قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري
وشعره في الغدير


تأليف
العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني



قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل
حسبنا ربنا الذي فتح البصرة * بالأمس والحديث طويل

ويقول فيها:

وعلي إمامنا وإمام * لسوانا أتى به التنزيل
يوم قال النبي: من كنت مولاه * فهذا مولاه خطب جليل
إنما قاله النبي على الأمة * حتم ما فيه قال وقيل

* (ما يتبع الشعر) *

هذه الأبيات أنشدها الصحابي العظيم، سيد الخزرج، قيس بن سعد بن عبادة بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بصفين، رواها شيخنا المفيد، معلم الأمة المتوفى 413 في " الفصول المختارة " 2 ص 87 وقال بعد ذكرها: إن هذه الأشعار مع تضمنها الاعتراف بإمامة أمير المؤمنين، فهي دلائل على ثبوت سلف الشيعة وإبطال عناد المعتزلة في إنكارهم ذلك.

وذكرها في رسالته في معنى المولى وقال فيها: قصيدة قيس التي لا يشك أحد من أهل النقل فيها، والعلم بها من قبوله كالعلم بنصرته لأمير المؤمنين وحربه أهل البصرة وصفين معه، وهي التي أولها:

قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل

فشهد هكذا شهادة قطعية بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام من جهة خبر يوم الغدير، صرح بأن القول فيه يوجب رياسته على الكل وإمامته عليهم.

ورواها سيدنا الشريف الرضي المتوفى 406 في خصايص الأئمة، وقال: إتفق حملة الأخبار على نقل شعر قيس وهو ينشده بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بعد

 


الصفحة 2


 

رجوعهم من البصرة في قصيدته التي أولها:

قلت لما بغى العدو علينا *: حسبنا ربنا ونعم الوكيل

وهذان الشاعران [قيس وحسان] صحابيان شهدا بالإمامة لأمير المؤمنين شهادة من حضر المشهد وعرف المصدر والمورد.

وأخرجها العلم الحجة الشيخ عبيد الله السدابادي في المقنع - الموجود عندنا - فقال: قالوا: ومن الدليل على أن أمير المؤمنين هو الإمام المنصوص عليه قول قيس بن سعد بن عبادة، وهذا من خيار الصحابة يشهد له بالإمامة، وإنه منصوص عليه، وإنه خولف، وقال الكميت بن زيد يصدق قول قيس بن سعد وحسان بن ثابت.

ورواها العلامة الكراجكي المتوفى 449 في كنز الفوائد ص 234 فقال: إنه مما حفظ عن قيس بن سعد بن عبادة وإنه كان يقوله بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ومعه الراية.

وأخرجها أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 في " التذكرة " ص 20 فقال: إن قيس أنشدها بين يدي علي بصفين.

ورواها سيدنا هبة الدين الراوندي في " المجموع الرائق " - الموجود عندنا - و المفسر الكبير الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره 2 ص 193، وشيخ السروي الآتي شيخنا الشهيد الفتال في " روضة الواعظين " ص 90، وسيدنا القاضي نور الله المرعشي الشهيد 1019 في " مجالس المؤمنين " ص 101، والعلامة المجلسي المتوفى 1111 في " البحار " 9 ص 245، والسيد علي خان المتوفى 1120 في " الدرجات الرفيعة " - الموجود عندنا - في ذكر غزوة صفين، وشيخنا صاحب " الحدايق " البحراني المتوفى 1186 في كشكوله 2 ص 18. وجمع آخر من متأخري أعلام الطايفة.

* (الشاعر) *

أبو القاسم وقيل: أبو الفضل (8) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم (2) بن حارثة ابن

____________

(1) وقيل: أبو عبد الله. وقيل: أبو عبد الملك.

(2) في تهذيب التهذيب: دليهم.


الصفحة 3


 

أبي حزيمة [بالحاء المهملة المفتوحة] (1) ابن ثعلبة بن ظريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر (2) بن حارثة بن ثعلبة. إلى آخر النسب المذكور ص 56.

أمه فكيهة بنت عبيد بن دليم بن حارثة.

هو ذلك الصحابي العظيم، كان يعد من أشراف العرب، وأمرائها، ودهاتها، وفرسانها، وأجوادها، وخطباؤها، وزهادها، وفضلائها، ومن عمد الدين وأركان المذهب.

* (أما شرفه) *

فكان هو سيد الخزرج وابن سادتها، وقد حاز بيته الشرف والمجد جاهلية وإسلاما، قال سليم بن قيس الهلالي في كتابه: إن قيس بن سعد كان سيد الأنصار وابن سيدها. وفي كامل المبرد 1 ص 309: كان شجاعا جوادا سيدا. وقال أبو عمرو الكشي في رجاله ص 73: لم يزل قيس سيدا في الجاهلية والاسلام وأبوه و جده وجد جده لم يزل فيهم الشرف، وكان سعد يجير فيجار وذلك له لسؤدده، ولم يزل هو وأبوه أصحاب إطعام في الجاهلية والاسلام، وقيس ابنه بعده على مثل ذلك. وفي الاستيعاب 2 ص 538: كان قيس شريف قومه غير مدافع هو وأبوه وجده. وفي أسد الغابة 4 ص 215: كان شريف قومه غير مدافع ومن بيت سيادتهم.

وقال ابن كثير في تاريخه 8 ص 99: كان سيدا مطاعا كريما ممدوحا شجاعا. وقال المترجم له في أبيات له:

وإني من القوم اليمانين سيد * وما الناس إلا سيد ومسود
وبز جميع الناس أصلي ومنصبي * وجسم به أعلو الرجال مديد

وكان والده أحد النقباء الاثنى عشر الذين ضمنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام قومهم والنقيب: الضمين. راجع تاريخ ابن عساكر 1 ص 86.

* (وأما إمارته) *

ففي العهد النبوي كان من النبي صلى الله عليه وآله بمنزلة صاحب الشرطة

____________

(1) وقيل: حارثة بن خزيم بن أبي خزيمة بالمعجمة المضمومة، تاريخ الخطيب 1 ص 177.

(2) هنا يتحد المترجم مع حسان في النسب.


الصفحة 4


 

من الأمير يلي ما يلي من أموره (1) وكان حامل راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الغزوات، واستعمله على الصدقة، وكان من ذوي الرأي من الناس(2) وبعده ولاه أمير المؤمنين عليه السلام مصر وكان أميرها الطاهر.

كان قيس من شيعة علي عليه السلام ومناصحيه بعثه علي أميرا على مصر في صفر سنة 36، وقال له: سر إلى مصر فقد وليتكها، واخرج إلى ظاهر المدينة، واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتي مصر ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك، فإذا أنت قدمتها إنشاء الله فأحسن إلى المحسن، واشدد على المريب، و أرفق بالعامة والخاصة فإن الرفق يمن.

فقال قيس: رحمك الله يا أمير المؤمنين؟ قد فهمت ما ذكرت، فأما الجند فإني أدعه لك، فإذا احتجت إليهم كانوا قريبا منك، وإن أردت بعثتهم إلى وجه من وجوهك كان لك عدة، ولكني أسير إلى مصر بنفسي وأهل بيتي، وأما ما أوصيتني به من الرفق والاحسان فالله تعالى هو المستعان على ذلك.

فخرج قيس في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر مستهل ربيع الأول فصعد المنبر فجلس عليه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي جاء بالحق. وأمات الباطل، وكبت الظالمين، أيها الناس؟ إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا محمد " صلى الله عليه وآله " فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله، فإن نحن لم نعلم لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم.

فقام الناس فبايعوا واستقامت مصر وأعمالها لقيس وبعث عليها عماله إلا أن قرية منها يقال لها: خربتا (3) قد أعظم أهلها قتل عثمان وبها رجل من بني كنانة يقال له: يزيد ابن الحارث فبعث إلى قيس إنا لا نأتيك فابعث عمالك فالأرض أرضك ولكن أقرنا على

____________

(1) صحيح الترمذي 2 ص 317، سنن البيهقي 8 ص 155، مصابيح البغوي 2 ص 51، الاستيعاب 2 ص 538، أسد الغابة 4 ص 215، الإصابة 5 ص 354، تهذيب التهذيب 6 ص 394؟؟، مجمع الروايد 9 ص 345.

(2) تاريخ ابن عساكر، تاريخ ابن كثير 8 ص 99.

(3) بفتح الخاء وكسرها وكسر الراء المهملة ثم الموحدة الساكنة.


الصفحة 5


 

حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس، ووثب محمد بن مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري فنعى عثمان ودعا إلى الطلب بدمه. فأرسل إليه قيس: ويحك أعلي تثب؟ والله ما أحب أن لي ملك الشام ومصر وإني قتلتك فأحقن دمك. فأرسل إليه مسلمة: إني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر، وكان قيس له حزم ورأي (1).

خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى الجمل وقيس على مصر، ورجع من البصرة إلى الكوفة وهو بمكانه ووليها أربعة أشهر وخمسة أيام، دخلها كما مر في مستهل ربيع الأول وصرف منها لخمس خلون من رجب كما في الخطط للمقريزي، فما في الاستيعاب وغيره: إنه شهد الجمل الواقع في جمادى الآخرة سنة 36 في غير محله، نعم يظهر من التاريخ شهوده في مقدمات الجمل.

وولاه على أمير المؤمنين آذربيجان كما في تاريخ اليعقوبي 2 ص 178 وكتب إليه وهو عليها: أما بعد: فأقبل على خراجك بالحق، وأحسن إلى جندك بالإنصاف، وعلم من قبلك مما علمك الله، ثم إن عبد الله بن شبيل الأحمسي سألني الكتاب إليك فيه بوصايتك به خيرا، فقد رأيته وادعا متواضعا، فألن حجابك، وافتح بابك، واعمد إلى الحق، فإن من وافق الحق ما يحبو أسره، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب.

قال غياث: ولما أجمع علي على القتال لمعاوية كتب أيضا إلى قيس: أما بعد:

فاستعمل عبد الله بن شبيل الأحمسي خليفة لك وأقبل إلي، فإن المسلمين قد أجمع ملأهم وانقادت جماعتهم، فعجل الاقبال فأنا سأحضرن إلى المحلين عند غرة الهلال إنشاء الله، وما تأخري إلا لك، قضى الله لنا ولك بالاحسان في أمرنا كله.

وروى الطبري في تاريخه 6 ص 91، وابن كثير في تاريخه 8 ص 14 عن الزهري : أنه قال: جعل علي عليه السلام قيس بن سعد على مقدمة من أهل العراق إلى قبل آذربيجان وعلى أرضها وشرطة الخميس التي ابتدعتها العرب وكانوا أربعين ألفا بايعوا عليه السلام على الموت، ولم يزل قيس يداري ذلك البعث حتى قتل علي عليه السلام واستخلف

____________

(1) تاريخ الطبري 5 ص 227، كامل ابن الأثير 3 ص 106، شرح ابن أبي الحديد 2  ص 23 نقلا عن كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي.


الصفحة 6


أهل العراق الحسن بن علي عليها السلام على الخلافة.

* (حديث دهاءه) *

يجد القارئ شواهد قوية على ذلك من مواقفه العظيمة في المغازي، ونظراته العميقة في الحروب، وآرائه المتبعة في مهمات القضايا، وأفكاره العالية في إمارته، وإعظام الإمام أمير المؤمنين محله من الدهاء، وإكباره رأيه في حكومته، فإنه لما قدم قيس من ولاية مصر على علي، وأخبره الخبر الجاري بينه وبين رجال مصر ومعاوية علم أنه كان يقاسي أمورا عظاما من المكايدة، فعظم محل قيس عنده، وأطاعه في الأمر كله (تاريخ الطبري 5 ص 231).

فعندها تجد سيد الخزرج (قيس) في الطبقة العليا من أصحاب الرأي ومن مقدمي رجالات النهى والحجا، وتشاهد هناك آيات عقله المطبوع والمكتسب، وتعده أعظم دهاة العرب حين ثارت الفتن، وسعرت نار الحرب، إن لم نقل: أعظم دهاة العالم، ونرى له التقدم في الفضيلة على الخمسة (1) الذين عدوه منهم، وأولاهم بالعقلية الناضجة، وتجد دون محله الشامخ ما في الاستيعاب 2 ص 538 وغيره (2) من:

إنه أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب من أهل الرأي والمكيدة في الحرب، مع النجدة والسخاء والشجاعة. قال الحلبي في سيرته. من وقف على ما وقع بينه وبين معاوية لرأى العجب من وفور عقله. وقال ابن كثير في البداية 8 ص 99: ولاه علي نيابة مصر وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص.

وكان الإمام السبط الحسن يوصي أمير عسكره عبد الله بن العباس وهو أمير اثنى عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء مصر بمشاورة قيس بن سعد والمراجعة إليه في مهام الحرب مع معاوية والأخذ برأيه في سياسة الجيش، كما يأتي حديثه.

وكان ثقيلا جدا على معاوية وأصحابه، ولما قدم قيس إلى المدينة من مصر

____________

(1) هم: معاوية. عمرو بن العاص. قيس بن سعد. المغيرة بن شعبة. عبد الله بن بديل:

راجع تاريخ الطبري 6 ص 94، كامل ابن الأثير 3 ص 143، أسد الغابة 4 ص 215.

(2) أسد الغابة 4 ص 215، الإصابة 3 ص 249، تهذيب التهذيب 8 ص 395، السيرة الحلبية 3 ص 93.


الصفحة 7


 

أخافه مروان والأسود بن أبي البختري فظهر قيس إلى علي عليه السلام فكتب معاوية إلى مروان والأسود يتغيظ عليهما ويقول: أمددتما عليا بقيس بن سعد ورأيه و مكايدته، فوالله لو أنكما أمددتماه بمأة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ إلي من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي (تاريخ الطبري 6 ص 53) وعالج معاوية قلوب أصحابه وأمنهم من ناحية قيس بافتعال كتاب عليه وقرائته على أهل الشام كما يأتي تفصيله.

وكان قيس يرى نفسه في المكيدة والدهاء فوق الكل وأولى الجميع ويقول:

لولا أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: المكر والخديعة في النار. لكنت من أمكر هذه الأمة (1) ويقول: لولا الاسلام لمكرت مكرا لا تطيقه العرب (2) فشهرته بالدهاء مع تقيد المعروف بالدين، وكلاءته حمى الشريعة، والتزامه البالغ في إعمال الرأي بما يوافق رضى مولاه سبحانه، وكفه نفسه عما يخالف ربه، تثبت له الأولوية والتقدم والبروز بين دهاة العرب، ولا يعادله من الدهاة الخمسة الشهيرة أحد إلا عبد الله بن بديل وذلك لاشتراكهما في المبدء، والتزامهما بالدين الحنيف، والكف عن الهوى، والوقوف عند مضلات الفتن.

وكلامه لمالك الأشتر (مالك وما مالك؟) ينم عن غزارة عقله، وحسن تدبيره، واستقامة رأيه، وقوة إيمانه، وهو من غرر الكلم، ودرر الحكم، رواه شيخ الطايفة في أماليه ص 86 في حديث طويل فقال: قال الأشتر لعلي عليه السلام: دعني يا أمير المؤمنين؟ أوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك. فقال له: كف عني. فانصرف الأشتر وهو مغضب، ثم إن قيس بن سعد لقي مالكا في نفر من المهاجرين والأنصار فقال: يا مالك؟ كلما ضاق صدرك بشئ أخرجته، وكلما استبطأت أمرا استعجلته، إن أدب الصبر: التسليم، وأدب العجلة: الأناة، وإن شر القول: ما ضاهى العيب، وشر الرأي: ما ضاهى التهمة، فإذا ابتليت فاسأل، وإذا أمرت فأطع، ولا تسأل قبل البلاء، ولا تكلف قبل أن ينزل الأمر، فإن في أنفسنا ما في نفسك، فلا تشق على صاحبك.

____________

(1) أسد الغابة 4 ص 215، تاريخ ابن كثير 8 ص 101.

(2) الدرجات الرفيعة، الإصابة 3 ص 249.


الصفحة 8


 

ولما بويع أمير المؤمنين بلغه: أن معاوية قد وقف من إظهار البيعة له وقال:

إن أقرني على الشام وأعمالي التي ولانيها عثمان بايعته. فجاء المغيرة إلى أمير المؤمنين فقال له: يا أمير المؤمنين؟ إن معاوية من قد عرفت وقد ولاه الشام من كان قبلك فوله أنت كيما تتسق عرى الأمور ثم اعزله إن بدا لك فقال أمير المؤمنين: أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه؟ قال: لا. قال: لا يسألني الله عز وجل عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبدا، وما كنت متخذ المضلين عضدا، لكن أبعث إليه وادعوه إلى ما في يدي من الحق، فإن أجاب فرجل من المسلمين، له ما لهم، و عليه ما عليهم، وإن أبى حاكمته إلى الله، فولى المغيرة وهو يقول: فحاكمه إذا، فحاكمه إذا، فأنشأ يقول:

نصحت عليا في ابن حرب نصيحة * فرد فما مني له الدهر ثانيه
ولم يقبل النصح الذي جئته به * وكانت له تلك النصيحة كافيه
وقالوا له: ما أخلص النصح كله * فقلت له: إن النصيحة غاليه

فقام قيس بن سعد فقال: يا أمير المؤمنين؟ إن المغيرة أشار عليك بأمر لم يرد الله به، فقدم فيه رجلا وأخر فيه أخرى، فإن كان لك الغلبة يقرب إليك بالنصيحة، و إن كانت لمعاوية يقرب إليه بالمشورة. ثم أنشأ يقول:

يكاد ومن أرسى بثيرا مكانه (1) * مغيرة أن يقوى عليك معاويه
وكنت بحمد الله فينا موفقا * وتلك التي أرءاكها غير كافيه
فسبحان من علا السماء مكانها * وأرضا دحاها فاستقرت كما هيه

فكان هو صاحب الرأي الوحيد بعين الإمام الطاهر تجاه تلك الآراء التعسة الفارغة عن النزعات الروحية في كل منحسة ومتعسة بين حاذف وقاذف (2)

* (فروسيته) *

إن الباحث لا يقف على أي معجم يذكر فيه قيس إلا ويجد في طيه جمل الثناء

____________

الواو: للقسم. بثير مصغرا. جبل معروف بمنى.

(2) مثل يضرب لمن هو بين شرين: الحاذف بالعصا، القاذف بالحصا.


الصفحة 9


 

متواصلة على حماسته وشجاعته، ويقرأ له دروسا وافية حول فروسيته، وبأسه في الحروب وشدته في المواقف الهائلة، فما عساني أن أكتب عن فارس سجل له التأريخ: إنه كان سياف النبي الأعظم، وأشد الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين؟ (1) وما عساني أن أقول في باسل كان أثقل خلق الله على معاوية؟ جبن أصحابه الشجاع والجبان، وكان أشد عليه من جيش عرام، وكتائب تحشد مائة ألف مقاتل، وكان يوم صفين يقول والله إن قيسا يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل. (2) تعرب عن هذه الناحية مواقفه في العهدين: النبوي والعلوي. أما مواقفه على العهد النبوي فتجد نبأها العظيم في صحايف بدر وفتح وحنين واحد وخيبر ونضير وأحزاب، وهو يعد مواقفه هذه كلها في شعره ويقول:

إننا إننا الذين إذا الفتح * شهدنا وخيبرا وحنينا
بعد بدر وتلك قاصمة الظهر * واحد وبالنضير ثنينا

وقال سيدنا صاحب " الدرجات الرفيعة ": إنه شهد مع النبي المشاهد كلها، وكان حامل راية الأنصار مع رسول الله، أخذ النبي صلى الله عليه وآله يوم الفتح الراية من أبيه - سعد - و دفعها إليه. وقال الخطيب في تاريخه 1 ص 177: إنه حمل لواء رسول الله في بعض مغازيه.

وفي تاريخي الطبري وابن الأثير 3 ص 106: إنه كان صاحب راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان من ذوي الرأي والبأس. وفي الاستيعاب (3): إنه كان حامل راية النبي في فتح مكة إذا نزعها من أبيه، وأرسل عليا رضي الله عنه أن ينزع اللواء منه ويدفعه لابنه قيس ففعل.

وأما مواقفه على العهد العلوي فكان يحض أمير المؤمنين على قتال معاوية ويحثه على محاربة مناوئيه ويقول: يا أمير المؤمنين؟ ما على الأرض أحد أحب إلينا أن يقيم فينا منك. لأنك نجمنا الذي نهتدي به، ومفزعنا الذي نصير إليه، وإن فقدناك لتظلمن أرضنا وسماؤنا، ولكن والله لو خليت معاوية للمكر ليرومن مصر، وليفسدن اليمن، وليطعمن في العراق، ومعه قوم يمانيون قد اشربوا قتل عثمان، وقد اكتفوا بالظن

____________

(1) إرشاد القلوب للديلمي 2 ص 201.

(2) يأتي ذكر مصادر هذه كلها إنشاء الله تعالى.

(3) 2 ص 537، والسيرة الحلبية 3 ص 93، وهامشها سيرة زيني دحلان 2 ص 265.


الصفحة 10


 

عن العلم، وبالشك عن اليقين، وبالهوى عن الخير، فسر بأهل الحجاز وأهل العراق ثم ارمه بأمر يضيق فيه خناقه، ويقصر له من نفسه. فقال: أحسنت والله يا قيس؟

وأجملت (1) ز فأرسله علي عليه السلام مع ولده الحسن الزكي وعمار بن ياسر إلى الكوفة ودعوة أهلها إلى نصرته فخطب الحسن عليه السلام هناك وعمار وبعدهما قام قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس؟ إن هذا الأمر لو استقبلنا به الشورى، لكان علي أحق الناس به في سابقته وهجرته وعلمه وكان قتل من أبى ذلك حلالا وكيف؟ والحجة قامت على طلحة والزبير وقد بايعاه خلعاه حسدا. فقام خطباؤهم وأسرعوا إلى الرد بالإجابة فقال النجاشي:

رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا * عليا وأبناء النبي محمد
وقلنا له: أهلا وسهلا ومرحبا * نقبل يديه من هوى وتودد
فمرنا بما ترضى نجبك إلى الرضا * بصم العوالي والصفيح المهند (2)
وتسويد من سودت غير مدافع * وإن كان من سودت غير مسود
فإن نلت ما تهوى فذاك نريده * وإن تخط ما تهوى فغير تعمد

وقال قيس بن سعد حين أجاب أهل الكوفة:

جزى الله أهل الكوفة اليوم نصرة * أجابوا ولم يأبوا بخذلان من خذل
وقالوا: علي خير حاف وناعل * رضينا به من ناقضي العهد من بدل
هما أبرزا زوج النبي تعمدا * يسوق بها الحادي المنيخ على جمل
فما هكذا كانت وصاة نبيكم * وما هكذا الانصاف أعظم بذا المثل
فهل بعد هذا من مقال لقائل؟ * ألا قبح الله الأماني والعلل

هذا لفظ شيخ الطائفة في أمالي ولده ص 87 و 94، ورواه شيخنا المفيد في - النصرة

____________

(1) أمالي شيخ الطايفة ص 85.

(2) صم الرجل بحجر: ضربه به. السيف المصمم: الماضي. العوالي إلى ج العالية: ما يلي السنان من القناة. ويطلق على الرمح. الصفيح ج الصفيحة: السيف العريض. هند السيف: أحد.


الصفحة 11


 

لسيد العترة - ونسب الأبيات الدالية إلى قيس بن سعد بتغيير وزيادة وهذا لفظه: فلما قدم الحسن عليه السلام وعمار وقيس الكوفة مستنفرين لأهلها (إلى أن قال): ثم قام قيس بن سعد رحمه الله فقال: أيها الناس إن هذا الأمر لو استقبلناه فيه شورى لكان أمير المؤمنين أحق الناس به لمكانه من رسول الله، وكان قتال من أبى ذلك حلالا، فكيف في الحجة على طلحة والزبير؟ وقد بايعاه طوعا ثم خلعاه حسدا وبغيا، وقد جاءكم علي في المهاجرين والأنصار، ثم أنشأ يقول:

رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا * عليا وأبناء الرسول محمد
وقلنا لهم: أهلا وسهلا ومرحبا * نمد يدينا من هوى وتودد
فما للزبير الناقض العهد حرمة * ولا لأخيه طلحة اليوم من يد
أتاكم سليل المصطفى ووصيه * وأنتم بحمد الله عار من الهد (1)
فمن قائم يرجى بخيل إلى الوغا * وصم العوالي والصفيح المهند
يسود من أدناه غير مدافع * وإن كان ما نقضيه غير مسود
فإن يأتي ما نهوى فذاك نريده * وإن نخط ما نهوى فغير تعمد

وكان يسير في تلك المواقف بكل عظمة وجلال بهيئة فخمة، ترهب القلوب، وترعب الفوارس، وترعد الفرائص، قال المنذر بن الجارود يصف مواكب المجاهدين مع أمير المؤمنين وقد رآهم في الزاوية (2): ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض، وقلنسوة بيضاء، وعمامة صفراء، متنكب قوسا، متقلد سيفا، تخط رجلاه في الأرض، في ألف من الناس، الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض، معه راية صفراء، قلت:

من هذا؟ قيل: هذا قيس بن سعد بن عبادة في الأنصار وأبناءهم وغيرهم من قحطان.

" مروج الذهب 2 ص 8 ".

ولما أراد أمير المؤمنين المسير إلى أهل الشام دعا إليه من كان معه من المهاجرين والأنصار فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: فإنكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، مباركوا الفعل والأمر، وقد أردنا المسير إلى عدونا وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم.

____________

(1) الهد: الضعيف والجبان.

(2) موضع قرب البصرة، وقرية بين واسط والبصرة على شاطئ دجلة.


الصفحة 12


 

فقام قيس بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين؟ انكمش (1) بنا إلى عدونا، ولا تعرج (2) فوالله لجهادهم أحب إلي من جهاد الترك والروم لإدهانهم في دين الله، واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله من المهاجرين و الأنصار، والتابعين بالاحسان، إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيروه، وفيأنا لهم في أنفسهم حلال، ونحن لهم فيما يزعمون قطين. قال: يعني رقيق.

" كتاب صفين ص 50 " قال صعصعة بن صوحان: لما عقد علي بن أبي طالب الألوية لأجل حرب صفين أخرج لواء رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ير ذلك اللواء منذ قبض رسول الله، فعقده علي ودعا قيس بن سعد بن عبادة فدفع إليه واجتمعت الأنصار وأهل بد فلما نظروا إلى لواء رسول الله صلى الله عليه وآله بكوا فأنشأ قيس بن سعد يقول:

هذا اللواء الذي كنا نحف به * مع النبي وجبريل لنا مدد
ما ضر من كانت الأنصار عيبته * أن لا يكون له من غيرهم أحد
قوم إذا حاربوا طالت أكفهم * بالمشرفية حتى يفتح البلد

ابن عساكر في تاريخه 3 ص 245، وابن عبد البر في " الاستيعاب 2 ص 539، وابن الأثير في " أسد الغابة " 4 ص 216، والخوارزمي في " المناقب " ص 122 (3).

ولما تعاظمت الأمور على معاوية دعا عمر بن العاص، وبسر بن أرطاة، و عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقال لهم: إنه قد غمني رجال من أصحاب علي منهم: سعيد بن قيس في همدان، والأشتر في قومه، والمرقال (هاشم بن عتبة)، وعدي بن حاتم، وقيس بن سعد في الأنصار، وقد وقتكم يمانيكم بأنفسها حتى لقد إستحييت لكم وأنتم عددتم من قريش، وقد أردت أن يعلم الناس أنكم أهل غنا، وقد عبأت لكل رجل منهم رجلا منكم فاجعلوا ذلك إلي. فقالوا:

ذلك إليك. قال: فأنا أكفيكم سعيد بن قيس وقومه غدا. وأنت يا عمرو؟ لأعور بني

____________

(1) انكمش الرجل: أسرع.

(2) من عرج: وقف ولبث.

(3) ذكر الأبيات له شيخنا المفيد في يوم الجمل وهو في غير محله.


الصفحة 13


 

زهرة: المرقال. وأنت يا بسر؟ لقيس بن سعد. وأنت يا عبيد الله؟ للأشتر النخعي.

وأنت يا عبد الرحمن بن خالد؟ لأعور طي يعني: عدي بن حاتم. ثم ليرد كل رجل منكم عن حماة الخيل فجعلها نوايب في خمسة أيام لكل رجل منهم يوما.

وإن بسر بن أرطاة غدا في اليوم الثالث في حماة الخيل فلقي قيس بن سعد في كماة الأنصار فاشتدت الحرب بينهما وبرز قيس كأنه فنيق (1) مقرم (2) وهو يقول:

أنا ابن سعد زانه عباده * والخزرجيون رجال ساده
ليس فراري بالوغا بعاده * إن الفرار للفتى قلاده
يا رب أنت لقني الشهادة(3) * والقتل خير من عناق غاده
حتى متى تثنى لي الوسادة

فطعن خيل بسر وبرز له بعد ملي وهو يقول:

أنا ابن أرطاة عظيم القدر * مراود في غالب بن فهر
ليس الفرار من طباع بسر * إن يرجع اليوم بغير وتر
وقد قضيت في عدوي نذري * يا ليت شعري ما بقي من عمري

وجعل يطعن بسر قيسا فيضربه قيس بالسيف فيرده على عقبيه، ورجع القوم جميعا ولقيس الفضل (كتاب صفين ص 226).

وروى نصر في كتابه ص 227 - 240: إن معاوية دعا النعمان بن بشر بن سعد الأنصاري، ومسلمة بن مخلد الأنصاري ولم يكن معه من الأنصار غيرهما فقال: يا هاذان؟ لقد غمني ما لقيت من الأوس والخزرج، صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال حتى والله جبنوا أصحابي الشجاع والجبان، وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قالوا: قتله الأنصار، أما والله لألقينهم بحدي وحديدي، ولأعيبن لكل فارس منهم فارسا ينشب (4) في حلقه، ثم لأرمينهم بأعدادهم من قريش

____________

(1) فنيق كشريف: الفحل المكرم لا يؤذى ولا يركب لكرامته.

(2) أقرم الفحل: ترك عن الركوب والعمل للفحلة.

(3) في مناقب ابن شهر آشوب: يا ذا الجلال لقني الشهادة.

(4) نشب الشيئ في الشيئ: علق فيه.


الصفحة 14


 

رجالا لم يغذهم التمر والطفيشل (1) يقولون: نحن الأنصار قد والله آووا ونصروا ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم.

فغضب النعمان فقال: يا معاوية؟ لا تلومن الأنصار بسرعتهم في الحرب فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية، فأما دعاؤهم إلى النزال فقد رأيتهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وأما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش فقد علمت ما لقيت قريش منهم فإن أحببت أن ترى فيهم مثل ذلك آنفا؟ فافعل، وأما التمر والطفيشل فإن التمر كان لنا فلما أن ذقتموه شاركتمونا فيه، وأما الطفيشل فكان لليهود فلما أكلناه غلبنا هم عليه كما غلب قريش على سخينة (2) ثم تكلم مسلمة بن مخلد (إلى أن قال):

وانتهى الكلام إلى الأنصار فجمع قيس بن سعد الأنصاري الأنصار ثم قام خطيبا فيهم فقال: إن معاوية قد قال ما بلغكم وأجاب عنكم صاحبكم، فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه بالأمس، وإن وترتموه في الاسلام لقد وترتموه في الشرك، وما لكم إليه من ذنب أعظم من نصر هذا الدين الذي أنتم عليه، فجدوا اليوم جدا تنسونه به ما كان أمس، وجدوا غدا جدا تنسونه به ما كان اليوم، وأنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبرئيل وعن يساره ميكائيل، والقوم مع لواء أبي جهل والأحزاب، وأما التمر فإنا لم نغرسه ولكن غلبنا عليه من غرسه، وأما الطفيشل فلو كان طعامنا لسمينا به كما سميت: قريش السخينة. ثم قال قيس بن سعد في ذلك:

يا بن هند: دع التوثب في الحرب * إذا نحن في البلاد نأينا (3)
نحن من قد رأيت فادن إذا * شئت بمن شئت في العجاج إلينا
إن برزنا بالجمع نلقك في الجمع * وإن شئت محضة أسرينا
فالقنا في اللفيف نلقك في الخزرج * تدعو في حربنا أبوينا
أي هذين ما أردت فخذه؟ * ليس منا وليس منك الهوينا

____________

(1) كسميدع: نوع من المرق.

(2) طعام يتخذ من دقيق وسمن كانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها وسميت: قريش السخينة.

(3) ذكر ابن أبي الحديد في شرحه 2 ص 297 ستة من هذه الأبيات مع اختلاف فيها.


الصفحة 15


 

ثم لا ينزع العجاجة حتى * تنجلي حوبنا لنا أو علينا
ليت ما تطلب العداة أتانا * أنعم الله بالشهادة عينا
إننا إننا الذين إذا الفتح * شهدنا وخيبرا وحنينا
بعد بدر وتلك قاصمة الظهر * واحد وبالنضير ثنينا
يوم الأحزاب قد علم الناس * شفينا من قبلكم واشتفينا

فلما بلغ معاوية شعره دعا عمرو بن العاص فقال: ما ترى في شتم الأنصار؟ قال:

أرى أن توعد ولا تشتم، ما عسى أن تقول لهم؟ إذا أردت ذمهم ذم أبدانهم ولا تذم أحسابهم قال معاوية: إن خطيب الأنصار قيس بن سعد يقوم كل يوم خطيبا وهو والله يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل، فما الرأي؟ قال: الرأي: التوكل والصبر.

فأرسل معاوية إلى رجال من الأنصار فعاتبهم، منهم: عقبة بن عمرو. وأبو مسعود.

والبراء بن عازب. و عبد الرحمن بن أبي ليلي. وخزيمة بن ثابت. وزيد بن أرقم. وعمرو ابن عمرو. والحجاج بن غزية. وكانوا هؤلاء يلقون في تلك الحرب فبعث معاوية بقوله:

لتأتوا قيس بن سعد. فمشوا بأجمعهم إلى قيس قالوا: إن معاوية لا يريد شتمنا فكف عن شتمه فقال: إن مثلي لا يشتم ولكني لا أكف عن حربه حتى ألقى الله. وتحركت الخيل غدوة فظن قيس بن سعد أن فيها معاوية فحمل على رجل يشبهه فقنعه بالسيف فإذا غير معاوية، وحمل الثانية يشبهه أيضا فضربه ثم انصرف وهو يقول:

قولوا لهذا الشاتمي معاويه * إن كلما أوعدت ريح هاويه
خوفتنا لكلب قوم عاويه * إلي يا بن الخاطئين الماضيه
ترقل إرقال العجوز الخاويه (1) * في أثر الساري ليال الشاتيه

فقال معاوية: يا أهل الشام؟ إذا لقيتم هذا الرجل فأخبروه بمساويه (فلما تحاجز الفريقان شتمه معاوية شتما قبيحا وشتم الأنصار) (2) فغضب النعمان ومسلمة على معاوية، فأرضاهما بعد ما هما أن ينصرفا إلى قومهما.

____________

(1) أرقل: أسرع. الخاوية: الساقطة.

(2) هذه الجملة من لفظ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
 


الصفحة 16


 

ثم إن معاوية سأل النعمان أن يخرج إلى قيس فيعاتبه ويسأله السلم، فخرج النعمان حتى وقف بين الصفين فقال يا قيس؟ أنا النعمان بن بشير. فقال قيس: هيه يا ابن بشير؟ فما حاجتك؟ فقال النعمان: يا قيس؟ إنه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه، ألستم معشر الأنصار تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار؟ وقتلتم أنصاره يوم الجمل؟ وأقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين؟ فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا لكان واحدة بواحدة، ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب، ودعوتم إلى البراز، ثم لم ينزل بعلي أمر (1) قط إلا هونتم عليه المصيبة، ووعدتموه الظفر، وقد أخذت الحرب منا وعنكم ما قد رأيتم فاتقوا الله في البقية.

فضحك قيس ثم قال: ما كنت أراك يا نعمان؟ تجتري على هذه المقالة، إنه لا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش الضال المضل. أما ذكرك عثمان فإن كانت الأخبار تكفيك فخذ مني واحدة: قتل عثمان من لست خيرا منه، وخذله من هو خير منك، أما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث. وأما معاوية فوالله لو اجتمعت عليه العرب لقاتلته الأنصار. وأما قولك: إنا لسنا كالناس فنحن في هذا الحرب كما كنا مع رسول الله نتقي السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، ولكن انظر يا نعمان؟ هل ترى مع معاوية إلا طليقا أو أعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور؟ انظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك؟ ولستما والله ببدريين ولا أحديين ولا لكما سابقة في الاسلام، ولا آية في القرآن (2) و لعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك. ثم قال قيس في ذلك:

والراقصات بكل أشعث أغبر * خوص العيون تحثها الركبان
ما ابن المخلد ناسيا أسيافنا * عمن نحاربه ولا النعمان

____________

(1) في شرح النهج: خطب.

(2) وإلى هنا رواه ابن قتيبة أيضا في الإمامة والسياسية 1 ص 94.

 


الصفحة 17


 

تركا العيان وفي العيان كفاية * لو كان ينفع صاحبيه عيان

ثم إن عليا عليه السلام دعا قيس بن سعد فأثنى عليه خيرا وسوده على الأنصار (1) وخرج قيس في نهروان إلى الخوارج فقال لهم: عباد الله؟ أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه، وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيما من الأمر، تشهدون علينا بالشرك، والشرك ظلم عظيم، تسفكون دماء المسلمين، وتعدونهم مشركين. فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر. فقال قيس: ما نعلمه فينا غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم؟ قالوا: لا. قال: نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها فإني لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم (2)

أما موقفه بعد العهدين فكان مع الإمام السبط المجتبى سلام الله عليه ولما وجه عسكره إلى قتال أهل الشام دعا عليه السلام عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فقال له: يا بن عم؟ إني باعث إليك اثنى عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء مضر، الرجل منهم يريد الكتيبة، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وأبسط لهم وجهك، وأفرش لهم جناحك، وادنهم في مجلسك، فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات حتى تسير بمسكن (3) ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني على أثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين يعني: قيس بن سعد وسعيد بن قيس، وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله، وإن أصبت فقيس بن سعد، وإن أصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس. فسار عبيد الله...

فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل قرية يقال لها: الحيوضة. (بمسكن) وأقبل

____________

(1) إلى هنا تنتهى رواية نصر بن مزاحم في كتاب صفين.

(2) تاريخ الطبري 6 ص 47، كامل ابن الأثير 3 ص 137.

(3) بفتح الميم ثم السكون ثم الكسر: موضع قريب من أوانا ناحية دجيل بينه وبين بغداد عدة فراسخ من جهة تكريت.

 


الصفحة 18


 

عبيد الله بن عباس حتى نزل بإزاءه فلما كان من غد وجه معاوية بخيل إلى عبيد الله فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن عباس أن الحسن قد أرسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إلي فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، اعجل لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فأقبل عبيد الله إليه ليلا فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده، وأصبح الناس ينتظرون عبيد الله أن يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فثبتهم وذكر عبيد الله فنال منه، ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو فأجابوه بالطاعة وقالوا له: انهض بنا إلى عدونا على اسم الله. فنزل فنهض بهم وخرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق:

ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع، وإمامكم الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟

فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا إحدى اثنتين: إما القتال مع غير إمام، وإما أن تبايعوا بيعة ضلال. فقالوا: بل نقاتل بلا إمام فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم، فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه فكتب إليه قيس: لا والله لا تلقاني أبدا إلا بيني وبينك الرمح (شرح ابن أبي الحديد 4 ص 14)

قال اليعقوبي في تاريخه 2 ص 191: إنه وجه الحسن عليه السلام بعبيد الله بن العباس في اثنى عشر ألفا لقتال معاوية ومعه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وأمر عبيد الله أن يعمل بأمر قيس ورأيه فسار إلى ناحية الجزيرة وأقبل معاوية لما انتهى إليه الخبر بقتل علي فسار إلى الموصل بعد قتل علي بثمانية عشر يوما، والتقى العسكران فوجه معاوية إلى قيس بن سعد: يبذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه، فأرسل إليه بالمال وقال: تخدعني عن ديني؟

فيقال: إنه أرسل إلى عبيد الله بن عباس وجعل له ألف ألف درهم فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس على محاربته، وكان معاوية يدس إلى عسكر الحسن من يتحدث: أن قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ووجه إلى عسكر قيس من يتحدث : أن الحسن قد صالح معاوية وأجابه.

 


الصفحة 19


 

وفي الاستيعاب 2 ص 225 عن عروة قال: كان قيس مع الحسن بن علي على مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤسهم بعد ما مات علي وتبايعوا على الموت، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل وقال لأصحابه: ما شئتم؟ إن شئتم جادلت بكم حتى يموت الأعجل منا، وإن شئتم أخذت لكم أمانا؟؟! فقالوا:

خذ لنا أمانا، فأخذ لهم إن لهم كذا وكذا، وأن لا يعاقبوا بشئ وأنه رجل منهم، ولم يأخذ لنفسه خاصة شيئا. (ثم ارتحل نحو المدينة ومضى بأصحابه).

* (حديث جوده) *

لا يسعنا بسط المقال في أخبار (قيس) من هذه الناحية لكثرتها، غير أنا نورد لك شيئا من ذلك الكثير الطيب، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق (1) وكانت هذه الخلة من هذا البيت على عنق الدهر " أي قديما " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

الجود من شيمة أهل ذلك البيت (2).

باع قيس مالا من معاوية بتسعين ألفا فأمر مناديا فنادى في المدينة: من أراد القرض فليأت منزل سعد فأقرض أربعين أو خمسين وأجاز الباقي، وكتب على من أقر له صكا، فمرض مرضا قل عواده فقال لزوجته قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر: يا قريبة؟

لم ترين قل عوادي؟ قالت للذي لك عليهم من الدين. فأرسل إلى كل رجل بصكه المكتوب عليه فوهبه ماله عليهم (3).

قال جابر: خرجنا في بعث كان عليهم قيس بن سعد ونحر لهم تسع ركائب فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله ذكروا له من أمر قيس فقال: إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت، ولما ارتحل من العراق نحو المدينة ومضى بأصحابه جعل ينحر لهم كل يوم جزورا حتى بلغ (4)

____________

(1) مثل يضرب: أي حسبك بالقليل من الكثير.

(2) الإصابة 5 ص 254.

(3) تاريخ الخطيب البغدادي 1 ص 177، تاريخ ابن كثير 8 ص 69.

(4) الاستيعاب 2 ص 525، تهذيب التهذيب 8 ص 394.

 


الصفحة 20


 

روى عبد الله بن المبارك عن جويرة قال: كتب معاوية إلى مروان: أن اشتر دار كثير بن الصلت منه فأبى عليه فكتب معاوية إلى مروان: أن خذه بالمال الذي عليه، فإن جاء به وإلا بع عليه داره. فأرسل إليه مروان فأخبره قال: إني أؤجلك ثلاثا فإن جئت بالمال وإلا بعت عليك دارك. قال: فجمعها إلا ثلاثين ألفا فقال: من لي بها؟ ثم ذكر قيس بن سعد فأتاه فطلبها منه فأقرضه فجاء بها إلى مروان فلما رآه قد جاء بها ردها إليه ورد عليه داره، فرد كثير الثلاثين ألفا على قيس فأبى أن يقبلها. (1)

روى المبرد في كامله 1 ص 309: أن عجوزا شكت إلى قيس أن ليس في بيتها جرذ فقال: ما أحسن ما سألت، أما والله لأكثرن جرذان بيتك. فملأ بيتها طعاما وودكا وإداما، وقال ابن عبد البر: هذه القصة مشهورة صحيحة.

في كامل المبرد 1 ص 309: إنه توفي أبوه عن حمل لم يعلم به، فلما ولد وقد كان سعد رضي الله عنه قسم ماله في حين خروجه من المدينة بين أولاده فكلم أبو بكر و عمر في ذلك قيسا وسألاه أن ينقض ما صنع سعد من تلك القسمة فقال: نصيبي للمولود ولا أغير ما صنع أبي ولا أنقضه. وذكره ابن عبد البر في " الاستيعاب " 2 ص 525 وقال:

صحيح من رواية الثقات.

ومن مشهور أخبار قيس: إنه كان له مال كثير ديونا على الناس فمرض واستبطأ عواده فقيل له: إنهم يستحيون من أجل دينك. فقال: أخزى الله مالا يمنع الأخوان من العيادة. فأمر مناديا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو في حل. فأتاه الناس حتى هدموا درجتا كانوا يصعدون عليها إليه، وفي لفظ: فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد. (2)

كان قيس في سرية فيها أبو بكر وعمر فكان يستدين ويطعم الناس، فقال أبو بكر و عمر: إن تركنا هذا الفتى أهلك مال أبيه فمشيا في الناس فلما سمع سعد قام خلف النبي فقال: من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب يبخلان علي إبني. " أسد الغابة "

____________

(1) الاستيعاب 2 ص 525، الإصابة 5 ص 254 (2) ربيع الأبرار للزمخشري، الاستيعاب 2 ص 526، البداية والنهاية 8 ص 100.

 


الصفحة 21


 

4 ص 415.

وفي لفظ: كان قيس مع أبي بكر وعمر في سفر في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله فكان ينفق عليهما وعلى غيرهما ويفضل فقال له أبو بكر: إن هذا لا يقوم به مال أبيك فأمسك يدك.

فلما قدموا من سفرهم قال سعد بن عبادة لأبي بكر: أردت أن تبخل إبني إنا لقوم لا نستطيع البخل. (1)

حكى ابن كثير في تاريخه 8 ص 99: إنه كان لقيس صحفة يدار بها حيث داروا كان ينادي له مناد: هلموا اللحم والثريد. وكان أبوه وجده من قبله يفعلان كفعله.

قال الهيثم بن عدي: إختلف ثلاثة عن الكعبة في أكرم أهل زمانهم فقال أحدهم:

عبد الله بن جعفر: وقال الآخر قيس بن سعد. وقال الآخر: عرابة الأوسي. فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه وليحكم على العيان: فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز (2) ليذهب إلى ضيعة له فقال له: يا بن عم رسول الله؟ ابن سبيل ومنقطع به. قال: فأخرج رجله من الغرز وقال: ضع رجلك واستو عليها، فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة (3) ولا تخدعن في السيف فإنه من سيوف علي، فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطارف من خز وغير ذلك وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب. ومضى صاحب قيس إليه فوجده نائما، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه؟ قال ابن سبيل ومنقطع به. قالت: فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا في معاطن الإبل فخذ لك ناقة وعبدا، واذهب راشدا. فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرا على صنيعها ذلك، وقال. هلا أيقظتني؟ حتى أعطيه ما يكفيه أبدا، فلعل الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته. وذهب صاحب عرابة الأوسي إليه فوجده

____________

(1) الدرجات الرفيعة نقلا عن كتاب الغارات لإبراهيم بن سعيد الثقفي.

(2) الغرز بالفتح ثم السكون: ركاب من جلد.

(3) الحقيبة بفتح المهملة: ما يحمل على الفرس خلف الراكب.

 


الصفحة 22


 

وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له - وكان قد كف بصره - فقال له: يا عرابة؟ فقال: قال. فقال: ابن سبيل ومنقطع به. قال: فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه باليمنى على اليسرى ثم قال: أوه أوه والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئا ولكن خذ هذين العبدين. قال: ما كنت لأفعل. فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فإن شئت فأعتق، وإن شئت فخذ. وأقبل يلتمس الحائط بيده، قال: فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه. قال فحكم الناس على أن ابن جعفر قد جاد بمال عظيم وأن ذلك ليس بمستنكر له، إلا أن السيف أجله. وإن قيسا أحد الأجواد حكمت مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وعتقها شكرا لها على ما فعلت. وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الأوسي، لأنه جاد بجميع ما يملكه، وذلك جهد من مقل. " البداية و النهاية 8 ص 100 "

* (حديث خطابته) *

إن تقدم سيد الأنصار في المعالم الدينية، وتضلعه في علمي الكتاب والسنة، و عرفانه بمعاريض القول، ومخاريق القيل، وسقطات الرأي، وتحليه بما يحتاج إليه مداره الكلام ومشيخة الخطابة من العلم الكثار، والأدب الجم، وربط الجاش، وقوة العارضة، وحسن التقرير، وجودة السرد، وبلاغة المنطق، وطلاقة اللسان، ومعرفة مناهج الحجاج والمناظرة، وأساليب إلقاء المحاضرة، كلها براهين واضحة على حظه الوافر وقسطه البالغ من هذه الخلة، وإنه أعلى الناس ذافوق (1) على أن فيما مر و ما يأتي من كلمه وخطبه خبرا يصدق الخبر، وشاهد صدق على أنه أحد أمراء الكلام كما كان في مقدم أمراء السيف. فهو خطيب الأنصار المفوه، واللسن الفذ من الخزرج، ومتكلم الشيعة الأكبر، ولسان العترة الطاهرة الناطق، والمجاهد الوحيد دون مبدءه المقدس بالسيف واللسان، أخطب من سحبان وائل، وأنطق من قس الأيادي، وأصدق في مقاله من قطاة. (2)

____________

(1) مثل يضرب: أي أعلى الناس سهما.

(2) أصدق من قطاة. مثل مشهور.

 


الصفحة 23


 

وناهيك بقول معاوية بن أبي سفيان لقومه يوم صفين: إن خطيب الأنصار قيس ابن سعد يقوم كل يوم خطيبا، وهو والله يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل (مر ص 81) وفي قول أمير المؤمنين عليه السلام له عند بعض مقاله كما مر ص 76:

أحسنت والله يا قيس؟ وأجملت. لغنى وكفاية عن أي إطراء وثناء عليه.

* (حديث زهده) *

لا نحاول في البحث عن هذه النواحي في أي من التراجم سرد تاريخ أمة غابرة، أو ذكريات أماثل الأمة أو حثالتها في القرون الخالية فحسب، بل إنما نخوض فيها بما فيها من عظات دينية، وفلسفة أخلاقية، وحكم عملية، ومعالم روحية، ومصالح اجتماعية، ودستور في مناهج السير إلى المولى سبحانه، وبرنامج في إصلاح النفس، ودروس في التحلي بمكارم الأخلاق التي بعث لا تمامها نبي الاسلام.

وهناك نماذج من نفسيات شيعة العترة الطاهرة وما لهم دون مناوئيهم من خلاق من المكارم والفضايل والقداسة والنزاهة يحق بذلك كله أن يكون كل من نظراء قيس قدوة للبشر في السلوك إلى المولى، وقادة للخلق في تهذيب النفس، ومؤدبا للأمة بالخلايق الكريمة، ومصلحا للمجتمع بالنفسيات الراقية، والروحيات السليمة، فلن تجد فيهم جرف منهال، ولا سحاب منجال (1)

ففي وسع الباحث أن يستخرج من تاريخ تلكم النفوس القدسية من قيس ومن يصافقه في المبدء الديني، ومن ترجمة من يضادهم في التشيع بآل الله من عمرو بن العاص ومن يشاكله، حقيقة راهنة دينية أثمن وأغلى من معرفة حقايق الرجال، و الوقوف على تاريخ الأجيال الماضية، ويمكنه أن يقف بذلك على غاية كل من الحزبين (العلوي والأموي) مهما يكن القارئ شريف النفس، حرا في تفكيره، غير مقلد ولا أمعة، مهما حداه التوفيق إلى اتباع الحق. والحق أحق أن يتبع، غير ناكب عن الطريقة المثلى في البخوع للحقايق، والجنوح إليها.

____________

(1) مثل يضرب. جرف منهال: أي لا حزم عنده ولا عقل. سحاب منجال: أي لا يطمع في خيره.

 


الصفحة 24


 

فخذ قيس بن سعد وعمرو بن العاص مثالا من الفريقين وقس بينهما، وضع يدك على أي مأثرة تحاوله من طهارة مولد، وإسلام، وعقل، وحزم، وعفة، وحناء، وشمم، وإباء، ومنعة، وبذخ، وصدق، ووفاء، ووقار، ورزانة، ومجد، ونجدة، و شجاعة، وكرم، وقداسة، وزهد، وسداد، ورشد، وعدل، وثبات في الدين، وورع عن محارم الله، إلى مآثر أخرى لا تحصى، تجد الأول منهما حامل عب كل منها بحيث لو تجسم أي من تلكم الصفات ليكون هو مثاله وصورته. وهل ترى الثاني كذلك؟ أللهم؟

لا. بل كل منها في ذاته محكوم بالسلب، أضف إلى مخاز في المولد والمحتد والدين والفروسية والأخلاق والنفسيات كلها، وسنلمسك كل هذه بيديك عن قريب إنشاء الله تعالى.

عندئذ يعرف المنقب نفسية كل من إمامي الحزبين (إذ الناس على دين ملوكهم) ويكون على بصرة من أمرهما، وحقيقة دعوة أي منهما، وتكون أمثلتهما نصب عينيه، إن لم يتبع الهوى، ولا تضله تعمية من يروقه جهل الأمة الإسلامية بالحقايق بقوله في مقاتلي أمير المؤمنين والخارجين عليه: إنهم كانوا مجتهدين مخطئين ولهم أجر واحد، أو بقوله: الصحابة كلهم عدول. وإن فعل أحدهم ما فعل وجنت يداه ما جنت، وخرج عن طاعة الإمام العادل، وسن لعنه وسبه وحاربه وقاتله وقتله.

فالناظر إلى هذه التراجم بعين النصفة إذا أمعن فيها بما فيها من المغازي المذكورة يعتقد بأن (1) أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى فأقام سنة معلومة وأمات بدعة مجهولة وإن السنن لنيرة لها أعلام، وإن البدع لظاهرة لها أعلام، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وأضل به، فأمات سنة مأخوذة، وأحيا بدعة متروكة، وصدق بقول النبي الطاهر: يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في نار جهنم، فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتبط في قعرها.

لعل الباحث لا يمر على شئ من خطب سيد الخزرج وكتبه وكلمه ومحاضراته إلا ويجده طافحا بقداسة جانبه عن كل ما يلوث ويدنس من إتباع الهوى، وبزهادته

____________

(1) من هنا إلى آخر الكلمة لمولانا أمير المؤمنين إلا كلمتي صدق والطاهر.

 


الصفحة 25


 

عن حطام الدنيا، معربا عن ورعه عن محارم الله وخشونته في ذات ربه، وتعظيمه شعائر الدين، وقيامه بحق النبي الأعظم، ورعايته في أهل بيته وذويه بكل حول وطول، وبذل النفس والنفيس دون كلائة دينه وإعلاء كلمة الحق، وإرحاض معرة الباطل، وإصلاح الفاسد، وكسر شوكة المعتدين، وبعد اليأس عن صلاح أمته، والعجز عن الدعوة إلى الحق، لزم عقر داره بالمدينة المشرفة بقية حياته، وأقبل على العبادة حتى أدركه أجله المحتوم كما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب 2 ص 524.

وأوفى كلمة في زهده وعبادته ما قاله المسعودي في مروج الذهب 2 ص 63 قال:

كان قيس بن سعد من الزهد والديانة والميل إلى علي بالموضع العظيم، وبلغ من خوفه لله وطاعته إياه أنه كان يصلي فلما أهوى للسجود إذا في موضع سجوده ثعبان عظيم مطرق، فمال على الثعبان برأسه وسجد إلى جانبه، فتطوق الثعبان برقبته، فلم يقصر من صلاته، ولا نقص منها شيئا حتى فرغ ثم أخذ الثعبان فرمى به. كذلك ذكر الحسن ابن علي بن عبد المغيرة عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن (الإمام) علي بن موسى الرضا عليه السلام. ا هـ. والحديث الرضوي هذا رواه الكشي بإسناده عنه عليه السلام في رجاله ص 63.

وكان ذلك الخشوع والاقبال إلى الله في العبادة، وإفراغ القلب بكله إلى الصلاة من وصايا والده الطاهر له قال: يا بني؟ أوصيك بوصية فاحفظها فإذا أنت ضيعتها فأنت لغيرها من الأمر أضيع، إذا توضأت فأتم الوضوء، ثم صل صلاة امرء مودع يرى أنه لا يعود، وأظهر اليأس من الناس فإنه غنى، وإياك وطلب الحوائج إليهم فإنه فقر حاضر، وإياك وكل شئ تعتذر منه (تاريخ ابن عساكر 6 ص 90).

وكان من دعاء سيدنا المترجم كما في " الدرجات الرفيعة " " وتاريخ الخطيب " وغيرهما قوله: أللهم؟ ارزقني حمدا ومجدا، فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال أللهم؟ وسع علي، فإن القليل لا يسعني ولا أسعه. وفي البداية والنهاية 8 ص 100.

كان قيس يقول أللهم؟ ارزقني مالا وفعالا، فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال.

ومعلوم أن طلب المال غير مناف للزهادة فإن حقيقة الزهد أن لا يملكك المال لا أن لا تملك المال.

 


الصفحة 26


 

* (حديث فضله) *

إن خطابات * (قيس) * وكتاباته ومحاضراته ومقالاته المبثوثة في طيات الكتب ومعاجم السير شواهد صادقة على تضلعه في المعارف الإلهية، وأشواطه البعيدة في علمي الكتاب والسنة، وفي خدمته النبي الأعظم مدة عشر سنين (1) أو مدة غير محدودة، وقد كان أبوه دفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله ليخدمه كما في أسد الغابة 4 ص 215 ومسامرته معه صلى الله عليه وآله سفرا وحضرا طول عمره مع ما كان له من العقل والحزم والرأي السديد والشوق المؤكد إلى تهذيب نفسه والولع التام إلى تكميل روحياته لغنى وكفاية عن أي ثناء على علمه المتدفق، وفضله الكثار ، وتقدمه في علمي الكتاب والسنة.

ومن المفضول أن نتعرض لإحصاء شواهد حسن تعليم النبي صلى الله عليه وآله إياه، وإنه كان يجيد تربيته، ويعلمه معالم دينه، ويفيض عليه من نمير فضله، و يلقنه بما يحتاج إليه الانسان الكامل من المعارف الدينية، وإن ملازمته لصاحب الرسالة وهو سيد الخزرج وابن سادتها لم تكن خدمة بسيطة كما هو الشأن في الخدم و والأتباع من الناس، وإنما هي كخدمة تلميذ لأستاذه للتعلم وأخذ المعارف الدينية، و الاقتباس من أنوار علمه، ومما لا شك فيه أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلمه معالم دينه في كل حال يجده، وكان قيس يغتنم الفرص ويظهر الشوق إليه، وينم عن ذلك ما رواه ابن الأثير في أسد الغابة 4 ص 215 عن قيس قال: مر بي النبي صلى الله عليه وآله وقد صليت وقال: ألا أدلك إلى باب من أبواب الجنة؟ قلت: نعم. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.

وسماعه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله عن أمير المؤمنين باب مدينة العلم النبوي، و أخذه منه علمي الكتاب والسنة كما قاله لمعاوية في حديث يأتي لما جرت بينهما مناظرة واحتج قيس عليه بكل آية نزلت في علي وبكل حديث ورد في فضله حتى قال معاوية: يا بن سعد: عمن أخذت هذا، وعمن رويته؟ وعمن سمعته؟ أبوك أخبرك

____________

(1) البداية 8 ص 99، الإصابة 5 ص 254.

 


الصفحة 27


 

بذلك؟ وعنه أخذته؟ قال قيس: سمعته وأخذته ممن هو خير من أبي، وأعظم حقا من أبي. قال: من؟ قال: علي بن أبي طالب عليه السلام عالم هذه الأمة وصديقها كل هذه آية محكمة تدل على إطلاعه الغزيز في المعالم الدينية، وبرهنة واضحة تثبت طول باعه في العلوم الإلهية، ومثل قيس إذا كان أخذه وسماعه وروايته عن مثل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ينحسر البيان عن استكناه فضله، ويقصر التعريف عن درك مداه.

ومن شواهد غزارة علمه إسلامه الراسخ، وإيمانه المستقر، وعرفانه بأولياء الأمر بعد نبيه، وتهالكه في ولائهم، وتفانيه في نصرتهم إلى آخر نفس لفظه، وعدم اكتراثه لومة أي لائم، وكان هناك قوم حناق عليه من أهل النفاق وحملة الحقد والضغينة يعيرونه بولاء العترة الطاهرة، وعدم إيثاره على دينه عوامل النهمة، وعدم تأثره ببواعث الفخفخة أو دواعي الجشع، وعدم انتظاره منهم في دولتهم لرتبة ولا راتب، وعدم إرادته منهم على ولائه جزاءا عاجلا ولا شكورا، ويشف عن ذلك ما وقع بينه وبين حسان بن ثابت لما عزله أمير المؤمنين عن ولاية مصر ورجع إلى المدينة فإنه حينما قدمها جاءه حسان شامتا به وكان عثمانيا فقال له: نزعك علي بن أبي طالب، وقد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم، ولم يحسن لك الشكر. فزجره قيس وقال: يا أعمى القلب وأعمى البصر؟ والله لولا أن ألقي بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك، ثم أخرجه من عنده (1)

ولولا أن قيسا مستودع العلوم والمعارف، ومستقى معالم الدين، ومعقد جمان الفضيلة، كما كانت له الشهرة الطايلة في الدهاء والحزم، لما ولاه أمير المؤمنين عليه السلام مصر لإدارة شئونها الدينية، والمدينة، كما فوض إليه إقامة أمورها السياسية والإدارية والعسكرية، ولما كتب إليه بما مر ص 71 من كلامه عليه السلام: وعلم من قبلك مما علمك الله. فإن عامل الخليفة هو مرجع تلكم الشئون كلها في الوسط الذي استعمل به، وموئل أمته في كل مشكلة دينية: كما أن له إمامة الجمعة و الجماعة، وما كان للخليفة من منتدح عن استعمال من له الكفاية لذلك كله.

____________

(1) تاريخ الطبري 5 ص ص 131، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 25.

 


الصفحة 28


 

قال الماوردي في (الأحكام السلطانية) ص 24: وإذا قلد الخليفة أميرا على إقليم أو بلد كانت إمارته على ضربين: عامة وخاصة. فأما العامة على ضربين: إمارة استكفاء بعقد عن اختيار، وإمارة استيلاء بعقد عن اضطرار، فأما إمارة الاستكفاء التي تنعقد عن اختياره، فتشمل على عمل محدود، ونظر معهود، والتقليد فيها أن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أو إقليم ولاية على جميع أهله، ونظرا في المعهود من ساير أعماله فيصير عام النظر فيما كان محدودا من عمل، ومعهودا من نظر، فيشتمل نظره فيه على سبعة أمور 1 - النظر في تدبير الجيوش وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم إلا أن يكون الخليفة قدرها فيدرها عليهم.

2 - النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام.

3 - جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال فيهما وتفريق ما استحق منهما.

4 - حماية الدين والدب عن الحريم ومراعاة الدين من تغيير أو تبديل.

5 - إقامة الحدود في حق الله وحقوق الآدميين.

6 - الجمع والجماعات حتى يؤم بها أو يستخلف عليها.

7 - تسيير الحجيج من عمله.

فإن كان هذا الإقليم ثغرا متاخما للعدو اقترن بها ثامن وهو: جهاد من يليه من الأعداء: وقسم غنائمهم في المقاتلة، وأخذ خمسها لأهل الخمس، وتعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض.

وقال في ص 20: يعتبر في تقليد وزارة التفويض شروط الإمامة إلا النسب. وذكر الشروط المعتبرة في الإمامة ص 4 وقال: إنها سبعة.

1 - العدالة على شروطها الجامعة.

2 - العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.

3 - سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان.

4 - سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة.

5 - الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح.

 


الصفحة 29


 

6 - الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو.

7 - النسب وهو أن يكون من قريش.

إذا عرفت معنى التقليد بالولاية على المسلمين ومغزاها، ووقفت على الأمور الثمانية التي ينظر إليها كل أمير بالاستكفاء بعقد عن اختيار كأمير الاسلام الكبير * (قيس بن سعد) * واطلعت على ما يعتبر فيها من الشروط الستة المعتبرة في الإمامة ووزارة التفويض، فحدث عن فضل قيس ولا حرج.

* (كلمتنا الأخيرة عن قيس) *

إنه من عمد الدين وأركان المذهب.

لعلك بعد ما تلوناه عليك من فضايل المترجم له وفواضله، وعلومه ومعارفه، وحزمه وسداده، وصلاحه وإصلاحه، وتهالكه في نصرة إمامه الطاهر، وإقامته علم الدين منذ عهد النبوة وعلى العهد العلوي الناصع، وثباته عند تخاذل الأيدي وتدابر النفوس على العهد الحسني، ومصارحته بكلمة الحق في كل محتشد إلى آخر حياته، وعدم انخداعه ببهرجة الباطل، وزبرجة الالحاد السفياني، وثراء معاوية الطائل الهاطل عليه لخدعه عن دينه حينما بذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه كما مر ص 84 إنك لا تشك بعد ذلك كله في أن قيسا من عمد الدين، وأركان المذهب، وعظماء الأمة، ودعاة الحق، فدون مقامه الباذخ ما في المعاجم والكتب من جمل الثناء عليه مهما بالغوا فيها.

ولولا مثل قيس في آل سعد لما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو رافع يديه:

أللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة. وما كان يقول في غزوة ذي قرد:

أللهم ارحم سعدا وآل سعد، نعم المرء سعد بن عبادة. وما كان يقول لما أكل طعاما في منزل سعد: أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون.

وما كان يقول لسعد وقيس لما أتيا بزاملة تحمل زادا يوم ضلت زاملة النبي: بارك الله عليكما يا أبا ثابت (1) أبشر فقد أفلحت إن الأخلاف بيد الله فمن شاء أن يمنحه منها

____________

(1) كنية سعد والد المترجم له.

 


الصفحة 30


 

خلفا صالحا منحه، ولقد منحك الله خلفا صالحا. (1)

فلينظر القارئ في قيس بن سعد إلى آثار رحمة الله، ومظاهر صلواته، ومجالي فضله، وما أثرت فيه تلك الدعوة النبوية وما ظهر فيه وفي آله من بركاتها وقد حقت به الصلوات والرحمة الإلهية. صلوات الله عليه ورحمته وبركاته.

ولقيس محاضرة ومناظرة مع الشيخين في قصة طوق خالد ذكرها أبو محمد الديلمي الحسن بن أبي الحسن في (إرشاد القلوب) 2 ص 201، أفاضها بلسان ذلق، وإيمان مستقر وجنان ثابت نضرب عنها صفحا تحريا للايجاز.

* (مشايخ قيس والرواة عنه) *

يروي سيد الخزرج عن النبي صلى الله عليه وآله وصنوه الطاهر، وعن والده السعيد (سعد) كما في الإصابة وتهذيب التهذيب، ومن رواياته عن والده ما أخرجه الحافظ محمد ابن عبد العزيز الجنابذي الحنبلي في كتاب " معالم العترة " مرفوعا إلى قيس عن أبيه : إنه سمع عليا رضي الله عنه يقول: أصابتني يوم أحد ست عشر ضربة سقطت إلى الأرض في أربع منهن فجاء رجل حسن الوجه طيب الريح فأخذ بضبعي فأقامني ثم قال: أقبل عليهم فإنك في طاعة الله وطاعة رسوله وهما عنك راضيان. قال علي: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال: يا علي؟ أقر الله عينك ذاك جبريل (كفاية الطالب ط مصر ص 37، نور الأبصار ص 87).

ويروي عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب الأنصاري المقتول يوم الحرة سنة 63 وكانت الأنصار قد بايعته يومئذ، ذكر روايته عنه ابن حجر في تهذيب التهذيب 2 ص 193 وج 5 ص 193 وج 8 ص 396.

ويروي عن سيدنا قيس زرافات من الصحابة والتابعين ذكر منهم في حلية الأولياء وأسد الغابة 4 ص 215، والإصابة 3 ص 249، وتهذيب التهذيب 8 ص 396:

1 - أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وآله.

____________

(1) توجد هذه الأحاديث في إمتاع المقريزي ص 263، 515، تاريخ ابن عساكر 6 ص 82، 88، السيرة الحلبية 3 ص 8.
 


الصفحة 31


 

م 2 - بكر بن سوادة يروي عن قيس حديثا في الملاهي كما في " السنن الكبرى " للبيهقي 10: 222].

3 - ثعلبة بن أبي مالك القرظي.

4 - عامر بن شراحيل الشعبي المتوفى 104.

5 - عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري خاصة أمير المؤمنين وصاحب رايته يوم الجمل، ضربه الحجاج حتى اسود كتفاه على سب علي فما فعل، كان أصحاب رسول الله يسمعون لحديثه، وينصتون له، قال عبد الله بن حارث: ما ظننت أن النساء ولدن مثله.

ووثقه ابن معين والعجلي وغيرهما توفي 81 / 2 / 3 / 6، ترجمه ابن خلكان 1 ص 296 وكثير من أرباب المعاجم.

5 - عبد الله بن مالك الجيشاني المتوفى 77، ترجمه ابن حجر في تهذيبه 5 ص 380، وحكى عن جمع ثقته، وعن مرثد: كان أعبد أهل مصر، يروي عن أمير المؤمنين وعمر وأبي ذر ومعاذ بن جبل وعقبة.

6 - أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني.

7 - أبو عمار عريب بن حميد الهمداني. يروي عن أمير المؤمنين وحذيفة وعمار وأبي ميسرة، وثقه أحمد وغيره، راجع تهذيب التهذيب 7 ص 191.

8 - أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي المتوفى 63، أثنى عليه شيخنا الشهيد الثاني في درايته وقال: تابعي فاضل من أصحاب محمد بن مسعود. وترجمه ابن حجر في الإصابة 3 ص 114، وفي تهذيبه 8 ص 47 وقال: ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من العباد وكانت ركبته كركبة البعير من كثرة الصلاة.

م 9 - عمرو بن الوليد السهمي المصري المتوفى سنة 103 مولى عمرو بن العاص، يروي عن جمع من الصحابة منهم: المترجم له (قيس) كما في تهذيب التهذيب 8 ص 116، ومن أحاديثه عنه حديث في الملاهي أخرجه من طريقه البيهقي في " السنن " 10: 222].

10 - أبو نصر ميمون بن أبي شبيب الربعي الكوفي المتوفى 83 ويقال: الرقي يروي عن أمير المؤمنين وعمر ومعاذ بن جبل وأبي ذر والمقداد وابن مسعود، ترجمه

 


الصفحة 32


 

ابن حجر في تهذيبه.

11 - هزيل بن شرجيل الأزدي الكوفي. كما في حلية الأولياء 5 ص 24، والإصابة 3 ص 620.

م 12 - الوليد بن عبدة [بفتح الباء) مولى عمرو بن العاص، يروي عن المترجم له كما في تهذيب ابن حجر ج 11 ص 141، ولعله عمرو بن الوليد المذكور كما يظهر من كلام الدار قطني].

13 - أبو نجيع يسار الثقفي المكي المتوفى 109، حكى ابن حجر في تهذيبه عن جمع ثقته، وروى ابن الأثير في أسد الغابة 4 ص 215 عنه عن قيس عن النبي صلى الله عليه وآله قوله: لو كان العلم متعلقا بالثريا لنا له ناس من فارس. م - وأخرجه أبو بكر الشيرازي المتوفى 407 في " الألقاب " كما في " تبييض الصحيفة " ص 4].

* (معاوية وقيس) *

قبل وقعة صفين

ذكر غير واحد من رجال التاريخ في معاجمهم (1): إنه لما قرب يوم صفين خاف معاوية على نفسه أن يأتيه علي بأهل العراق، وقيس بأهل مصر، فيقع بينهما ففكر في استدراج قيس واختداعه فكتب إليه: أما بعد: فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها، أو ضربة سوط ضربها، أو في شتمه رجلا، أو تسييره أحدا، أو في استعماله الفتيان من أهله، فقد علمتم أن دمه لم يحل لكم بذلك، فقد ركبتم عظيما من الأمر، وجئتم شيئا إدا، فتب يا قيس إلى ربك إن كنت من المجلبين على عثمان إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئا، فأما صاحبك فإنا استيقنا أنه الذي أغرى الناس وحملهم حتى قتلوه، وإنه لم يسلم من دمه عظيم قومك فإن استطعت أن تكون ممن يطلب بدم عثمان؟ فبايعنا على علي في أمرنا، ولك سلطان العراقين إن أنا ظفرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني غير هذا ما تحب

فكتب إليه قيس:

____________

(1) ذكره الطبري في تاريخه 5 ص 288، وابن الأثير في كامله 3 ص 107، وابن أبي الحديد في شرح النهج 2 ص 23 نقلا عن كتاب الغارات لإبراهيم الثقفي المتوفى 283 .

 


الصفحة 33


 

أما بعد: فقد وصل إلي كتابك، وفهمت الذي ذكرت من أمر عثمان، وذلك أمر لم أقاربه، وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى الناس بعثمان ودسهم إليه حتى قتلوه وهذا أمر لم أطلع عليه، وذكرت لي أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فلعمري إن أولى الناس كان في أمره عشيرتي، وأما ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدم عثمان و ما عرضته علي فقد فهمته وهذا أمر لي فيه نظر وفكر، وليس هذا مما يعجل إلى مثله، وأنا كاف عنك وليس يأتيك من قبلي شيئ تكرهه حتى ترى ونرى.

فكتب إليه معاوية:

أما بعد: فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلما، ولم أرك تتباعد فأعدك حربا، أراك كحبل الجزور، وليس مثلي يصانع بالخداع، ولا يخدع بالمكايد، ومعه عدد الرجال، وبيده أعنة الخيل، فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك، وإن أنت لم تفعل ملأت عليك خيلا ورجلا، والسلام.

فكتب إليه قيس:

أما بعد: فالعجب من استسقاطك رأيي والطمع في أن تسومني - لا أبا لغيرك - الخروج عن طاعة أولى الناس بالأمر، وأقولهم للحق، وأهداهم سبيلا، وأقربهم من رسول الله وسيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزور، وأضلهم سبيلا، وأبعدهم من رسول الله وسيلة، ولديك قوم ضالون مضلون، طاغوت من طواغيت إبليس، وأما قولك: إنك تملأ علي مصر خيلا ورجلا فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى يكون منك إنك لذو جد، والسلام.

وفي لفظ الطبري: فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك، إنك لذو جد.

فلما آيس معاوية منه كتب إليه: (1)

أما بعد: فإنك يهودي ابن يهودي، إن ظفر أحب الفريقين إليك عزلك، واستبدل بك، وإن ظفر أبغضهما إليك قتلك، ونكل بك وكان أبوك وترقوسه، ورمى عير غرضه،

____________

(1) من هنا كلام الجاحظ في " البيان والتبيين " 2 ص 68 والكتب المذكورة توجد في تعليق البيان ص 2 ص 48.

 


الصفحة 34


 

فأكثر الحز، وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، ثم مات طريدا بحوران.

والسلام.

فكتب إليه قيس:

أما بعد: فإنما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الاسلام كرها، وخرجت منه طوعا، لم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك، وقد كان أبي وترقوسه، ورمى غرضه، وشغب عليه من لم يبلغ كعبه، ولم يشق غباره، ونحن أنصار الدين الذين خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه. والسلام.

راجع كامل المبرد 1 ص 309، البيان والتبيين 2 ص 68، تاريخ اليعقوبي 2 ص 163، عيون الأخبار لابن قتيبة 2 ص 213، مروج الذهب 2 ص 62، مناقب الخوارزمي ص 173، شرح ابن أبي الحديد 4 ص 15.

لفظ الجاحظ في كتاب التاج ص 109:

كتب قيس إلى معاوية: يا وثن ابن وثن؟ تكتب إلي تدعوني إلى مفارقة علي ابن أبي طالب، والدخول في طاعتك، وتخوفني بتفرق أصحابه عنه، وإقبال الناس عليك وإجفالهم إليك، فوالله الذي لا إله غيره لو لم يبق له غيري، ولم يبق لي غيره، ما سالمتك أبدا وأنت حربه، ولا دخلت في طاعتك وأنت عدوه، ولا اخترت عدو الله على وليه، ولا حزب الشيطان على حزب الله. والسلام.

كتاب مفتعل:

فلما آيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره، شق عليه ذلك، وثقل عليه مكانه، لما كان يعرف من حزمه وبأسه، ولم تنجع حيلة فيه تكاده من قبل علي فقال لأهل الشام: إن قيسا قد تابعكم فادعوا الله له ولا تسبوه ولا تدعوا إلى غزوه فإنه لنا شيعة قد تأتينا كتبه ونصيحته سرا ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل (خربتا) يجري عليهم عطاياهم وأرزاقهم ويحسن إليهم. واختلق كتابا ونسبه إلى قيس فقرأه على أهل الشام وهو:

بسم الله الرحمن الرحيم. للأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد: سلام عليك، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني لما نظرت لنفسي

 


الصفحة 35


 

وديني فلم أر يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما برا تقيا فنستغفر الله عز وجل العصمة لذنوبنا ونسأله لديننا، ألا وإني قد ألقيت إليكم بالسلم، وإني أجبتك إلى قتال قتلة عثمان رضي الله عنه إمام الهدى المظلوم، فعول علي فيما أحببت من الأموال والرجال اعجل عليك. والسلام (1) إن شنشنة التقول والافتعال غريزة ثابتة في سجايا معاوية، ومنذ عهده شاعت الأحاديث المزورة فيما يعنيه من فضل بني أمية والوقيعة في بني هاشم عترة الوحي وأنصاره يوم كان يهب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة لأهل الجباه السود فيضعون له في ذلك روايات معزوة إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله، فإنه بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم ليروي أن قوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله. نزل في ابن ملجم أشقى مراد. وقوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام. الآية. نزل في علي أمير - المؤمنين. فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم، فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل(2) وله من نظاير هذا شئ كثير.

فليس من البدع اختلاقه على قيس وهو يفتعل على سيده النبي الأطهر ما لم يقله، و على أمير المؤمنين ما لم يكن، وعلى سروات المجد من بني هاشم الأطيبين ماهم عنه بعداء. فهو مبتدع هذه الخزايات العايدة عليه وعلى لفيفه في عهد ملوكيته المظلم، وعلى هذا كان دينه وديدنه، ثم تمرنت رواة السوء من بعده على رواية الموضوعات وشاعت و كثرت إلى أن ألقت العلماء وحفظة الحديث في جهود متعبة بالتأليف في تمييز الموضوع من غيره، والخبيث من الطيب.

لم يزل معاوية دائبا على ذلك متهالكا فيه حتى كبر عليه الصغير، وشاخ الكهل وهرم الكبير، فتداخل بغض أهل البيت عليهم السلام في قلوب ران عليها ذلك التمويه، فتسنى له لعن أمير المؤمنين عليه السلام وسبه في أعقاب الصلوات في الجمعة والجماعات

____________

(1) تاريخ الطبري 5 ص 229، كامل ابن الأثير 3 ص 117، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 24.

(2) شرح ابن أبي الحديد 1 ص 361.

 


الصفحة 36


 

وعلى صهوات المنابر في شرق الأرض وغربها حتى في مهبط وحي الله (المدينة المنورة) قال الحموي في معجم البلدان 5 ص 38: لعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منابر الشرق والغرب ولم يلعن على منبر سجستان إلا مرة وامتنعوا على بني أمية حتى زادوا في عهدهم: وأن لا يلعن على منبرهم أحد. وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله صلى الله عليه وآله على منبرهم وهو يلعن على منابر الحرمين مكة والمدينة. ا هـ.

لما مات الحسن بن علي عليهما السلام حج معاوية فدخل المدينة وأراد أن يلعن عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له: إن ههنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا فابعث إليه وخذ رأيه. فأرسل إليه ذكر له ذلك فقال: إن فعلت لأخرجن من المسجد ثم لا أعود إليه. فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد فلما مات لعنه على المنبر وكتب إلى عماله: أن يلعنوه على المنابر. ففعلوا فكتبت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله إلى معاوية: إنكم تعلنون الله ورسوله على منابركم وذلك إنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله.

فلم يلتفت إلى كلامها (1).

قال الجاحظ في كتاب الرد على الإمامية: إن معاوية كان يقول في آخر خطبته:

أللهم إن أبا تراب ألحد في دينك. وصد عن سبيك، فالعنه لعنا وبيلا، وعذبه عذابا أليما. وكتب ذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر إلى أيام عمر بن عبد العزيز. وإن قوما من بني أمية قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين؟

إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن هذا الرجل. فقال: لا والله حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلا.

وذكره ابن أبي الحديد في شرحه 1 ص 356.

قال الزمخشري في ربيع الأبرار على ما يعلق بالخاطر، والحافظ السيوطي: إنه كان في أيام بني أمية أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها علي بن أبي طالب بما سنه لهم معاوية من ذلك. وفي ذلك يقول العلامة الشيخ أحمد الحفظي الشافعي في أرجوزته

____________

(1) العقد الفريد 2 ص 300.


الصفحة 37


 

وقد حكى الشيخ السيوطي: إنه * قد كان فيما جعلوه سنه
سبعون ألف منبر وعشره * من فوقهن يلعنون حيدره
وهذه في جنبها العظائم * تصغر بل توجه اللوائم
فهل ترى من سنها يعادى؟ * أم لا وهل يستر أو يهادى؟؟
أو عالم يقول: عنه نسكت؟ * أجب فإني للجواب منصت
وليت شعري هل يقال: اجتهدا * كقولهم في بغيه أم ألحدا؟
أليس ذا يؤذيه أم لا؟ فاسمعن * إن الذي يؤذيه من ومن ومن؟؟؟
بل جاء في حديث أم سلمة * :هل فيكم الله يسب مه لمه؟
عاون أخا العرفان بالجواب * وعاد من عادى أبا تراب

وكان أمير المؤمنين يخبر بذلك كله ويقول: أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن (1) يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه، ألا وإنه سيأمركم بسبي والبرائة مني. (نهج البلاغة).

ونحن لو بسطنا القول في المقام لخرج الكتاب عن وضعه إذ صحايف تاريخ معاوية السوداء ومن لف لفه من بني أمية إنما تعد بالآلاف لا بالعشرات والمئات.

* (الصلح بين قيس ومعاوية) *

أمرت شرطة الخميس قيس بن سعد على أنفسهم (وكان يعرف بصاحب شرطة الخميس كما في الكشي ص 72) وتعاهد هو معهم على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان اتبعه على أموالهم ودمائهم وما أصابوا في الفتنة، فأرسل معاوية إلى قيس يقول: على طاعة من تقاتل؟ وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك. فأبى قيس أن يلين له حتى أرسل إليه معاوية بسجل قد ختم عليه في أسفله وقال: اكتب في هذا ما شئت فهو لك. فقال عمرو بن العاص لمعاوية: لا تعطه هذا وقاتله. فقال معاوية:

على رسلك فإنا لا نخلص إلى قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام، فما خير العيش بعد ذلك؟ فإني والله لا أقاتله أبدا حتى لا أجد من قتاله بدا. فلما بعث إليه معاوية

____________

(1) مندحق البطن: واسعها. كان معاوية موصوفا بالنهم وكثرة الأكل.

(2) تاريخ الطبري 6 ص 94، كامل ابن الأثير 3 ص 163.

 


الصفحة 38


 

ذلك السجل اشترط قيس له ولشيعة علي أمير المؤمنين عليه السلام الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل في سجله ذلك مالا، وأعطاه معاوية ما سأل و دخل قيس ومن معه في طاعته. (2) قال أبو الفرج فأرسل معاوية إليه يدعوه إلى البيعة، فلما أرادوا إدخاله إليه قال : إني حلفت أن ألقاه إلا بيني وبينه الرمح أو السيف. فأمر معاوية برمح وسيف فوضعا بينهما ليبر يمينه، فلما دخل قيس ليبايع وقد بايع الحسن عليه السلام فأقبل على الحسن عليه السلام فقال: أفي حل أنا من بيعتك؟ فقال: نعم. فألقي له كرسي وجلس معاوية على سرير والحسن معه فقال له معاوية: أتبايع يا قيس؟ قال: نعم. ووضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فجاء معاوية من سريره وأكب على قيس حتى مسح يده وما رفع إليه قيس يده (1).

قال اليعقوبي في تاريخه 2 ص 192: بويع معاوية بالكوفة في ذي القعدة سنة 40 و أحضر الناس لبيعته، وكان الرجل يحضر فيقول: والله يا معاوية؟ إني لا بايعك وإني لكاره لك. فيقول: بايع فإن الله قد جعل في المكروه خيرا كثيرا، ويأتي الآخر فيقول:

أعوذ بالله من نفسك. وأتاه قيس بن سعد بن عبادة، فقال: بايع قيس. قال: إني كنت لأكره مثل هذ اليوم يا معاوية؟ فقال له: مه رحمك الله. فقال: لقد حرصت أن أفرق بين روحك وجسدك قبل ذلك فأبى الله يا بن أبي سفيان إلا ما أحب. قال: فلا يرد أمر الله.

قال: فأقبل قيس على الناس بوجهه فقال:

يا معشر الناس؟ لقد اعتضتم الشر من الخير، واستبدلتم الذل من العز، و الكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وابن عم رسول رب العالمين، وقد وليكم الطليق ابن الطليق، يسومكم الخسف، ويسير فيكم بالعسف، فكيف تجهل ذلك أنفسكم؟ أم طبع الله على قلوبكم وأنتم لا تعقلون؟.

فجثا معاوية على ركبته ثم أخذ بيده وقال: أقسمت عليك ثم صفق على كفه ونادى الناس: بايع قيس. فقال: كذبتم والله ما بايعت. ولم يبايع لمعاوية أحد إلا أخذ عليه الإيمان، فكان أول من استحلف على بيعته.

____________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الجديد 4 ص 17.

 


الصفحة 39


 

أخرج الحافظ عبد الرزاق عن ابن عيينة قال: قدم قيس بن سعد على معاوية فقال له معاوية: وأنت يا قيس؟ تلجم علي مع من ألجم؟ أما الله لقد كنت أحب أن لا تأتيني هذا اليوم إلا وقد ظفر بك ظفر من أظافري موجع. فقال له قيس: وأنا والله قد كنت كارها أن أقوم في هذا المقام فأحييك بهذه التحية. فقال له معاوية: ولم؟ و هل أنت حبر من أحبار اليهود؟! فقال له قيس: وأنت يا معاوية؟ كنت صنما من أصنام الجاهلية، دخلت في الاسلام كارها، وخرجت منه طائعا. فقال معاوية: أللهم غفرا مد يدك. فقال له قيس: إن شئت زدت وزدت (تاريخ ابن كثير 8 ص 99).

 

* (قيس ومعاوية في المدينة) *

بعد الصلح بينهما

دخل قيس بن سعد بعد وقوع الصلح في جماعة من الأنصار على معاوية فقال لهم معاوية: يا معشر الأنصار؟ بم تطلبون ما قبلي؟ فوالله لقد كنتم قليلا معي كثيرا علي، ولفللتم حدي يوم صفين حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم، وهجوتموني في أسلافي بأشد من وقع الأسنة، حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله، قلتم: ارع وصية رسول الله صلى الله عليه وآله. هيهات يأبى الحقين العذرة.

فقال قيس: نطلب ما قبلك بالاسلام الكافي به الله لا بما نمت به إليك الأحزاب، وأما عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك، وأما هجاونا إياك فقول يزول باطنه ويثبت حقه، وأما استقامة الأمر فعلى كره كان منا، وأما فللنا حدك يوم صفين فإنا كنا مع رجل نرى طاعة الله طاعته، وأما وصية رسول الله بنا فمن آمن به رعاها بعده، وأما قولك: يأبى الحقين العذرة. فليس دون الله يد تحجزك منا يا معاوية؟ فدونك أمرك يا معاوية؟ فإنما مثلك كما قال الشاعر:

يا لك من قبرة بمعمر * خلا لك الجو فبيضي واصفري

فقال معاوية يموه: إرفعوا حوائجكم.

العقد الفريد 2 ص 121، مروج الذهب 2 ص 63، الإمتاع والمؤانسة 3 ص 170.

* (بيان) * قول معاوية: يأبى الحقين العذرة. مثل ساير، أصله: أن رجلا نزل بقوم فاستسقاهم لبنا فاعتلوا عليه وزعموا أن لا لبن عندهم، وكان اللبن محقونا في وطاب

 


الصفحة 40


 

عندهم، يضرب به الكاذب الذي يعتذر ولا عذر له، يعني: أن اللبن المحقون لديكم يكذبكم في عذركم. فما في مروج الذهب من: يأبى الحقير العذرة. وفي العقد الفريد أبي الخبير العذر. فهو تصحيف.

 

* (قيس ومعاوية في المدينة) *

روى التابعي الكبير أبو صادق سليم بن قيس الهلالي في كتابه قال: قدم معاوية حاجا في أيام خلافته بعد ما مات الحسن بن علي عليها السلام فاستقبله أهل المدينة فنظر فإذا الذين استقبلوه عامهم قريش فالتفت معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة فقال:

ما فعلت الأنصار، وما بالها ما تستقبلني؟؟!! فقيل: إنهم محتاجون ليس لهم دواب.

فقال معاوية: فأين نواضحهم؟ فقال قيس بن سعد: أفنوها يوم بدر واحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله حين ضربوك وأباك على الاسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون. فقال معاوية: أللهم اغفر. فقال قيس: أما إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سترون بعدي أثرة. فقال معاوية: فما أمركم به؟ قال أمرنا أن نصبر حتى نلقاه. قال: فاصبروا حتى تلقونه.

ثم قال يا معاوية: تعيرنا بنواضحنا؟ والله لقد لقيناكم عليها يوم بدر وأنتم جاهدون على إطفاء نور الله، وأن تكون كلمة الشيطان هي العليا، ثم دخلت أنت وأبوك كرها في الاسلام الذي ضربناكم عليه. فقال معاوية: كأنك تمن علينا بنصرتكم إيانا فلله ولقريش بذلك المن والطول. ألستم تمنون علينا يا معشر الأنصار بنصرتكم رسول الله وهو من قريش وهو ابن عمنا ومنا، فلنا المن والطول إن جعلكم الله أنصارنا وأتباعنا فهداكم بنا. فقال قيس.

إن الله بعث محمد صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين فبعثه إلى الناس كافة، وإلى الجن والإنس والأحمر والأسود والأبيض اختاره لنبوته، واختصه برسالته، فكان أول من صدقه وآمن به ابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام وأبو طالب يذب عنه ويمنعه ويحول بين كفار قريش وبين أن يردعوه أو يؤذوه وأمره أن يبلغ رسالة ربه، فلم يزل ممنوعا من الضيم والأذى حتى مات عمه أبو طالب وأمر ابنه بموازرته فوازره ونصره، وجعل نفسه دونه في كل شديدة وكل ضيق وكل خوف، واختص الله بذلك

 


الصفحة 41


 

عليا عليه السلام من بين قريش، وأكرمه من بين جميع العرب والعجم، فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله جميع بني عبد المطلب فيهم أبو طالب وأبو لهب وهم يومئذ أربعون رجلا فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وخادمه علي عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله في حجر عمه أبي طالب فقال: أيكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي. فسكت القوم حتى أعادها ثلاثا، فقال علي عليه السلام: أنا يا رسول الله؟ صلى الله عليك. فوضع رأسه في حجره وتفل في فيه وقال: أللهم املأ جوفه علما وفهما وحكما. ثم قال لأبي طالب: يا أبا طالب؟ اسمع الآن لابنك وأطع فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى. وآخى صلى الله عليه وآله بين علي وبين نفسه. فلم يدع قيس شيئا من مناقبه إلا ذكره واحتج به.

وقال: منهم: جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنة بجناحين اختصه الله بذلك من بين الناس. ومنهم: حمزة سيد الشهداء. ومنهم: فاطمة سيدة نساء أهل الجنة. فإذا وضعت من قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته وعترته الطيبين فنحن والله خير منكم يا معشر قريش؟ وأحب إلى الله ورسوله وإلى أهل بيته منكم، لقد قبض رسول الله فاجتمعت الأنصار إلى أبي ثم قالوا: نبايع سعدا فجائت قريش فخاصمونا بحجة علي وأهل بيته، وخاصمونا بحقه وقرابته، فما يعدوا قريش أن يكونوا ظلموا الأنصار وظلموا آل محمد، ولعمري ما لأحد من الأنصار ولا لقريش ولا لأحد من العرب والعجم في الخلافة حق مع علي بن أبي طالب وولده من بعده.

فغضب معاوية وقال: يا بن سعد؟ عمن أخذت هذا؟ وعمن رويته؟ وعمن سمعته؟ أبوك أخبرك بذلك وعنه أخذته؟؟!! فقال قيس: سمعته وأخذته ممن هو خير من أبي وأعظم علي حقا من أبي. قال: من؟ قال: علي بن أبي طالب عالم هذه الأمة، وصديقها؟ الذي أنزل الله فيه: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب - فلم يدع آية نزلت في علي إلا ذكرها - قال معاوية: فإن صديقها أبو بكر، وفاروقها عمر والذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام. قال قيس: أحق هذه الأسماء وأولى بها الذي أنزل الله فيه: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، والذي نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خم فقال: من كنت مولاه أولى به من نفسه

 


الصفحة 42


 

فعلي أولى به من نفسه، وقال في غزوة تبوك: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي كل ما ذكره قيس في هذه المناظرة من الآيات النازلة في أمير المؤمنين، والأحاديث النبوية المأثورة في فضله، أخرجها الحفاظ والعلماء في المسانيد والصحاح نذكر كلا منها في محله إنشاء الله كما مر بعضها.

 

* (قيس في خلقته) *

إن للأشكال والهيئات دخلا في مواقع الأبهة والاكبار، فإنها هي التي تملأ العيون بادئ بدء، وهي أول ما تقع عليه النظر من الانسان قبل كل ما انحنت عليه أضالعه، من جاش رابط، وبطولة وبسالة، ودهاء وحزم، ولذلك قيل: إن للهيئة قسطا من الثمن، وهذا في الملوك والأمراء، وذوي الشئون الكبيرة آكد، فإن الرعية تتفرس في العظيم في جثته عظما في معنوياته، وتترسم منه كبر نفسياته، وشدة أمره، ونفوذ عزائمه، وترضخ له قبل الضئيل الذي يحسب أنه لا حول له ولا طول، وإنه يضعف دون إدارة الشئون طوقه وأوقه، ولذلك إن الله سبحانه لما عرف طالوت لبني إسرائيل ملكا عرفه بأنه أوتي بسطة في العلم والجسم، فبعلمه يدير شئون الشعب الدينية والمدنية. ويكون ما أوتي من البسطة في الجسم من مؤكدات الأبهة و الهيبة التي هي كقوة تنفيذية لمواد العلم وشئونه.

إن سيد الأنصار " قيس " لما لم يدع الله سبحانه شيئا من صفات الفضيلة ظاهرة وباطنة إلا وجمعه فيه من علم، وعمل، وهدى، وورع، وحزم، وسداد، وعقل، ورأي ودهاء، وذكاء، وإمارة، وحكومة، ورياسة وسياسة، وبسالة، وشهامة، وسخاء، و كرم، وعدل، وصلاح، لم يشأ يخليه عن هذه الخاصة المربية بمقام العظماء.

فقال شيخنا الديلمي في إرشاده 2 ص 325: إنه كان رجلا طوله ثمانية عشر شبرا في عرض خمسة أشبار، وكان أشد الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين. وقال أبو الفرج:

كان قيس رجلا طوالا يركب الفرس المشرف ورجلاه يخطان في الأرض. ومر ص 77 عن المنذر بن الجارود أنه رآه في الزاوية على فرس أشقر تخط رجلاه في الأرض.

وقال أبو عمر والكشي في رجاله ص 73: كان قيس من العشرة الذين لحقهم النبي صلى الله عليه وآله

 


الصفحة 43


 

من العصر الأول ممن كان طولهم عشرة أشبار بأشبار أنفسهم، وكان قيس وأبوه سعد طولهما عشر أشبار بأشبارهم. وعن كتاب الغارات لإبراهيم الثقفي أنه قال: كان قيس طوالا أطول الناس وأمدهم قامة، وكان سناطا أصلع شيخا شجاعا مجربا مناصحا لعلي ولولده ولم يزل على ذلك إلى أن مات.

عد الثعالبي في " ثمار القلوب " ص 480 من الأمثال الدائرة والمضافات المعروفة والمنسوب السائر: سراويل قيس. وقال: إنه يضرب مثلا لثوب الرجل الضخم الطويل، وكان قيصر بعث إلى معاوية بعلج من علوج الروم طويل جسيم، معجبا بكمال خلقته و امتداد قامته، فعلم معاوية أنه ليس لمطاولته ومقاومته إلا قيس بن سعد بن عبادة فإنه كان أجسم الناس وأطولهم، فقال له يوما وعنده العلج: إذا أتيت رحلك فابعث إلي بسراويلك. فعلم قيس مراده فنزعها ورمى بها إلى العلج والناس ينظرون فلبسها العلج فطالت إلى صدره، فعجب الناس وأطرق الرومي مغلوبا، وليم قيس على ما فعل بحضرة معاوية فأنشد يقول:

أردت لكيما يعلم الناس أنها * سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا: غاب قيس وهذه * سراويل عاد قد نمته ثمود
وإني من القوم اليمانين سيد * وما الناس إلا سيد ومسود
وبز جميع الناس أصلي ومنصبي * وجسم به أعلو الرجال مديد

ورواها ابن كثير في " البداية والنهاية " 8 ص 103 بتغيير فيها ثم قال: وفي رواية:

أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أن أحدهما أقوى الروم والآخر أطول الروم: فانظر هل في قومك من يفوقهما في قوة هذا وطول هذا؟ فإن كان في قومك من يفوقهما بعثت إليك من الأسارى كذا وكذا ومن التحف كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول منهما فهادني ثلاث سنين. فلما حضروا عند معاوية قال: من لهذا القوي؟ فقالوا: ما له إلا أحد رجلين إما محمد بن الحنفية أو عبد الله بن الزبير، فجيئ بمحمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب فلما اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية: أتعلم فيم أرسلت إليك؟ قال: لا. فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه فقال للرومي: إما أن تجلس لي أو أجلس لك، وتناولني يدك أو أناولك يدي فأينا قدر

 


الصفحة 44


 

على أن يقيم الآخر من مكانه غلبه وإلا فقد غلب. فقال له: ماذا تريد؟ تجلس أو أجلس؟

فقال له الرومي: بل اجلس أنت. فجلس محمد بن الحنفية وأعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك ولا وجد إليه سبيلا، فغلب الرومي عند ذلك وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غلب، ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومي: اجلس لي. فجلس وأعطى محمدا يده فما أمهله أن أقامه سريعا ورفعه في الهواء ثم ألقاه على الأرض، فسر بذلك معاوية سرورا عظيما، ونهض قيس بن سعد فتنحى عن الناس ثم خلع سراويله وأعطاها لذلك الرومي الطويل فبلغت إلى ثدييه وأطرافها تخط بالأرض، فاعترف الرومي بالغلب وبعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية.

يستفيد القارئ من أمثال هذه الموارد من التاريخ أن أهل البيت عليهم السلام و شيعتهم كانوا هم المرجع لحل المشكلات من كل الوجوه كما أن مولاهم أمير المؤمنين عليه السلام كان هو المرجع الفذ فيها لدى الصدر الأول.

وفاته:

قال الواقدي وخليفة بن خياط والخطيب البغدادي في تاريخه 1 ص 179 وابن كثير في تاريخه 8 ص 102 وغيرهم بكثير: إنه توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية.

فإن عدت سنة وفاة معاوية من سني خلافته فالمترجم له توفي في سنة ستين، وإلا ففي تسع وخمسين، ولعل هذا منشأ ترديد ابن عبد البر في الاستيعاب وابن الأثير في أسد الغابة في تاريخ وفاته بين السنتين، ففي الأول: إنه توفي سنة ستين. وقيل تسع وخمسين في آخر خلافة معاوية، وفي الثاني بالعكس، وذكر ابن الجوزي سنة 59 وتبعه ابن كثير في تاريخه، وهناك قول لابن حبان متروك قال: إنه هرب من معاوية ومات سنة 85 في خلافة عبد الملك. ذكره ابن حجر في الإصابة 3 ص 249، واستصوب قول خليفة ومن وافقه.

بيت قيس:

كان في العصور المتقادمة آل قيس من أشرف بيوتات الأنصار، وما زال منبثق أنوار العلم والمجد في أدواره، بين زعيم، وحافظ، وعالم، ومحدث، ومشفوع بالصلاح

 


الصفحة 45


 

والقداسة، منهم:

أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عمار بن يحيى بن العباس بن عبد الرحمن بن سالم بن قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري. ترجم له السمعاني في " الأنساب " وقال: من أشرف بيت في الأنصار، ومن أوحد مشايخ نيسابور في الثروة والعدالة والورع والقبول والاتقان من الرواية، وأكثرهم طلبا للحديث والفهم والمعرفة، سمع بنيسابور محمد بن رافع، وإسحاق بن منصور، و عبد الرحمن بن بشير بن الحكم، وبالعراق عمر بن شبه النميري، والحسن بن محمد بن الصباح، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، وأحمد بن سنان القطان، وبالحجاز بحر بن نصر الخولاني، وبالري أبا زرعة، ومحمد بن مسلم بن داره، روى عنه أبو إسحاق إبراهيم بن عبدوس، ومحمد بن شريك الأسفرايني، وأبو أحمد إسماعيل بن يحيى بن زكريا، مات في جمادى الآخر سنة 317 بنيسابور.

م - ومنهم: أبو بكر محمد بن أبي نصر أحمد بن العباس بن الحسن بن جبلة بن غالب بن جابر بن نوفل بن عياض بن يحيى بن قيس بن سعد الأنصاري الشهير بالعياضي [بكسر العين] ذكره السمعاني في " الأنساب " وقال: من أهل سمرقند كان فقيها جليلا من رؤساء البلدة والمنظورين إليهم، روى عن أبي علي محمد بن محمد بن الحرث الحافظ السمرقندي لقيه أبو سعد الادريسي (1) ولم يكتب عنه شيئا. (2)

ومنهم: أبو أحمد بن أبي نصر العياضي أخو أبي بكر العياضي المذكور].

ومنهم: ابن المطري أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى بن عساس بن يوسف بن بدر بن عثمان الأنصاري الخزرجي العبادي المدني. قال أبو المعالي السلامي في " المختار " كما في منتخبه ص 72: إنه من ولد قيس بن سعد بن عبادة.

كان حافظ وقته، حسن الأخلاق، كثير العبادة، جميل العشرة مع العلماء ورواد العلم، ارتحل في سماع الحديث إلى الشام ومصر والعراق، ورأى في حياته كوارث، نهبت داره سنة 742 وحبس مدة ثم أطلق، له كتاب [الإعلام فيمن دخل المدينة من

____________

م - (1) أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الاسترابادي نزيل سمرقند والمتوفى بها في سلخ ذي الحجة سنة 405.

م - (2) وذكره وأخاه محيي الدين ابن أبي الوفاء في " الجواهر المضية " ص 13.

 


الصفحة 46


 

الأعلام] سمع الحديث بالمدينة المشرفة من أبي حفص عمر بن أحمد السوداني، وبالقاهرة من أبي الحسن علي بن عمر الواني، ويوسف بن عمر الختني، ويوسف بن محمد الدبابيسي، وبالاسكندرية من عبد الرحمن بن مخلوف بن جماعة، وبدمشق من أحمد بن أبي طالب بن الشحنة، والقاسم بن عساكر، وأبي نصر ابن الشيرازي، وببغداد من محمد بن عبد المحسن الدواليبي. توفي بالمدينة المشرفة في ربيع الأول سنة 765. (1)

ومنهم: أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد المعطي بن أحمد بن عبد المعطي بن مكي بن طرد بن حسين بن مخلوف بن أبي الفوارس بن سيف الاسلام (2) بن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري المكي المالكي النحوي، المولود سنة 709 والمتوفى في المحرم سنة 808، ترجم له السيوطي في " بغية الوعاة " ص 161.


الحمد لله
وسلام على عباده الذين اصطفى



____________

(1) أخذناها من " منتخب المختار " ص 72، " الدرر الكامنة " ص 284.

(2) أحسب هنا سقطا في النسب كما لا يخفى.
 

***