باسم: "غدير خُمّ" ، ففي حديث السيرة لابن كثير : "قال المطّلب بن زياد ، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل : سمع جابر بن عبد الله يقول : كنّا بالجحفة بغدير خُمّ ، فخرج علينا رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) من خباء أو فسطاط ..."(1) .

وفي حديث زيد بن أرقم ، قال : "خطب رسول الله  ( صلّى الله عليه وآله ) بغدير خُمّ تحت شجرات"(2) .

وكذلك في حديثه الآخر ، قال : "لمّا رجع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) من حجّة الوداع ونزل غدير خُمّ ، أمر بدوحات فقُمِمْن . . ."(3) .

وفي شعر نُصيب :

وقالتْ بالغديرِ غَديرِ خُمٍّ ii:      أُخَيَّ إلى متى هذا الركوبُ
       أ  لم تَرَ أنَّني ما دمتَ iiفينا      أنـامُ  ولا أنـامُ إذا تغيبُ  
(4)

 وفي قول الكميت الأسدي :

ويومَ الدَّوحِ دوحِ غديرِ خُمٍّ       أبانَ له الولايةَ لو أُطِيْعَا(5)

وضُبط لفظ "خُمّ" في لسان العرب بفتح الخاء ، ونقل عن ابن دريد أنّه قال : "إنّما هو خُمّ ، بضمّ الخاء"(6) .

٢ ـ كما أنّه يُسمّي بـ "وادي خُمّ" ؛ أخذاً من واقع الموضع ، قال الحازمي : "خُمّ : واد بين مكّة والمدينة عند الجحفة ، به غدير ، عنده خَطَبَ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ، وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة"(7) .

وقد ورد هذا الاسم في حديث السيرة لابن كثير ونصّه : "قال الإمام أحمد : حدّثنا عفّان ، حدّثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن أبى عبيد ، عن ميمون أبى عبد الله ، قال : قال زيد بن أرقم ـ وأنا أسمع ـ : نزلنا مع رسول الله منزلاً يقال له : وادي خُمّ . . ."(8) .

وفي نصّ المراجعات : "وأخرج الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم : قال : نزلنا مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بواد يقال له : وادي خُمّ ، فأمر بالصلاة ، فصلاّها بهجير ... (9) .

٣ ـ وقد يُطلق عليه "خُمّ" اختصاراً ، كما في كتاب صفة جزيرة العرب ، فقد قال مؤلّفه الهمداني ـ وهو يُعدّد بلدان تهامة اليمن ـ : "و مكّة : أحوازها لقريش وخزاعة ، ومنها : مرّ الظهران ، والتنعيم ، والجعرانة ، وسَرِف ، وفخّ ، والعصم ، وعسفان ، وقديد ـ وهو لخزاعة ـ والجحفة ، وخُمّ ، إلى ما يتّصل بذلك من بلد جهينة ومحالّ بنى حرب"(10) .

وكما في شعر معن بن أوس المزني :

عفا وخلا مِمّن عَــهِدتُ به خُمُّ          وشاقكَ بالمسحاءِ من سَرِفٍ رسمُ

وفي قول المجالد بن ذي مرّان الهمداني ، من قصيدة قالها لمعاوية بن أبي سفيان ، وقد رأي تمويهه وتمويه عمرو بن العاص على الناس في دم عثمان :

وَلَهُ حُرمةُ الوَلاءِ عــــلى النَّا          سِ بِخُمٍّ وكان ذا القولِ جَهْرا(11)

٤ ـ وأُطلق عليه في بعض الحديث اسم: الجحفة ؛ من باب تسمية الجزء باسم الكلّ ، لأنّ خُمَّاً جزء من وادي الجحفة الكبير ـ كما سيأتي ـ .

وقد جاء هذا في حديث عائشة بنت سعد الذي أخرجه النسائي في "الخصائص"(12) ـ كما في المراجعات(13) ـ ونصّه : "عن عائشة بنت سعد قالت : سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) يوم الجحفة ..." .

ورواه ابن كثير في السيرة عن ابن جرير بسنده بالنصّ التالي : "عن عائشة بنت سعد ، سمعت أباها يقول : سمعت رسول الله  ( صلّى الله عليه وآله ) يقول يوم الجحفة ، وأخذ بيد علي ..."(14) .

٥ ـ ويقال له : "الخرّار" ، قال السكوني : "موضع الغدير غدير خُمّ يقال له : الخرّار"(15) .

ويلتقي هذا مع تعريف البكري في معجم ما استعجم للخرّار ، حيث قال : "قال الزبير : هو وادي الحجاز(16) يصبّ على الجحفة"(17) .

٦ ـ ويُختصر ناسُنا اليوم الاسم فيُطلقون عليه : "الغدير" .

٧ ـ الغُرَبَة ، بضمّ الغين المعجمة وفتح الراء المهملة والباء الموحَّدة ، هكذا ضبطه البلادي في معجم معالم الحجاز(18) ، وهو الاسم الراهن الذي يُسمّيه به أبناء المنطقة في أيّامنا هذه ، قال البلادي : "و يُعرف غدير خُمّ اليوم باسم "الغُرَبَة" ، وهو غدير عليه نخل قليل لأُناس من البلاديّة من حَرْب ، وهوفي ديارهم يقع شرق الجحفة على(٨) أكيال ، وواديهما واحد ، وهو وادي الخرّار" .

ويُقيّد لفظ "الغدير" بإضافته إلى "خُمّ" تمييزاً بينه وبين غدران أُخرى ، قُيّدت ـ هي الأخرى ـ بالإضافة ، أمثال :

ـ غدير الأشطاط : موضع قرب عسفان .

ـ غدير البركة : بركة زبيدة .

ـ غدير البنات : في أسفل وادي خماس .

ـ غدير سلمان : في وادي الأغراف .

ـ غدير العروس : في وادي الأغراف أيضاً(19) .

وقد يُطلق على غديرنا : "غدير الجحفة" ، كما في حديث زيد بن أرقم : "أقبل النبي ( صلّى الله عليه وآله ) في حجّة الوداع حتى نزل بغدير الجحفة بين مكّة والمدينة..."(20) .

  سبب التسمية :

نستطيع أن نستخلص من مجموع التعريفات التي ذكرتها المعجمات العربيّة للغدير ، التعريف التالي :

الغدير : هو المنخفض الطبيعي من الأرض ، يجتمع فيه ماء المطر أو ماء السيل ، ولا يبقي إلى القيظ(21) .

وعلّلوا تسمية المنخفض الذي يجتمع فيه الماء غديراً بــ :

١ ـ أنّه اسم مفعول لمغادرة السيل له ; أي أنّ السيل عندما يملأ المنخفض بالماء يغادره ; بمعني يتركه بمائه .

٢ ـ أنّه اسم فاعل من الغَدْر ; لأنّه يخون ورّاده ; فينضب عنهم ، ويغدر بأهله ; فينقطع عند شدّة الحاجة إليه .

وقوّاه الزبيدى في معجمه "تاج العروس" بقول الكميت :

ومن غـــدرِه نَبَزَ الأوّلو          نَ بأنْ لقَّبوه الغديرَ الغديرا(22)

وشرح معني البيت : بأنّ الشاعر أراد : أنّ من غدره نَبَزَ الأوّلون الغديرَ بأن لقّبوه الغديرَ ، فالغدير الأول مفعول نبز ، والثاني مفعول لقّبوه .

وسبب تسمية الموقع بالغدير ؛ لأنّه منخفض الوادي .

اضغط على الصورة لتكبيرها

أمّا "خُمّ" ، فنقل ياقوت في معجم البلدان عن الزمخشري أنّه قال : "خُمّ : اسم رجل صبّاغ ، أُضيف إليه الغدير الذي بين مكّة والمدينة

بالجحفة"(23) . ثمّ نقل عن صاحب "المشارق" أنّه قال : "إنّ خُمّاً اسم غيضة هناك ، وبها غدير نُسب إليها" .

والتعليل نفسه نجده عند البكري في معجم ما استعجم ، قال : "و غدير خُمّ على ثلاثة أميال من الجحفة ، يسرةً عن الطريق ، وهذا الغدير تصبّ فيه عين ، وحوله شجر كثير ملتفّ ، وهو الغيضة التي تُسمّي خُمّاً"(24) .

  تحديد الموقع جغرافياً :

نصَّ غير واحد من اللغويّين والجغرافيّين والمؤرّخين على أنّ موقع غدير خُمّ بين مكّة والمدينة . ففي لسان العرب ـ مادّة خمم : "و خُمّ : غدير معروف بين مكّة والمدينة"(25) .

وفي النهاية ، لابن الأثير ـ مادّة : خمم : "غدير خُمّ : موضع بين مكّة والمدينة"(26) .

وفي معجم البلدان : "و قال الحازمي : خُمّ : وادٍ بين مكّة والمدينة"(27) .

وفي المصدر نفسه : "قال الزمخشري : خُمّ : اسم رجل صبّاغ ، أُضيف إليه الغدير الذي هو بين مكّة والمدينة" .

ويبدو أنّه لا خلاف بينهم في أنّ موضع غدير خُمّ بين مكّة والمدينة ، وإنّما وقع شيء قليل من الخلاف بينهم في تعيين مكانه بين مكّة والمدينة ، فذهب الأكثر إلى أنّه في "الجحفة" ، ويعنون بقولهم : " في الجحفة" أو "بالجحفة" وادي الجحفة ـ كما سيأتي ـ .

من هؤلاء :

ابن منظور في لسان العرب ـ مادّة : خمم ، قال : "و خَمّ : غدير معروف بين مكّة والمدينة بالجحفة ، وهو غدير خَمّ"(28) .

والفيروزآبادي في القاموس المحيط ـ مادّة : خَمَّ ، قال : "و غدير خُمّ : موضع على ثلاثة أميال بالجحفة بين الحرمين"(29) .

والزمخشري في نصّه المتقدّم الذي نقله عنه الحموي في معجم البلدان ، القائل فيه : "خُمّ : اسم رجل صبّاغ ، أُضيف إليه الغدير الذي بين مكّة والمدينة بالجحفة" .

وفي حديث السيرة لابن كثير ـ المتقدّم ـ : "قال المطّلب بن زياد ، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل ، سمع جابر بن عبد الله يقول : كنّا بالجحفة بغدير خُمّ . . ." .

وكما قلتُ ، يريدون من "الجحفة" في هذا السياق : الوادي ، لا القرية التي هي الميقات ؛ وذلك بقرينة ما يأتي من ذكرهم تحديد المسافة بين غدير خُمّ والجحفة ، الذي يعنى أنّ غدير خُمّ غير الجحفة (القرية) ؛ ولأنّ وادي الجحفة يبدأ من الغدير وينتهي عند البحر الأحمر ، فيكون الغدير جزءاً منه ، وعليه لا معنى لتحديد المسافة بينه وبين الوادي الذي هو جزء منه .

وتفرّد الحميري في الروض المعطار فحدّد موضعه بين الجحفة وعسفان ، قال : "و بين الجحفة وعسفان غدير خُمّ"(30) .

وهو ـ من غير ريب ـ وَهْمٌ منه ، وبخاصّة أنّه حدّد الموضع بأنّه على ثلاثة أميال من الجحفة ، يسرة الطريق ، حيث لا يوجد عند هذه المسافة بين الجحفة وعسفان موضع يُعرف بهذا الاسم .

والظاهر أنّه نقل العبارة التي تُحدّد المسافة بثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق من "معجم ما استعجم" ، ولم يلتفت إلى أنّ البكري يريد بيسرة الطريق ، الميسرة للقادم من المدينة إلى مكّة ، وليس العكس ، فوقع في هذا التوهّم .

قال البكري في معجمه : "و غدير خُمّ على ثلاثة أميال من الجحفة ، يسرة عن الطريق"(31)  يريد ـ وكما قلتُ ـ بالميسرة : جهة اليسار بالنسبة إلى القادم من المدينة إلى مكّة ؛ بقرينة ما ذكره في بيان مراحل الطريق بين الحرمين ومسافاتها ، عند حديثه عن العقيق ، حيث بدأ بالمدينة ، قال : "و الطريق إلى مكّة من المدينة على العقيق : من المدينة إلى ذي الحليفة... "(32) .

ونخلص من هذا إلى أنّ غدير خُمّ يقع في وادي الجحفة ، على يسرة طريق الحاجّ من المدينة إلى مكّة ، عند مبتدأ وادي الجحفة ، حيث منتهى وادي الخرّار .

ومن هنا كان أنْ أسماه بعضهم بالخرّار ـ كما تقدّم ـ .

ولعلّ علّة ما استظهره السمهودي في كتابه "وفاء الوفا" ، من أنّ الخرّار بالجحفة(33) ; هو ما أوضحتُه من أنّ غدير خُمّ مبتدأ وادي الجحفة ، وعنده منتهى وادي الخرّار .

ويُؤيّد هذا الذي ذكرتُه ، قول الزبير ـ الذي نقلته آنفاً عن معجم ما استعجم ـ من أنّ الخرّار وادٍ بالحجاز يصبّ على الجحفة .

وقد يُشير إلى هذا قول الحموي في معجم البلدان : "الخرّار... وهو موضع بالحجاز ، يقال : هو قرب الجحفة"(34) .

وعبارة عرّام التالية تُؤكّد لنا أنّ الغدير من الجحفة ، قال ـ كما نقله عنه الحموي في معجم البلدان ـ : "و دون الجحفة على ميل غدير خُمّ ، وواديه يصبّ في البحر"(35) ، حيث يعنى بواديه وادي الجحفة ; لأنّه هو الذي يصبّ في البحر حيث ينتهي عنده .

أمّا المسافة بين موضع غدير خُمّ والجحفة (القرية = الميقات) ، فَحُدّدت ـ فيما لديَّ من مراجع ـ بالتالي :

ـ حدّدها البكري في معجم ما استعجم بثلاثة أميال ، ونَقل عن الزمخشرى: أنّ المسافة بينهما ميلان ، ناسباً ذلك إلى (القيل) ؛ إشعاراً بضعفه(36) .

وإلى القول بأنّ المسافة بينهما ميلان ذهب الحموي في معجمه ، قال : "و غدير خُمّ بين مكّة والمدينة ، بينه وبين الجحفة ميلان"(37) .

وقدّر الفيروزآبادي المسافة بثلاثة أميال ، قال في القاموس ـ مادّة : خَمَّ ـ : " وغدير خُمّ : موضع على ثلاثة أميال بالجحفة(38) بين الحرمين"(39) .

وقدّرها بميل كلّ من نصر وعرّام(40) . ففي تاج العروس(41) ـ مادّة : خَمّ ـ : " وقال نصر : دون الجحفة على ميل بين الحرمين الشريفين" .

وفي معجم البلدان : " وقال عرّام : ودون الجحفة على ميل غديرُ خُمّ . . ."(42) .

وهذا التفاوت في المسافة من الميل إلى الاثنين إلى الثلاثة ، أمر طبيعي ; لأنّه يأتي ـ عادةً ـ من اختلاف الطريق التي تُسلك ، وبخاصّة أنّ وادي الجحفة يتّسع بعد الغدير ، ويأخذ بالاتّساع أكثر حتى قرية الجحفة ، ومن بعدها أكثر حتى البحر . فربّما سلك أحدهم حافّة الجبال ، فتكون المسافة ميلاً ، وقد يَسلك أحدهم وسط الوادي ، فتكون المسافة ميلين ، ويسلك الآخر حافة الوادي من جهة السهل ، فتكون المسافة ثلاثة أميال .

 

 

اضغط على الصورة لتكبيرها

 

 

اضغط على الصورة لتكبيرها

 

   وصف الموضع تاريخياً :

احتفظ لنا التاريخ بصورة تكاد تكون كاملة المعالم ، متكاملة الأبعاد ، لموضع غدير خُمّ ، فذكر أنّه يضمّ المعالم التالية :

١ ـ العين :

ففي لسان العرب ـ مادّة: خمم ـ : "قال ابن الأثير : هو موضع بين مكّة والمدينة تصبّ فيه عين هناك(43)"(44) .

وفي معجم ما استعجم والروض المعطار : "و هذا الغدير تصبّ فيه عين"(45) .

وفي معجم البلدان : "و خمّ : موضع تصّب فيه عين"(46) وتقع هذه العين في الشمال الغربي للموقع ، كما سيتّضح لنا هذا من ذكر المعالم الأخرى .

٢ ـ الغدير :

وهو الذي تصبّ فيه العين المذكورة ، كما هو واضح من النصوص المنقولة المتقدّمة .

3 ـ الشجر :

في حديث الطبراني : "إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) خطب بغدير خُمّ تحت شجرات"(47) .

وفي حديث الحاكم : "لَمّا رجع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) من حجّة الوداع ، ونزل غدير خُمّ أمر بدوحات فقُمِمن"(48) .

اضغط على الصورة لتكبيرها

وفي حديث الإمام أحمد : "و ظُلّل لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بثوب على شجرة سَمُرَة من الشمس"(49) .

وفي حديثه الآخر : "و كُسح لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) تحت شجرتين فصلّي الظهر"(50) .

والشجر المشار إليه هنا من نوع "السَّمُر" ، واحده "سَمُرَة" بفتح السين المهملة وضمّ الميم وفتح الراء المهملة ، وهو من شجر الطَلَح ; وهو شجر عظيم ، ولذا عبّر عنه بـ"الدوح" كما في الأحاديث والأشعار التي مرّ شيء منها ، واحده "دوحة" ; وهى الشجرة العظيمة المتشعّبة ذات الفروع الممتدّة .

وهو غير "الغيضة" الآتي ذكرها ; لأنّه متفرّق في الوادي هنا وهناك .

٤ ـ الغَيْضة :

وهي الموضع الذي يكثر فيه الشجر ويلتفّ ، وتُجمع على غياض وأغياض .

وموقعها حول الغدير ، كما ذكر البكري في معجم ما استعجم ، قال : "و هذا الغدير تصبّ فيه عين ، وحوله شجر كثير ملتفّ ، وهى الغيضة"(51) . ومرّ بنا أنّ صاحب المشارق ذكر "أنّ خُمّاً اسم غيضة هناك ، وبها غدير نُسب إليها" .

٥ ـ النبت البَرّى :

ونقل ياقوت الحموي في معجمه البلداني عن عرّام ، أنّه قال : "لا نبت فيه غيرالمرخ والثمام والأراك والعشر"(52) .

٦ ـ المسجد :

وذكروا أنّ فيه مسجداً شُيِّد على المكان الذي وقف فيه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ، وصلّي وخطب ونصب عليّاً للمسلمين خليفة ووليّاً .

وعَيّنوا موقعه بين الغدير والعين ، قال البكري في معجمه : "و بين الغدير والعين مسجد النبي ( صلّى الله عليه وآله ) "(53) .

وفي معجم البلدان أنّ صاحب المشارق قال : "و خُمّ : موضع تصبّ فيه عين ، بين الغدير والعين ، وبينهما مسجد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) "(54) .

ويبدو أنّ هذا المسجد قد تداعي ولم يبقَ منه في زمن الشهيد الأول ـ المتوفَّى سنة ٧٨٦ هـ ـ إلاّ جدرانه ، كما أشار إلى هذا الشيخ صاحب الجواهر في الجواهر نقلاً عن كتاب "الدروس في فقه الإماميّة(55)" للشهيد الأوّل ، قال : "وفي الدروس : والمسجد باق إلى الآن جدرانُه ، والله العالم"(56) .

أمّا الآن ، فلم نجد له أثراً . . . كما سأشير إلى هذا فيما يعقبه .

٧ ـ ونقل ياقوت في معجم البلدان عن الحازمي أنّ "هذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة"(57) .

يقال : وَخِم المكان وخامة : إذا كان غير ملائم للسكني فيه .

٨ ـ ومع وخامته ذكر عرّام ـ فيما نقله ياقوت عنه ـ أنّ به أناساً من خزاعة وكنانة ، ولكنّهم قليلون ، قال : "و به أناس من خزاعة وكنانة غير كثير"(58) .  

وصف مشهد النصّ بالولاية :

ويُنسق على ما تقدّم من وصف الموضع تاريخياً ، وصف حادثة الولاية بخطواتها المتسلسلة ، والمترتّب بعضها على بعض ؛ لتكتمل أمام القارئ الكريم الصورة للحادثة التي أعطت هذا الموضع الشريف أهمّيّته كمَعْلَم مهمّ من معالم السيرة النبويّة المقدّسة ، وتتلخّص بالتالي :

١ ـ وصول الركب النبوي بعد منصرفه من حجّة الوداع إلى موضع غدير خُمّ ، ضحي نهار الثامن عشر من شهر ذي الحجّة الحرام من السنة الحادية عشرة للهجرة .

فعن زيد بن أرقم : "لَمّا حجّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) حجّة الوداع ، وعاد قاصداً المدينة ، قام بغدير خُمّ ـ وهو ماء بين مكّة والمدينة ـ وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام"(59) .

٢ ـ ولأنّ هذا الموضع كان مفترق الطُّرق المؤدّية إلى المدينة المنوّرة ، والعراق ، والشام ، ومصر ، تفرّق الناس عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) متّجهين وجهة أوطانهم ، فأمر ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عليّاً ( عليه السلام ) أن يجمعهم بردّ المتقدّم وانتظار المتأخّر .

ففي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري : "إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) نزل بخُمّ ، فتنحّي الناس عنه... فأمر عليّاً فجمعهم"(60) .

وفي حديث سعد : "كنّا مع رسول الله فلمّا بلغ غدير خُمّ وقف للناس ، ثم رُدّ مَن تقدّم ، ولحق مَن تخلّف"(61) .

٣ ـ ونزل الرسول قريباً من خمس سَمُرات دوحات متقاربات ، ونهي أن يُجلَس تحتهنّ .

يقول زيد بن أرقم : "نزل رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بين مكّة والمدينة عند سَمُرات خمس دوحات عظام"(62) .

وفي حديث عامر بن ضمرة وحذيفة بن أُسيد ، قالا : "لَمّا صدر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من حجّة الوداع ، ولم يحجّ غيرها ، أقبل حتى إذا كان بالجحفة نهي عن شجرات بالبطحاء ، متقاربات ، لا ينزلوا تحتهنّ"(63) .

٤ ـ ثمَّ أمر ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أن يُقمّ ما تحت تلكم السمرات من شوك ، وأن تُشذّب فروعهنّ المتدلّية ، وأن تُرشّ الأرض تحتهنّ.

ففي حديث زيد بن أرقم : "قام بالدوحات فقمَّ ما تحتهنّ من شوك"(64) .

وفي حديثه الآخر : "أمر رسول الله  ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالشجرات فقُمَّ ما تحتها ، ورُشّ"(65) .

وفي حديث عامر بن ضمرة وحذيفة بن اُسيد : "فقُمَّ ما تحتهنّ وشُذِّبْنَ عن رؤوس القوم"(66) .

٥ ـ وبعد أن نزلت الجموع منازلها وأخذت أماكنها ، أمر ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مناديه أن ينادى : "الصلاةَ جامعةً" .

يقول حبّة بن جوين العرني البجلي : "لَمّا كان يوم غدير خُمّ دعا النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : (الصلاة جامعة) نصف النهار ..."(67) .

وفي حديث زيد المتقدّم : "فأمر بالدوحات فقُمَّ ما تحتهنّ من شوك ، ثمَّ نادى : الصلاة جامعةً" .

٦ ـ وبعد أن تكاملت الصفوف للصلاة جماعة ، قام( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إماماً بين شجرتين من تلكم السمرات الخمس .

يقول عامر وحذيفة في حديثهما المتقدّم : "حتى إذا نودي للصلاة ، غدا إليهنّ فصلّي تحتهنّ" .

وفي رواية الإمام أحمد عن البراء بن عازب : قال : "كنّا مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) في سفر ، فنزلنا بغدير خُمّ ، فنودي فينا : الصلاة جامعة ، وكُسح لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) تحت شجرتين ، فصلّي الظهر"(68)

٧ ـ وظُلِّلَ لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عن الشمس أثناء صلاته بثوب ، عُلّق على إحدى الشجرتين .

ففي رواية الإمام أحمد حديث زيد من أرقم : "و ظُلِّل لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بثوب على شجرة سمرة من الشمس"(69) .

٨ ـ وكان ذلك اليوم هاجراً شديد الحرّ .

يقول زيد بن أرقم : "فخرجنا إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في يوم شديد الحرّ ، وإنّ منّا مَن يضع بعض ردائه على رأسه ، وبعضه على قدمه من شدّة الرمضاء"(70) .

٩ ـ وبعد أن انصرف ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من صلاته ، أمر أن يُصنع له منبر من أقتاب الإبل(71) .

١٠ ـ ثمَّ صعد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) المنبر متوسّداً يد علي ( عليه السلام ) .

يقول جابر في حديثه المتقدّم : "فأمر عليّاً فجمعهم ، فلمّا اجتمعوا ، قام فيهم وهو متوسّد يد علىّ بن أبى طالب" .

١١ ـ وخطب ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) خطبته ...

١٢ ـ "ثمَّ طفق القوم يهنّئون أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) ، وممّن هنّأه في مقدّم الصحابة : الشيخان أبو بكر وعمر ، كلٌّ يقول : بخٍ بخٍ لك يابن أبى طالب ! أصبحتَ وأمسيتَ مولاي ومولي كلّ مؤمن ومؤمنة"(72) .

١٣ ـ وقال ابن عبّاس : "وَجَبَتْ ـ والله ـ في أعناق القوم"(73) ; يعنى بذلك البيعة بالولاية والإمرة والخلافة .

١٤ ـ ثمَّ استأذن الرسولَ شاعرُه حسّانُ بن ثابت في أن يقول شعراً في المناسبة ...(74)

  الأعمال المندوب إليها شرعاً في هذا الموقع :

الأعمال المندوب إليها شرعاً في هذا الموضع ، هي :

١ ـ استحباب الصلاة في مسجده المعروف ـ تاريخياً ـ بمسجد رسول الله ، ومسجد النبي ، ومسجد غدير خُمّ .

٢ ـ الإكثار فيه من الدعاء والابتهال إلى الله تعالي .

قال الشيخ صاحب الجواهر في كتابه جواهر الكلام : "و كذلك يستحبّ للراجع على طريق المدينة الصلاة في مسجد غدير خُمّ ، والإكثار فيه من الدعاء ، وهو موضع النصّ من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) "(75) .

ومن الحديث الذي يدلّ على ذلك ...(76)

وقال الشيخ يوسف البحراني في الحدائق الناضرة(77) : يستحبّ لقاصدي المدينة المشرّفة ، المرور بمسجد الغدير ودخوله والصلاة فيه ، والإكثار من الدعاء .

وهو الموضع الذي نصّ فيه رسول الله  ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على إمامة أمير المؤمنين وخلافته بعده ، ووقع التكليف بها ، وإنْ كانت النصوص قد تكاثرت بها عنه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قبل ذلك اليوم ، إلاّ أنّ التكليف الشرعي والإيجاب الحتمي إنّما وقع في ذلك اليوم ، وكانت تلك النصوص المتقدّمة من قبيل التوطئة ؛ لتُوطَّن النفوس عليها ، وقبولها بعد التكليف بها .

فروي ثقة الإسلام في الكافي (78) ، والصدوق في الفقيه(79) ، عن أبان ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : قال : "يستحبّ الصلاة في مسجد الغدير ; لأنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أقام فيه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وهو موضع أظهر الله عزّ وجلّ فيه الحقّ" .

وروي المشايخ الثلاثة(80) ـ نوّر الله تعالي مضاجعهم ـ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج : قال : "سألت أبا إبراهيم ( عليه السلام ) عن الصلاة في مسجد غدير خُمّ بالنهار وأنا مسافر ، فقال : "صَلِّ فيه ; فإنّ فيه فضلاً ، وقد كان أبي يأمر بذلك" .

وقد ذكر استحباب الصلاة في مسجد الغدير غير واحد من فقهائنا الإماميّة ، مضافاً إلى مَن ذكرتهم ، منهم :

ـ الشيخ الطوسي في النهاية ، قال : "و إذا انتهي [يعنى الحاجّ] إلى مسجد الغدير ، فليدخله ، وليصلِّ فيه ركعتين"(81) .

ـ القاضي ابن البرّاج في المهذّب ، قال : "فمَن توجّه إلى زيارته ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من مكّة بعد حجّه ، فينبغي له إذا أتي مسجد الغدير ... فليدخله ، ويصلّى من ميسرته ما تيسّر له ، ثمَّ يمضى إلى المدينة"(82) .

ـ الشيخ ابن إدريس في السرائر ، قال : "و إذا انتهي [الحاجّ] إلى مسجد الغدير ، دخله وصلّي فيه ركعتين"(83) .

ـ الشيخ ابن حمزة في الوسيلة ، قال : "و صلّي [يعنى الحاجّ] أيضاً في مسجد الغدير ركعتين إذا بلغه"(84) .

ـ الشيخ يحيي بن سعيد في الجامع ، قال : "فإذا أتي [الحاجّ] مسجد الغدير ، دخله وصلّي ركعتين"(85) .

ـ السيّد الحكيم