أبو محمد الصوري
وشعره في الغدير

 

المولود  339  ــ المتوفى 419

 

تأليف
العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني

 


ولائك خير ما تحت الضمير * وأنفس ما تمكن في الصدور
وها أنا بت أحسس منه نارا * أمت بحرها نار السعير
أبا حسن تبين غدر قوم * لعهد الله من عهد (الغدير)
وقد قام النبي بهم خطيبا * فدل المؤمنين على الأمير
5 أشار إليه فيه بكل معنى * بنوه على مخالفة المشير
فكم من حاضر فيهم بقلب * يخالفه على ذاك الحضور
طوى يوم (الغدير) لهم حقودا * أنال بنشرها يوم (الغدير)
فيا لك منه يوما جر قوما * إلى يوم عبوس قمطرير
لأمر سولته لهم نفوس * وغرتهم به دار الغرور
10 ولست من الكثير فيطمئنوا * بأن الله يعفو عن كثير

وله في أهل البيت عليهم السلام:

عيون منعن الرقاد العيونا * جعلن لكل فؤاد فنونا
فكن المنى لجميع الورى * وكن لمن رامهن المنونا
وقلب تقلبه الحادثات * على ما تشاء شمالا يمينا
يصون هواه عن العالمين * ومدمعه يستذل المصونا
5 فمالي وكتمان داء الهوى؟! * وقد كان ما خفته أن يكونا
وكان ابتداء الهوى بي مجونا * فلما تمكن أمسى جنونا


الصفحة 2


 

وكنت أظن الهوى هينا * فلاقيت منه عذابا مهينا
فلو كنت شاهد يوم الوداع * رأيت جفونا تناجي جفونا
فهل ترك البين من أرتجيه * من الأولين والآخرينا؟!
سوى حب آل نبي الهدى * فحبهم أمل والآملينا 10
هم عدتي لوفاتي هم * نجاتي هم الفوز للفائزينا
هم مورد الحوض للواردين * وهم عروة الله للواثقينا
هم عون من طلب الصالحات * فكن بمحبتهم مستعينا
هم حجة الله في أرضه * وإن جحد الحجة الجاحدونا
هم الناطقون هم الصادقون * وأنتم بتكذيبهم كاذبونا 15
هم الوارثون علوم النبي * فما بالكم لهم وارثونا؟!
حقدتم عليهم حقودا مضت * وأنتم بأسيافهم مسلمونا
جحدتم موالاة مولاكم * ويوم (الغدير) لها مؤمنونا
وأنتم بما قاله المصطفى * وما نص من فضله عارفونا
وقلتم: رضينا بما قلته * وقالت نفوسكم: ما رضينا 20
فأيكم كان أولى بها؟! * وأثبت أمرا من الطيبينا؟!
وأيكم كان بعد النبي وصيا؟! ومن كان فيكم أمينا؟!
وأيكم نام في فرشه * وأنتم لمهجته طالبونا؟!
ومن شارك الطهر في طائر * وأنتم بذاك له شاهدونا؟!
لحا الله قوما رأوا رشدكم * مبينا فضلوا ضلالا مبينا 25

وله في أهل البيت عليهم السلام:

ما طول الليل القصيرا * ونهى الكواكب أن تغورا
إلا وفي يده عزيمات * يحل بها الأمورا
ذو مقلة لا تستقل * ضنى وإن أضنت كثيرا
ليست تفتر عن دمي * وترى بها أبدا فتورا
وترى بها ضعفا يريك المستجار المستجيرا 5


الصفحة 3


 

فيما ينازعني عذولا * أو يسامحني عذيرا
أترى بوادر فتنتي * فيما ترى إلا بدورا؟!
لو شاء لاختصر الغرام * بها من اختصر الحصورا
ولقد لبست ثياب نفس - - ك مالكا أو مستعيرا
10 وتمثل الشيطان لي * ليغرني رشؤا غريرا
فخلعتها ولبست ثوب * الفتك سحابا جرورا
ما شئت فاقلع عنه * واستغفر تجد ربا غفورا
ما لم يكن من معشر * غدروا وقد شهدوا الغديرا
وتوامروا ما بينهم * أن ينصبوا فيها أميرا
15 من كل صدر موغر * ملأت ضغائنه الصدورا
مترشح للملك قد * نصبت سريرته السريرا
وتوارثوها ليس تخرج * عنهم شبرا قصيرا
هذا إلى أن قام قايم * آل أحمد مستثيرا
وتسلم الاسلام أقتم مظلما فكساه نورا

[القصيدة]

وله في أهل البيت عليهم السلام:

نكرت معرفتي لما حكم * حاكم الحب عليها لي بدم
فبدت من ناظريها نظرة * أدخلتها في دمي تحت التهم
وتمكنت فأضنيت صى * كان بي منها واسقمت سقم
وصبت بعد اجتناب صفوة * بدلت من قولها: لا. بنعم
وفقدت الوجد فيها والأسى * فتألمت لفقدان الألم
ما لعيني وفؤادي كلما * كتمت باح؟! وإن باحت كتم؟!
طال بي خلفهما فاتفقت * لي هموم في الرزايا وهمم
ورزايا المصطفى في أهله * فاتحات للرزايا وختم
يا بني الزهراء ماذا اكتست * فيكم الأيام من عتب وذم؟!


الصفحة 4


 

يا طوافا طاف طوفان به * وحطيما بقنا الخط حطم 10
أي عهد يرتجى الحفظ له * بعد عهد الله فيكم والذمم؟!
لا تسليت وأنوار لكم * غشيتها من بني حرب ظلم
ركبوا بحر ضلال سلموا * فيه والاسلام فيهم ما سلم
ثم صارت سنة جارية * كل من أمكنه الظلم ظلم
وعجيب إن حقا بكم * قام في الناس وفيكم لم يقم 15
والولا فهو لمن كان على * قول عبد المحسن الصوري قسم
وأبيكم والذي وصى به * لأبيكم جدكم في يوم خم.
لقد احتج على أمته * بالذي نالكم باقي الأمم

* (الشاعر) *

أبو محمد عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب (1) بن غلبون الصوري من حسنات القرن الرابع ونوابغ رجالاته، وقد مد له البقاء إلى أوليات القرن الخامس، جمع شعره بين جزالة اللفظ وفخامة المعنى، كما إنه لا تعدوه رقة الغزل وشدة الجدل، فهو عند الحجاج يدلي بحجته القويمة، وعند الوصف لا يأتي إلا بصورة كريمة، و ديوان شعره المحتوي على خمسة آلاف بيت تقريبا الحافل بالرقايق والحقايق يتكفل البرهنة على هذه الدعاوي، وهو نص في تشيعه كما عده ابن شهر آشوب من شعراء أهل البيت المجاهرين، وما ذكرناه من شعره يمثل روحه المذهبية، ونزعته الطائفية الحميدة، وتعصبه لآل البيت النبوي، واعترافه بحقهم الثابت، ونبذه ما وراء ذلك نبذا لا مرتجع إليه، وفي ديوانه غير ما ذكرناه شواهد وتلويحات لطيفة نحو قوله في صبي اسمه عمر:

نادمني من وجهه روضة * مشرقة يمرح فيه النظر
فانظر معي تنظر إلى معجز * سيف علي بين جفني عمر

وقد ترجمه ابن أبي شبانة في تكملة أمل الآمل وهو لا يترجم إلا المتمسك

____________

(1) في تتميم يتيمة الدهر ج 1 ص 35: طالب. وهو تصحيف.

 


الصفحة 5


 

بحجزة أهل البيت الطاهر، وترجمه الثعالبي في (يتيمة الدهر) ج 1 ص 257 وذكر من شعره 225 بيتا، وأثنى عليه وانتخب من ديوانه أبياتا في (تتميم يتيمته) ج 1 ص 35 وعقد ابن خلكان له ترجمة ضافية أطراه ووصف شعره في ج 1 ص 334، و قال: توفي يوم الأحد تاسع شوال سنة تسع عشرة وأربعمائة وعمره ثمانون أو أكثر، وذكره ابن كثير في تاريخه ج 12 ص 25، ومن شعره في أهل البيت صلوات الله عليهم:

توق إذا ما حرمة العدل جلت * ملامي لتقضي صبوتي ما تمنت
أغرك إن لم تستفزك لوعة * بقلبي ولا استبكاك بين بمقلتي
لك الخير هذا حين شئت تلومني * لجاجا فإلا لمت أيام شرتي
غداة أجيب العيس إذ هي حنت * وأحدو إذا ورق الحمايم غنت
5 وأنتهب الأيام حتى كأنني * أدافع من بعد الحلول منيتي
وأستصغر البلوى لمن عرف الهوى * واستكثر الشكوى وإن هي قلت
أطيل وقوفي في الطلول كأنني * أحاول منها أن ترد تحيتي
ليالي ألقى كل مهضومة الحشى * إذا عدلت فيما جناه تجنت
أصد فيدعوني إلى الوصل طرفها * وإن أنا سارعت الاجابة صدت
10 وإن قلت سقمي وكلت سقم طرفها * بإبطال قولي أو بإدحاض حجتي
وإن سمعت وانار قلبي شناعة * عليها أجابتني بوانار وجنتني
وأصرف همي عن هواها بهمتي * عزوفا فتثنيني إذا ما تثنت
وأنشد بين البين والهجر مهجتي * ولم أدر في أي السبيلين ضلت
وما أحسب الأيام أيام هجرها * تطاولني إلا لتقصر مدتي
15 دعوا الأمة اللاتي استحلت تكن * مع الأمة اللاتي بغت فاستحلت
فما يقتدي إلا بها في اغتصابها * ولا أقتدي إلا بصبر أئمتي
أليس بنو الزهراء أدهى رزية * عليكم إذا فكرتم في رزيتي
حماتي إذا لانت قناتي وعدتي * إذا لمن تكن لي عدة عند شدتي
أقامت لحرب الله حزب أئمة * إذا هي ضلت عن سبيل أضلت
20 قلوب على الدين العتيق تألفت * لهم ومن الحق القديم استملت


الصفحة 6


 

بماذا ترى تحتج يا آل أحمد * على أحمد فيكم إذا ما استعدت؟!
وأشهر ما يروونه عنه قوله: * تركت كتاب الله فيكم وعترتي
ولكن دنياهم سعت فسعوا لها * فتلك التي فلت ضميرا عن التي

وله في أهل البيت سلام الله عليهم:

أصبحوا يفرقون من افراقي * فاستغاثوا في نكستي بالفراق
ما صبرتم لقد بخلتم على المدنف * حقا حتى بطول السياق
راحة ما اعتمدتموها بقتلي * رب خير أتى بغير اتفاق
سوف أمضي وتلحقون ولا علم * لكم ما يكون بعد اللحاق
حيث لا يجمع القضية من يجمع * بين الخصمين ماض وباق 5
ما لهم لا خلقت فيهم فما أغفل * قومي عن الدم المهراق؟!
رب ظهر قلبته مثل ما يقلب * ظهر المجن للإرشاق
بعد ما قادني فلم أدر حتى * صرت ما بين ملتقى الأحداق
وأراني أسير عينيك منهن * فماذا تراه في إطلاقي؟!
مسة من هواك بي لا من الجن * فهل من مغرم أو راق؟! 10
غير أن يبرد احتراقي بوصل * أو بوعد أو أن يبل اشتياقي
أو يعيد الكرى علي كما كان * لا موحشي من خيالك الطراق
ما لنومي كأنه كان في * أول دمعي جرى من الآماق؟!
غير مسترجع فيرجى وهل يرجع * للعين أدمع في سباق؟!
بأبي شادن توثقت بالإيمان * منه قبل شد وثاقي 15
فهو إلا يكن لحرب فحرب * علمته خيانة الميثاق
نفر من أمية نفر الاسلام من بينهم نفور إباق
أنفقوا في النفاق ما غصبوه * فاستقام النفاق بالانفاق
وهي دار الغرور قصر باللوم * فيها تطاول العشاق
وأراها لا تستقيم لذي الزهد إذ المال مال بالأعناق 20
فلهذا أبناء أحمد أبناء علي * طرايد الآفاق


الصفحة 7


 

فقراء الحجاز بعد الغنى الأكبر * أسرى الشام قتلى العراق
جانبتهم جوانب الأرض حتى * خلت أن السماء ذات انطباق
إن اقصر يا آل أحمد أو أغرق * كان التقصير كالإغراق
25 لست في وصفكم بهذا وهذا * لا حقا غير أن تروا إلحاقي
إن أهل السماء فيكم وأهل الأرض * ما دامتا لأهل افتراق
عرفت فضلكم ملائكة الله * فدانت وقومكم في شقاق
يستحقون حقكم زعموا ذلك * - سحقا - لهم من استحقاق
وأرى بعضهم يبايع بعضا * بانتظام من ظلمكم واتساق
30 واستثاروا السيوف فيكم فقمنا * نستثير الأقلام في الأوراق
أي عين؟ لولا القيامة والمرجو * فيها من قدرة الخلاق
فكأني بهم يودون لو أن الخوالي * من الليالي البواقي
ليتوبوا إذا يذادون عن أكرم * حوض عليه أكرم ساق
وإذا ما التقوا تقاسمت النار * عليا بالعدل يوم التلاق
35 قيل: هذا بما كفرتم فذوقوا * ما كسبتم يا بؤس ذاك المذاق

وقال في يوم عاشورا يمدح الإمام الحاكم بأمر الله:

خلا طرفه بالسقم دوني يلازمه * إلى أن رمى سهما فصرت أساهمه
فأصبح بي ما لست أدري أمثله * بجفنيه؟! أم لا يعدل السقم قاسمه؟!
لئن كان أخفى الصدر صدا من الجوى * ففي العين عنواناته وتراجمه
ولم تخفه إن الهوى خف حمله * ولكن لأن النوم ليس يلايمه
5 ويا رب ليل قصر الذكر طوله * فما طلعت حتى تجلت غمائمه
وما نمت فيه غير أن لو سألتني * عن الشغل عنه قلت ما قال نائمه
ولكنه ألقى على الصبح لونه * فوالاه يوم شاحب الوجه ساهمه
كما جاء يوم في المحرم واحد * خبا نوره لما استحلت محارمه
طغت عبد شمس فاستقل محلقا * إلى الشمس من طغيانها متراكمه
10 فمن مبلغ عني أمية إنني * هتفت بما قد كنت عنها أكاتمه؟!


الصفحة 8


 

مضت أعصر معوجة باعوجاجكم * فلا تنكروا إن قوم الدهر قايمه
وجدد عهد المصطفى بعض أهله * وحكم في الدين الحنيفي حاكمه
فيا أيها الباكون مصرع جده * دعوا جده تبكي عليه صوارمه
ألا أيها الثكلى التي من دموعها * إذا هي حيت من قتيل جماجمه
لقد خسر الدارين من صد وجهه * فلا أنت مبقيه ولا الله راحمه 15
حريصا على نار الجحيم كأنه * يخاف على أبوابها من يزاحمه
إلى من تراه فوض الأمر غيركم * إذا أنتم أركانه ودعائمه
فيا لك منها دولة علوية * تبدت بسعد حاكم الدهر خاتمه

[القصيدة]

وله قوله:

بالذي ألهم تعذيبي ثناياك العذابا * والذي ألبس خديك من الورد نقابا
والذي أودع في فيك من الشهد شرابا * والذي صير حظي منك هجرا واجتنابا
ما الذي قالته عيناك لقلبي فأجابا؟! والذي قالته للدمع فواراها انصبابا؟
يا غزالا صاد باللحظ لقلبي فأصابا * عمرك الله بصب لا يرى إلا مصابا

هذه الأبيات توجد في ديوان المترجم فنسبتها إلى (الصنوبري) كما في كشكول البهائي ج 1 ص 23 في غير محله، وأخذ البهائي منها قوله:

يا بدر دجا فراقه القلب أذاب * مذ ودعني فغاب صبري إذ غاب
بالله عليك أي شئ قالت * عيناك لقلبي المعنا فأجاب؟!

وللمترجم الصوري:

سفرن بدورا وانتقبن أهلة * ومسن غصونا والتفتن جواذرا
وأبدين أطراف الشعور تسترا * فأغدرت الدنيا علينا غدايرا
وربتما أطلعن والليل مقبل * شموس وجوه توفف الليل حايرا
فهن إذا ما شئن أمسين أو إذا * تعرضن أن يسبحن كن قوادرا

وقال يرثي شيخ الأمة ابن المعلم أبا عبد الله محمد بن محمد بن نعمان المفيد المتوفى 413:


الصفحة 9


 

تبارك من عم الأنام بفضله * وبالموت بين الخلق ساوى بعدله
مضى مستقلا بالعلوم محمد * وهيهات يأتينا الزمان بمثله

جاء في (بدائع البداية) (1) بإسناده عن بكار بن علي الرياحي أنه قال: لما وصل عبد المحسن الصوري إلى دمشق جاءني المجدي الشاعر فعرفني به وقال: هل لك أن نمضي إليه ونسلم عليه؟ فأجبت وقمت معه حتى أتينا إلى منزله وكان ينزل دائما إذا قدم في سوق القمح وكان بين يديه دكان قطان وفيها رجل أعمى فوقفت به عجوز كبيرة فكلمها بشئ وهي منصتة له فقال المجدي في الحال:

منصتة تسمع ما يقول

فقال عبد المحسن في الحال:

(2) كالخلد لما قابلته الغول

فقال له المجدي: أحسنت والله يا أبا محمد أتيت بتشبيهين في نصف بيت أعيذك بالله. ا هـ

ومن لطيف قول الصوري ما قاله وقد استعير منه كتاب وحبس عليه كما يوجد في ديوانه:

ماذا جناه كتابي فاستحق به * سجنا طويلا وتغييبا عن الناس
فاطلقه نسأله عما كان حل به * في طول سجنك من ضر ومن باس

كتب الشاعر المفلق أحمد بن سلمان الفجري إلى عبد المحسن الصوري:

أعبد المحسن الصوري لم قد * جثمت جثوم منهاض كسير؟!
فإن قلت: العبالة (3) أقعدتني * على مضض وعافت عن مسيري
فهذا البحر يحمل هضب رضوي * ويستثني بركن من ثبير
وأن حاولت سير البر يوما * فلست بمثقل ظهر البعير
إذا استحلى أخوك قلاك يوما * فمثل أخيك موجود النظير
تحرك عل أن تلقى كريما * تزول بقربه إحن الصدور
فما كل البرية من تراه * ولا كل البلاد بلاد صور

____________

(1) وذكره ابن عساكر في تاريخه ج 3 ص 281.

(2) في تاريخ ابن عساكر: كالحلد. وهو كما ترى.

(3) العبالة: الضخامة.


الصفحة 10


 

فأجابه عبد المحسن:

جزاك الله عن ذا النصح خيرا * ولكن جاء في الزمن الأخير
وقد حدت لي السبعون حدا * نهى عما أمرت من المسير
ومذ صارت نفوس الناس حولي * قصارا عذت بالأمل القصير (1)

وقال في صبي اسمه مقاتل وله فيه شعر كثير:

تعلمت وجنته رقية * لعقرب الصدع فما تلسع
صمت عن العاذل في حبه * أذني فمالي مسمع يسمع
ودعته والدمع في مقلتي * في عبرتي مستعجل مسرع
فظن إذ أبصرتها أنها * ساير أعضائي بها تدمع
وقال: هذا قبل يوم النوى * فما ترى بعد النوى تصنع؟!
في غير وقت الدمع ضيعته * قلت: فقلبي عندكم أضيع

وقال في مقاتل أيضا:

احفظ فؤادي فأنت تملكه * واستر ضميري فأنت تهتكه
هجرك سهل عليك أصعبه * وهو شديد علي مسلكه
بسيف عينيك يا مقاتل كم * قتلت قبلي ممن كنت تملكه؟!
أما عزائي فلست آمله * فيك وصبري ما لست أدركه

وقال فيه وهو معذر:

وقف اليل والنهار وقد كان * إذا ما أتى النهار يقر
لا يرى رجعه فيكسب عارا * لا ولا ثم قوة فيفر
أين سلطان مقلتيك علينا؟! * قل له ما يجوز في الحب سمر
أنت فرقت نار خديك حتى * كل قلب صب لها فيه جمر
فبماذا يلقى عذاريك؟ قل لي * سيما أن تدارك الشعر شعر
وعزيز علي إنك بالحرب وبالسلم طول عمرك غر

وخلف المترجم علي أدبه الجم وقريضه البديع ولده عبد المنعم ذكره الثعالبي.

____________

(1) راجع ديوانه، وذكرها الثعالبي في يتيمة الدهر 1 ص 269.
 

***