عمرو بن العاص
وشعره في الغدير

المتوفى سنة 43



تأليف
العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني


قصيدته الجلجلية

 

معاوية الحال لا تجهل * وعن سبل الحق لا تعدل
نسيت احتيالي في جلق * على أهلها يوم لبس الحلي؟
وقد أقبلوا زمرا يهرعون * مهاليع كالبقر الجفل (1)
وقولي لهم: إن فرض الصلاة * بغير وجودك لم تقبل
فولوا ولم يعبأوا بالصلاة * ورمت النفار إلى القسطل
ولما عصيت إمام الهدى * وفي جيشه كل مستفحل
أبا البقر البكم أهل الشأم * لأهل التقى والحجى أبتلي؟
فقلت: نعم، قم فإني أرى * قتال المفضل بالأفضل
فبي حاربوا سيد الأوصياء * بقولي: دم طل من نعثل (2)
وكدت لهم أن أقاموا الرماح * عليها المصاحف في القسطل
وعلمتهم كشف سوأتهم * لرد الغضنفرة المقبل
فقام البغاة على حيدر * وكفوا عن المشعل المصطلي
نسيت محاورة الأشعري * ونحن على دومة الجندل؟
ألين فيطمع في جانبي * وسهمي قد خاض في المقتل
خلعت الخلافة من حيدر * كخلع النعال من الأرجل
وألبستها فيك بعد الأياس * كلبس الخواتيم بالأنمل
ورقيتك المنبر المشمخر * بلا حد سيف ولا منصل
ولو لم تكن أنت من أهله * ورب المقام ولم تكمل

____________

(1) أهرع: أسرع. الهلع: الجزع. الجفل: النفر والشرد.

(2) طل الدم: هدر أو لم يثأر له فهو طليل ومطلول ومطل.


الصفحة 2


 

وسيرت جيش نفاق العراق * كسير الجنوب مع الشمأل
وسيرت ذكرك في الخافقين * كسير الحمير مع المحمل
وجهلك بي يا بن آكلة الكبود * لأعظم ما أبتلي
فلولا موازرتي لم تطع * ولولا وجودي لم تقبل
ولولاي كنت كمثل النساء * تعاف الخروج من المنزل
نصرناك من جهلنا يا بن هند * على النبأ الأعظم الأفضل
وحيث رفعناك فوق الرؤوس * نزلنا إلى أسفل الأسفل
وكم قد سمعنا من المصطفى * وصايا مخصصة في علي؟
وفي يوم " خم " رقى منبرا * يبلغ والركب لم يرحل
وفي كفه كفه معلنا * ينادي بأمر العزيز العلي
ألست بكم منكم في النفوس * بأولى؟ فقالوا: بلى فافعل
فأنحله إمرة المؤمنين * من الله مستخلف المنحل
وقال: فمن كنت مولى له * فهذا له اليوم نعم الولي
فوال مواليه يا ذا الجلال * وعاد معادي أخ المرسل
ولا تنقضوا العهد من عترتي * فقاطعهم بي لم يوصل
فبخبخ شيخك لما رأى * عرى عقد حيدر لم تحلل
فقال: وليكم فاحفظوه * فمدخله فيكم مدخلي
وإنا وما كان من فعلنا * لفي النار في الدرك الأسفل
وما دم عثمان منج لنا * من الله في الموقف المخجل
وإن عليا غدا خصمنا * ويعتز بالله والمرسل (2)
يحاسبنا عن أمور جرت * ونحن عن الحق في معزل
فما عذرنا يوما كشف الغطا؟ * لك الويل منه غدا ثم لي
إلا يا بن هند أبعت الجنان * بعهد عهدت ولم توف لي

____________

(1) في بعض النسخ: وبلغ والصحب لم ترحل.

(2) في رواية الخطيب التبريزي: سيحتج بالله والمرسل.


الصفحة 3


 

وأخسرت أخراك كيما تنال * يسير الحطام من الأجزل
وأصبحت بالناس حتى استقام * لك الملك من ملك محول
وكنت كمقتنص في الشراك (1) * تذود الظماء عن المنهل
كأنك أنسيت ليل الهرير * بصفين مع هولها المهول
وقد بت تذرق ذرق النعام * حذارا من البطل المقبل
وحين أزاح جيوش الضلال * وافاك كالأسد المبسل
وقد ضاق منك عليك الخناق * وصار بك الرحب كالفلفل (2)
وقولك: يا عمرو؟ أين المفر * من الفارس القسور المسبل؟
عسى حيلة منك عن ثنيه * فإن فؤدادي في عسعل
وشاطرتني كلما يستقيم * من الملك دهرك لم يكمل
فقمت على عجلتي رافعا * وأكشف عن سوأتي أذيلي
فستر عن وجهه وانثنى * حياء وروعك لم يعقل
وأنت لخوفك من بأسه * هناك ملأت من الأفكل (3)
ولما ملكت حماة الأنام * ونالت عصاك يد الأول
منحت لغيري وزن الجبال * ولم تعطني زنة الخردل
وأنحلت مصرا لعبد الملك (4) وأنت عن الغي لم تعدل
وإن كنت تطمع فيها فقد * تخلى القطا من يد الأجدل
وإن لم تسامح إلى ردها * فإني لحوبكم مصطلي
بخيل جياد وشم الأنوف * وبالمرهفات وبالذبل
وأكشف عنك حجاب الغرور * وأيقظ نائمة الأثكل
فإنك من إمرة المؤمنين * ودعوى الخلافة في معزل
ومالك فيها ولا ذرة * ولا لجدودك بالأول

____________

(1) أقتنص الطير أو الظبي: اصطاده.

(2) الفلفل: القرب بين الخطوات.

(3) الأفكل: الرعدة من الخوف.

(4) عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين.


الصفحة 4


 

فإن كان بينكما نسبة * فأين الحسام من المنجل؟
وأين الحصا من نجوم السما؟ * وأين معاوية من علي؟
فإن كنت فيها بلغت المنى * ففي عنقي علق الجلجل (1)

 

* (ما يتبع الشعر) *

هذه القصيدة المسماة بالجلجلية كتبها عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان في جواب كتابه إليه يطلب خراج مصر ويعاتبه على امتناعه عنه، توجد منها نسختان في مجموعتين في المكتبة الخديوية بمصر كما في فهرستها المطبوع سنة 1307 ج 4 ص 314 وروى جملة منها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2 ص 522 وقال: رأيتها بخط أبي زكريا يحيى (2) بن علي الخطيب التبريزي المتوفى 502.

وقال الاسحاقي في " لطايف أخبار الدول " ص 41: كتب معاوية إلى عمرو بن العاص: إنه قد تردد كتابي إليك بطلب خراج مصر وأنت تمتنع وتدافع ولم تسيره فسيره إلي قولا واحدا وطلبا جازما، والسلام.

فكتب إليه عمرو بن العاص جوابا وهي القصيدة الجلجلية المشهورة التي أولها:

معاوية الفضل لا تنس لي * وعن نهج الحق لا تعدل
نسيت احتيالي في جلق * على أهلها يوم لبس الحلي؟
وقد أقبلوا زمرا يهرعون * ويأتون كالبقر المهل

ومنها أيضا:

ولولاي كنت كمثل النساء * تعاف الخروج من المنزل
نسيت محاورة الأشعري * ونحن على دومة الجندل؟
وألعقته عسلا باردا * وأمزجت ذلك بالحنظل (3)

____________

(1) مثل يضرب راجع مجمع الأمثال للميداني ص 195.

(2) أحد أئمة اللغة والنحو قال ابن ناصر: كان ثقة في النقل وله المصنفات الكثيرة. كذا ترجم له ابن كثير في تاريخه 12 ص 171.

(3) في رواية الخطيب التبريزي:

فألمظه عسلا باردا * وأخبأ من تحته حنظلي


الصفحة 5


 

ألين فيطمع في جانبي * وسهمي قد غاب في المفصل
وأخلعتها منه عن خدعة * كخلع النعال من الأرجل
وألبستها فيك لما عجزت * كلبس الخواتيم في الأنمل

ومنها أيضا:

ولم تك والله من أهلها * ورب المقام ولم تكمل
وسيرت ذكرك في الخافقين * كسير الجنوب مع الشمأل
نصرناك من جهلنا يا بن هند * على البطل الأعظم الأفضل
وكنت ولن ترها في المنام * فزفت إليك ولا مهر لي
وحيث تركنا أعالي النفوس * نزلنا إلى أسفل الأرجل
وكم قد سمعنا من المصطفى * وصايا مخصصة في علي

ومنها أيضا:

وإن كان بينكما نسبة * فأين الحسام من المنجل؟
وأين الثريا وأين الثرى؟ * وأين معاوية من علي؟

فلما سمع معاوية هذه الأبيات لم يتعرض له بعد ذلك. ا هـ.

وذكر الشيخ محمد الأزهري في شرح مغني اللبيب 1 ص 82 هذه الأبيات برمتها حرفيا نقلا عن تاريخ الاسحاقي غير أنه حذف قوله:

وحيث تركنا أعالي النفوس * نزلنا إلى أسفل الأرجل

وذكر منها ثلاث عشر بيتا ابن شهر آشوب في " المناقب " 3 ص 106.

وأخذ منها السيد الجزايري في " الأنوار النعمانية " ص 43 عشرين بيتا.

وذكر برمتها الزنوزي في الروضة الثانية من رياض الجنة وقال: هذه القصيدة تسمى بالجلجلية لما في آخرها: وفي عنقي علق الجلجل.

وخمسها بطولها الشاعر المفلق الشيخ عباس الزيوري البغدادي، وقفت عليه في ديوانه المخطوط المصحح بقلمه، ويوجد التخميس في إحدى نسختي المكتبة الخديوية بمصر.

يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون

 


الصفحة 6


 

مهمات مصادر ترجمة عمرو بن العاص..

 


الصفحة 7


 

* (الشاعر) *

عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد (بالتصغير) بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لوي القرشي أبو محمد وأبو عبد الله.

أحد دهاة العرب الخمس، منه بدئت الفتن وإليه تعود، وتقحمه في البوائق والمخاريق ثابت مشهور تضمنته طيات الكتب، وتناقلته الآثار والسير، وإذا استرسلت في الكلام عن الجور والفجور فحدث عنه ولا حرج، كما تجده في كلمات الصحابة الأولين، فالبغل نغل وهو لذلك أهل (1) ويقع الكلام في ترجمته عن نواحي شتى.

 

نسبه:

أبوه هو الأبتر بنص الذكر الحميد (إن شانئك هو الأبتر) وعليه أكثر أقوال المفسرين والعلماء (2) وفي بعض التفاسير وإن جاء ترديد بينه وبين أبي جهل وأبي لهب وعقبة بن أبي معيط وغيرهم إلا أن القول الفصل ما ذكره الفخر الرازي من: أن كلا من أولئك كانوا يشنئون رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن ألهجهم به وأشدهم شنئة العاص ابن وائل. فالآية تشملهم أجمع، ويخص اللعين بخزي آكد، ولذلك اشتهر بين المفسرين أنه هو المراد.

قال الرازي في تفسيره 8 ص 503، روي أن العاص بن وائل كان يقول: إن محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره، واسترحتم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير. وقال ص 504 بعد نقل الأقوال الأخر: ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول، فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه.

وروى التابعي الكبير سليم بن قيس الهلالي في كتابه: أن الآية نزلت في

____________

(1) مثل يضرب لمن لؤم أصله فخبث فعله.

(2) راجع الطبقات لابن سعد 1 ص 115، والمعارف لابن قتيبة ص 124، وتاريخ ابن عساكر 7 ص 330.


الصفحة 8


 

المترجم نفسه، كان أحد شانئي رسول الله صلى الله عليه وآله لما مات ولده إبراهيم فقال:

إن محمدا قد صار أبتر لا عقب له. وذكره بذلك أمير المؤمنين في أبيات له تأتي فقال:

إن يقرنوا وصيه والأبترا * شاني الرسول واللعين الأخزرا

وذكره بذلك عمار بن ياسر يوم صفين وعبد الله بن جعفر في حديثيهما الآتيين.

فالمترجم له هو (الأبتر ابن الأبتر) وبذلك خاطبه أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب له يأتي بقول: من عبد الله أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص شانئ محمد وآله محمد في الجاهلية والاسلام.

تعرفنا الآية الكريمة المذكورة إن كل معزو إلى العاص من الولد من ذكر أو أنثى من المترجم له أو غيره ليسوا لرشدة، فمن هنا تعرف فضيلة عمرو من ناحية النسب، أضف إلى ذلك حديث أمه ليلى العنزية الجلانية.

كانت أمه ليلى أشهر بغي بمكة وأرخصهن أجرة، ولما وضعته ادعاها خمسة كلهم أتوها غير أن ليلى ألحقته بالعاص لكونه أقرب شبها به، وأكثر نفقة عليها، ذكرت ذلك أروى بنت الحارث بن عبد المطلب لما وفدت إلى معاوية فقال لها: مرحبا بك يا عمة؟ فكيف كنت بعدنا؟ فقالت: يا بن أخي؟ لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، من غير بلاء كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الاسلام، ولقد كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود، وأصعر منكم الخدود، حتى رد الله الحق إلى أهله، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون، فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظا ونصيبا وقدرا حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله مغفورا ذنبه، مرفوعا درجته، شريفا عند الله مرضيا، فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول: يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، ولم يجمع بعد رسول الله لنا شمل، ولم يسهل لنا وعر، وغايتنا الجنة، وغايتكم النار.

فقال لها عمرو بن العاص: أيها العجوز الضالة؟ أقصري من قولك، وغضي

 


الصفحة 9


 

من طرفك. قالت: ومن أنت؟ لا أم لك. قال: عمرو بن العاص. قالت يا بن اللخناء النابغة تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة بمكة وآخذهن لأجرة، إربع على ظلعك (1) واعن بشأن نفسك فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها، ولقد إدعاك ستة (2) نفر من قريش كله يزعم أنه أبوك فسألت أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به، ولقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر، فأتم بهم فإنك بهم أشبه. (3)

وقال الإمام السبط الحسن الزكي سلام الله عليه بمحضر من معاوية وجمع آخر:

أما أنت يا بن العاص فإن أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولا من عهر وسفاح، فتحاكم فيك أربعة (4) من قريش فغلب عليك جزارها، ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، ثم قام أبوك فقال: أنا شانئي محمد الأبتر فأنزل الله فيه ما أنزل. (5)

وعده الكلبي أبو المنذر هشام المتوفى 206 / 4 في كتابه " مثالب العرب " الموجود عندنا - ممن يدين بسفاح الجاهلية، وقال في باب تسمية ذوات الرايات: وأما النابغة أم عمرو بن العاص: فإنها كانت بغيا من طوايف مكة فقدمت مكة ومعها بنات لها، فوقع عليها العاص بن وائل في الجاهلية في عدة من قريش منهم: أبو لهب، وأمية بن خلف، وهشام بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب، في طهر واحد فولدت عمرا فاختصم القوم جميعا فيه كل يزعم أنه ابنه، ثم إنه أضرب عنه ثلاثة وأكب عليه اثنان: العاص بن وائل، وأبو سفيان بن حرب فقال أبو سفيان: أنا والله وضعته في حر أمه. فقال العاص: ليس هو كما تقول

____________

(1) مثل يضرب لمن يتوعد. ربع في المكان أي أقام به. الظلع: العرج. يقال: ظلع البعير أي غمز في مشيته فالمعنى: لا تجاوز حدك في وعيدك، وأبصر نقصك وعجزك عنه.

(2) في العقد الفريد، وروض المناظر: خمسة.

(3) بلاغات النساء ص 27، العقد الفريد 1 ص 164، روض المناظر 8 ص 4، ثمرات الأوراق 1 ص 132، دايرة المعارف لفريد وجدي 1 ص 215، جمهرة الخطب 2 ص 363.

(4) في لفظ الكلبي وسبط ابن الجوزي: خمسة.

(5) أخذنا هذه الجملة من حديث المهاجاة الطويلة الواقعة بين الإمام الحسن بن علي وبين عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، في مجلس معاوية رواه ابن أبي الحديد في شرحه 2 ص 101 نقلا عن كتاب المفاخرات للزبير بن بكار، وذكره سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 114.


الصفحة 10


 

هو إبني فحكما أمه فيه فقالت: للعاص. فقيل لها بعد ذلك: ما حملك على ما صنعت و أبو سفيان أشرف من العاص؟ فقالت: إن العاص كان ينفق على بناتي، ولو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق علي العاص شيئا وخفت الضيعة، وزعم ابنها عمرو بن العاص إن أمه امرأة من غنزة بن أسد بن ربيعة.

وكان الزناة الذين اشتهروا بمكة جماعة منهم هؤلاء المذكورون وأمية بن عبد شمس، وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص أخو مروان بن الحكم، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، وعقبة بن أبي معيط. (1)

وعده الكلبي من الأدعياء في باب - أدعياء الجاهلية - وقال: قال الهيثم: ومن الأدعياء عمرو بن العاص، وأمه النابغة حبشية، وأخته لأمه أرينب (بضم الألف) وكانت تدعي لعفيف بن أبي العاص، وفيها قال عثمان لعمرو بن العاص: لمن كانت تدعى أختك أرينب يا عمرو؟ فقال: لعفيف بن أبي العاص. قال عثمان: صدقت. إنتهى.

وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى 209 / 11 في كتاب " الأنساب ": إن عمرا اختصم فيه يوم ولادته رجلان: أبو سفيان، والعاص، فقيل: لتحكم أمه فقالت: إنه من العاص بن وائل. فقال أبو سفيان. أما إني لا أشك إنني وضعته في رحم أمه فأبت إلا العاص فقيل لها: أبو سفيان أشرف نسبا. فقالت: إن العاص بن وائل كثير النفقة علي وأبو سفيان شحيح. ففي ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص حيث هجاه مكافئا له عن هجاء رسول الله صلى الله عليه وآله:

أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت * لنا فيك منه بينات الدلائل
ففاخر به إما فخرت ولا تكن * تفاخر بالعاص الهجين بن وائل
وإن التي في ذاك يا عمرو حكمت * فقالت رجاء عند ذاك لنائل
: من العاص عمرو تخبر الناس كلما * تجمعت الأقوام عند المحامل (2)

وقال الزمخشري في " ربيع الأبرار ": كانت النابغة أم عمرو بن العاص أمة لرجل من عنزة (بالتحريك) فسبيت فاشتراها عبد الله بن جذعان التيمي بمكة فكانت

____________

(1) وإلى هنا ذكره سبط ابن الجوزي في تذكرته ص 117 عن المثالب.

(2) شرح ابن أبي الحديد 2 ص 101.


الصفحة 11


 

بغيا. ثم ذكر نظير الجملة الأولى من كلام الكلبي ونسب الأبيات المذكورة إلى أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب. وقال: جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه ولم تكن بمنصب مرضي فأتاه بمصر أميرا عليها فقال: أردت أن أعرف أم الأمير. فقال: نعم، كانت امرأة من عنزة، ثم من بني جلان تسمى ليلى وتلقب النابغة، إذهب وخذ ما جعل لك (1)

وقال الحلبي في سيرته 1 ص 46 في نكاح البغايا. ونكاح الجمع. من أقسام نكاح الجاهلية: الأول أن يطأ البغي جماعة متفرقين واحدا بعد واحد فإذا حملت وولدت الحق الولد بمن غلب عليه شبهه منهم. الثاني: أن تجتمع جماعة دون العشرة ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات كلهم يطؤوها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت وهو ابنك يا فلان.

تسمي من أحبت منهم فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منهم الرجل إن لم يغلب شبهه عليه، وحينئذ يحتمل أن يكون أم عمرو بن العاص رضي الله عنه من القسم الثاني فإنه يقال: إنه وطئها أربعة هم: العاص، وأبو لهب، وأمية، وأبو سفيان، و ادعي كلهم عمرا فألحقته بالعاص لإنفاقه على بناتها. ويحتمل أن يكون من القسم الأول ويدل عليه ما قيل: إنه الحق بالعاص لغلبة شبهه عليه، وكان عمرو يعير بذلك عيره علي وعثمان والحسن وعمار بن ياسر وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. و سيأتي ذلك في قصة قتل عثمان عند الكلام على بناء مسجد المدينة (2).

 

* (عبد الله وعمرو) *

روى الحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام 7 ص 330: إن عمرو بن العاص قال لعبد الله بن جعفر الطيار ذي الجناحين في مجلس معاوية: يا بن جعفر؟ يريد تصغيره.

فقال له: لئن نسبتني إلى جعفر فلست بدعي ولا أبتر ثم ولى وهو يقول:

____________

(1) ورواه المبرد في الكامل، ابن قتيبة في عيون الأخبار 1 ص 284، ابن عبد البر في الاستيعاب، وذكر في شرح النهج لابن أبي الحديد 2 ص 100، جمهرة الخطب 2 ص 19.

(2) ذكر قتل عثمان عند الكلام على بناء المسجد ج 2 ص 72 - 88 ولم يوجد هناك شيئ مما أو عزاليه.


الصفحة 12


 

تعرضت قرن الشمس وقت ظهيرة * لتستر منه ضوءه بظلامكا
كفرت اختيارا ثم آمنت خيفة * وبغضك إيانا شهيد بذلكا

 

* (عبد الله وعمرو) *

أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخه 7 ص - 438: إن عبد الله بن أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي قدم معاوية وعنده عمرو فجاء الآذن فقال: هذا عبد الله وهو بالباب: فقال: إئذن له. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين؟ لقد أذنت لرجل كثير الخلوات للتلهي، والطربات للتغني، صدوف عن السنان، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، ظاهر الطيش، لين العيش، أخاذ للسلف، صفاق للشرف فقال عبد الله: كذبت يا عمرو؟ وأنت أهله ليس كما وصفت ولكنه: لله ذكور، ولبلاءه شكور، وعن الخنا زجور، سيد كريم، ماجد صميم، جواد حليم، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا فاحش عياب، كذلك قضى الله في الكتاب، فهو كالليث الضرغام، الجرئ المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دني كمن اختصم فيه من قريش شرارها فغلب عليه جزارها، فأصبح ينوء بالدليل، ويأوي فيها إلى القليل، قد بدت بين حيين، وكالساقط بين المهدين، لا المعتزي إليهم قبلوه، ولا الظاعن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي حسب تنازل للنضال؟ أم بأي قديم تعرض للرجال؟ أبنفسك؟ فأنت الخوار الوغد الزنيم. أم بمن تنتمي إليه؟

فأنت أهل السفه والطيش والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهر، ولا بقديم في الاسلام ذكر، غير أنك تنطق بغير لسانك، وتنهض بغير أركانك، وأيم الله إن كان لأسهل للوعث (1) وألم للشعث (2) أن يكعمك (3) معاوية على ولوعك باعراض قريش كعام الضبع في وجاره (4) فأنت لست لها بكفي، ولا لأعراضها بوفي. قال:

فتهيأ عمرو للجواب فقال له معاوية: نشدتك الله إلا ما كففت. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين دعني أنتصر فإنه لم يدع شيئا. فقال معاوية: أما في مجلسك هذا فدع الانتصار و

____________

(1) الوعث بالفتح: العسر الغليظ.

(2) يقال: لم الله شعثهم. أي جمع أمرهم.

(3) يقال: كعم البعير. أي شد فمه لئلا يعض أو يأكل.

(4) الوجار بكسر الواو وفتحها: حجر الضبع وغيرها


الصفحة 13


 

عليك بالاصطبار. وأشار إلى هذه القصة ابن حجر في الإصابة 2 ص 320.

 

إسلامه:

إن الذي حدانا إليه يقين لا يخالجه شك بعد الأخذ بمجامع ما يؤثر عن الرجل في شئونه وأطواره: أنه لم يعتنق الدين اعتناقا، وإنما انتحله انتحالا وهو في الحبشة، نزل بها مع عمارة بن الوليد لاغتيال جعفر وأصحابه رسل النبي الأعظم تنتهي إليه الأنباء عن أمر الرسالة، ويبلغه التقدم والنشور له، وسمع من النجاشي قوله: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟ فقال:

أيها الملك؟ أكذلك هو؟ فقال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده (1).

فراقه التزلف إلى صاحب الرسالة بالتسليم له فلم ينكفئ إلى الحجاز إلى طمعا في رتبة، أو وقوفا على لماظة من العيش، أو فرقا من البطش الإلهي بالسلطة النبوية. فنحن لا نعرفه في غضون هاتيك المدد التي كان يداهن فيها المسلمين و يصانعهم إبقاءا لحياته، واستدرارا لمعاشه، إلا كما نعرفه يوم كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وآله بقصيدة ذات سبعين بيتا فلعنه صلى الله عليه وآله عدد أبياته. وهو كما قال أمير المؤمنين: متى ما كان للفاسقين وليا، وللمسلمين عدوا؟؟ وهل يشبه إلا أمه التي دفعت به. (2) وكان كما يأتي عن أمير المؤمنين من قوله: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا، وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا.

قال ابن أبي الحديد في الشرح 1 ص 137: قال شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه الله تعالى: قول عمرو بن العاص لمعاوية لما قاله معاوية: يا أبا عبد الله؟ إني لأكره لك أن تتحدث العرب عنك إنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا: دعنا عنك. كناية عن الالحاد بل تصريح به، أي: دع هذا الكلام لا أصل له، فإن اعتقاد الآخرة و إنها لاتباع بعرض الدنيا من الخرافات، وما زال عمرو بن العاص ملحدا ما تردد قط

____________

(1) سيرة ابن هشام 3 ص 319 وغير واحد من كتب السيرة النبوية والتاريخ.

(2) تذكرة خواص الأمة ص 56، السيرة الحلبية وغيرهما.


الصفحة 14


 

في الالحاد والزندقة وكان معاوية مثله.

وقال في ج 2 ص 113: نقلت أنا من كتب متفرقة كلمات حكمية تنسب إلى عمرو بن العاص استحسنتها وأوردتها لأني لا أجحد الفاضل فضله وإن كان دينه عندي غير مرضي. وقال في ص 114: قال شيخنا أبو عبد الله: أول من قال بالارجاء المحض معاوية وعمرو بن العاص، كانا يزعمان أنه لا يضر مع الإيمان معصية، ولذلك قال معاوية لمن قال: حاربت من تعلم وارتكبت ما تعلم. فقال: وثقت بقوله تعالى: إن الله يغفر الذنوب جميعا.

وقال في ج 2 ص 179: وأما معاوية فكان فاسقا مشهورا بقلة الدين والانحراف عن الاسلام، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره عمرو بن العاص ومن تبعهما من طغام أهل الشام وأجلافهم وجهال الأعراب، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز محاربتهم و استحلال قتالهم.

وهناك كلمات ذكرت في مصادر وثيقة تمثل الرجل بين يدي القاري بروحياته و حقيقته، وتخبره بعجره وبجره (1) وإليك نماذج منها:

 

1 - كلمة النبي الأعظم:

دخل زيد بن أرقم على معاوية فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما فقال له: عمرو بن العاص: أما وجدت لك مجلسا إلا أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين؟ فقال زيد: إن رسول الله صلى الله عليه و آله غزا غزوة وأنتما معه فرءاكما مجتمعين فنظر إليكما نظرا شديدا ثم راءكما اليوم الثاني واليوم الثالث كل ذلك يديم النظر إليكما فقال في اليوم الثالث: إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما فإنهما لن يجتمعا على خير.

كذا أخرجه ابن مزاحم في كتاب " صفين " ص 112 ورواه ابن عبد ربه في " العقد الفريد " 2 ص 290 عن عبادة بن الصامت وفيه: إنه صلى الله عليه وآله قاله في غزوة تبوك ولفظه: إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما فإنهما لا يجتمعان على خير.

____________

(1) العجر: العروق المتعقدة. البحر: العروق المتعقدة في البطن. مثل يضرب لمن يخبر بجميع عيوبه.

 


الصفحة 15


 

2 - كلمة أمير المؤمنين:

روى أبو حيان التوحيدي في " الإمتاع والمؤانسة " 3 ص 183 قال: قال الشعبي:

ذكر عمرو بن العاص عليا فقال: فيه دعابة فبلغ ذلك عليا فقال: زعم ابن النابغة إني تلعابة، تمراحة، ذو دعابة، اعافس، وامارس. هيهات يمنع من العفاس والمراس (1) ذكر الموت وخوف البعث والحساب، ومن كان له قلب ففي هذا من هذا له واعظ وزاجر، أما وشر القول الكذب، إنه ليعد فيخلف، ويحدث فيكذب، فإذا كان يوم البأس فإنه زاجر وآمر ما لم تأخذ السيوف بهام الرجال، فإذا كان ذاك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم إسته.

ورواه بهذا اللفظ شيخ الطايفة في أماليه ص 82 من طريق الحافظ ابن عقدة.

 

* (صورة أخرى على رواية الشريف الرضي) *

عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة، وإني امرؤ تلعابة، أعافس وأمارس، لقد قال باطلا، ونطق آثما، أما وشر القول الكذب، إنه ليقول فيكذب، ويعد فيخلف، ويسأل فيلحف، ويسئل فيبخل، ويخون العهد، ويقطع الإل، فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو؟؟!! ما لم تأخذ السيوف مآخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبته، أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت، وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة، وإنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة. (2)

- نهج البلاغة - 1 ص 145.

 

* (صورة أخرى على رواية ابن قتيبة) *

قال زيد بن وهب: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عجبا لابن النابغة يزعم إني تلعابة، أعافس وأمارس، أما وشر القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف، و يسئل فيبخل، فإذا كان عند البأس فإنه امرؤ زاجر ما لم تؤخذ السيوف مآخذها من هام القوم، فإذا كان كذلك كان أكبر همه أن يبر قط ويمنع الناس إسته، قبحه

____________

(1) العفاس بالكسر: الفساد المراس: العبث واللعب.

(2) يقال: رضخ له من ماله رضيخة. أي: قليلا من كثير.


الصفحة 16


 

الله وترحه. (عيون الأخبار 1 ص 164).

 

* (صورة أخرى على رواية ابن عبد ربه) *

ذكر عمرو بن العاص عند علي بن أبي طالب فقال فيه علي: عجبا لابن الباغية يزعم إني بلقائه أعافس وأمارس، ألا وشر القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف، و ويسئل فيبخل، فإذا احمر البأس، وحمى الوطيس، وأخذت السيوف مآخذها من هام الرجال لم يكن له هم إلا غرقة ثيابه، ويمنح الناس إسته، فضه الله وترحه.

(العقد الفريد 2 ص 287).

 

3 - كلمة أخرى له عليه السلام:

لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يوم صفين يدعون إلى حكم القرآن قال علي عليه السلام: عباد الله؟ أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله ولكن معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا، وصحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال، وشر رجال، إنها كلمة حق يراد بها الباطل، إنهم والله ما رفعوها، إنهم يعرفونها ولا يعملون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ومكيدة.

كتاب صفين لابن مزاحم ص 264

 

4 - كلمة أخرى له عليه السلام:

قال أبو عبد الرحمن المسعودي: حدثني يونس بن أرقم بن عوف عن شيخ من بكر بن وائل قال: كنا مع علي بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة في رأس رمح فقال ناس: هذا لواء عقده له رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يزالوا كذلك حتى بلغ عليا فقال علي: هل تدرون ما أمر هذا اللواء؟ إن عدو الله عمرو بن العاص أخرج له رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الشقة فقال: من يأخذها بما فيها؟ فقال عمرو: و ما فيها يا رسول الله؟ قال: فيها أن لا تقاتل به مسلما، ولا تقربه من كافر. فأخذها، فقد والله قربه من المشركين وقاتل به اليوم المسلمين، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا إلا أنهم لم يدعوا الصلاة.

كتاب صفين لابن مزاحم ص 110.


 


الصفحة 17


 

5 - كتاب أمير المؤمنين إلى عمرو:

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل شانئ محمد وآله محمد في الجاهلية والاسلام. سلام على من اتبع الهدى - أما بعد - فإنك تركت مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فصار قلبك لقلبه تبعا كما قيل: وافق شن طبقة (1) فسلبك دينك وأمانتك ودنياك وآخرتك، وكان علم الله بالغا فيك، فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دجا، أو أتى الصبح يلتمس فاضل سؤره، وحوايا فريسته، ولكن لا نجاة من القدر، ولو بالحق أخذت لأدركت ما رجوت، وقد رشد من كان الحق قائده، فإن يمكن الله منك ومن ابن آكلة الأكباد ألحقتكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن تعجزا (2) وتبقيا بعدي فالله حسبكما، وكفى بانتقامه انتقاما، وبعقابه عقابا. والسلام.

 

* (فائدة) *

هذا الكتاب بهذه الصورة ذكرها ابن أبي الحديد (3) في شرحه 4 ص 61 نقلا عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم ولم نجده فيه فمن أمعن النظر في جل ما نقله ابن أبي الحديد عن هذا الكتاب يعلم بأن المطبوع منه هو مختصره لا أصله وهو أكبر من الموجود بكثير.

 

صورة أخرى له:

فإنك قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ ظاهر غيه، مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فاتبعت أثره، وطلبت فضله، إتباع الكلب للضرغام، يلوذ بمخالبه، وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته، فأذهب دنياك وآخرتك، ولو بالحق أخذت، أدركت ما طلبت، فإن يمكن الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما بما قدمتما، وإن تعجزا وتبقيا فما أمامكما شر لكما. والسلام.

نهج البلاغة 2 ص 64

____________

(1) مثل ساير له قصة يستفاد منها. شن: اسم رجل. طبقة: اسم امرأة: راجع مجمع الأمثال للميداني 2 ص 321.

(2) عجز الشئ: مؤخره.

(3) وذكره عنه الدكتور أحمد زكي صفوت في جمهرة الرسائل 1 ص 486.


الصفحة 18


 

6 - خطبة أمير المؤمنين بعد التحكيم:

لما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد علي عليه السلام ابن عباس إلى البصرة قام في الكوفة خطيبا فقال: الحمد لله، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله - أما بعد -: فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونحلت لكم مخزون رأيي، لو كان يطاع لقصير أمر (1) فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتى ارتاب الناصح بنصحه، وضن الزند بقدحه، فكنت أنا وإياكم كما قال أخو هوازن (2):

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

ألا؟ إن هذين الرجلين: (عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري) اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، و أماتا ما أحيى القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد (3)، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، واستعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام.

الإمامة والسياسة 1 ص 119، تاريخ الطبري 6 ص 45، مروج الذهب 2 ص 35، نهج البلاغة 1 ص 44، كامل ابن الأثير 3 ص 146.

ذكر ابن كثير في تاريخه 7 ص 286 هذه الخطبة ولما لم يعجبه ذكر أهل العيث والفساد بما هم عليه، أولم يره صادرا من أهله في محله، أولم يرض أن تطلع الأمة الإسلامية على حقيقة عمرو بن العاص وصويحبه فبتر الخطبة وذكرها إلى

____________

(1) قصير هو مولى جذيمة الأبرش، وكان قد أشار على سيده أن لا يأمن الزباء ملكة الجزيرة، وقد دعته إليها ليزوجها، فخالفه وقصد إليها فقتلته فقال قصير: لا يطاع لقصير أمر . فذهب مثلا.

(2) دريد بن الصمة.

(3) في الإمامة والسياسة: لم يرشدهما الله.


الصفحة 19


 

آخر البيت فقال: ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما، و قال ما فيه حط عليهما. ا هـ

وهناك لأمير المؤمنين عليه السلام في خطبه كلمات كثيرة حول الرجل مثل قوله:

قد سار إلى مصر ابن النابغة عدو الله وولي من عادى الله. وقوله: إن مصرا افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا. (1) نضرب عنها صفحا روما للاختصار.

 

7 - قنوت أمير المؤمنين بلعن عمرو:

م - أخرج أبو يوسف القاضي في " الآثار " ص 71 من طريق إبراهيم قال: إن عليا رضي الله عنه قنت يدعو على معاوية رضي الله عنه حين حاربه فأخذ أهل الكوفة عنه، وقنت معاوية يدعو على علي فأخذ أهل الشام عنه].

وروى الطبري في تاريخه 6 ص 40 قال: كان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول:

أللهم؟ العن معاوية، وعمرا، وأبا الأعور السلمي، وحبيبا، وعبد الرحمن بن خالد، والضحاك بن قيس، والوليد. فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليا، وابن عباس، والأشتر، وحسنا، وحسينا.

ورواه نصر بن مزاحم في كتاب صفين ص 302 وفي ط مصر ص 636 وفيه:

كان علي إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة يقول: أللهم؟ العن معاوية، و عمرا، وأبا موسى، وحبيب بن سلمة. إلى آخر الحديث باللفظ المذكور، غير أن فيه: قيس بن سعد مكان الأشتر.

م - وقال ابن حزم في المحلى 4: 145: كان علي يقنت في الصلوات كلهن، و كان معاوية يقنت أيضا، يدعو كل واحد منهما على صاحبه].

ورواه الوطواط في " الخصايص " ص 330 وزاد فيه: ولم يزل الأمر على ذلك برهة من ملك بني أمية إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة فمنع من ذلك. وذكره ابن الأثير في " أسد الغابة " 3 ص 144 بلفظ الطبري.

م - وقال أبو عمر في " الاستيعاب " في الكنى في ترجمة أبي الأعور السلمي: كان

____________

(1) تاريخ الطبري 6 ص 61 و 62.

 


الصفحة 20


 

هو وعمرو بن العاص مع معاوية بصفين، وكان من أشد من عنده على علي رضي الله عنه، وكان علي رضي الله عنه يذكره في القنوت في صلاة الغداة يقول: أللهم عليك به. مع قوم يدعو عليهم في قنوته. وذكره على لفظ الطبري أبو الفدا في تاريخه 1: 179].

م - وقال الزيلعي في نصب الراية 2: 131: قال إبراهيم: وأهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن علي، قنت يدعو على معاوية حين حاربه، وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية قنت يدعو على علي].

ورواه أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص 59 بلفظ الطبري حرفيا إلى قنوت معاوية وزاد فيه: محمد بن الحنفية، وشريح بن هاني. وذكره ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 1 ص 200 نقلا عن كتابي صفين لابن ديزيل (المترجم له ج 1 ص 73) ونصر بن مزاحم. وذكره الشبلنجي في " نور الأنصار " ص 110.

 

8 - دعاء عايشة على عمرو:

لما بلغ عايشة قتل محمد بن أبي بكر جزعت عليه جزعا شديدا وجعلت تقنت وتدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص.

رواه الطبري في تاريخه 6 ص 60، ابن الأثير في " الكامل " 3 ص 155، ابن كثير في تاريخه 7 ص 314، ابن أبي الحديد في شرح النهج 2: 33.

 

9 - الإمام الحسن الزكي وعمرو:

روى الزبير بن بكار في كتاب " المفاخرات " قال: اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي عليه السلام قوارص (1) وبلغه عنهم مثل ذلك فقالوا: يا أمير المؤمنين؟ إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، وأمر فأطيع، وخفقت له النعال، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا. قال معاوية: فما تريدون:؟ قالوا: ابعث عليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ونعبره ونوبخه ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن

____________

(1) الكلمة القارصة: التي تنغص وتؤلم. ج قوارص.

 


الصفحة 21


 

يغير علينا شيئا من ذلك. قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله. قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين؟ لتفعلن. فقال: ويحكم لا تفعلوا فوالله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي. قالوا: ابعث إليه على كل حال. قال: إن بعثت إليه لأنصفنه منكم. فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا؟ أو يربي قوله على قولنا؟ قال معاوية: أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أنه يتكلم بلسانه كله. قالوا: مره بذلك. قال. أما إذا عضيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله.

فبعث إليه معاوية فجاءه رسوله فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك. قال: من عنده؟

فسماهم، فقال الحسن عليه السلام: ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون. ثم قال: يا جارية؟ ابغيني ثيابي، أللهم؟ إني أعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك في نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين. ثم قام فدخل على معاوية. إلى أن قال:

فتكلم عمرو بن العاص فحمد الله وصلى على رسوله ثم ذكر عليا عليه السلام فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله، وقال: إنه شتم أبا بكر وكره خلافته وامتنع من بيعته ثم بايعه مكرها، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلما، وادعى من الخلافة ما ليس له: ثم ذكر الفتنة يعيره بها وأضاف إليه مساوي.

وقال: إنكم يا بني عبد المطلب؟ لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن؟ تحدث نفسك إن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه، سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش يسخر منك ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك، فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله، ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شئ فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان.

 


الصفحة 22


 

فتكلم الحسن بن علي عليهما السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله (إلى أن قال لعمرو بعد جمل ذكرت ص 122): وقاتلت رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكة، وكدته كيدك كله، وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة، فلما أخطأك ما رجوت، ورجعك الله خائبا، وأكذبك واشيا، جعلت حسدك على صاحبك عمارة بن الوليد فوشيت به إلى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلته ففضحك الله وفضح صاحبك، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والاسلام، ثم إنك تعلم وكل هؤلاء الرهط يعلمون: أنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من الشعر، فقال رسول الله: أللهم؟ إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي، أللهم العنه بكل حرف ألف لعنة. فعليك إذن من الله ما لا يحصى من اللعن.

وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا نارا ثم لحقت بفلسطين فلما أتاك قتله قلت: أنا أبو عبد الله إذا نكأت (أي: قشرت) قرحة أدميتها. ثم حبست نفسك إلى معاوية، وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حيا، ولا غضبت له مقتولا، ويحك يا بن العاص؟ ألست القائل؟

في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي:

تقول ابنتي: أين هذا الرحيل؟ * وما السير مني بمستنكر
فقلت: ذريني فإنــــي امــرؤ * أريد النجــــــاشي في جعفر
لأكويـــــه عنـــــده كيـــــة * أقيـــــم بها نخـــــوة الأصعر
وشانـــــئ أحمـــــد من بنيهم * وأقـــــولهم فيه بالمنكر
وأجري إلى عتبة جاهـــــدا * ولو كان كالـــــذهب الأحمر
ولا أنثني عن بني هاشم * وما اسطعت في الغيب والمحضر
فإن قبـــــل العتـــــب مني له * وإلا لـــــويت له مشفري (1)

تذكرة سبط ابن الجوزي ص 14، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 103، جمهرة الخطب ج 2 ص 12.

____________

(1) لوى الحبل: فتله. لوت الناقة بذنبها والوت: حركته. المشفر: الشدة والمنعة.


الصفحة 23


 

* (بيان) *

قوله عليه السلام: لتأتي بجعفر وأصحابه إلى مكة. يشير إلى هجرته الثانية إلى الحبشة وقد هاجر إليها من المسلمين نحو ثلاثة وثمانين رجلا وثمان عشر امرأة. وكان من الرجال جعفر بن أبي طالب، ولما رأت قريش ذلك أرسلت في أثرهم عمرو بن العاص وعمارة الوليد بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليسلم المسلمين، فرجعا خائبين، وأبى النجاشي أن يخفر ذمته.

قوله عليه السلام: لما ارتكب من حليلته. ذلك: إن عمرا وعمارة ركبا البحر إلى الحبشة وكان عمارة جميلا وسيما تهواه النساء، وكان مع عمرو بن العاص امرأته، فلما صاروا في البحر ليالي أصابا من خمر معها فانتشى عمارة فقال لامرأة عمرو: قبليني.

فقال لها عمرو: قبلي ابن عمك. فقبلته، فهواها عمارة وجعل يراودها عن نفسها، فامتنعت منه، ثم إن عمرا أجلس على منجاف (1) السفينة يبول فدفعه عمارة في البحر، فلما وقع عمرو سبح حتى أخذ بمنجاف السفينة، وضغن على عمارة في نفسه، وعلم أنه كان أراد قتله، ومضيا حتى نزلا الحبشة، فلما اطمأنا بها لم يلبث عمارة أن دب لامرأة النجاشي فأدخلته فاختلف إليها، وجعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرا بما كان من أمره فيقول عمرو: لا أصدقك إنك قدرت على هذا، إن شأن هذا المرأة أرفع من ذلك، فلما أكثر عليه عمارة بما كان يخبره ورأى عمرو من حاله وهيئته ومبيته عندها حتى يأتي إليه من السحر ما عرف به ذلك قال له: إن كنت صادقا فقل لها: فلتدهنك بدهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره، فإني أعرفه وآتني بشئ منه حتى أصدقك. قال:

أفعل. فسألها ذلك فدهنته منه وأعطته شيئا في قارورة، فقال عمرو، أشهد أنك قد صدقت لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد من العرب مثله قط: امرأة الملك. ما سمعنا بمثل هذا، ثم سكت عنه حتى اطمأن ودخل على النجاشي فأعلمه شأن عمارة وقدم إليه الدهن. فلما أثبت أمره دعا بعمارة ودعا نسوة أخر فجردوه من ثيابه، ثم أمرهن ينفخن في إحليله حتى خلى سبيله فخرج هاربا. عيون الأخبار لابن قتيبة 1 ص 37، الأغاني 9 ص 56، شرح النهج لابن أبي الحديد 2 ص 107، قصص العرب 1 ص 89.

____________

(1) منجاف السفينة: سكانها الذي تعدل به.


الصفحة 24


 

10 - كتاب ابن عباس إلى عمرو:

كتب ابن عباس مجيبا إلى عمرو بن العاص: أما بعد: فإني لا أعلم رجلا من العرب أقل حياءا منك، إنه مال بك معاوية إلى الهوى، وبعته دينك بالثمن اليسير، ثم خبطت بالناس في عشوة طمعا في الملك، فلما لم تر شيئا، أعظمت الدنيا إعظاما أهل الذنوب وأظهرت فيها نزهة أهل الورع، لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب، وكسر أهل الدين، فإن كنت تريد الله بذلك فدع مصر، وارجع إلى بيتك، فإن هذه الحرب ليس فيها معاوية كعلي، بدأها علي بالحق، وانتهى فيها إلى العذر، وبدأها معاوية بالغي، وانتهى فيها إلى السرف، وليس أهل العراق فيها كأهل الشام، بايع أهل العراق عليا وهو خير منهم، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه، ولست أنا وأنت فيها بسواء، أردت الله، وأردت أنت مصر، وقد عرفت الشيئ الذي باعدك مني، وأعرف الشيئ الذي قربك من معاوية، فإن ترد شرا لا نسبقك به، وإن ترد خيرا لا تسبقنا إليه، ثم دعا الفضل بن عباس فقال له: يا بن أم؟ أجب عمرا. فقال الفضل:

يا عمرو حسبك من خدع ووسواس * فاذهب فليس لداء الجهل من آس (1)
إلا تواتر طعن في نحوركم * يشجي النفوس ويشفي نخوة الراس
هذا الدواء الذي يشفي جماعتكم * حتى تطيعوا عليا وابن عباس
أما علي فإن الله فضله * بفضل ذي شرف عال على الناس
إن تعقلوا الحرب نعقلها مخيسة (2) * أو تبعثوها فإنا غير أنكاس
قد كان منا ومنكم في عجاجتها * ما لا يرد وكل عرضة الباس
قتلى العراق بقتلى الشام ذاهبة * هذا بهذا وما بالحق من باس
لا بارك الله في مصر لقد جلبت * شرا وحظك منها حسوة الكاس (3)
يا عمرو إنك عار من مغانمها * والراقصات ومن يوم الجزا كاس

الإمامة والسياسة 1 ص 95، كتاب صفين ص 219، شرح ابن أبي الحديد

____________

(1) أسا أسوا وأسا الجرح: داواه.

(2) خيس: ذلل. يقال: خيس الجمل: راضه وذلله بالركوب.

(3) الحسوة المرة من حساء: الجرعة الواحدة ج حسوات.


الصفحة 25


 

2 ص 288.

وهناك أبيات تعزى إلى حبر الأمة ابن عباس في كتاب " صفين " لابن مزاحم ص 300 ذكر فيها عمرا بكل قول شائن.

 

11 - ابن عباس وعمرو:

حج عمرو بن العاص فمر بعبد الله بن عباس فحسده مكانه وما رأى من هيبة الناس له، وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا بن عباس؟ مالك إذا رأيتني وليتني قصرة (1) كأن بين عينيك دبرة (2) وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة (3) الهمزة؟

(4) فقال ابن عباس: لأنك من اللئام الفجرة، وقريش من الكرام البررة، لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقا علموه، وهم أعظم الناس أحلاما، وأرفع الناس أعلاما، دخلت في قريش ولست منها، فأنت الساقط بين فراشين، لا في بني هاشم رحلك، ولا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، الضال المضل، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحمله، وتسعو بكرمه. فقال عمرو: أما والله إني لمسرور بك فهل ينفعني عندك؟ قال ابن عباس: حيث مال الحق ملنا، وحيث سلك قصدنا.

العقد الفريد 2 ص 136.

 

12 - ابن عباس وعمرو:

حضر عبد الله بن جعفر مجلس معاوية وفيه عبد الله بن عباس، وعمرو بن العاص، فقال عمرو: قد جاءكم رجل كثير الخلوات بالتمني، والطربات بالتغني، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، صدود عن الشبان، ظاهر الطيش، رخي العيش، أخاذ بالسلف منفاق بالسرف. فقال ابن عباس: كذبت والله أنت وليس كما ذكرت ولكنه: لله ذكور ولنعمائه شكور، وعن الخنا زجور، جواد كريم، سيد حليم، إذا رمى أصاب، وإذا سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا عيابة مغتاب، حل من قريش في كريم

____________

(1) القصر والقصرة بفتح الصاد: الكسل.

(2) الدبر بفتح المهملة والموحدة: قرحة الدابة تحدث من الرحل ونحوه ج دبرو ادبار.

(3) الهوهاة: ضعيف القلب. أحمق.

(4) همز الشيطان الانسان: همس في قلبه وسواسا.


الصفحة 26


 

النصاب، كالهزبر الضرغام، الجرئ المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دنئ، لا كمن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب عليه جزارها، فأصبح ألأمها حسبا، وأدناها منصبا، ينوء منها بالذليل، ويأوي منها إلى القليل، مذبذب بين الحيين، كالساقط بين المهدين، لا المضطر فيهم عرفوه، ولا الظاعن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي قدر تتعرض للرجال؟ وبأي حسب تعتد به تبارز عند النضال؟ أبنفسك؟ وأنت: الوغد اللئيم، والنكد الذميم، والوضيع الزنيم، أم بمن تنمي إليهم؟ وهم: أهل السفه و الطيش، والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهروا، ولا بقديم في الاسلام ذكروا، جعلت تتكلم بغير لسانك، وتنطق بالزور في غير أقرانك، والله لكان أبين للفضل، و أبعد للعدوان أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق، فإنه طالما سلس داؤك، و طمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضر فيها رعيك، ولم يورق فيها غصنك.

فقال عبد الله بن جعفر: أقسمت عليك لما أمسكت فإنك عني ناضلت، ولي فاوضت.

فقال ابن عباس: دعني والعبد، فإنه قد يهدر خاليا إذ لا يجد مراميا، وقد أتيح له ضيغم شرس، للاقران مفترس، وللأرواح مختلس، فقال عمرو بن العاص: دعني يا أمير المؤمنين أنتصف منه فوالله ما ترك شيئا. قال ابن عباس: دعه فلا يبقي المبقي إلا على نفسه، فوالله إن قلبي لشديد، وإن جوابي لعتيد، وبالله الثقة، وأني لكما قال نابغة بني ذبيان:

وقدما قد قرعت وقارعوني * فما نزر الكلام ولا شجاني
يصد الشاعر العراف عني * صدود البكر عن قرم هجان

هذا الحديث أخرجه الجاحظ في (المحاسن والأضداد) ص 101، والبيهقي في (المحاسن والمساوي) 1 ص 68، وقد مر ص 125 عن ابن عساكر لعبد الله بن أبي سفيان نحوه، وفي بعض ألفاظه تصحيف يصحح بهذا.

 

13 - معاوية وعمرو:

لما علم معاوية أن الأمر لم يتم له إن لم يبايعه عمرو فقال له: يا عمرو؟ اتبعني.

قال. لماذا؟ للآخرة؟ فوالله ما معك آخرة، أم للدنيا؟ فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها. قال: فأنت شريكي فيها. قال: فاكتب لي مصر وكورها. فكتب له مصر وكورها.

 


الصفحة 27


 

وكتب في آخر الكتاب: وعلى عمرو السمع والطاعة. قال عمرو: واكتب: إن السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئا. قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا. قال عمرو: حتى تكتب. قال: فكتب، ووالله ما يجد بدا من كتابتها، ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يكلم عمرا في مصر وعمرو يقول له: إنما أبايعك بها ديني. فقال عتبة:

إئتمن الرجل بدينه فإنه صاحب من أصحاب محمد. وكتب عمرو إلى معاوية:

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع
وما الدين والدنيا سواء وإنني * لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع
فإن تعطني مصرا فأربح صفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع

العقد الفريد 2 ص 291.

 

14 - معاوية وعمرو بصورة مفصلة:

كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية بن أبي سفيان يدعوه إلى بيعته، فاستشار معاوية بأخيه عتبة بن أبي سفيان فقال له: استعن بعمرو بن العاص، فإنه من قد علمت في دهائه ورأيه، وقد اعتزل أمر عثمان في حياته، وهو لأمرك أشد اعتزالا إلا أن تثمن له بدينه فسيبيعك، فإنه صاحب دنيا، فكتب إليه معاوية وهو بالسبع من فلسطين:

- أما بعد -: فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة (1) أهل البصرة، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، أقبل أذاكرك أمرا. فلما قرأ الكتاب استشار ابنيه عبد الله ومحمد فقال لهما: ما تريان؟ فقال عبد الله: أرى أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده، وقتل عثمان وأنت عنه غايب، فقر في منزلك فلست معجولا خليفة، ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشك أن تهلك فتشقى فيها. وقال محمد: أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها، وأن تصرم هذا الأمر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك، فألحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من أيديها وأطلب بدم عثمان، فإنك قد استلمت فيه إلى بني أمية. فقال

____________

(1) الرافضة: كل جند تركوا قايدهم.

 


الصفحة 28


 

عمرو: أما أنت يا عبد الله؟ فأمرتني بما هو خير لي في ديني، وأما أنت يا محمد؟ فأمرتني بما هو خير لي في دنياي، وأنا ناظر فيه، فلما جنه الليل رفع صوته وأهله ينظرون إليه:

تطاول ليلي للهموم الطوارق * وخوف التي تجلو وجوه العوائق
وإن ابن هند سائلي أن أزوره * وتلك التي فيها بنات البوائق
أتاه جرير من علي بخطة * أمرت عليه العيش ذات مضائق
فإن نال مني ما يؤمل رده * وإن لم ينله ذل ذل المطابق
فوالله ما أدري وما كنت هكذا * أكون ومهما قادني فهو سائقي
أخادعه إن الخداع دنية * أم أعطيه من نفسي نصيحة وامق
أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة * لشيخ يخاف الموت في كل شارق
وقد قال عبد الله قولا تعلقت * به النفس إن لم تقتطعني عوائقي
وخالفه فيه أخوه محمد * وإني لصلب العود عند الحقائق

فقال عبد الله: رحل الشيخ. وفي لفظ اليعقوبي: بال الشيخ على عقبيه وباع دينه بدنياه: فلما أصبح دعا عمرو غلامه " وردان " وكان داهيا ماردا فقال: ارحل يا وردان؟ ثم قال: حط يا وردان؟ ثم قال: ارحل يا وردان؟ حط يا وردان؟ فقال له وردان: خلطت أبا عبد الله؟ أما إنك إن شئت أنبأتك بما في نفسك. قال: هات ويحك: قال: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك فقلت: علي معه الآخرة في غير دنيا وفي الآخرة عوض من الدنيا. ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة، وليس في الدنيا عوض الآخرة، فأنت واقف بينهما. قال: فإنك والله ما أخطأت فما ترى يا وردان؟ قال:

أرى أن تقيم في بيتك فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك. قال الآن لما شهدت العرب مسيري إلى معاوية، فارتحل وهو يقول:

يا قاتل الله وردانا وفطنته * أبدى لعمرك ما في النفس وردان
لما تعرضت الدنيا عرضت لها * بحرص نفسي وفي الأطباع إدهان
نفس تعف وأخرى الحرص يقلبها (1) * والمرء يأكل تبنا وهو غرثان (2)

____________

(1) في شرح ابن أبي الحديد: يغلبها.

(2) غرث غرثا: جاع. فهو غرثان ج غرثى وغراث وغراثي.


الصفحة 29


 

أما علي فدين ليس يشركه * دنيا وذاك له دنيا وسلطان
فاخترت من طمعي دنيا على * بصر وما معي بالذي أختار برهان
إني لأعرف ما فيها وأبصره * وفي أيضا لما أهواه ألوان
لكن نفسي تحب العيش في شرف * وليس يرضى بذل العيش إنسان
عمرو لعمر أبيه غير مشتبه * والمرء يعطس والوسنان وسنان

فسار حتى قدم على معاوية وعرف حاجة معاوية إليه فباعده من نفسه وكايد كل واحد منهما صاحبه، فلما دخل عليه قال: يا أبا عبد الله، طرقتنا في ليلتنا هذه ثلثة أخبار ليس فيها ورد ولا صدر. قال: وما ذاك؟ قال ذاك: أن محمد بن أبي حذيفة قد كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه، وهو من آفات هذا الدين. ومنها: إن قيصر زحف بجماعة الروم إلي ليغلب على الشام. ومنها: إن عليا نزل الكوفة متهيئا للمسير إلينا. قال: ليس كل ما ذكرت عظيما، أما ابن أبي حذيفة فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه أن تبعث إليه خيلا تقتله أو تأتيك به وإن فاتك لا يضرك؟ وأما قيصر فاهد له من وصفاء (1) الروم ووصائفها وآنية الذهب والفضة وسله الموادعة فإنه إليها سريع. وأما علي فلا والله يا معاوية؟ ما تستوي العرب بينك وبينه في شيئ من الأشياء، إن له في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش، وإنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه.

وفي رواية أخرى قال معاوية يا أبا عبد الله؟ إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه وقتل الخليفة، وأظهر الفتنة، وفرق الجماعة، وقطع الرحم. قال عمرو: إلى من؟ قال: إلى جهاد علي. فقال عمرو: والله يا معاوية؟ ما أنت وعلي بعكمي (2) بعير، مالك هجرته ولا سابقته ولا صحبته ولا جهاده ولا فقهه ولا علمه، و الله إن له مع ذلك حدا وحدودا وحظا وحظوة وبلاء من الله حسنا، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه؟ وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر. قال: حكمت. قال: مصر طعمة.

فتلكأ عليه. (3)

____________

(1) الوصيف. الغلام دون المراهق ج وصفاء. مؤنثه الوصيفة ج وصائف.

(2) العكم بالكسر: العدل بالكسر.

(3) تلكأ عن الأمر. أبطأ وتوقف.


الصفحة 30


 

وفي حديث: قال له معاوية: إني أكره لك أن يتحدث العرب عنك: إنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا. قال دعني عنك (1) قال معاوية: إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت. قال عمر: لا لعمر الله ما مثلي يخدع لأنا أكيس من ذلك. قال له معاوية: ادن مني برأسك أسارك. قال: فدنا منه عمرو ويسار فعض معاوية أذنه، وقال: هذه خدعة، هل ترى في البيت أحدا غيري وغيرك؟ فأنشأ عمرو يقول:

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * بذلك دنيا فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصرا فاربح بصفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع (2)
وما الدين والدنيا سواء وإنني * لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع
ولكنني أغضي الجفون وإنني * لأخدع نفسي والمخادع يخدع
وأعطيك أمرا فيه للملك قوة * وإني به إن زلت النعل أصرع
وتمنعني مصرا وليست برغبة (3) * وإني بذا الممنوع قدما لمولع

قال: أبا عبد الله؟ ألم تعلم أن مصرا مثل العراق؟ قال: بلى ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق، وقد كان أهلها بعثوا بطاعتهم إلى علي قال: فدخل عتبة بن أبي سفيان فقال لمعاوية: أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر إن هي صفت لك؟ ليتك لا تغلب على الشام. فقال معاوية: يا عتبة؟ بت عندنا الليلة فلما جن على عتبة الليل رفع صوته ليسمع معاوية وقال:

أيها المانع سيفا لم يهز * إنما ملت على خز وقز
إنما أنت خروف مائل * بين ضرعين وصوف لم يجز
أعط عمرا إن عمرا تارك * دينه اليوم لدنيا لم تحز
يا لك الخير فخذ من دره * شخبه الأولى وأبعد ما غرز (4)

____________

(1) مر تحليل هذه الكلمة ص 126.

(2) البيتان يوجدان في عيون الأخبار لابن قتيبة 1 ص 181.

(3) الرغبة بكسر المهملة وفتحها: العطاء الكثير.

(4) الشخب: ما يخرج من تحت يد الحالب. الشخبة: الدفعة منه ج شخاب: غرزا الغنم: ترك حلبها لتسمن.