الصاحب بن عباد
وشعره في الغدير


تأليف
العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني

المولود 326 ــ المتوفى 385


قالت: فمن صاحب الدين الحنيف أجب؟ * فقلت أحمد خير السادة الرسل
قالت: فمن بعده تصفى الولاء له؟ * قلت: الوصي الذي أربى على زحل
قالت: فمن بات من فوق الفراش فدى؟ * فقلت: أثبت خلق الله في الوهل
قالت: فمن ذا الذي آخاه عن مقة؟ فقلت: من حاز رد الشمس في الطفل
قالت: فمن زوج الزهراء فاطمة؟ * فقلت: أفضل من حاف ومنتعل
قالت: فمن والد السبطين إذ فرعا؟ * فقلت: سابق أهل السبق في مهل
قالت: فمن فاز في بدر بمعجزها؟ * فقلت: أضرب خلق الله في القلل
قالت: فمن أسد الأحزاب يفرسها؟ * فقلت: قاتل عمرو الضيغم البطل
قالت: فيوم حنين من فرا وبرا؟ * فقلت: حاصد أهل الشرك في عجل
قالت: فمن ذا دعي للطير يأكله؟ فقلت: أقرب مرضي ومنتحل
قالت: فمن تلوه يوم الكساء أجب؟ * فقلت: أفضل مكسو ومشتمل
قالت: فمن ساد في يوم (الغدير) أبن؟ * فقلت: من كان للاسلام خير ولي
قالت: ففي من أتى في هل أتى شرف؟ * فقلت: أبذل أهل الأرض للنفل
قالت: فمن راكع زكى بخاتمه؟ * فقلت: أطعنهم مذ كان بالأسل
قالت: فمن ذا قسيم النار يسهمها؟ * فقلت: من رأيه أذكى من الشعل
قالت: فمن باهل الطهر النبي به؟ * فقلت: تاليه في حل ومرتحل
قالت: فمن شبه هارون لنعرفه؟ * فقلت: من لم يحل يوما ولم يزل
قالت: فمن ذا غدا باب المدينة قل؟ * فقلت: من سألوه وهو لم يسل


الصفحة 2


 

قالت: فمن قاتل الأقوام إذ نكثوا؟ * فقلت: تفسيره في وقعة الجمل
قالت: فمن حارب الأرجاس إذ قسطوا؟ * فقلت: صفين تبدي صفحة العمل
قالت: فمن قارع الأنجاس إذ مرقوا؟ * فقلت: معناه يوم النهروان جلي
قالت: فمن صاحب الحوض الشريف غدا؟ * فقلت: من بيته في أشرف الحلل
قالت: فمن ذا لواء الحمد يحمله؟ * فقلت: من لم يكن في الروع بالوجل
قالت: أكل الذي قد قلت في رجل؟ * فقلت: كل الذي قد قلت في رجل
قالت: فمن هو هذا الفرد سمه لنا؟ * فقلت: ذاك أمير المؤمنين علي

وله من قصيدة:

يا كفو بنت محمد لولاك ما * زفت إلى بشر مدى الأحقاب
يا أصل عترة أحمد لولاك لم * يك أحمد المبعوث ذا أعقاب
كان النبي مدينة العلم التي * حوت الكمال وكنت أفضل باب
ردت عليك الشمس وهي فضيلة * بهرت فلم تستر بلف نقاب
لم أحك إلا ما روته نواصب * عادتك فهي مباحة الأسلاب
عوملت يا تلو النبي وصنوه * بأوابد جاءت بكل عجاب
قد لقبوك أبا تراب بعد ما * باعوا شريعتهم بكف تراب
لم تعلموا أن الوصي هو الذي * آتي الزكاة وكان في المحراب
لم تعلموا أن الوصي هو الذي * حكم الغدير له على الأصحاب

وله قوله:

وقالوا: علي علا. قلت: لا * فإن العلا بعلي علا
ولكن أقول كقول النبي * وقد جمع الخلق كل الملا
: ألا إن من كنت مولى له * يوالي عليا وإلا فلا

وله من قصيدة قوله:

وكم دعوة للمصطفى فيه حققت * وآمال من عادى الوصي خوائب
فمن رمد آذاه جلاه داعيا * لساعته والريح في الحرب عاصب
من سطوة للحر والبرد رفعت * بدعوته عنه وفيها عجائب


الصفحة 3


 

وفي أي يوم لم يكن شمس يومه * إذا قيل هذا يوم تقضى المآرب؟
أفي خطبة الزهراء لما استخصه * كفاءا لها والكل من قبل طالب؟
أفي الطير لما قد دعا فأجابه * وقد رده عنه غبي موارب؟
أفي رفعه يوم التباهل قدره؟ * وذلك مجد ما علمت مواظب
أفي يوم خم إذ أشاد بذكره؟ * وقد سمع الايصاء جاء وذاهب
أيعسوب دين الله صنو نبيه * ومن حبه فرض من الله واجب
مكانك من فوق الفراقد لائح * ومجدك من أعلى السماك مراقب
وسيفك في جيد الأعادي قلائد * قلائد لم يعكف عليهن ثاقب

* (الشاعر) *

الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني.

قد يرتج القول على صاحبه بالرغم من بلوغه الغاية القصوى من القدرة في تحليل شخصيات كبيرة أتتهم الفضايل من شتى النواحي، واكتنفتهم المزايا الفاضلة من جهات متفرقة، ومن هاتيك النفسيات الكبيرة التي أعيت البليغ حدودها نفسية - الصاحب - فهي تستدعي الافاضة في تحليلها من ناحية العلم طورا، ومن ناحية الأدب تارة، كما تسترسل القول من وجهة السياسة مرة، ومن وجهة العظمة أخرى، إلى جود هامر، وفضل وافر، وشرف صميم، ومذهب قويم، وفضايل لا تحصى ومهما هتف المعاجم بشئ من ذلك فإنه بعض الحقيقة، ولعل في شهرته بهاتيك المآثر جمعاء غنى عن الاطناب في وصفه، وإنك لا تجد شيئا من كتب التراجم إلا وفيه لمع من محامده، ومن أشهرها (يتيمة الدهر) للثعالبي وهو أبسط من كتب فيه من القدماء وقد استوعب فيه 91 صحيفة، وإنما ألفها له ولشعرائه، وأفرد غير واحد من رجال التأليف كتابا في ترجمته منهم:

1 - مهذب الدين محمد بن علي الحلي المزبدي المعروف بأبي طالب الخيمي له كتاب [الديوان المعمور في مدح الصاحب المذكور].


الصفحة 4


 

2 - الشيخ محمد علي بن الشيخ أبي طالب الزاهدي الجيلاني المولود 1103 و المتوفى 1181.

3 - السيد أبو القاسم أحمد بن محمد الحسني الحسيني الاصبهاني، له كتاب [رسالة الارشاد في أحوال الصاحب بن عباد] ألفها سنة 1259.

4 - الأستاذ خليل مردم بك له كتاب في المترجم طبع في مطبعة الترقي 252 صحيفة بدمشق وهو الجزء الرابع من أئمة الأدب الأربعة في أربعة أجزاء.

وبعد هذه الشهرة الطائلة فليس علينا إلا سرد ترجمة بسيطة هي جماع ما في هذه الكتب.

ولد الصاحب في إحدى كور فارس باصطخر أو بطالقان في 16 ذي القعدة سنة 326، وأخذ العلم والأدب عن والده وأبي الفضل ابن العميد. وأبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي، وأبي الفضل العباس بن محمد النحوي الملقب بعرام، وأبي سعيد السيرافي وأبي بكر بن مقسم، والقاضي أبي بكر أحمد بن كامل بن شجرة، و عبد الله بن جعفر بن فارس ويروي عن الأخيرين.

قال السمعاني: إنه سمع الأحاديث من الاصبهانيين والبغداديين والرازيين وحدث، وكان يحث على طلب الحديث وكتابته، وروى عن ابن مردويه أنه سمع الصاحب يقول: من لم يكتب الحديث لم يجد حلاوة الاسلام.

وكان يملي الحديث على خلق كثير فكان المستملي الواحد ينضاف إليه الستة كل يبلغ صاحبه، فكتب عنه الناس الكثير الطيب منهم: القاضي عبد الجبار. والشيخ عبد القاهر الجرجاني. وأبو بكر بن المقري. والقاضي أبو الطيب الطبري. وأبو بكر بن علي الذكواني. وأبو الفضل محمد بن محمد بن إبراهيم النسوي الشافعي.

ثم شاع نبوغه في العلوم وتضلعه في فنون الأدب، واعترف به الشاهد والغائب حتى عده شيخنا بهاء الملة والدين في رسالة غسل الرجلين ومسحهما من علماء الشيعة في عداد ثقة الاسلام الكليني. والصدوق. والشيخ المفيد. والشيخ الطوسي والشيخ الشهيد ونظرائهم. ووصفه العلامة المجلسي الأول في حواشي نقد الرجال بكونه من أفقه فقهاء أصحابنا المتقدمين والمتأخرين، وعده في مقام آخر: من

 


الصفحة 5


 

رؤساء المحدثين والمتكلمين. وأطراه شيخنا الحر العاملي في (أمل الآمل) بأنه محقق متكلم عظيم الشأن جليل القدر في العلم.

كما أن الثعالبي في (فقه اللغة) جعله أحد أئمتها الذين اعتمد عليهم في كتابه أمثال الليث. والخليل. وسيبويه. وخلف الأحمر. وثعلب الاحمثي. وابن الكلبي.

وابن دريد. وعده الأنباري أيضا من علماء اللغة فأفرد له ترجمته في كتابه: طبقات الأدباء النحاة، وكذلك السيوطي في (بغية الوعاة) في طبقات اللغويين والنحاة، ورآه العلامة المجلسي في مقدمة البحار علما في اللغة والعروض والعربية من الإمامية.

م - وقال ابن الجوزي في (المنتظم) 7 ص 180: كان يخالط العلماء والأدباء ويقول لهم: نحن بالنهار سلطان وبالليل إخوان، وسمع الحديث وأملى، وروى أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بكيا قال: سمعت أبا الفضل زيد بن صالح الحنفي يقول: لما عزم الصاحب إسماعيل بن عباد على الاملاء وكان حينئذ في الوزارة خرج يوما متطلسا متحنكا بزي أهل العلم فقال: قد علمتم قدمي في العلم فأقروا له بذلك. فقال: وأنا متلبس بهذا الأمر وجميع ما أنفقته من صغري إلى وقتي هذا من مال أبي وجدي، ومع هذا فلا أخلو من تبعات، أشهد الله وأشهدكم أني تائب إلى الله من كل ذنب أذنبته. واتخذ لنفسه بيتا وسماه بيت التوبة، ولبث أسبوعا على ذلك، ثم أخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته، ثم خرج فقعد للإملاء وحضر الخلق الكثير وكان المستملي الواحد ينضاف إليه ستة كل يبلغ صاحبه، فكتب الناس حتى القاضي عبد الجبار، وكان الصاحب ينفذ كل سنة إلى بغداد خمسة آلاف دينار تفرق في الفقهاء وأهل الأدب وكان لا تأخذه في الله لومة لائم].

وإخباتا إلى علمه وأدبه ألف له غير واحد من الأعلام الأفذاذ تآليف قيمة منهم.

1 - شيخنا الصدوق أبو جعفر القمي ألف له كتابه [عيون أخبار الرضا]

م 2 - الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي كتابه [نفي التشبيه] كذا في لسان الميزان 2 ص 306 نقلا عن فهرست النجاشي، ويظهر من النجاشي ص. 5 إنه غيره ولم يسمه.

3 - الشيخ الحسن بن محمد القمي ألف له كتابه [تاريخ قم] .

 


الصفحة 6


 

4 - أبو الحسن أحمد بن فارس الرازي اللغوي كتابه [الصاحبي].

5 - القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني كتابه [التهذيب].

م 6 - أبو جعفر أحمد بن أبي سليمان داود الصواف المالكي، ألف للصاحب كتابه [الحجر] ووجهه إليه فقال الصاحب: ردوا الحجر من حيث جاء. ثم قبله ووصله عليه، ذكره ابن فرحون في (الديباج المذهب) ص 36]

وللصاحب آثار خالدة في العلم والأدب منها:

1 - كتاب أسماء الله وصفاته.

2 - كتاب نهج السبيل في الأصول.

3 - كتاب الإمامة في تفضيل أمير المؤمنين.

4 - كتاب الوقف والابتداء.

5 - كتاب المحيط في اللغة في عشر مجلدات (1).

6 - كتاب الزيدية.

7 - كتاب المعارف في التاريخ.

8 - كتاب الوزراء.

9 - كتاب القضاء والقدر.

10 - كتاب الروزنامجه. ينقل عنه الثعالبي في (يتيمة الدهر).

11 - كتاب أخبار أبي العيناء.

12 - كتاب تاريخ الملك واختلاف الدول.

13 - كتاب الزيديين.

14 - كتاب جوهرة الجمهرة لابن دريد.

15 - كتاب الاقناع في العروض.

16 - كتاب نقض العروض.

17 - كتاب ديوان رسائله في عشر مجلدات.

18 - كتاب الكافي في الرسائل وفنون الكتابة.

____________

(1) كذا في معجم الأدباء، وفي كشف الظنون: في سبع مجلدات.

 


الصفحة 7


 

19 - كتاب الأعياد وفضايل النيروز.

20 - كتاب ديوان شعره.

21 - كتاب الشواهد.

22 - كتاب التذكرة.

23 - كتاب التعليل.

24 - كتاب الأنوار.

25 - كتاب الفصول المهذبة للعقول.

26 - كتاب رسالة الابانة عن مذهب أهل العدل.

27 - كتاب في الطب.

28 - كتاب في الطب أيضا.

29 - كتاب الكشف عن مساوي شعر المتنبي طبعت بمصر في 26 صحيفة قال الثعالبي في (اليتيمة): ولما عمل الصاحب هذه الرسالة عمل القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني كتابه (الوساطة) بين المتنبي وخصومه في شعره، وقال فيه بعض أدباء نيسابور:

أيا قاضيا قد دنت كتبه * وإن أصبحت داره شاحطه
كتاب (الوساطة) في حسنه * لعقد معاليك كالواسطه

30 - رسالة في فضل سيدنا عبد العظيم الحسني المدفون بالري.

31 - كتاب السفينة نسبها إليه الثعالبي في تتمة اليتيمة.

م 32 - كتاب مفرد في ترجمة الشافعي محمد بن إدريس إمام الشافعية كما في (الكواكب الدرية) ص 263].

م - وشافهني الأستاذ حسين محفوظ الكاظمي بأنه رأى من تآليف الصاحب ما يلي:

1 - الفصول الأدبية والمراسلات العبادية، مرتبة على خمسة عشر بابا في كل باب خمسة عشر فصلا، والنسخة مؤرخة بسنة 628.

2 - رسالة في الهداية والضلالة، مخطوطة بالخط الكوفي، نسخت من نسخة المؤلف وعليها خطه.


الصفحة 8


 

3 - الأمثال السائرة من شعر أبي الطيب المتنبي، وهي 372 بيتا "، والنسخة بخط الباخرزي مؤرخة بسنة 434].

والقارئ جد عليم بأن مؤلف هذه الكتب المتنوعة أحد أفذاذ العلم الذين لم يعدهم أي مقام منيع من الفنون، فهو فيلسوف متكلم فقيه محدث مؤرخ لغوي نحوي أديب كاتب شاعر، فما ظنك بمثله من نابغة جمع الشوارد، وألف بين متفرقات العلوم، وهل تجده إلا في الذروة والسنام من الفضل الظاهر، فحق له هذا الصيت الطاير. والذكر السائر مع الفلك الدائر.

كانت للصاحب مكتبة عامرة وقد نوه بها لما أرسل إليه صاحب خراسان الملك نوح بن منصور الساماني في السير يستدعيه إلى حضرته، ويرغبه في خدمته وبذل البذول السنية، فكان من جملة أعذاره قوله: ثم كيف لي بحمل أموالي مع كثرة أثقالي؟ وعندي من كتب العلم خاصة ما يحمل على أربعمائة حمل أو أكثر.

في (معجم الأدباء) قال أبو الحسن البيهقي: وأنا أقول: بيت الكتب الذي بالري دليل على ذلك بعد ما أحرقه السلطان محمود بن سبكتكين فإني طالعت هذا البيت فوجدت فهرست تلك الكتب عشر مجلدات، فإن السلطان محمود لما ورد إلى الري قيل له: إن هذه الكتب كتب الروافض وأهل البدع فاستخرج منها كل ما كان في علم الكلام وأمر بحرقه.

يظهر من كلام البيهقي هذا أن عمدة الكتب التي أحرقت هي خزانة كتب الصاحب، وهكذا كانت تعبث يد الجور بآثار الشيعة وكتبهم ومآثرهم.

وكان خازن تلك المكتبة ومتوليها أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي المقري المتوفى 381 (1) وأبو محمد عبد الله الخازن بن الحسن الاصبهاني.

وزارته      صلاته      مادحوه:

قال أبو بكر الخوارزمي: الصاحب نشأ من الوزارة في حجرها، ودب ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه:

ورث الوزارة كابرا عن كابر * موصولة الاسناد بالإسناد

____________

(1) توجد ترجمته في الوافي بالوفيات للصفدي 1 ص 341.

 


الصفحة 9


 

يروي عن العباس عباد وزارته * وإسماعيل عن عباد

وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد فقيل له: صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة وبقي علما عليه، وذكر الصابي في كتاب التاجي: أنه إنما قيل له الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة ابن بويه منذ الصبى وسماه الصاحب فاستمر عليه هذا اللقب واشتهر به ثم سمي به كل من ولي الوزارة بعده.

إستكتبه مؤيد الدولة من 347 تقريبا إلى سنة 366 وسافر معه إلى بغداد سنة 347 حتى استوزره من سنة 366، إلى وفاة مؤيد الدولة سنة 373 ثم استوزره أخوه فخر الدولة، وسافر معه إلى الري عاصمة مملكته، ولم يؤل الصاحب جهدا في خدمة أميره وتوسيع مملكته قال الحموي: فتح الصاحب خمسين قلعة سلمها إلى فخر الدولة لم يجتمع عشر منها لأبيه ولا لأخيه.

وله أيام وزارته عطائه الجزل، وسيب يده المتدفق، وبرء المتواصل إلى العلماء والشعراء، قال الثعالبي: حدثني عون بن الحسين قال: كنت يوما في خزانة الخلع للصاحب فرأيت في ثبت حسابات كاتبها - وكان صديقي - مبلغ عمائم الخز التي صارت تلك الشتوة للعلويين والفقهاء والشعراء خاصة غير الخدم والحاشية ثمانمائة وعشرين، وكان ينفذ إلى بغداد في السنة خمسة آلاف دينار تفرق على الفقهاء والأدباء، وكانت صلاته وصدقاته وقرباته في شهر رمضان تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة، فكان لا يدخل عليه في شهر رمضان أحد كائنا من كان فيخرج من داره إلا بعد الافطار عنده، وكانت داره لا تخلو في كل ليلة من لياليه من ألف نفس مفطرة فيها [يتيمة الدهر 3 ص 174].

كان عهده أخصب عهد للعلم والأدب بتقريبه رجالات الفضيلة وتشويقه إياهم وتنشيطهم لنشر بضائعهم الثمينة حتى نفق سوقها، ورايج أمرها، وكثرت طلابها، و نبغت روادها، فكانت قلائد الدرر منها تقابل بالبدر والصرر فمدحه على فضله المتوفر. وجوده المديد الوافر خمسمائة شاعر، تجد مدايحهم مبثوثة في الدواوين والمعاجم،

____________

(1) توجد ترجمته في الوافي بالوفيات للصفدي 1 ص 342.

 


الصفحة 10


 

قال الحموي، حدث ابن بابك قال: سمعت الصاحب يقول: مدحت والعلم عند الله بمائة ألف قصيدة شعرا عربية وفارسية. وقد خلدت تلك القصائد له على صفحة الدهر ذكرا لا يبلى، وعظمة لا يخلقها مر الجديدين ومن أولئك الشعراء:

1 - أبو القاسم الزعفراني عمر بن إبراهيم العراقي له قصائد في الصاحب منها نونية مطلعها:

سواك يعد الغنى واقتنى * ويأمره الحرص أن يخزنا
وأنت ابن عباد ن المرتجى * تعد نوالك نيل المنى

2 - أبو القاسم عبد الصمد بن بابك يمدح الصاحب بقصيدة أولها:

خلعت قلايدها عن الجوزاء * عذراء رقصها لعاب الماء

3 - أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الوزير من آل بويه له قصيدة منها:

أقول وقلبي في ذراك مخيم * وجسمي جنيب للصبا والجنائب
يجاذب نحو الصاحب الشوق مقودي * وقد جاذبتني عنه أيدي الشواذب

4 - الوزير أبو العباس الضبي المتوفى 398 [أحد شعراء الغدير الآتي شعره وترجمته] له قصايد في مدح المترجم.

5 - الكاتب أبو القاسم علي بن القاسم القاشاني كتب إلى الصاحب بقصيدة أولها:

إذا الغيوم أرجفن باسقها * وحف أرجاءها بوارقها

6 - أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي العراقي المتوفى سنة 394 له في الصاحب قصيدة أولها:

رقى العذال أم خدع الرقيب * سقت ورد الخدود من القلوب

وله فيه أرجوزة منها:

فما تحل الوزراء ما عقد * بجهدهم ما قاله وما اجتهد
شتان ما بين الأسود والنقد * هل يستوي البحر الخضم والثمد
أمنيتي من كل خير مستعد * أن يسلم الصاحب لي طول الأبد

7 - القاضي أبو الحسن علي بن العزيز الجرجاني المتوفى سنة 392 له من قصيدة في الصاحب قوله.


الصفحة 11


 

أو ما انثنيت عن الوداع بلوعة * ملأت حشاك صبابة وغليلا؟!
ومدامع تجري فيحسب أن في * آماقهن بنان إسماعيلا؟!
يا أيها القرم الذي بعلوه * نال العلاء من الزمان السولا
قسمت يداك على الورى أرزاقها * فكنوك قاسم رزقها المسئولا

وله فيه قصايد كثيرة أخرى.

8 - أبو الحسن علي بن أحمد الجوهري الجرجاني [أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته] له قصايد كثيرة في الصاحب همزية. رائية. فائية. بائية وغيرها.

9 - أبو الفياض سعد بن أحمد الطبري، له في الصاحب قصايد منها ميمية أولها:

الدمع يعرب ما لا يعرب الكلم * والدمع عدل وبعض القول متهم

10 - أبو هاشم محمد بن داود بن أحمد بن داود بن أبي تراب علي بن عيسى بن محمد البطحائي بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام.

المعروف بالعلوي الطبري له شعر كثير في الصاحب وللصاحب فيه كذلك.

11 - أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي له قصايد في الصاحب ومن قصيدة يمدحه:

ومن نصر التوحيد والعدل فعله * وأيقظ نوام المعالي شمائله
ومن ترك الأخيار ينشد أهله * أحل أيها الربع الذي خف آهله

12 - أبو سعد نصر بن يعقوب له قصيدة في الصاحب مطلعها:

أبي لي أن أبالي بالليالي * وأخشى صرفها فيمن يبالي

13 - السيد أبو الحسين علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن القاسم بن محمد بن القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام صهر الصاحب له قصيدة تربو على الستين بيتا يمدح بها الصاحب خالية من حرف الواو، ذكر الثعالبي في يتيمة الدهر منها 20 بيتا، ومؤلف (الدرجات الرفيعة) 14 بيتا أولها.

برق ذكرت به الحبائب * لما بدى فالدمع ساكب

14 - أبو عبد الله الحسين بن أحمد الشهير بابن الحجاج البغدادي المتوفى 391 [أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته] له فائية يمدح بها الصاحب أولها:


الصفحة 12


 

أيها السائل عني * أنا في حال طريفه

وأخرى مطلعها:

ساق على حسن وجهها تلفي * وسرها ما رأته العين من دنفي

وله نونية في مدحه أولها:

يا عذولي أما أنا * فسبيلي إلى العنا
وحديثي من حقه * في الزمان أن يدونا

15 - أبو الحسن علي بن هارون بن المنجم له قصيدة في الصاحب يصف بها داره بقوله:

وأبوابها أثوابها من نقوشها * فلا ظلم إلا حين ترخى ستورها

16 - الشيخ أبو الحسن بن أبي الحسن صاحب البريد ابن عمة الصاحب له قصيدة يصف بها دارا بناها المترجم بإصبهان وانتقل إليها:

دار على العز والتأييد مبناها * وللمكارم والعلياء مغناها

17 - أبو الطيب الكاتب له في وصف دار الصاحب بإصبهان قصيدة مطلعها:

ودار ترى الدنيا عليها مدارها * تحوز السماء أرضها وديارها

18 - أبو محمد ابن المنجم له رائية يصف بها دار الصاحب مستهلها:

هجرت ولم أنو الصدود ولا الهجرا * ولا أضمرت نفسي الصروف ولا الغدرا

19 - أبو عيسى ابن المنجم يمدح الصاحب بقصيدة يصف داره ويقول:

هي الدار قد عم الأقاليم نورها * ولو قدرت بغداد كانت تزورها

20 - أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن المعلى يصف دار الصاحب بقصيدة أولها:

بي من هواها وإن أظهرت لي جلدا * وجد يذيب وشوق يصدع الكبدا

21 - أبو العلاء الأسدي يمدحه بقصيدة ويصف داره مطلعها:

واسعد بدارك إنها الخلد * والعيش فيها ناعم رغد

22 - أبو الحسن الغويري له قصايد في الصاحب منها قصيدة يصف بها داره بإصبهان أولها:

دار غدت للفضل داره * أفلاك أسعده مداره


الصفحة 13


 

23 - أبو سعيد الرستمي محمد بن محمد بن الحسن الاصبهاني مدح الصاحب بقصائد منها بائية مستهلها:

عقني بالعقيق ذاك الحبيب * فالحشى حشوه الجوى والنحيب

وله من قصيدة لامية يمدح بها الصاحب قوله:

أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعرا * ويحرم ما دون الرضى شاعر مثلي؟!
كما ألحقت واو بعمر وزيادة " * وضويق باسم الله في ألف الوصل

24 - أبو محمد عبد الله بن أحمد الخازن الاصبهاني له قصايد يمدح بها الصاحب أجودها قصيدة مطلعها:

هذا فؤادك نهبى بين أهواء * وذاك رأيك شورى بين آراء

25 - أبو الحسن علي بن محمد البديهي وهو الذي قال فيه صاحبنا المترجم:

تقول البيت في خمسين عاما * فلم لقبت نفسك بالبديهي

له قصايد يمدح بها الصاحب منها لامية أولها:

قد أطعت الغرام فاعص العذولا * ما عسى عائب الهوى أن يقولا

26 - أبو إبراهيم إسمعيل بن أحمد الشاشي العامري، له قصايد صاحبية منها بائية أولها:

سرينا إلى العليا فقيل كواكب * وثرنا إلى الجلي فقيل قواضب

27 - أبو طاهر بن أبي الربيع عمرو بن ثابت له صاحبيات منها جيمية أولها:

أما لصحابي بالعذيب معرج * على دمن أكنافها تتأرج

28 - أبو الفرج الحسين بن محمد بن هند وله صاحبيات منها قصيدة أولها:

لها من ضلوعي أن يشب وقودها * ومن عبراتي أن تفض عقودها

29 - العميري قاضي قزوين، أهدى إلى الصاحب كتبا وكتب معها:

العميري عبد كافي الكفاة * وإن اعتد في وجوه القضاة
خدم المجلس الرفيع بكتب * مفعمات من حسنها مترعات

فوقع الصاحب بقوله:

قد قبلنا من الجميع كتابا * ورددنا لوقتها الباقيات


الصفحة 14


 

لست أستغنم الكثير فطبعي * قول خذ ليس مذهبي قول هات

30 - أبو الرجاء الأهوازي مدح الصاحب لما ورد الصاحب الأهواز ومن قصيدته:

إلى ابن عباد أبي القاسم * الصاحب إسماعيل كافي الكفاة
وتشرب الجند هنيئا بها * من بعد ماء الري ماء الفرات (1)

31 - أبو منصور أحمد بن محمد اللجيمي الدينوري له شعر يمدح به الصاحب.

32 - أبو النجم أحمد الدامغاني المعروف ب (شصت كله) المتوفى سنة 432 له قصيدة بالفارسية مدح بها الصاحب.

33 - الشريف الرضي [أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته] مدح الصاحب بدالية سنة 375 ولم ينفذها إليه، وأخرى سنة 385 قيل وفاة الصاحب بشهر وأنفذها إليه.

34 - القاضي أبو بكر عبد الله بن محمد بن جعفر الأسكي، له شعر في الصاحب ومنه قوله:

كل بر ونوال وصله * واصل منك إلى معتزله
يا بن عباد ستلقى ندما * لفراق الجيرة المرتحله

35 - أبو القاسم غانم بن محمد بن أبي العلا الاصبهاني، له صاحبيات مدحا ورثاء قال الثعالبي في تتميم يتيمته: كان يساير الصاحب يوما فرسم له وصف فرس كان تحته فقال مرتجلا:

طرف تحاول شأوه ريح الصبا * سفها فتعجز أن تشق غباره
بارى بشمس قميصه شمس الضحى * صبغا ورض حجاره بحجاره

36 - أبو بكر محمد بن أحمد اليوسفي الزوزني له صاحبية أولها:

أطلع الله للمعالي سعودا * وأعاد الزمان غضا جديدا

____________

(1) أعجب ما رأيت من تعاليق معجم الأدباء الطبعة الثانية تعليق هذا البيت في ج 6 ص 254 جعل الأستاذ الرفاعي الشطر الثاني في المتن (من بعد ماء الري ماء الصراة) وقال في التعليق: الصراة: نهر بالعراق.
 


الصفحة 15


 

ومنها:

بعث الدهر جنده وبعثنا * نحوه دعوة الإله جنودا
يا عميد الزمان إن الليالي * كدن يتركن كل قلب عميدا
حادثات أردن إحداث هدم * لعلاه فأحدثت تشييدا

وله من أخرى قوله:

سلام عليها إن عيني عندما * أشارت بلحظ الطرف تخضب عندما

37 - أبو بكر يوسف بن محمد بن أحمد الجلودي الرازي له قصيدة صاحبية منها قوله:

رياض كأن الصاحب القرم جادها * بأنوائه أو صاغها من طباعه
يجلي غيابات الخطوب برأيه * كما صدع الصبح الدجى بشعائه

ومنها:

سحاب كيمناه وليل كبأسه * وبرق كماضية وخرق كباعه

38 - أبو طالب عبد السلام بن الحسين المأموني، قال فريد وجدي في (دائرة المعارف) 6 ص 20: مدح الصاحب بقصايد فأعجبه نظمه توفي سنة 383.

39 - أبو منصور الجرجاني، كتب إلى الصاحب قوله:

قل للوزير المرتجى * كافي الكفاة الملتجى
إني رزقت ولدا * كالصبح إذ تبلجا
لا زال في ظلك ظل * المكرمات والحجى
فسمه وكنه * مشرفا متوجا

فوقع الصاحب تحتها بقوله:

هنئته هنئته * شمس الضحى بدر الدجا
فسمه محسنا * وكنه أبا الرجا

40 - الأوسي مدح الصاحب ببائية أنشدها بين يديه فلما بلغ إلى قوله

لما ركبت إليك مهري أنعلت * بدر السماء وسمرت بكواكب

قال له الصاحب. لم أنثت المهر؟ ولم شبهت النعل بالبدر ولا يشبهه؟ ولو

 


الصفحة 16


 

شبهته بالهلال لكان أحسن فإنه علي هيئته فقال: الأوسي: أما تأنيث المهر فلأني عنيت المهرة؟ وأما تشبيهي النعل ببدر السماء فلأني أردت النعل المطبقة.

41 - إبراهيم بن عبد الرحمن المعري مدح الصاحب بقصيدة منها:

قد ظهر الحق وبان الهدى * لمن له عينان أو قلب
مثل ظهور الشمس في حجبها * إذ رفعت عن نورها الحجب
بالملك الأعظم مستبشر * شرق بلاد الله والغرب

42 - محمد بن يعقوب أحد أئمة النحو كتب إلى الصاحب كما في (دمية القصر) 1 ص 301:

قل للوزير أدام الله نعمته * مستخدما لمجاري الدهر والقدر
أردت عبدا وقد أعطيته ولدا * فسمه بأسم من بالعرب مفتخر
وإن وصلت له تشريف كنيته * جمعت بالطول بين الروض والمطر
لا زال ظلك ممدودا ومنتشرا * فإنه خير ممدود ومنتشر
هنيته ابنا يشيع الأنس في البشر * هنيت مقدم هذا الصارم الذكر

43 - محمد بن علي بن عمر أحد أعيان الري قرأ على الصاحب ومدحه برائية.

والأدباء يعبرون عن المترجم وأبي إسحاق الصابي بالصادين كما وقع في قول الشيخ أحمد البربير المتوفى سنة 1226 في كتابه (الشرح الجلي) ص 283 يمدح كاتبا مليحا.

لله كاتبا الذي أنا رقه * وهو الذي لا زال قرة عيني
في ميم مبسمه ولام عذاره * ما بات ينسخ بهجة الصادين

شعره في المذهب:

وللصاحب مراجعات ومراسلات مع مادحيه تجدها في الكتب والمعاجم، وشعره كما سمعت كثير مدون ونحن نقتصر من نظمه الذهبي بما عقد سمط جمانه في المذهب ذكر له الثعالبي في [يتيمة الدهر] ج 3 ص 247:

حب علي بن أبي طالب * هو الذي يهدي إلى الجنة
إن كان تفضيلي له بدعة * فلعنة الله على السنة


الصفحة 17


 

وذكر له في الكتاب:

ناصب قال لي: معاوية خالك * خير الأعمام والأخوال
فهو خال للمؤمنين جميعا * قلت: خال لكن من الخير خالي

وذكر له فقيه الحرمين الكنجي الشافعي المتوفى سنة 658 في (كفاية الطالب) ص 81، والخوارزمي في (المناقب) ص 69.

يا أمير المؤمنين المرتضى * إن قلبي عندكم قد وقفا
كلما جددت مدحي فيكم * قال ذو النصب: نسيت السلفا (1)
من كمولاي علي زاهد * طلق الدنيا ثلاثا ووفى؟!
من دعي للطير أن يأكله؟ * ولنا في بعض هذا مكتفى
من وصي المصطفى عندكم؟ * ووصي المصطفى من يصطفى

وذكر الفقيه الكنجي في الكتاب ص 192، وسبط ابن الجوزي في (تذكرة خواص الأمة) ص 88، والخوارزمي في (المناقب) ص 61.

حب النبي وأهل البيت معتمدي (2) إن الخطوب أساءت رأيها فينا
أيا ابن عم رسول الله أفضل من * ساس الأنام وساد الهاشميينا
يا ندرة الدين يا فرد الزمان أصخ * لمدح مولى يرى تفضيلكم دينا
هل مثل سيفك في الاسلام لو عرفوا؟ * وهذه الخصلة الغراء تكفينا
هل مثل علمك إذ زالوا وإذ وهنوا * وقد هديت كما أصبحت تهدينا؟
هل مثل جمعك للقرآن نعرفه * لفظا ومعنى وتأويلا وتبيينا؟
هل مثل حالك عند الطير تحضره * بدعوة نلتها دون المصلينا؟
هل مثل بذلك للعاني الأسير وللطفل * الصغير وقد أعطيت مسكينا؟
هل مثل صبرك إذ خانوا وإذ ختروا * حتى جرى ما جرى في يوم صفينا؟
هل مثل فتواك إذ قالوا مجاهرة * لولا علي هلكنا في فتاوينا؟
يا رب سهل زياراتي مشاهدهم * فإن روحي تهوى ذلك الطينا

____________

(1) تسب السلفا. الخوارزمي

(2) هذه الأبيات المحكية عن الكتب الثلاث لم توجد في (أعيان الشيعة) سوى ثلاثة منها.


الصفحة 18


 

يا رب صير حياتي في محبتهم * ومحشري معهم آمين آمينا

وذكر ابن شهر آشوب من هذه القصيدة بعد البيت الثاني من أولها:

أنت الإمام ومنظور الأنام فمن * يرد ما قلته يقمع براهينا
هل مثل فعلك في ليل الفراش وقد * فديت بالروح ختام النبيينا؟
هل مثل فاطمة الزهراء سيدة * زوجتها يا جمال الفاطميينا؟
هل مثل برك في حال الركوع وما * بر كبرك برا للمزكينا؟
هل مثل فعلك عند النعل تخصفها * لو لم يكن جاحدوا التفضيل لاهينا؟
هل مثل نجليك في مجد وفي كرم * إذ كونا من سلال المجد تكوينا؟

وله في مناقب الخطيب الخوارزمي ص 105، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 243، وتذكرة خواص الأمة ص 31، ومناقب ابن شهر آشوب، وغيرها قصيدة ولوقوع الاختلاف فيها نجمع بين رواياتها ونشير إلى ما روته رجال العامة ب (ع):

بلغت نفسي مناها * بالموالي آل طه
برسول الله من * حاز المعالي وحواها
وببنت المصطفى من * أشبهت فضلا أباها
(ع) من كمولاي علي * والوغى تحمي لظاها؟
(ع) من يصيد الصيد فيها * بالظبى حتى انتظاها؟
يوم أمضاها عليهم * ثم أمضاها عليهم فارتضاها
(ع) من له في كل يوم * وقعات لا تضاهي؟
(ع) كم وكم حرب ضروس * سد بالمرهف فاها؟
(ع) اذكروا أفعال بدر * لست أبغي ما سواها
(ع) اذكروا غزوة أحد * إنه شمس ضحاها
(ع) اذكروا حرب حنين * إنه بدر دجاها
(ع) اذكروا الأحزاب قدما " * إنه ليث شراها
(ع) اذكروا مهجة عمرو * كيف أفناها شجاها؟
(ع) اذكروا أمر براءة * واخبروني من تلاها؟


الصفحة 19


 

(ع) اذكروا من زوج الزهراء * قد طاب ثراها (1)
(ع) اذكروا بكرة طير * فلقد طار ثناها؟
(ع) اذكروا لي قلل العلم * ومن حل ذراها
(ع) حاله حالة هارون * لموسى فافهماها
(ع) أعلى حب علي * لامني القوم سفاها؟!
(ع) أهملوا قرباه جهلا * وتخطوا مقتضاها
(ع) أول الناس صلاة * جعل التقوى حلاها
(ع) ردت الشمس عليه * بعد ما غاب سناها
(ع) حجة الله على الخلق * شقى من قد قلاها
وبحبي الحسن البالغ * في العليا مداها
والحسين المرتضى * يوم المساعي إذ حواها
ليس فيهم غير نجم * قد تعالى وتناهى
عترة أصبحت الدنيا * جميعا في حماها
ما تحدث عصب البغي * بأنواع عماها
أردت الأكبر بالسم وما كان كفاها
وانبرت تبغي حسينا * وعرته وعراها
منعته شربة والطير قد أروت صداها
فأفاتت نفسه * ياليت روحي قد فداها
بنته تدعوا أباها * أخته تبكي أخاها
لو رأى أحمد ما * كان دهاه ودهاها
لشكا الحال إلى الله * وقد كان شكاها (2)

وله في مناقبي ابن شهر آشوب والخطيب الخوارزمي ص 233 قصيدة نجمع بينهما

____________

(1) في لفظ أهل السنة:

اذكروا من زوج * الزهراء كيما تتباهى

(2) غير واحد من الأبيات لا يوجد في (أعيان الشيعة).


الصفحة 20


 

لاختلافهما في عدد الأبيات ألا وهي:

ما لعلي العلى أشباه * لا والذي لا إله إلا هو
مبناه مبنى النبي تعرفه * وابناه عند التفاخر إبناه
إن عليا علا إلى شرف * لو رامه الوهم ذل مرقاه
(1)أيا غداة الكساء لا تهني * عن شرح علياه إذ تكساه
يا ضحوة الطير تنبئي شرفا * فاز به لا ينال أقصاه
براءة استعملي بلاغك من * أقعد عنه ومن تولاه؟!
يا مرحب الكفر قد أذاقك من * من حد ما قد كرهت ملقاه؟!
يا عمرو من ذا الذي أنالك من * حارة الحتف حين تلقاه؟!
لو طلب النجم ذات أخمصه * علاه والفرقدان نعلاه
أما عرفتم سمو منزله؟! * أما عرفتم علو مثواه؟!
أما رأيتم محمدا حدبا * عليه قد حاطه ورباه؟!
واختصه يافعا وآثره * واعتامه مخلصا وآخاه
زوجه بضعة النبوة إذ * رآه خير امرئ وأتقاه
يا بأبي السيد الحسين وقد * جاهد في الدين يوم بلواه
يا بأبي أهله وقد قتلوا * من حوله والعيون ترعاه
يا قبح الله أمة خذلت * سيدها لا تريد مرضاه
يا لعن الله جيفة نجسا * يقرع من بغضه ثناياه

وله دالية ذكرها الخوارزمي في (المناقب) ص 223، وابن شهر آشوب في مناقبه ونجمع بين الروايتين وهي:

هو البدر في هيجاء بدر وغيره * فرايصه من ذكره السيف ترعد
علي له في الطير ما طار ذكره * وفامت به أعداؤه وهي تشهد
علي له في هل أتى ما تلوتم * على الرغم من آنافكم فتفردوا

____________

(1) هذا البيت وما بعده إلى أربعة أبيات لا توجد في مناقب ابن شهر آشوب بل رواها الخوارزمي.

 


الصفحة 21


 

وكم خبر في خيبر قد رويتم * ولكنكم مثل النعام تشردوا
وفي أحد ولى رجال وسيفه * يسود وجه الكفر وهو مسود
ويوم حنين حن للغل بعضكم * وصارمه عضب الغرار مهند
تولى أمور الناس لم يستغلهم * ألا ربما يرتاب من يتقلد
ولم يك محتاجا إلى علم غيره * إذا احتاج قوم في قضايا تبلدوا
ولا سد عن خير المساجد بابه * وأبوابهم إذ ذاك عنه تسدد
وزوجته الزهراء خير كريمة * لخير كريم فضلها ليس يجحد (1)
وبالحسنين المجد مد رواقه * ولولاهما لم يبق للمجد مشهد
تفرعت الأنوار للأرض منهما * فلله أنوار بدت تتجدد
هم الحجج الغر التي قد توضحت * وهم سرج الله التي ليس تخمد
أو إليكم يا آل بيت محمد * فكلكم للعلم والدين فرقد
وأترك من ناواكم وهو هتكه * ينادى عليه مولد ليس يحمد

وذكر له الحموئي صاحب (فرايد السمطين) في السمط الثاني في الباب الأول:

منايح الله جاوزت أملي * فليس يدركها شكري ولا عملي
لكن أفضلها عندي وأكملها * محبتي لأمير المؤمنين علي

وذكر العلامة المجلسي في (البحار) ج 10 ص 264 نقلا عن بعض الكتب القديمة من قصيدة طويلة له:

أجروا دماء أخي النبي محمد * فلتجر غزر دموعنا ولتهمل
ولتصدر اللعنات غير مزالة * لعداه من ماض ومن مستقبل
وتجردوا لبنيه ثم بناته * بعظايم فاسمع حديث المقتل
منعوا الحسين الماء وهو مجاهد * في كربلاء فنح كنوح المعول
منعوه أعذب منهل وكذا غدا * يردون في النيران أوخم منهل
أيجز رأس ابن النبي وفي الورى * حي أمام ركابه لم يقتل؟
وبنو السفاح تحكموا في أهل حي * على الفلاح بفرصة وتعجل

____________

(1) هذا البيت رواه الخوارزمي ولا يوجد فيما جمع له السيد في (أعيان الشيعة).

 


الصفحة 22


 

نكت الدعي بن الدعي ضواحكا * هي للنبي الخير خير مقبل (1)
تمضي بنو هند سيوف الهند * في أوداج أولاد النبي وتعتلي
ناحت ملائكة السماء لقتلهم * وبكوا فقد اسقوا كؤوس الذبل
فأرى البكاء على الزمان محللا * والضحك بعد الطف غير محلل
كم قلت للأحزان: دومي هكذا * وتنزلي في القلب لا تترحلي

هذه نبذة من شعره في الأئمة عليهم السلام، وفي مناقب ابن شهر آشوب منه نبذ منثورة على أبواب الكتاب جمعها السيد في [أعيان الشيعة] ولمثول الكتابين للطبع وانتشارهما ضربنا عن ذكر جميعها صفحا، ولم نذكر هاهنا إلا الخارج عن الكتابين ولو في الجملة.

قال السيد في (الدرجات الرفيعة): إن الصاحب رحمه الله قال قصيدة معراة من الألف التي هي أكثر الحروف دخولا في المنثور والمنظوم وأولها:

قد ظل يجري صدري * من ليس يعدوه فكري

وهي في مدح أهل بيت عليهم السلام في سبعين بيتا فتعجب الناس، وتداولتها الرواة فسارت مسير الشمس في كل بلدة، وهبت هبوب الريح في البر والبحر، فاستمر الصاحب على تلك الطريقة، وعمل قصايد كل واحدة منها خالية من حرف واحد من حروف الهجاء وبقيت عليه واحدة تكون خالية من الواو فانبرى صهره أبو الحسين علي لعملها وقال قصيدة ليست فيها واو ومدح الصاحب بها وأولها:

برق ذكرت به الحبائب * لما بدى فالدمع ساكب

كان للصاحب خاتمان نقش أحدهما هذه الكلمات:

على الله توكلت * وبالخمس توسلت

ونقش الآخر:

شفيع إسماعيل في الآخرة * محمد والعترة الطاهرة

ذكره الشيخ في المجالس وأشار إليه شيخنا الصدوق في أول (عيون الأخبار)

____________

(1) لم يذكر سيدنا الأمين في أعيان الشيعة من القصيدة إلا هذا البيت.

 


الصفحة 23


 

الصاحب ومذهبه:

إن كون الصاحب من علية الشيعة الإمامية مما لا يمتري فيه أي أحد من علماء مذهبه الحق، كما يشهد بذلك شعره الكثير الوافر في أئمة أهل البيت عليهم السلام ونثره المتدفق منه لوايح الولاية والتفضيل وهو يهتف بقوله:

فكم قد دعوني رافضيا لحبكم * فلم ينثني عنكم طويل عوائهم

وقد نص على مذهبه هذا السيد رضي الدين ابن طاووس في كتاب (اليقين) ومر عن المجلسي الأول أنه من أفقه فقهاء أصحابنا، واقتفى أثره ولده في مقدمات البحار فصرح بأنه كان من الإمامية، وعده القاضي الشهيد في مجالسه من وزراء الشيعة، ويقول شيخنا الحر في أمل الآمل. إنه كان شيعيا إماميا، وعده ابن شهر آشوب في المعالم من شعراء أهل البيت المجاهرين، وشيخنا الشهيد الثاني من أصحابنا، و في (معاهد التنصيص): إنه كان شيعيا جلدا كآل بويه معتزليا، وقبل هذه الشهادات كلها شهادة الشيخين العلمين رئيس المحدثين الصدوق في (عيون أخبار الرضا)، وشيخنا المفيد فيما حكاه عنه ابن حجر في (لسان الميزان) 1 ص 413، ورسالته في أحوال عبد العظيم الحسني المندرجة في خاتمة (المستدرك) 3 ص 614 (1) من جملة الشواهد أيضا، وفي (لسان الميزان) 1 ص 413: كان الصاحب إمامي المذهب و أخطأ من زعم أنه كان معتزليا، وقد قال عبد الجبار القاضي لما تقدم الصلاة عليه : ما أدري كيف أصلي على هذا الرافضي. وعن ابن أبي طي: إن الشيخ المفيد شهد بأن الكتاب الذي نسب إلى الصاحب في الاعتزال وضع على لسانه ونسب إليه وليس هو له.

وهناك نقول متهافتة يبطل، بعضها بعضا تفيد اعتناق الصاحب مذهب الاعتزال تارة وتمذهبه بالشافعية أخرى، وبالحنفية طورا، وبالزيدية مرة، وفي القاذفين من يحمل عليه حقدا يريد تشويه سمعته بكل ما توحي إليه ضغاينه كأبي حيان التوحيدي ومن حكي عنه طرفي نقيض كشيخنا المفيد الذي ذكرنا حكاية ابن حجر عنه بوضع ما نسب إلى الصاحب من الكتاب الذي يدل على الاعتزال، ونقل عنه أيضا نسبته

____________

(1) نقلا عن نسخة بخط بعض بني بابويه مؤرخة بسنة 516.

 


الصفحة 24


 

إلى جانب الاعتزال.

وهذا التهافت في النقل يسقط الثقة بأي النقلين وإن كان النص على تشيعه معتضدا بكلمات العلماء قبله وبعده، والسيد رضي الدين الذي عرفت النص عنه بتشيعه في كتاب (اليقين) فقد نقل عنه حكايته عن الشيخ المفيد وعلم الهدى نسبته إلى الاعتزال، وأنت تعلم أن نصه الأول هو معتقده وهذه حكاية محضة، وقد عرفت حال المحكي عن الشيخ المفيد، وأما السيد المرتضى فالظاهر أن منتزع هذه النسبة إليه هو رده على الصاحب في تعصبه للجاحظ الذي هو من أركان المعتزلة، غير أنا نحتمل أن هذا التعصب كان لأدبه لا لمذهبه كتعصب الشريف الرضي للصابي.

وما وقع إلينا في المحكي عن رسالة (الابانة) للصاحب من إنكار النص على أمير المؤمنين عليه السلام فهو حكاية محضة عمن يقول بذلك بل ما في (الابانة) يكفي بمفرده في إثبات كونه إماميا وإليك نص كلامه مشفوعا " بمقاله في (التذكرة) حول الإمامة.

قال في (الابانة): زعمت العثمانية وطوائف الناصبية أن أمير المؤمنين عليه السلام مفضول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير فاضل واستدلت بأن أبا بكر وعمر وليا عليه وقالت الشيعة العدلية: فقد ولى النبي عليه السلام عليهما عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل فليقولوا: إنه خير منهما، فقالت الشيعة: علي عليه السلام أفضل الناس بعد النبي فلذلك آخى بينه وبينه حين آخى بين أبي بكر وعمر فلم يكن ليختار لنفسه إلا الأفضل، وقد ذكر ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. ثم إنه لم يستثن إلا النبوة وفيه قال: أللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير.

وقد قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه: وعاد من عاداه.

إلى آخر الدعاء.

وبعد: فالفضيلة تستحق بالمسابقة وهو أسبقهم إسلاما وقد قال الله تعالى:

السابقون السابقون أولئك المقربون، وبالجهاد وهو لم يغمد حساما، ولم يقصر إقداما، كشاف الكروب، وفراج الخطوب، ومسعر الحروب، وقاتل مرحب، وقالع باب خيبر، وصارع عمرو بن عبد ود، ومن قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. كرارا غير فرار، وقد قال الله تعالى:


الصفحة 25


 

فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما. وبالعلم والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها. وأثر ذلك بين لأنه عليه السلام لم يسئل من الصحابة أحدا وقد سألوه، ولم يستفتهم وقد استفتوه، حتى أن عمر يقول: لولا علي لهلك عمر، ويقول: لا أعاشني الله لمشكلة ليس لها أبو الحسن، وقد قال الله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. وبالزهد والتقوى والبر والحسنى فإذا كان أعلمهم فهو أتقاهم وقال الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء. وبعد: فهو الذي آثر المسكين واليتيم والأسير على نفسه مخرجا قوته كل ليلة إليهم عند فطره حتى أنزل الله تعالى: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. فأخبر نبيه وعده عليه الجنة. والحديث طويل وفضله كثير، وهو الذي تصدق بخاتمه في ركوعه حتى أنزل الله فيه: إنما وليكم الله ورسوله.

وزعمت طائفة من الشيعة ذاهلة عن تحقيق الاستدلال أن عليا عليه السلام كان في تقية فلذلك ترك الدعوة إلى نفسه. وزعمت أن عليه نصا جليا لا يحتمل التأويل، وقالت العدلية: هذا فاسد، كيف تكون عليه التقية في إقامة الحق وهو سيد بني هاشم؟ وهذا سعد بن عبادة نابذ المهاجرين وفارق الأنصار لم يخش مانعا ودافعا وخرج إلى حوران ولم يبايع، ولو جاز خفاء النص الجلي عن الأمة في مثل الإمامة لجاز أن يتكتم صلاة سادسة وشهر يصام فيه غير شهر رمضان فرضا، وكلما أجمع عليه الأمة من أمر الأئمة الذين قاموا بالحق وحكموا بالعدل صواب، وأما من نابذ عليا عليه السلام وحاربه وشهر سيفه في وجهه فخارج عن ولاية الله إلا من تاب بعد ذلك وأصلح إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. ا هـ.

المراد على ما يفهم من جواب العدلية أن دعوى تقية علي عليه السلام وتركه الدعوة إلى نفسه مع ادعاء النص الجلي عليه زعم فاسد، وإن الاعتقاد بترك الدعوة لا يوافق مع القول بالنص الجلي إذ لو كان لأبان وما ترك الدعوة، والمدعي ذاهل عن تحقيق الاستدلال بما ذكر من الكتاب والسنة فإنه عليه السلام دعا إلى نفسه واحتج بأدلة أوعزت إليها، فنسبة إنكار النص الجلي إلى المترجم بهذه العبارة كما فعله غير واحد في غير محله جدا.


الصفحة 26


 

وقال في ذيل كتابه [التذكرة] ذكر الصاحب رحمه الله في آخر كتاب: (نهج السبيل): إن أمير المؤمنين عليا عليه السلام أفضل الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستدل عليه بأن الأفضلية تستحق بالسابقة والعلم والجهاد والزهد فوق جميعهم، فلا شك أنه متقدمهم وغير متأخر عنهم، وقد سبقهم بمنازلة الأقران، وقتل صناديد الكفار وأعلام الضلالة، وهو الذي آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبينه حين آخى بين أبي بكر وعمر، و رضيه كفوا لسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليهم، ودعا الله أن يوالي من والاه ويعادي من عاداه، وأخبرنا أنه منه بمنزلة هارون من موسى لفضل فيه، وقال عليه السلام: أللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي هذا الطائر، ولا يكون أحبهم إلى الله إلا أفضلهم، وقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وقال: أنا ما سألت الله شيئا إلا سألت لعلي مثله حتى سألت له النبوة فقيل: لا ينبغي لأحد من بعدك، ولم يكن يسألها إلا لفضله. ولهذا استثنى النبوة في حديث: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. فصبر على المحن، وثبت على الشدايد، ولم ترده أيام توليته إلا خشونة في الدين، وأكله للجشب (1) ولبسا للخشن، يستقون من علمه، وما يستقي إلا ممن هو أعلم، خير الأولين وخير الآخرين، عهد إليه في الناكثين والقاسطين والمارقين، وقتل بين يديه عمار بن ياسر المشهود له بالجنة لبصيرته في أمره، وشبهه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعيسى بن مريم عليه السلام كما شبهه بهارون، لا تضرب الأمثال إلا بالأنبياء، وتصدق بخاتمة في ركوعه حتى أنزل فيه: إنما وليكم الله ورسوله. الآية، وآثر المسكين واليتيم والأسير على نفسه حتى أنزل فيه: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، وقال تعالى: إنما أنت منذر ولكل قوم هاد. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أنا المنذر وأنت يا علي الهادي، وقال تعالى: و تعيها أذن واعية وقال صلى الله عليه وآله وسلم: هي أذن علي عليه السلام وجعله الله في الدنيا فصلا بين الإيمان والنفاق حتى قيل: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ببغضهم عليا عليه السلام، وأخبر أنه في الآخرة قسيم الجنة والنار، وقال ابن عباس: ما أنزل الله في القرآن يا أيها الذين آمنوا إلا وعلي سيدها وأبوها وشريفها، وأعلى من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: علي يعسوب المؤمنين، وله ليلة الفراش حين نام عليه في مكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صابرا

____________

(1) جشب الطعام: غلظ.

 


الصفحة 27


 

على ما كان يتوقع من الذبح صحبة إسحاق ذبيح الله حين صبر على ما ظن أنه نازل به من الذبح، وقال فيه مثل عمر بن الخطاب: لولا علي لهلك عمر، ولا أعاشني الله لمشكلة ليس لها أبو الحسن. ودهره كله إسلام وزمانه أجمع إيمان، لم يكفر بالله طرفة عين، عاش في نصرة الاسلام حميدا، ومضى لسبيله شهيدا، جعلنا الله ممن آثر المحبة في القربى، وهدانا للتي هي أحسن وأولى، وحسبنا الله منزل الغيث وفاطر النسم (1).

وقد أبان عن مذهبه الحق [الإمامية] في شعره بقوله:

بالنص فاعقد إن عقدت يمينا * كل اعتقاد الاختيار رضينا
مكن لقول إلهنا تمكينا *: واختار موسى قومه سبعينا

وقال في قصيدته البائية التي مرت:

لم تعلموا أن الوصي هو الذي * آتي الزكاة وكان في المحراب
لم تعلموا أن الوصي هو الذي * حكم (الغدير) له على الأصحاب

وله قوله:

إن المحبة للوصي فريضة * أعني أمير المؤمنين عليا
قد كلف الله البرية كلها * واختاره للمؤمنين وليا

وما في (لسان الميزان) من اشتهاره بذلك المذهب (الاعتزال) وإنه كان داعية إليه فيدفعه تخطأته أولا من زعم أنه من معتنقيه، وما نقله عن القاضي عبد الجبار من أنه لما تقدم للصلاة عليه قال: ما أدري كيف أصلي على هذا الرفضي، وما تكرر في شعره من قذف أعدائه له بالرفض، إلا أن يريد ابن حجر الاشتهار المحض دون الحقيقة فليلتئم مع قوله الآخر.

والذي أرتأيه ويساعدني فيه الدليل أن الصاحب كغيره من أعلام الإمامية كان يوافق المعتزلة في بعض المسائل كمسألة العدل التي تطابقت آراء الشيعة والمعتزلة فيها على مجابهة الأشاعرة في الجبر واستلزامه تجوير الحق تعالى، وإن افترقا من ناحية أخرى في باب التفويض وأمثال هذه، فقد كان يصعب على الباحث التمييز بين

____________

(1) كل ما ذكره الصاحب من الأحاديث في فضل مولانا أمير المؤمنين ثابت وصحيح عند القوم مبثوث في أجزاء كتابنا بأسانيده، أخرجه بها الحفاظ في الصحاح والمسانيد.
 


الصفحة 28


 

الفريقين فيرمى كل فريق باسم قسيمه، ومن هنا أتى الصاحب بهذه القذيفة كغيره من أعلام الطايفة مثل علم الهدى السيد المرتضى وأخيه الشريف الرضي.

وأما نسبته إلى الشافعية فيدفعها عزوه إلى الحنفية، ومن أبدع التناقض قول أبي حيان في كتاب [الامتاع ج 1 ص 55] إنه كان يتشيع لمذهب أبي حنيفة ومقالة الزيدية، وأما انتسابه إلى الزيدية فيدفعه تعداده الأئمة عليهم السلام في شعره كقوله:

بمحمد ووصيه وابنيهما * الطاهرين وسيد العباد
ومحمد وبجعفر بن محمد * وسمي مبعوث بشاطي الوادي
وعلي الطوسي ثم محمد * وعلي المسموم ثم الهادي
حسن وأتبع بعده بإمامة * للقائم المبعوث بالمرصاد

وقوله:

بمحمد ووصيه وابنيهما * وبعابد وبباقرين وكاظم
ثم الرضا ومحمد ثم ابنه * والعسكري المتقي والقائم
أرجو النجاة من المواقف كلها * حتى أصير إلى نعيم دائم

وقوله:

نبي والوصي وسيدان * وزين العابدين وباقران
وموسى والرضا والفاضلان * بهم أرجو خلودي في الجنان

وقوله أرجوزة:

يا زائرا قد قصد المشاهدا * وقطع الجبال والفدافدا
فأبلغ النبي من سلامي * ما لا يبيد مدة الأيام
حتى إذا عدت لأرض الكوفة * البلدة الطاهرة المعروفة
وصرت في الغري في خير وطن * سلم على خير الورى أبي الحسن
ثمة سر نحو بقيع الغرفد * مسلما على أبي محمد
وعد إلى الطف بكربلاء * أهد سلامي أحسن الاهداء
لخير من قد ضمه الصعيد * ذاك الحسين السيد الشهيد


الصفحة 29


 

واجنب إلى الصحراء بالبقيع * فثم أرض الشرف الرفيع
هناك زين العابدين الأزهر * وباقر العلم وثم جعفر
أبلغهم عني السلام راهنا * قد ملأ البلاد والمواطنا
واجنب إلى بغداد بعد العيسا * مسلما على الزكي موسى
واعجل إلى طوس على أهدى سكن * مبلغا تحيتي أبا الحسن
وعد لبغداد بطير أسعد * سلم على كنز التقى محمد
وأرض سامراء أرض العسكر * سلم على علي ن المطهر
والحسن الرضي في أحواله * من منبع العلوم في أقواله
فإنهم دون الأنام مفزعي * ومن إليهم كل يوم مرجعي

وله أرجوزة أخرى يعد فيها الأئمة الهداة ويسميهم. م - وقصيدة في الإمام أبي الحسن الرضا ثامن الحجج صلوات الله عليهم، تذكر في مقدمة (عيون الأخبار) لشيخنا الصدوق، وقصيدة أخرى فيه عليه السلام أيضا ألا وهي،

يا زائرا قد نهضا * مبتدرا قد ركضا
وقد مضى كأنه * البرق إذا ما أومضا
أبلغ سلامي زاكيا * بطوس مولاي الرضا
سبط النبي المصطفى * وابن الوصي المرتضى
5 من حاز عزا أقعسا * وشاد مجدا أبيضا
وقل له عن مخلص * يرى الولا مفترضا
: في الصدر نفح حرقة * تترك قلبي حرضا
من ناصبين غادروا * قلب الموالي ممرضا
صرحت عنهم معرضا * ولم أكن معرضا
10 نابذتهم ولم أبل * إن قيل: قد ترفضا
يا حبذا رفضي لمن * نابذكم وأبغضا
ولو قدرت زرته * ولو على جمر الغضا
لكنني معتقل * بقيد خطب عرضا


الصفحة 30


 

جعلت مدحي بدلا * من قصده وعوضا
أمانة مورده * على الرضا ليرتضى 15
رام بن عباد بها * شفاعة لن تدحضا

نوادر فيها المكارم:

1 - يحكى أن الصاحب استدعى في بعض الأيام شرابا فأحضروا قدحا فلما أراد أن يشربه قال له بعض خواصه: لا تشربه فإنه مسموم - وكان الغلام الذي ناوله واقفا - فقال للمحذر: ما الشاهد على صحة قولك؟ فقال: تجربه في الذي ناولك إياه. قال: لا أستجيز ذلك ولا استحله. قال: فجر به في دجاجة قال: التمثيل بالحيوان لا يجوز. ورد القدح وأمر بقلبه، وقال: للغلام انصرف عني ولا تدخل داري، وأمر بإقرار جارية وجرايته عليه، وقال لا يدفع اليقين بالشك، والعقوبة بقطع الرزق نذالة.

2 - كتب إليه بعض العلويين يخبره بأنه قد رزق مولودا ويسأله أن يسميه ويكنيه فوقع في رقعته:

أسعدك الله بالفارس الجديد، والطالع السعيد، فقد والله ملأ العين قرة، و النفس مسرة مستقرة، والاسم علي ليعلي الله ذكره، والكنية أبو الحسن ليحسن الله أمره، فإني أرجو له فضل جده، وسعادة جده، وقد بعثت لتعويذه دينارا من مائة مثقال، قصدت به مقصد الفال، رجاء أن يعيش مائة عام، ويخلص خلاص الذهب الأبرز من نوب الأيام، والسلام.

3 - كتب بعض أصحاب الصاحب إليه رقعة في حاجة فوقع فيها، ولما ردت إليه لم ير فيها توقيعا، وقد تواترت الأخبار بوقوع التوقيع فيها، فعرضها على أبي العباس الضبي فم أزال يتصفحها حتى عثر بالتوقيع وهو ألف واحدة، وكان في الرقعة:

فإن رأى مولانا أن ينعم بكذا؟ فعل. فأثبت الصاحب أمام (فعل) ألفا يعني: أفعل.

4 - كتب الصاحب إلى أبي هاشم العلوي وقد أهدى إليه في طبق فضة عطرا:

العبد زارك نازلا برواقكا * يستنبط الاشراق من إشراقكا
فاقبل من الطيب الذي أهديته * ما يسرق العطار من أخلاقكا
والظرف يوجب أخذه مع ظرفه * فأضف به طبقا إلى أطباقكا


الصفحة 31


 

5 - نظر أبو القاسم الزعفراني يوما إلى جميع من فيها من الخدم والحاشية عليهم الخزوز الفاخرة الملونة فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئا فسأل الصاحب عنه، فقيل: إنه في مجلس كذا يكتب. فقال: علي به. فاستهل الزعفراني ريثما يكمل مكتوبه فأعجله الصاحب، وأمر بأن يؤخذ ما في يده من الدرج، فقام الزعفراني إليه وقال:

أيد الله الصاحب.

اسمعه ممن قاله تزدد به * عجبا فحسن الورد في أغصانه

قال: هات يا أبا القاسم. فأنشده أبياتا منها:

سواك يعد الغنى ما اقتنى * ويأمره الحرص أن يخزنا
وأنت ابن عباد ن المرتجى * تعد نوالك نيل المنى
وخيرك من باسط كفه * وممن ثناها قريب الجنى
غمرت الورى بصنوف الندى * فأصغر ما ملكوه الغنى
وغادرت أشعرهم مفحما * وأشكرهم عاجزا الكنا
أيا من عطاياه تهدي الغنى * إلى راحتي من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرين * كسى لم يخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون في * ضروب من الخز إلا أنا
ولست أذكر لي جاريا * على العهد يحسن أن يحسنا

فقال الصاحب قرأت في أخبار معن بن زائدة: أن رجلا قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثم قال له: لو علمت أن الله تعالى خلق مركوبا غير هذه لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخز بجبة، وقميص.

ودراعة. وسراويل وعمامة. ومنديل. ومطرف. ورداء. وجورب، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه، ثم أمر بإدخاله الخزانة، وصب تلك الخلع عليه، وتسليم ما فضل عن لبسه في الوقت إلى غلامه.

6 - كتب أبو حفص الوراق الاصبهاني إلى الصاحب: لولا أن الذكرى أطال الله بقاء مولانا الصاحب الجليل - تنفع المؤمنين: وهزة الصمصام تعين المصلتين لما ذكرت ذاكرا، ولا هززت ماضيا، ولكن ذا الحاجة لضرورته يستعجل النجح،

 


الصفحة 32


 

ويكد الجواد السمح، وحال عبد مولانا أدام الله تأييده في الحنطة مختلفة، وجرذان داره عنها منصرفة، فإن رأى أن يخلط عبده بمن أخصب رحله، ولم يشد رحله؟ فعل إن شاء الله تعالى، فوقع الصاحب فيه:

أحسنت أبا حفص قولا، وسنحسن فعلا، فبشر جرذان دارك بالخصب: و أمنها من الجدب، فالحنطة تأتيك في الأسبوع، ولست عن غيرها من النفقة بممنوع إن شاء الله تعالى.

7 - عن أبي الحسن العلوي الهمداني الشهير بالوصي إنه قال: لما توجهت تلقاء الري في سفارتي إليها من جهة السلطان فكرت في كلام ألقى به الصاحب، فلم يحضرني ما أرضاه، حين استقبلني في العسكر، وأفضى عناني إلى عنانه جرى على لساني:

(ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم). فقال: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندوني، ثم قال: مرحبا بالرسول ابن الرسول، الوصي ابن الوصي.

8 - مرض الصاحب في الأهواز بإسهال فكان إذا قام عن الطست ترك إلى جانبه عشرة دنانير، حتى لا يتبرم به الخدم، فكانوا يودون دوام علته، ولما عوفي تصدق بنحو من خمسين ألف دينار.

9 - في (اليتيمة) عن أبي نصر ابن المرزبان إنه قال: كان الصاحب إذا شرب ماء بثلج أنشد على أثره:

قعقعة الثلج بماء عذب * تستخرج الحمد من أقصى القلب

ثم يقول: أللهم جدد اللعن على يزيد.

10 - في (معجم الأدباء) كان ابن الحضيري يحضر مجلس الصاحب بالليالي فغلبته عينه ليلة فنام وخرجت منه ريح لها صوت، فخجل وانقطع عن المجلس، فقال الصاحب: أبلغوه عني:

يا بن الحضيري لا تذهب على خجل * لحادث كان مثل الناي والعود
فإنها الريح لا تسطيع تحبسها * إذ لست أنت سليمان بن داود


الصفحة 33


 

غرر كلم للصاحب

تجري مجرى الأمثال

من استماح البحر العذب، استخرج اللؤلؤ الرطب.

من طالت يده بالمواهب، إمتدت إليه ألسنة المطالب.

من كفر النعمة، استوجب النقمة.

من نبت لحمه على الحرام، لم يحصده غير الحسام.

من غرته أيام السلامة، حدثته ألسن الندامة.

من لم يهزه يسير الإشارة، لم ينفعه كثير العبارة.

رب لطائف أقوال، تنوب عن وظائف أموال.

الصدر يطفح بما جمعه، وكل إناء مؤد ما أودعه.

اللبيب تكفيه اللمحة، وتغنيه اللحظة عن اللفظة.

الشمس قد تغيب ثم تشرق، والروض قد يذبل ثم يورق.

البدر يأفل ثم يطلع، والسيف ينبو ثم يقطع.

العلم بالتذاكر، والجهل بالتناكر.

إذا تكرر الكلام على السمع، تقرر في القلب.

الضمائر الصحاح أبلغ من الألسنة الفصاح.

الشيئ يحسن في إبانه، كما أن الثمر يستطاب في أوانه.

الآمال ممدودة، والعواري مردودة.

الذكرى ناجعة، وكما قال الله تعالى نافعة.

متن السيف لين، ولكن حده خشن، ومتن الحية ألين، ونابها أخشن

عقد المنن في الرقاب لا يبلغ إلا بركوب الصعاب.

بعض الحلم مذلة، وبعض الاستقامة مزلة.

كتاب المرء عنوان علقه، بل عيار قدره، ولسان فضله، بل ميزان علمه.


الصفحة 34


 

إنجاز الوعد من دلائل المجد واعتراض المطل من إمارات البخل، وتأخير الاسعاف من قرائن الأخلاف.

خير البر ما صفا وضفا، وشره ما تأخر وتكدر.

فراسة الكريم لا تبطي، وقيافة الشر لا تخطي.

قد ينبح الكلب القمر؟ فليلقم النابح الحجر.

كم متورط في عثار رجاء أن يدرك بثار.

بعض الوعد كنقع الشراب، وبعضه كلمع السراب.

قد يبلغ الكلام حيث تقصر السهام.

ربما كان الاقرار بالقصور أنطق من لسان الشكور.

ربما كان الامساك عن الاطالة أوضح في الابانة والدلالة.

لكل امرئ أمل، ولكل وقت عمل.

إن نفع القول الجميل، والأنفع السيف الصقيل.

شجاع ولا كعمرو، مندوب ولا كصخر.

لا يذهبن عليك تفاوت ما بين الشيوخ والأحداث، والنسور والبغاث.

كفران النعم عنوان النقم.

جحد الصنائع داعية القوارع.

تلقي الاحسان بالجحود تعريض النعم للشرود.

قد يقوى الضعيف، ويصحو النزيف، ويستقيم المائد، ويستيقظ الهاجد.

للصدر نفثة إذا أحرج، وللمرء بثة إذا أحوج.

ما كل امرء يستجب للمراد، ويطيع يد الارتياد.

قد يصلي البرئ بالقسيم، ويؤخذ البر بالأثيم.

ما كل طالب حق يعطاه، ولا كل شائم مزن يسقاه.

وقد أكثر الثعالبي في ذكر أمثال هذه الكلم الحكمية في (يتيمة الدهر) و ذكرها برمتها سيدنا الأمين في (أعيان الشيعة).

هذا مثال الشيعة وهذه أمثلته، هذا وزير الشيعة وهذه حكمه، هذا فقيه

 


الصفحة 35


 

الشيعة وهذا أدبه، هذا عالم الشيعة وهذه كلمه، هذا متكلم الشيعة وهذا مقاله، هؤلاء رجال الشيعة وهذه مآثرهم وآثارهم، هكذا فليكن شيعة آل الله وإلا فلا.

وفاته:

توفي الصاحب ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة 385 بالري ولما توفي عطلت المدينة وأسواقها، واجتمع الناس على باب قصره، وينتظرون خروج جنازته، وحضر فخر الدولة وسائر القواد، وقد غيروا بزاتهم، فلما خرج نعشه من الباب على أكتاف حامليه للصلاة عليه قام الناس بأجمعهم إعظاما، وصاحوا صيحة واحدة، وقبلوا الأرض، وخرقوا ثيابهم، ولطموا وجوههم، وبلغوا في البكاء و النحيب عليه جهدهم، وصلى عليه أبو العباس الضبي، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة وقعد في بيته للعزاء أياما، وبعد الصلاة عليه علق نعشه بالسلاسل في بيت إلى أن نقل إلى إصفهان فدفن في قبة هناك تعرف بباب درية (1) قال ابن خلكان: وهي عامرة إلى الآن وأولاد بنته يتعاهدونها بالتبييض. وقال السيد في (روضات الجنات) قلت: بل وهي عامرة إلى الآن، وكان أصابها تشعث وانهدام فأمر الإمام العلامة محمد إبراهيم الكرباسي في هذه الأيام بتجديد عمارتها، ولا يدع زيارتها مع ما به من العجز في الأسبوع والشهر والشهرين، وتدعى في زماننا بباب الطوقچي والميدان العتيق، و الناس يتبركون بزيارته، ويطلبون عند قبره الحوائج من الله تعالى.

قال الثعالبي في (اليتيمة): لما كنى المنجمون عما يعرض عليه له في سنة موته قال الصاحب:

يا مالك الأرواح والأجسام * وخالق النجوم والأحكام
مدبر الضياء والظلام * لا المشترى أرجوه للانعام
ولا أخاف الضر من بهرام * وإنما النجوم كالأعلام
والعلم عند الملك العلام * يا رب فاحفظني من الأسقام
ووقني حوادث الأيام * وهجنة الأوزار والآثام

____________

(1) بفتح الدال المهملة وكسر الراء كذا ضبطها السيد في أعيان الشيعة، وتجدها في (اليتيمة) وغيرها بالذال المجمعة كما يأتي بعيد هذا في شعر أبي منصور اللجيمي.

 


الصفحة 36


 

هبني لحب المصطفى المعتام * وصنوه وآله الكرام

ورثي الصاحب بقصايد كثيرة منها نونية أبي منصور أحمد بن محمد اللجيمي منها (1):

أكافينا العظيم إذا وردنا * ومولانا الجسيم إذا فقدنا
أردنا منك ما أبت الليالي * فأبطل ما أرادت ما أردنا
شققت عليك جيبي غير راض * به لك فاتخذت الوجد خدنا
ولو أني قتلت عليك نفسي * لكان إلى قضاء الحق أدنى
أفدنا شرح أمر فيه لبس * فإنا صائبا كنا استفدنا
ألم تلك منصفا عدلا؟ فأني * عمرت حفيرة وقلبت مدنا
وكيف تركت هذا الخلق حالت * خلائقهم فليس كما عهدنا؟!
تملكنا اللئام وصيرونا * عبيدا بعد ما كنا عبدنا
لئن بلغت رزيته قلوبا * فذبن أو أعينا منا فجدنا
لما بلغت حقائقها ولكن * على الأيام نعرف من فقدنا

وله في رثائه من قصيدة (2):

مضى من إذا ما أعوز العلم والندى * أصيبا جميعا من يديه وفيه
مضى من إذا أفكرت في الخلق كلهم * رجعت ولم أظفر له بشبيه
ثوى الجود والكافي معا في حفيرة * ليأنس كل منهما بأخيه
هما اصطحبا حيين ثم تعانقا * ضجيعين في قبر بباب ذريه

قد يعزى بعض هذه الأبيات إلى أبي القاسم بن أبي العلاء الاصبهاني مع حكاية طيف عنه.

ومنها نونية أبي القاسم بن أبي العلاء الاصفهاني ذكر منها الثعالبي في (يتيمة الدهر) ج 3 ص 263 قوله:

يا كافي الملك ما وفيت حظك من * وصف وإن طال تمجيد وتأبين

____________

(1) يتيمة الدهر ج 4 ص 375.

(2) يتيمة الدهر ج 4 ص 375.


الصفحة 37


 

فقت الصفات فما يرثيك من أحد * إلا وتزيينه إياك تهجين
ما مت وحدك لكن مات من ولدت * حواء طرا بل الدنيا بل الدين
هذي نواعي العلا مذ مت نادبة * من بعد ما ندبتك الخرد العين
تبكي عليك العطايا والصلات كما * تبكي عليك الرعايا والسلاطين
قام السعاة وكان الخوف أقعدهم * فاستيقظوا بعد ما مت الملاعين
لا يعجب الناس منهم إن هم انتشروا * مضى سليمان وانحل الشياطين

ومنها دالية أبي الفرج بن ميسرة ذكر منها الثعالبي في [اليتيمة] ج 3 ص 254 قوله:

ولو قبل الفداء لكان يفدى * وإن حل المصاب على التفادي
ولكن المنون لها عيون * تكد لحاظها في الانتقاد
فقل للدهر: أنت أصبت فالبس * برغمك دوننا ثوبي حداد
إذا قدمت خاتمة الرزايا * فقد عرضت سوقك للكساد

ومنها دالية لأبي سعيد الرستمي ذكر الثعالبي منها قوله:

أبعد ابن عباس يهش إلى السرى * أخو أمل أو يستماح جواد؟!
أبى الله إلا أن يموتا بموته * فما لهما حتى المعاد معاد

ومنها لأمية أبي الفياض سعيد بن أحمد الطبري ذكرها الثعالبي في (اليتيمة) ج 3 ص 254.

خليلي كيف يقبلك المقيل؟ * ودهرك لا يقيل ولا يقيل
ينادي كل يوم في بنيه *: ألا هبوا فقد جد الرحيل
وهم رجلان منتظر غفول * ومبتدر إذا يدعى عجول
كأن مثال من يفنى ويبقى * رعيل سوف يتلوه رعيل
5 فهم ركب وليس لهم ركاب * وهم سفر وليس لهم قفول
تدور عليهم كأس المنايا * كما دارت على الشرب الشمول
ويحدوهم إلى الميعاد حاد * ولكن ليس يقدمهم دليل
ألم تر من مضى من أولينا * وغالتهم من الأيام غول


الصفحة 38


 

قد احتالوا فما دفع الحويل * وأعولنا فما نفع العويل؟!؟!
كذاك الدهر أعمار تزول * وأحوال تحول ولا تؤول 10
لنا منه وإن عفنا وخفنا * رسول لا يصاب لديه سول
وقد وضح السبيل فما لخلق * إلى تبديله أبدا سبيل
لعمرك إنه أمد قصير * ولكن دونه أمد طويل
أرى الاسلام أسلمه بنوه * وأسلمهم إلى وله يهول
أرى شمس النهار تكاد تخبو * كأن شعاعها طرف كليل 15
أرى القمر المنير بدا ضئيلا * بلا نور فأضناه النحول
أرى زهر النجوم محدقات * كأن سراتها عور وحول
أرى وجه الزمان وكل وجه * به مما يكابده فلول
أرى شم الجبال لها وجيب * تكاد تذوب منه أو تزول
وهذا الجو أكلف مقشعر * كأن الجو من كمد عليل 20
وهذي الريح أطيبها سموم * إذا هبت وأعذبها بليل
وللسحب الغزار بكل فج * دموع لا يزار بها المحول
نعى الناعي إلى الدنيا فتاها * أمين الله فالدنيا ثكول
نعى كافي الكفاة فكل حر * عزيز بعد مصرعه دليل
نعى كهف العفاة فكل عين * بما تقذي العيون به كحيل 25
كأن نسيم تربته سحيرا * نسيم الروض تقبله القبول
إذا وافى أنوف الركب قالوا *: سحيق المسك أم ترب مهيل؟!
آيا قمر المكارم والمعالي * أبن لي كيف عاجلك الأفول؟!
أبن لي كيف هالك ما يهول * وغالك بعد عزك ما يغول؟!؟!
ويا من ساس أشتات البريا * وألجم من يقول ومن يصول 30
أدلت على الليالي من شكاها * وقد جارت عليك فمن يديل
بكاك الدين والدنيا جميعا * وأهلهما كما يبكى الحمول
بكتك البيض والسمر المواضي * وكنت تعولها فيمن تعول


الصفحة 39


 

بكتك الخيل معولة ولكن * بكاها حين تندبك الصهيل
35 قلوب العالمين عليك قلب * وحظك من بكائهم قليل
ولي قلب لصاحبه وفي * يسيل وتحته روح تسيل
إذا نظمت يدي في الطرس بيتا * محاه منه منتظم هطول
فإن يك رك شعري من ذهولي * فذلك بعض ما يجني الذهول
كتبت بما بكيت لأن دمعي * عليك الدهر فياض همول
40 وكنت أعد من روحي فداء * لروحك إن أريد لها بديل
أأحيا بعده وأقر عينا * حياتي بعده هدر غلول
حياتي بعده موت وحي * وعيشي بعده سم قتول
عليك صلاة ربك كل حين * تهب بها من الخلد القبول

ومنها ميمية أبي القاسم غانم بن محمد بن أبي العلا الاصبهاني يقول فيها: (1)

مضى نجل عباد المرتجى * فمات جميع بني آدم
أوارى بقبرك أهل الزمان * فيرجح قبرك بالعالم

وله من قصيدة أخرى في رثاء الصاحب يقول فيها:

هي نفس فرقتها زفراتي * ودماء أرقتها عبراتي
لشباب عذب المشارع ماض * ومشيب جذب المراتع آت
زمن أذرت الجفون عليه * من شؤوني ما كان ذوب حياتي
تتلاقى من ذكره في ضلوعي * ودموعي مصايف ومشاتي
جاد تلك العهود كل أجش الودق * ثر الاخلاف جون السرات
بل ندى الصاحب الجليل أبي القاسم * نجل الأمير كافي الكفاة
تتبارى كلتا يديه عطايا * ومنايا حتما لعاف وعات
ضامنا سيبه لغنم مفاد * موذنا سيفه بروح مفات
وارتياح يريك في كل عطف * ألف ألف كطلحة الطلحات
ويد لا تزال تحت شكور * لاثم ظهرها وفوق دواة

____________

(1) تتميم يتيمة الدهر ج 1 ص 120.

 


الصفحة 40


 

ومنها تائية رثاه بها صهره السيد أبو الحسن علي بن الحسين الحسني أولها (1).

ألا إنها أيدي المكارم شلت * ونفس المعالي إثر فقدك سلت
حرام على الظلماء إن هي قوضت * (2) وحجر على شمس الضحى أن تجلت
لتبك على كافي الكفاة مآثر * تباهي النجوم الزهر في حيث حلت
لقد فدحت فيه الرزايا وأوجعت * كما عظمت منه العطايا وجلت
ألا هل أتى الآفاق آية غمة * أطلت؟! ونعمي أي دهر تولت؟!
وهل تعلم الغبراء ماذا تضمنت * وأعواد ذاك النعش ماذا أفلت؟!؟!
فلا أبصرت عيني تهلل بارق * يحاكي ندى كفيك إلا استهلت
ولو قبلت أرواحنا عنك فدية * لجدنا بها عند الفداء وقلت

وقال السيد أبو الحسن محمد بن الحسين الحسني المعروف بالوصي الهمداني المترجم في يتيمة الدهر في رثائه:

مات الموالي والمحب * لأهل بيت أبي تراب
قد كان كالجبل المنيع * لهم فصار مع التراب (3)

وله في رثائه:

نوم العيون على الجفون حرام * ودموعهن مع الدماء سجام
تبكي الوزير سليل عباد العلا * والدين والقرآن والاسلام
تبكيه مكة والمشاعر كلها * وحجيجها والنسك والاحرام
تبكيه طيبة والرسول ومن بها * وعقيقها والسهل والأعلام
كافي الكفاة قضى حميدا نحبه * ذاك الإمام السيد الضرغام
مات المعالي والعلوم بموته * فعلى المعالي والعلوم سلام

ورثاه سيدنا الشريف الرضي [الآتي ذكره في شعراء القرن الخامس] بقصيدة

____________

(1) ذكرها له الحموي في معجم الأدباء والسيد في (الدرجات الرفيعة)

(2) الحجر المنع.

(3) ذكرهما له في ترجمته الثعالبي في (اليتيمة) ج 3 ص 260.


الصفحة 41


 

شرحها أبو الفتح عثمان بن جني المتوفى 392 في مجلد واحد كما ذكره الحموي في (معجم الأدباء) 5 ص 31، ولنشر القصيدة في ديوان ناظمه الشريف وفي غير واحد من المعاجم نضرب عنها صفحا أولها:

أكذا المنون يقطر الأبطالا؟! * أكذا الزمان يضعضع الأجيالا؟!
أكذا تصاب الأسد وهي مدلة * تحمي الشبول وتمنع الأغيالا؟!
أكذا تقام على الفرائس بعدما * ملأت هماهمها الورى أوجالا؟!
أكذا تحط الزاهرات عن العلى * من بعد ما شأت العيون منالا؟!

[القصيدة 112 بيتا]

ومر أبو العباس الضبي بباب الصاحب بعد وفاته فقال:

أيها الباب لم علاك اكتئاب؟! * أين ذاك الحجاب والحجاب؟!
أين من كان يفزع الدهر منه؟! * فهو اليوم في التراب تراب

لا يذهب على القارئ أن استدلال مثل الصاحب أحد عمد مراجع اللغة والأدب على أفضلية أمير المؤمنين نظما ونثرا بحديث (الغدير) حجة قوية على صحة إرادة معنى للمولى لا يبارح الإمامة والخلافة كما أراد هو.

مصادر ترجمة الصاحب:

يتيمة الدهر 3 ص 169 - 267

     

فهرست ابن النديم ص 194

أنساب السمعاني. معالم العلماء

     

محاسن إصبهان للمافروخي الاصبهاني

نزهة الألباء في طبقات الأدباء

     

كامل ابن الأثير 9 ص 37

معجم الأدباء 6 ص 168 - 317

     

المنتظم لابن الجوزي 7 ص 179

تجارب السلف لابن سنجر ص 243

     

تاريخ ابن خلكان 1 ص 78

مرآة الجنان لليافعي 2 ص 441

     

تاريخ ابن كثير 11 ص 314

شرح دراية الحديث للشهيد

     

نهاية الأرب 3 ص 108

شذرات الذهب 3 ص 113

     

معاهد التنصيص 2 ص 162

بغية الوعاة للسيوطي ص 196

     

مجالس المؤمنين للقاضي ص 324

بحار الأنوار ج 10 ص 264 - 7

     

الدرجات الرفيعة للسيد علي خان

 


الصفحة 42


 

أمل الآمل لشيخنا الحر العاملي

     

لسان الميزان لابن حجر 1 ص 413

تكملة الأمل للشيخ عبد النبي الكاظمي

     

منتهى المقال لأبي علي ص 56

روضات الجنات

     

تنقيح المقال لشيخنا المامقاني 1 ص 135

أعيان الشيعة 12 في 240 صحيفة

     

سفينة البحار للقمي 2 ص 13

الكنى والألقاب 2 ص 365 - 71

     

الطليعة في شعراء الشيعة ج 1

 

قال الحموي في (معجم البلدان) 6 ص 8: ذكرت أخباره مستقصاة في أخبار مردويه.

ولأبي حيان التوحيدي المتوفى 380 رسالة [مثالب الوزيرين] ألفها في تعيير المترجم الصاحب وأبي الفضل ابن العميد نشرت في [الامتاع والمؤانسة] 1 ص 53 - 67 وقد سلب عنهما مالهما من المآثر والفضائل، وبالغ في التعصب عليهما، وجاء بأمر خداج، وأتى بمنكر من قول وزور، وفاحشة مبينة، وما أنصف وما أبر بإجماع المؤرخين، ولهتيكته هذه أسباب تجد ذكرها في أعيان الشيعة وغيره.



***