مفاد حديث الغدير

تأليف
العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني
 

إعداد
مركز الأبحاث العقائدية

 

مفاد حديث الغدير:

لعل إلى هنا لم يبق مسلك للشك في صدور الحديث عن المصدر النبوي المقدس وأما دلالته على إمامة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، فإنا مهما شككنا في شيئ فلا نشك في أن لفظة المولى سواء كانت نصا في المعنى الذي نحاوله بالوضع اللغوي أو مجملة في مفادها لاشتراكها بين معان جمة، وسواء كانت عرية عن القرائن لإثبات ما ندعيه من معنى الإمامة أو محتفة بها، فإنها في المقام لا تدل إلا على ذلك لفهم من وعاه من الحضور في ذلك المحتشد العظيم، ومن بلغه النبأ بعد حين ممن يحتج بقوله في اللغة من غير نكير بينهم، وتتابع هذا الفهم فيمن بعدهم من الشعراء ورجالات الأدب حتى عصرنا الحاضر، وذلك حجة قاطعة في المعنى المراد، وفي الطليعة من هؤلاء مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، حيث كتب إلى معاوية في جواب كتاب له من أبيات ستسمعها ما نصه.

وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم

ومنهم: حسان بن ثابت الحاضر مشهد الغدير وقد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظم الحديث في أبيات منها قوله:

فقال له: قم يا علي؟ فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا

ومن أولئك: الصحابي العظيم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الذي يقول:

وعلي إمامنا وإمام * لسوانا أتى به التنزيل
يوم قال النبي: من كنت مولا * - ه فهذا مولاه خطب جليل

ومن القوم: محمد بن عبد الله الحميري القائل:

تناسوا نصبه في يوم خم * من البادي ومن خير الأنام -

ومنهم: عمرو بن العاصي الصحابي القائل:


الصفحة 2


وكم قد سمعنا من المصطفى * وصايا مخصصة في علي
وفي يوم خم رقى منبرا * وبلغ والصحب لم ترحل
فأمنحه إمرة المؤمنين * من الله مستخلف المنحل
وفي كفه كفه معلنا * ينادي بأمر العزيز العلي
وقال: فمن كنت مولى له * علي له اليوم نعم الولي

ومن أولئك: كميت بن زيد الأسدي الشهيد 126 حيث يقول:

ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا
ولكن الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطرا مبيعا

ومنهم: السيد إسماعيل الحميري المتوفى 179 في شعره الكثير الآتي ومنه:

لذلك ما اختاره ربه * لخير الأنام وصيا ظهيرا
فقام بخم بحيث الغدير * وحط الرحال وعاف المسيرا
وقم له الدوح ثم ارتقى * على منبر كان رحلا وكورا
ونادى ضحى باجتماع الحجيج * فجاءوا إليه صغيرا كبيرا
فقال وفي كفه حيدر * يليح إليه مبينا مشيرا
: ألا؟ إن من أنا مولى له * فمولاه هذا قضا لن يجورا
فهل أنا بلغت؟ قالوا: نعم * فقال: اشهدوا غيبا أو حضورا
يبلغ حاضركم غائبا * وأشهد ربي السميع البصيرا
فقوموا بأمر مليك السما * يبايعه كل عليه أميرا
فقاموا لبيعته صافقين * أكفا فأوجس منهم نكيرا
فقال: إلهي؟ وال الولي * وعاد العدو له والكفورا
وكن خاذلا للأولى يخذلون * وكن للأولى ينصرون نصيرا
فكيف ترى دعوة المصطفى * مجابا بها أم هباءا نثيرا؟
أحبك يا ثاني المصطفى * ومن أشهد الناس فيه الغديرا

ومنهم: العبدي الكوفي من شعراء القرن الثاني في بائيته الكبيرة بقوله.

وكان عنها لهم في خم مردجر * لما رقى أحمد الهادي على قتب


الصفحة 3


وقال والناس من دان إليه ومن * ثاو لديه ومن مصغ ومرتقب
: قم يا علي؟ فإني قد أمرت بأن * أبلغ الناس والتبليغ أجد ربي
إني نصبت عليا هاديا علما * بعدي وإن عليا خير منتصب
فبايعوك وكل باسط يده * إليك من فوق قلب عنك منقلب

ومنهم شيخ العربية والأدب أبو تمام المتوفى 231 في رائيته بقوله:

ويوم الغدير استوضح الحق أهله * بضحياء لا فيها حجاب ولا ستر
أقام رسول الله يدعوهم بها * ليقربهم عرف وينآهم نكر
يمد بضبعيه ويعلم: أنه * ولي ومولاكم فهل لكم خبر؟


يروح ويغدو بالبيان لمشعر * يروح بهم غمر ويغدو بهم غمر
فكان لهم جهر بإثبات حقه * وكان لهم في بزهم حقه جهر

وتبع هؤلاء جماعة من بواقع العلم والعربية الذين لا يعدون مواقع اللغة، و لا يجهلون وضع الألفاظ، ولا يتحرون إلا الصحة في تراكيبهم وشعرهم، كدعبل الخزاعي. والحماني الكوفي. والأمير أبي فراس. وعلم الهدى المرتضى. والسيد الشريف الرضي. والحسين بن الحجاج. وابن الرومي. وكشاجم. والصنوبري. و المفجع. والصاحب بن عباد. والناشي الصغير. والتنوخي. والزاهي. وأبي العلا السروي. والجوهري. وابن علوية. وابن حماد. وابن طباطبا. وأبي الفرج.

والمهيار. والصولي النيلي. والفنجكردي. إلى غيرهم من أساطين الأدب وأعلام اللغة، ولم يزل أثرهم مقتصا في القرون المتتابعة إلى يومنا هذا، وليس في وسع الباحث أن يحكم بخطأ هؤلاء جميعا وهم مصادره في اللغة ومراجع الأمة في الأدب.

وهنالك زرافات من الناس فهموا من اللفظ هذا المعنى وإن لم يعربوا عنه بقريض لكنهم أبدوه في صريح كلماتهم، أو أنه ظهر من لوائح خطابهم، ومن أولئك الشيخان وقد أتيا أمير المؤمنين عليه السلام مهنئين ومبايعين وهما يقولان: أمسيت يا بن أبي طالب؟ مولى كل مؤمن ومؤمنة (1) فليت شعري أي معنى من معاني المولى الممكنة تطبيقه على مولانا لم يكن قبل ذلك اليوم حتى تجدد به فأتيا يهنئانه لأجله ويصارحانه

____________

(1) مر حديث التهنئة بأسانيده وتفاصيله ص 270 - 283.

 


الصفحة 4


بأنه أصبح متلفعا به يوم ذاك؟ أهو معنى النصرة أو المحبة اللتين لم يزل أمير المؤمنين عليه السلام متصفا بهما منذ رضع ثدي الإيمان مع صنوه المصطفى صلى الله عليه وآله؟

أم غيرهما مما لا يمكن أن يراد في خصوص المقام؟ لاها الله لا ذلك ولا هذا، وإنما أرادا معنى فهمه كل الحضور من أنه أولى بهما وبالمسلمين أجمع من أنفسهم وعلى ذلك بايعاه وهنئاه.

ومن أولئك: الحارث بن النعمان الفهري (أو: جابر) المنتقم منه بعاجل العقوبة يوم جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: يا محمد؟ أمرتنا بالشهادتين و الصلاة والزكاة والحج ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه. وقد سبق حديثه ص 239 - 247 فهل المعنى الملازم للتفضيل الذي استعظمه هذا الكافر الحاسد، وطفق يشكك أنه من الله أم أنه محاباة من الرسول، يمكن أن يراد به أحد ذينك المعنيين أو غيرهما؟ أحسب أن ضميرك الحر لا يستبيح لك ذلك، ويقول لك بكل صراحة: إنه هو تلك الولاية المطلقة التي لم يؤمن بها طواغيت قريش في رسول الله صلى الله عليه وآله إلا بعد قهر من آيات باهرة، وبراهين دامغة، وحروب طاحنة، حتى جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا. فكانت هي في أمير المؤمنين أثقل عليهم وأعظم، وقد جاهر بما أضمره غيره الحارث بن النعمان فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر.

ومن أولئك: النفر الذين وافوا أمير المؤمنين عليه السلام في رحبة الكوفة قائلين: السلام عليك يا مولانا. فاستوضح الإمام عليه السلام الحالة لإيقاف السامعين على المعنى الصحيح وقال: كيف أكون مولاكم وأنتم رهط من العرب؟ فأجابوه إنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه(1) عرف القارئ الكريم أن المولوية المستعظمة عند العرب الذين لم يكونوا يتنازلون بالخضوع لكل أحد ليست هي المحبة والنصرة ولا شئ من معاني الكلمة و إنما هي الرياسة الكبرى التي كانوا يستصعبون حمل نيرها إلا بموجب يخضعهم لها و هي التي استوضحها أمير المؤمنين عليه السلام للملأ باستفهام فكان من جواب القوم: أنهم

____________

(1) راجع ما أسلفناه من أسانيد هذا الحديث ومتنه ص 187 - 191.

 


الصفحة 5


فهموها من نص رسول الله صلى الله عليه وآله.

وهذا المعنى غير خاف حتى على المخدرات في الحجال فقد أسلفنا ص 208 عن الزمخشري في ربيع الأبرار عن الدارمية الحجونية التي سألها معاوية عن سبب حبها لأمير المؤمنين عليه السلام وبغضها له فاحتجت عليه بأشياء منها: إن رسول الله عقد له الولاية بمشهد منه يوم غدير خم، وأسند بغضها له إلى أنه قاتل من هو أولى بالأمر منه وطلب ما ليس له. ولم ينكره عليها معاوية.

وقبل هذه كلها مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام واحتجاجه به يوم الرحبة وقد أوقفناك على تفصيل أسانيده وطرقه الصحيحة المواترة ص 166 - 185، وكان ذلك لما نوزع في خلافته وبلغه اتهام الناس له فيما كان يرويه من تفضيل رسول الله صلى الله عليه وآله له وتقديمه إياه على غيره كما مر ص 183 و 300 و 301 و 304 و 309، وقال برهان الدين الحلبي في سيرته 3 ص 303: احتج به بعد أن آلت إليه الخلافة ردا على من نازعه فيها. أفترى والحالة هذه معنى معقولا للمولى غير ما نرتأيه وفهمه هو عليه السلام ومن شهد له من الصحابة ومن كتم الشهادة إخفاءا لفضله حتى رمي بفاضح من البلاء، ومن نازعه حتى أفحم بتلك الشهادة؟ وإلا فأي شاهد له في المنازعة بالخلافة في معنى الحب والنصرة وهما يعمان ساير المسلمين؟ إلا أن يكونا على الحد الذي سنصفه إنشاء الله وهو معنى الأولوية المطلوبة.

والواقف على موارد الحجاج بين أفراد الأمة وفي مجتمعاتها وفي تضاعيف الكتب منذ ذلك العهد المتقادم إلى عصورنا هذه جد عليم بأن القوم لم يفهموا من الحديث إلا المعنى الذي يحتج به للإمامة المطلقة وهو الأولوية من كل أحد بنفسه وماله في دينه ودنياه الثابت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وللخلفاء المنصوصين عليهم من بعده، نحيل الوقوف على ذلك على حيطة الباحث وطول باع المتتبع فلا نطيل بإحصاؤها المقام.

 

* (مفعل بمعنى أفعل):

أما إن لفظ مولى يراد به لغة الأولى، أو إنه أحد معانيه، فناهيك من البرهنة

 


الصفحة 6


عليه ما مجده في كلمات المفسرين والمحدثين من تفسير قوله تعالى في سورة الحديد:

فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأويكم النار هي مولاكم و بئس المصير. فمنهم من حصر التفسير بأنها أولى بكم، ومنهم من جعله أحد المعاني في الآية، فمن الفريق الأول:

1 - ابن عباس في تفسيره من تفسير الفيروز آبادي ص 342.

2 - الكلبي (1) حكاه عنه الفخر الرازي في تفسيره 8 ص 93.

3 - الفراء يحيى بن زياد الكوفي النحوي المتوفى 207، حكاه عنه الفخر الرازي في تفسيره 8 ص 93.

4 - أبو عبيدة معمر بن مثنى البصري المتوفى 210، ذكره عنه الرازي في تفسيره 8 ص 93 وذكره استشهاده ببيت لبيد:

فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها

وذكره عنه شيخنا المفيد في رسالته في معنى المولى، والشريف المرتضى في الشافي من كتابه " غريب القرآن " وذكر استشهاده ببيت لبيد، واحتج الشريف الجرجاني في " شرح المواقف " 3 ص 271 بنقل ذلك عنه ردا على الماتن.

5 - الأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة النحوي المتوفى 215، نقله عنه الفخر الرازي في " نهاية العقول " وذكر استشهاده ببيت لبيد.

6 - أبو زيد سعد بن أوس اللغوي البصري المتوفى 215، حكاه عنه صاحب " الجواهر العبقرية ".

7 - البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل المتوفى 215، قاله في صحيحه 7 ص 240.

8 - ابن قتيبة المتوفى 276 (المترجم ص 96) قاله في " القرطين " 2 ص 164 واستشهد ببيت لبيد.

9 - أبو العباس ثعلب أحمد بن النحوي الشيباني المتوفى 291، قال القاضي الزوزني حسين بن أحمد المتوفى 486 في شرح السبع المعلقة في بيت لبيد المذكور

____________

(1) محمد بن سائب المفسر النسابة المتوفى 146 بالكوفة.

 


الصفحة 7


قال ثعلب: إن المولى في هذا البيت بمعنى الأولى بالشئ كقوله: مأويكم النار هي موليكم. أي هي أولى بكم.

10 - أبو جعفر الطبري المتوفى 310، ذكره في تفسيره 9 ص 117.

11 - أبو بكر الأنباري محمد بن القاسم اللغوي النحوي المتوفى 328، قاله في تفسيره - مشكل القرآن - نقله عنه الشريف المرتضى في الشافي وذكر استشهاده ببيت لبيد، وابن بطريق في " العمدة " ص 55.

12 - أبو الحسن الرماني علي بن عيسى المشهور بالوراق النحوي المتوفى 384 / 82، ذكره عنه الفخر الرازي في " نهاية العقول ".

13 - أبو الحسن الواحدي المتوفى 468 (المترجم ص 111) ففي الوسيط:

مأويكم النار هي مولاكم. هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب، والمعنى: إنها هي التي تلي عليكم لأنها قد ملكت أمركم فهي أولى بكم من كل شئ.

14 - أبو الفرج ابن الجوزي المتوفى 597 (المترجم ص 117) نقله في تفسيره " زاد المسير " عن أبي عبيدة مرتضيا له.

15 - أبو سالم محمد بن طلحة الشافعي المتوفى 652، قاله في " مطالب السئول " ص 16.

16 - شمس الدين سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654، قاله في " التذكرة " ص 19.

17 - محمد بن أبي بكر الرازي، صاحب " مختار الصحاح " قال في " غريب القرآن " (فرغ منه 668): المولى: الذي هو أولى بالشئ ومنه قوله: مأويكم النار هي مولاكم، أي هي أولى بكم، والمولى في اللغة على ثمانية أوجه (وعد منها).

الأولى بالشئ.

18 - التفتازاني المتوفى 791، ذكره في " شرح المقاصد " ص 288 نقلا عن أبي عبيدة.

19 - ابن الصباغ المالكي المتوفى 855 (المترجم ص 131) عد في " الفصول المهمة " ص 28، الأولى بالشئ من معاني المولى المستعملة في الكتاب العزيز.


الصفحة 8


20 - جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي المتوفى 854، في تفسير الجلالين.

21 - جلال الدين أحمد الخجندي، ففي - توضيح الدلايل على ترجيح الفضايل - عنه أنه قال: المولى يطلق على معان، ومنها: الأولى في قوله تعالى: هي مولاكم. أي أولى بكم.

22 - علاء الدين القوشجي المتوفى 879، ذكره في شرح التجريد.

23 - شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجي الحنفي المتوفى 1069، قاله في حاشية تفسير البيضاوي مستشهدا ببيت لبيد.

24 - السيد الأمير محمد الصنعاني، قاله في " الروضة الندية " نقلا عن الفقيه حميد المحلي.

25 - السيد عثمان الحنفي المكي المتوفى 1268، قاله في " تاج التفاسير " 2 ص 196.

26 - الشيخ حسن العدوي الحمزاوي المالكي المتوفى 1303، قال في " النور الساري " - هامش صحيح البخاري - 7 ص 240: هي مولاكم: أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم.

17 - السيد محمد مؤمن الشبلنجي، ذكره في " نور الأبصار " ص 78.

 

* (ومن الفريق الثاني):

28 - أبو إسحاق أحمد الثعلبي المتوفى 427، قال في " الكشف والبيان ": مأويكم النار هي مولاكم. أي صاحبتكم وأولى وأحق بأن تكون مسكنا لكم، ثم استشهد ببيت لبيد المذكور.

29 - أبو الحجاج يوسف بن سليمان الشنتميري المتوفى 476، قاله في - تحصيل عين الذهب - (ط تعليق كتاب سيبويه) ج 1 ص 202 في قوله لبيد واستشهد بالآية الكريمة.

30 - الفراء حسين بن مسعود البغوي المتوفى 510، قاله في " معالم التنزيل ".

31 - الزمخشري المتوفى 538، ذكره في " الكشاف " 2 ص 435، واستشهد

 


الصفحة 9


ببيت لبيد، ثم قال: لا يجوز أن يراد هي ناصركم. إلخ.

32 - أبو البقاء محب الدين العكبري البغدادي المتوفى 616، قاله في تفسيره ص 135.

33 - القاضي ناصر الدين البيضاوي المتوفى 692، ذكره في تفسيره 2 ص 497 واستشهد ببيت لبيد.

34 - حافظ الدين النسفي المتوفى 701 / 710، ذكره في تفسيره (هامش تفسير الخازن) 4 ص 229.

35 - علاء الدين علي بن محمد الخازن البغدادي المتوفى 741، قاله في تفسيره 4 ص 229.

36 - ابن سمين أحمد بن يوسف الحلبي المتوفى 856، قال في تفسيره - المصون في علم الكتاب المكنون -: هي مولاكم. يجوز أن يكون مصدرا أي ولايتكم أي ذات ولايتكم، وأن يكون مكانا أي مكان ولايتكم. وأن يكون أولى بكم كقولك:

هو مولاه.

37 - نظام الدين النيسابوري، قاله في تفسيره (هامش تفسير الرازي) 8.

38 - الشربيني الشافعي المتوفى 977، قاله في تفسيره 4 ص 200 واستشهد ببيت لبيد.

39 - أبو السعود محمد بن محمد الحنفي القسطنطيني المتوفى 972، ذكر في تفسيره (هامش تفسير الرازي) 8 ص 72، ثم ذكر بقية المعاني.

40 - الشيخ سليمان جمل، ذكر في تعليقه على تفسير الجلالين الذي أسماه بالفتوحات الإلهية وفرغ منه سنة 1198.

41 - المولى جار الله الله آبادي، قال في حاشية تفسير البيضاوي: المولى مشتق من الأولى بحذف الزايد.

42 - محب الدين أفندي، قاله في شرح بيت لبيد في كتابه [ تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات ] ط سنة 1281.

ولولا أن هؤلاء وهم أئمة العربية وبواقع اللغة عرفوا أن هذا المعنى من معاني

 


الصفحة 10


اللفظ اللغوية لما صح لهم تفسيره، وأما قول البيضاوي بعد أن ذكر معنى الأولى:

وحقيقته محراكم أي مكانكم الذي يقال فيه: هو أولى بكم كقولك: هو مئنة الكرم أي مكان قول القائل: إنه الكريم. أو: مكانكم عما قريب، من الولي وهو القرب. أو ناصركم على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع. أو متوليكم يتولاكم كما توليتم موجباتها في الدنيا. ا هـ.

فإنه لا يعني به الحقيقة اللغوية التي نص بها أولا وإنما يريد الحاصل من المعنى، ويشعر إلى ذلك تقديم قوله: هي أولى بكم. واستشهاده ببيت لبيد الذي لم يحتمل فيه غير هذا المعنى. وقوله أخيرا: مكانكم الذي يقال فيه. إلخ. وإنه أخذ في تقريب بقية المعاني بأنحاء من العناية يناسب كل منها واحدا منهن إلا معنى - الأولى - فإنه لم يقربه من الوجهة اللغوية، بل أثبته بتقديمه والاستشهاد بالشعر، وإنما طفق يقربه من وجهة القصد والإرادة. ويقرب منه ما في تفسير النسفي.

وقال الخازن: هي مولاكم أي وليكم. وقيل: أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب.

والمعنى هي التي تلي عليكم لأنها ملكت أمركم وأسلمتم إليها، فهي أولى بكم من كل شئ، وقيل: معنى الآية: لا مولى لكم ولا ناصر، لأن من كانت النار مولاه فلا مولى له. ا هـ.

أما تفسيره بالولي فلا منافاة فيه لما نرتأيه لما ثبت من مساوقة الولي مع المولى في جملة من المعاني، ومنها: الأولى بالأمر، وسيوافيك إيضاح ذلك إنشاء الله، فيكون القولان محض تغاير في التعبير لا تباينا في الحقيقة. وما استرسل بعد ذلك من البيان فهو تقريب لإرادة المعنى كما أسلفناه. والقول الثالث هو ذكر لازم المعنى سواء كان هو الولي أو الأولى، فلا معاندة بينه وبين ما تقدمه من تفسير اللفظ. وهناك آيات أخرى استعمل فيها المولى أيضا بمعنى الأولى بالأمر منها:

قوله تعالى في سورة البقرة: أنت مولانا. قال الثعلبي في [ الكشف والبيان ] أي ناصرنا وحافظنا وولينا وأولى بنا.

وقوله تعالى في سورة آل عمران: بل الله مولاكم. قال أحمد بن الحسن الزاهد الدرواجكي في تفسيره المشهور بالزاهدي: أي الله أولى بأن يطاع.


الصفحة 11


 

وقوله تعالى في سورة التوبة: ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون. قال أبو حيان في تفسيره 5 ص 52: قال الكلبي: أي أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة. وقيل: مالكنا وسيدنا فلهذا يتصرف كيف شاء. وقال السجستاني العزيزي في [ غريب القرآن ] ص 154: أي ولينا، والمولى على ثمانية أوجه المعتق " بالكسر " والمعتق " بالفتح " والولي. والأولى بالشئ. وابن العم. والصهر.

والجار. والحليف.

 

* (كلام الرازي في مفاد الحديث):

أقبل الرازي يتتعتع ويتلعثم بشبه يبتلعها طورا، ويجترها تارة، وأخذ يصعد ويصوب في الاتيان بالشبه بصورة مكبرة فقال بعد نقله معنى الأولى عن جماعة ما نصه:

قال تعالى: مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير. وفي لفظ المولى هيهنا أقول: أحدها: قال ابن عباس: مولاكم أي مصيركم. وتحقيقه أن المولى موضع الولي وهو القرب، فالمعنى: إن النار هي موضعكم الذي تقربون منه وتصلون إليه.

والثاني: قال الكلبي: يعني أولى بكم. وهو قول الزجاج والفراء وأبي عبيدة. و أعلم أن هذا الذي قالوه معنى وليس بتفسير اللفظ لأنه لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة لصح استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر فكان يجب أن يقال: هذا مولى من فلان. ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنى وليس بتفسير، وإنما نبهنا على هذه الدقيقة لأن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي بقوله عليه السلام: من كنت مولاه فعلي مولاه. قال: أحد معاني مولى إنه أولى. واحتج في ذلك بأقوال أئمة اللغة في تفسيره هذه الآية بأن مولى معناه أولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه لأن ما عداه إما بين الثبوت ككونه ابن العم (1) والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على التقدير الأول عبثا، وعلى

____________

(1) هذه غفلة عجيبة وسيوافيك أن النبي صلى الله عليه وآله كان ابن عم جعفر وعقيل وطالب وآل أبي طالب كلهم ولم يكن أمير المؤمنين ابن عم لهم فإنه كان أخاهم، فهذا مما يلزم منه الكذب لو أريد من لفظ المولى لا مما هو بين الثبوت.

 


الصفحة 12


التقدير الثاني كذبا. وأما نحن فقد بينا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير وحينئذ يسقط الاستدلال به. تفسير الرازي 8 ص 93.

وقال في نهاية العقول: إن المولى لو كان يجيئ بمعنى الأولى لصح أن يقرن بأحدهما كل ما يصح قرنه بالآخر، لكنه ليس كذلك، فامتنع كون المولى بمعنى الأولى ، بيان الشرطية: أن تصرف الواضع ليس إلا في وضع الألفاظ المفردة للمعاني المفردة، فأما ضم بعض تلك الألفاظ إلى البعض بعد صيرورة كل واحد منهما موضوعا لمعناه المفرد فذلك أمر عقلي، مثلا إذا قلنا: الانسان حيوان فإفادة لفظ الانسان للحقيقة المخصوصة بالوضع، وإفادة لفظ الحيوان للحقيقة المخصوصة أيضا بالوضع، فأما نسبة الحيوان إلى الانسان بعد المساعدة على كون كل واحد من هاتين اللفظين موضوعة للمعنى المخصوص فذلك بالعقل لا بالوضع، وإذا ثبت ذلك فلفظة الأولى إذا كانت موضوعة لمعنى ولفظة من موضوعة لمعنى آخر، فصحة دخول أحدهما على الآخر لا يكون بالوضع بل بالعقل.

وإذا ثبت ذلك فلو كان المفهوم من لفظة الأولى بتمامه من غير زيادة ولا نقصان هو المفهوم من لفظة المولى، والعقل حكم بصحة اقتران المفهوم من لفظة من بالمفهوم من لفظة الأولى، وجب صحة اقترانه أيضا بالمفهوم من لفظة المولى لأن صحة ذلك الاقتران ليست بين اللفظين بل بين مفهوميهما.

بيان أنه ليس كلما يصح دخوله على أحدهما صح دخوله على الآخر: إنه لا يقال: هو مولى من فلان، ويصح أن يقال هو مولى وهما موليان، ولا يصح أن يقال:

هو أولى - بدون من - وهما أوليان. وتقول: هو مولى الرجل ومولى زيد، ولا تقول: هو أولى الرجل وأولى زيد. وتقول: هما أولى رجلين وهم أولى رجال، ولا تقول: هما مولى رجلين ولا هم مولى رجال. ويقال: هو مولاه ومولاك، ولا يقال: هو أولاه وأولاك.

لا يقال: أليس يقال: ما أولاه؟ لأنا نقول: ذاك أفعل التعجب لا أفعل التفضيل، على أن ذاك فعل وهذا إسم، والضمير هناك منصوب وهنا مجرور، فثبت أنه لا يجوز حمل المولى على الأولى. إنتهى.

وإن تعجب فعجب أن يعزب عن الرازي اختلاف الأحوال في المشتقات لزوما

 


الصفحة 13


وتعدية بحسب صيغها المختلفة، إن اتحاد المعنى أو الترادف بين الألفاظ إنما يقع في جوهريات المعاني لا عوارضها الحادثة من أنحاء التركيب وتصاريف الألفاظ وصيغها، فالاختلاف الحاصل بين المولى والأولى بلزوم مصاحبة الثاني للباء وتجرد الأول منه إنما حصل من ناحية صيغة أفعل من هذه المادة كما أن مصاحبة من هي مقتضى تلك الصيغة مطلقا، إذن فمفاد فلان أولى بفلان، وفلان مولى فلان واحد حيث يراد به الأولى به من غيره. كما أن (أفعل) بنفسه يستعمل مضافا إلى المثنى والجمع أو ضميرهما بغير أدات فيقال: زيد أفضل الرجلين أو أفضلهما، وأفضل القوم أو أفضلهم، ولا يستعمل كذلك إذا كان ما بعده مفردا فلا يقال: زيد أفضل عمرو، وإنما هو أفضل منه، ولا يرتاب عاقل في اتحاد المعنى في الجميع، وهكذا الحال في بقية صيغ أفعل كأعلم وأشجع وأحسن وأسمح وأجمل إلى نظائرها.

قال خالد بن عبد الله الأزهري في باب التفضيل من كتابه التصريح: إن صحة وقوع المرادف موقع مرادفه إنما يكون إذا لم يمنع من ذلك مانع، وههنا منع مانع وهو الاستعمال، فإن إسم التفضيل لا يصاحب من حروف الجر إلا (من) حاصة، وقد تحذف مع مجرورها للعلم بها نحو: والآخرة خير وأبقى.

على أن ما تشبث به الرازي يطرد في غير واحد من معاني المول التي ذكرها هو وغيره، منها ما أختاره معنى للحديث وهو: الناصر. فلم يستعمل هو مولى دين الله مكان ناصره، ولا قال عيسى على نبينا وآله وعليه السلام: من موالي إلى الله. مكان قوله: من أنصاري إلى الله، ولا قال الحواريون: نحن موالي الله. بدل قولهم: نحن أنصار الله.

ومنها الولي فيقال للمؤمن: هو ولي الله ولم يرد من اللغة مولاه، ويقال: الله ولي المؤمنين ومولاهم. كما نص به الراغب في مفرداته ص 555.

وهلم معي إلى أحد معاني المولى المتفق على إثباته وهو المنعم عليه فإنك تجده مخالفا مع أصله في مصاحبة (على) فيجب على الرازي أن يمنعه إلا أن يقول: إن مجموع اللفظ وأداته هو معنى المولى لكن ينكمش منه في الأولى به لأمر ما دبره بليل.

وهذه الحالة مطردة في تفسير الألفاظ والمشتقات وكثير من المترادفات على

 


الصفحة 14


فرض ثبوت الترادف فيقال: أجحف به وجحفه. أكب لوجهه وكبه الله. أحرس به وحرسه. زريت عليه زريا وأزريت به. نسأ الله في أجله وأنسأ أجله. رفقت به وأرفقته.

خرجت به وأخرجته. غفلت عنه وأغفلته. أبذيت القوم وبذوت عليهم. أشلت الحجر وشلت به.

كما يقال: رأمت الناقة ولدها أي عطفت عليه. إختتأ له أي خدعه. صلى عليه أي دعا له. خنقته العبرة أي غص بالبكاء. احتنك الجراد الأرض وفي القرآن: لاحتنكن ذريته. أي استولى عليها واستولين عليهم. ويقال: استولى عليه أي غلبه وتمكن منه.

وكلها بمعنى واحد. ويقال: أجحف فلان بعبده أي كلفه ما لا يطاق. وقال شاه صاحب في الحديث: إن أولى في قوله صلى الله عليه وسلم: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم. مشتق من الولاية بمعنى الحب. ا هـ. فيقال: أولى بالمؤمنين أي أحب إليهم. ويقال بصر به ونظر إليه و رآه وكلها واحد.

وأنت تجد هذا الاختلاف يطرد في جل الألفاظ المترادفة التي جمعها الرماني المتوفى 384 في تأليف مفرد في 45 صحيفة (ط مصر 1321) ولم ينكر أحد من اللغويين شيئا من ذلك لمحض اختلاف الكيفية في أداة الصحبة كما لم ينكروا بساير الاختلافات الواردة من التركيب فإنه يقال: عندي درهم غير جيد. ولم يجز: عندي درهم إلا جيد. ويقال: إنك عالم. ولا يقال: إن أنت عالم. ويدخل " إلى " إلى المضمر دون حتى مع وحدة المعنى. ولاحظ أم وأو فإنهما للترديد ويفرقان في التركيب بأربعة أوجه. وكذلك هل والهمزة فإنهما للاستفهام ويفرقان بعشرة فوارق، وأيان وحتى مع اتحادهما في المعنى يفرقان بثلاث. وكم وكأين بمعنى واحد ويفرقان بخمسة.

وأي ومن يفرقان بستة مع اتحادهما. وعند ولدن ولدي مع وحدة المعنى فيها تفرق بستة أوجه.

ولعل إلى هذا التهافت الواضح في كلام الرازي أشار نظام الدين النيسابوري في تفسيره بعد نقل محصل كلامه إلى قوله: وحينئذ يسقط الاستدلال به. فقال: قلت: في هذا الاسقاط بحث لا يخفى.


الصفحة 15


 

* (الشبهة عند العلماء):

لم تكن هذه الشبهة الرازية الداحضة بالتي تخفى على العرب والعلماء لكنهم عرفوها قبل الرازي وبعده، وما عرفوها إلا في مدحرة البطلان، ولذلك تراها لم تزحزحهم عن القول بمجيئ المولى بمعنى الأولى، قال التفتازاني في شرح المقاصد ص 289، والقوشجي في شرح التجريد ولفظهما واحد: إن المولى قد يراد به المعتق و الحليف والجار وابن العم والناصر والأولى بالتصرف قال الله تعالى: مأويكم النار هي مولاكم. أي أولى بكم ذكره أبو عبيدة وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها. أي الأولى بها والمالك لتدبير أمرها، ومثله في الشعر كثير، وبالجملة استعمال المولى بمعنى المتولي والمالك للأمر والأولى بالتصرف شايع في كلام العرب منقول عن كثير من أئمة اللغة، والمراد أنه اسم لهذا المعنى لا أنه صفة بمنزلة الأولى ليعترض بأنه ليس من صيغة أفعل التفضيل وأنه لا يستعمل استعماله. ا هـ.

ذكرا ذلك عند تقريب الاستدلال بالحديث على الإمامة ثم طفقا يردانه من شتى النواحي عدا هذه الناحية فأبقياها مقبولة عندهما، كما أن الشريف الجرجاني في شرح المقاصد حذا حذوهما في القبول، وزاد بأنه رد بذلك مناقشة القاضي عضد بأن مفعلا بمعنى أفعل لم يذكره أحد فقال: أجيب عنه بأن المولى بمعنى المتولي والمالك للأمر والأولى بالتصرف شايع في كلام العرب منقول من أئمة اللغة، قال أبو عبيدة:

هي موليكم أي أولى بكم، وقال عليه السلام: أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها. أي الأولى بها والمالك لتدبير أمرها. ا هـ.

وابن حجر في الصواعق ص 24 على تصلبه في رد الاستدلال بالحديث سلم مجيئ المولى بمعنى الأولى بالشيئ لكنه ناقش في متعلق الأولوية في أنه هل هي عامة الأمور؟

أو إنها الأولوية من بعض النواحي؟ واختار الأخير ونسب فهم هذا المعنى من الحديث إلى الشيخين أبي بكر وعمر في قولهما: أمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. وحكاه عنه الشيخ عبد الحق في لمعاته، وكذا حذا حذوه الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد القادر الشافعي في " ذخيرة المآل " فقال: التولي: الولاية وهو الصديق والناصر أو الأولى بالاتباع والقرب

 


الصفحة 16


منه كقوله تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه. وهذا الذي فهمه عمر رضي الله عنه من الحديث فإنه لما سمعه قال: هنيئا يا بن أبي طالب؟ أمسيت ولي كل مؤمن ومؤمنة. ا هـ.

وسبق عن الأنباري في " مشكل القرآن ": إن للمولى ثمان معان أحدها: الأولى بالشيئ، وحكاه الرازي عنه وعن أبي عبيدة فقال في " نهاية العقول ": لا نسلم أن كل من قال: إن لفظة المولى محتملة للأولى قال بدلالة الحديث على إمامة علي رضي الله عنه، أليس إن أبا عبيدة وابن الأنباري حكما بأن لفظة المولى للأولى مع كونهما قائلين(1) بإمامة أبي بكر رضي الله عنه؟. ا هـ. ونقل الشريف المرتضى عن أبي العباس المبرد إن أصل يا ولى أي الذي هو أولى وأحق ومثله المولى، وقال أبو نصر الفارابي الجوهري المتوفى 393 في " صحاح اللغة " 2 ص 564 مادة ولي في قول لبيد: إنه يريد أولى موضع أن يكون فيه الخوف. وأبو زكريا الخطيب التبريزي في شرح ديوان الحماسة 1 ص 22 في قول جعفر بن علبة الحارثي:

ألهفي بقري سجل حين أحلبت * علينا الولايا والعدو المباسل

عد من وجوه معاني المولى الثمانية (2) الولي والأولى بالشيئ، وعن عمر بن عبد الرحمن الفارسي القزويني في " كشف الكشاف " في بيت لبيد: إن مولى المخافة. أي أولى وأحرى بأن يكون فيه الخوف، وعد سبط ابن الجوزي في " التذكرة " ص 19 ذلك من معاني المولى العشرة المستندة إلى علماء العربية، ومثله ابن طلحة الشافعي في " مطالب السئول " ص 16، وذكر الأولى في طليعة المعاني التي جاء بها الكتاب وتبعه الشبلنجي في نور الأبصار ص 78 وأسند ذلك إلى العلماء. وقال شارحا المعلقات السبع: عبد الرحيم بن عبد الكريم، ورشيد النبي في بيت لبيد: إنه أراد بولي المخافة: الأولى بها.

وبذلك كله تعرف حال ما أسنده صاحب التحفة الاثنى عشرية إلى أهل العربية

____________

(1) لا يهمنا ما يرتأيانه في الإمامة وإنما الغرض تنصيصهما بمعنى اللفظ اللغوي.

(2) وهي: العبد، والسيد، وابن العم، والصهر، والجار، والحليف، والولي، و الأولى بالشيئ.
 


الصفحة 17


قاطبة من إنكار استعمال المولى بمعنى الأولى بالشيئ. أو يحسب الرجل أن من ذكرناهم من أئمة الأدب الفارسي؟ أو أنهم لم يقفوا على موارد لغة العرب كما وقف عليها الشاه صاحب الهندي؟ وليس الحكم في ذلك إلا ضميرك الحر.

مضافا إلى أن إنكار الرازي عدم استعمال أولى مضافا ممنوع على إطلاقه لما عرفت من إضافته إلى المثنى والمجموع، وجائت في السنة إضافته إلى النكرة، ففي صحيح البخاري في الجزؤ العاشر ص 7 و 9 و 10 و 13 بأسانيد جمة قد اتفق فيها اللفظ عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ألحقوا الفرايض بأهلها فما تركت الفرايض فلأولى رجل ذكر. ورواه مسلم في صحيحه 2 ص 2، وفيما أخرجه أحمد في المسند 1 ص 313: فلأولى ذكر، وفي ص 335: فلأولى رجل ذكر، وفي نهاية ابن الأثير 2 ص 49: لأولى رجل ذكر.

ويعرب عما نرتأيه في حديث الغدير ما يماثله في سياقه جدا عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من مؤمن إلا أنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة إقرؤا إن شئتم: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني وأنا مولاه. أخرجه البخاري في صحيحه 7 ص 190 وأخرجه مسلم في صحيحه 2 ص 4 بلفظ: إن على الأرض من مؤمن إلا أنا أولى الناس به، فأيكم ما ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه.

 

* (كلمة أخرى للرازي):

وللرازي كلمة أخرى صعد فيها وصوب فحسب في كتابه " نهاية العقول " إن أحدا من أئمة النحو واللغة لم يذكر مجيئ " مفعل " الموضوع للحدثان أو الزمان أو المكان بمعنى " أفعل " الموضوع لإفادة التفضيل. وأنت إذا عرفت ما تلوناه لك من النصوص على مجيئ مولى بمعنى الأولى بالشئ علمت الوهن في إطلاق ما يقوله هو و من تبعه كالقاضي عضد الأيجي في المواقف، وشاه صاحب الهندي في التحفة الاثنى عشرية والكابلي في الصواقع، وعبد الحق الدهلوي في لمعاته، والقاضي سناء الله الپاني پتي في سيفه المسلول، وفيهم من بالغ في النكير حتى أسند ذلك إلى إنكار أهل العربية، و

 


الصفحة 18


أنت تعلم أن أساس الشبهة من الرازي ولم يسندها إلى غيره، وقلده أولئك عمى مهما وجدوا طعنا في دلالة الحديث على ما ترتأيه الإمامية.

أنا لا ألوم القوم على عدم وقوفهم على كلمات أهل اللغة واستعمالات العرب لألفاظها فإنهم بعداء عن الفن، بعداء عن العربية، فمن رازي إلى أيجي. ومن هندي إلى كابلي. ومن دهلوي إلى پاني پتي. وأين هؤلاء من العرب الأقحاح؟ وأين هم من العربية؟ نعم - حن قدح ليس منها - وإذا اختلط الحابل بالنابل طفق يحكم في لغة العرب من ليس منها في حل ولا مرتحل.

إذا ما فصلت عليا قريش * فلا في العير أنت ولا النفير

أو ما كان الذين نصوا بأن لفظ المولى قد يأتي بمعنى الأولى بالشئ أعرف بمواقع اللغة من هذا الذي يخبط فيها خبط عشواء؟ كيف لا؟ وفيهم من هو من مصادر اللغة، وأئمة الأدب، وحذاق العربية، وهم مراجع التفسير، أو ليس في مصارحتهم هذه حجة قاطعة على أن مفعلا يأتي بمعنى أفعل في الجملة؟ إذن فما المبرر لذلك الانكار المطلق؟ نعم، لأمر ما جدع قصير أنفه.

وحسب الرازي مبتدع هذا السفسطة قول أبي الوليد ابن الشحنة الحنفي الحلبي في " روض المناظر " في حوادث سنة ست وستمائة من أن الرازي كانت له اليد الطولى في العلوم خلا العربية. وقال أبو حيان في تفسيره 4 ص 149 بعد نقل كلام الرازي: إن تفسيره خارج عن مناحي كلام العرب ومقاصدها، وهو في أكثره شبيه بكلام الذين يسمون أنسهم حكماء.

م - وقال الشوكاني في تفسيره 4 ص 163 في قوله تعالى: لا تخف نجوت من القوم الظالمين (القصص): وللرازي في هذا الموضع إشكالات باردة جدا لا تستحق أن تذكر في تفسير كلام الله عز وجل والجواب عليها يظهر للقصر فضلا عن الكامل ].

ثم إن الدلالة على الزمان والمكان في " مفعل " كالدلالة على التفضيل في " أفعل ".

وكخاصة كل من المشتقات من عوارض الهيئات لا من جوهريات المواد، وذلك أمر غالبي يسار معه على القياس ما لم يرد خلافه عن العرب، وأما عند ذلك فإنهم المحكمون في معاني ألفاظهم، ولو صفي للرازي إختصاص المولى بالحدثان أو الواقع منه في الزمان

 


الصفحة 19


أو المكان لوجب عليه أن ينكر مجيئه بمعنى الفاعل والمفعول وفعيل وها هو يصرح بإتيانه بمعنى الناصر. والمعتق بالكسر. والمعتق بالفتح. والحليف. وقد صافقه على ذلك جميع أهل العربية وهتف الكل مجيئ المولى بمعنى الولي، وذكر غير واحد من معانيه الشريك. والقريب. والمحب والعتيق. والعقيد. المالك. والمليك. على إن من يذكر الأولى في معاني المولى وهم الجماهير ممن يحتج بأقوالهم لا يعنون أنه صفة له حتى يناقش بأن معنى التفضيل خارج عن مفاد المولى مزيد عليه فلا يتفقان.

وإنما يريدون أنه اسم لذلك المعنى، إذن فلا شيئ يفت في عضدهم.

وهب أن الرازي ومن لف لفه لم يقفوا على نظير هذا الاستعمال في غير المولى فإن ذلك لا يوجب إنكاره فيه بعد ما عرفته من النصوص، فكم في لغة العرب من استعمال مخصوص بمادة واحدة فمنها: كلمة عجاف جمع أعجف. فلم يجمع أفعل على فعال إلا في هذه المادة كما نص به الجوهري في الصحاح، والرازي نفسه في التفسير، والسيوطي في المزهر ج 2 ص 63 وقد جاء بالقرآن الكريم: وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف (سورة يوسف) ومنه شعر العرب في مدح سيد مضر هاشم ابن عبد مناف.

عمر والعلا هشم لثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف

ومنها: إن ما كان على فعلت (مفتوح العين) من ذوات التضعيف متعديا مثل رددت وعددت يكون المضارع منه مضموم العين إلا ثلاثة أحرف تأتي مضمومة ومكسورة وهي: شد. ونم. وعل. وزاد بعض: بث (أدب الكاتب ص 361).

ومنها أن ضمير المثنى والمجموع لا يظهر في شيئ من أسماء الأفعال كصه و مه إلا: ها [ بمعنى خذ ] فيقال: هاؤما، وهاؤم، وهاؤن، وفي الذكر الحكيم قوله سبحانه: هاؤم اقرؤا كتابيه. راجع التذكرة لابن هشام، والأشباه والنظائر للسيوطي.

ومنها: أن القياس المطرد في مصدر تفاعل هو التفاعل بضم العين إلا في مادة (التفاوت) فذكر الجوهري فيها ضم الواو أولا ثم نقل عن ابن السكيت عن الكلابيين فتحه، وعن الغنبري كسره، وحكي عن أبي زيد الفتح والكسر كما في " أدب الكاتب " ص 59، ونقل السيوطي في المزهر 2 ص 39: الحركات الثلاث.


الصفحة 20


ومنها: أن المطرد في مضارع " فعل " بفتح العين الذي مضارعه " يفعل " بكسره أنه لا يستعمل مضموم العين إلا في " وجد " فإن العامريين ضموا عينه كما في الصحاح وقال شاعرهم لبيد:

لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة * فدع الصوادي لا يجدن غليله

وصرح به ابن قتيبة في أدب الكاتب ص 361، والفيروز آبادي في القاموس 1 ص 343، وفي المزهر 2 ص 49 عن ابن خالويه في شرح الدريدية إنه قال: ليس في كلام العرب فعل يفعل مما فاؤه واو إلا حرف واحد: وجد يجد.

ومنها: إن اسم الفاعل من " أفعل " لم يأت على " فاعل " إلا أبقل. وأورس. وأيفع فيقال: أبقل الموضع فهو بأقل. وأورس الشجرة فهو وارس. وأيفع الغلام فهو يافع: كذا في المزهر 2 ص 40، وفي الصحاح: بلد عاشب ولا يقال في ماضية إلا أعشبت الأرض.

ومنها: إن اسم المفعول من أفعل لم يأت على فاعل إلا في حرف واحد وهو قول العرب: أسأمت الماشية في المرعى فهي سائمة. ولم يقولوا: مسأمة. قال تعالى: فيه تسيمون.

من أسام يسيم. ذكره السيوطي في المزهر 2 ص 47.

وتجد كثيرا من أمثال هذه من النوادر في المخصص لابن سيدة، ولسان العرب، وذكر السيوطي في المزهر ج 2 منها أربعين صحيفة.

 

* (جواب الرازي عما أثبتناه):

هناك للرازي جواب عن هذه كلها يكشف عن سوئة نفسه قال في " نهاية العقول ":

وأما الذي نقلوا عن أئمة اللغة من: أن المولى بمعنى الأولى فلا حجة لهم، إذ أمثال هذا النقل لا يصلح أن يحتج به في إثبات اللغة فنقول: إن أبا عبيدة وإن قال في قوله تعالى: مأويكم النار هي مولاكم: معناه هي أولى بكم. وذكر هذا أيضا الأخفش، و الزجاج، وعلي بن عيسى، واستشهدوا ببيت لبيد ولكن ذلك تساهل من هؤلاء الأئمة لا تحقيق، لأن الأكابر من النقلة مثل الخليل وأضرابه لم يذكروه إلا في تفسير هذه الآية أو آية أخرى مرسلا غير مسند، ولم يذكروه في الكتب الأصلية من اللغة. إنتهى.


الصفحة 21


ليت شعري من ذا الذي أخبر الرازي: إن ذلك تساهل من هؤلاء الأئمة لا تحقيق؟ وهل يطرد عنده قوله في كل ما نقل عنهم من المعاني اللغوية؟ أو إن له مع لفظ المولى حسابا آخر؟ وهل على اللغوي إذا أثبت معنى إلا الاستشهاد ببيت للعرب؟ أو آية من القرآن الكريم؟ وقد فعلوه.

وكيف تخذ عدم ذكر الخليل وأضرابه حجة على التسامح؟ بعد بيان نقله عن أئمة اللغة. وليس من شرط اللغة أن يكون المعنى مذكورا في جميع الكتب، وهل الرازي يقتصر فيها على كتاب العين وأضرابه؟

ومن ذا الذي شرط في نقل اللغة عنعنة الاسناد؟ وهل هو إلا ركون إلى بيت شعر؟ أو آية كريمة؟ أو سنة ثابتة؟ أو استعمال مسموع؟ وهل يجد الرازي خيرا من هؤلاء لتلقي هاتيك كلها؟ وما باله لا يقول مثل قوله هنا إذا جاءه أحد من القوم بمعنى من المعاني العربية؟ أقول: لأن له في المقام مرمى لا يعدوه.

وهل يشترط الرجل في ثبوت المعنى اللغوي وجوده في المعاجم اللغوية فحسب؟

بحيث لا يقيم له وزنا إذا ذكر في تفسير آية، أو معنى حديث، أو حل بيت من الشعر، ونحن نرى العلماء يعتمدون في اللغة على قول أي ضليع في العربية حتى الجارية الأعرابية (1) ولا يشترط عند الأكثر بشئ من الإيمان والعدالة والبلوغ، فهذا القسطلاني يقول في شرح البخاري 7 ص 75: قول الشافعي نفسه حجة في اللغة. وقال السيوطي في المزهر 1 ص 77: حكم نقل واحد من أهل اللغة القبول. وحكى في ص 83 عن الأنباري قبول نقل العدل الواحد ولا يشترط أن يوافقه غيره في النقل. وفي ص 87 بقول شيخ أو عربي يثبت اللغة. وحكى في ص 27 عن الخصايص لابن جني قوله: من قال: إن اللغة لا تعرف إلا نقلا فقد أخطأ فإنها قد تعلم بالقرائن أيضا، فإن الرجل إذا سمع قول الشاعر:

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم * طاروا إليه زرافات ووحدانا

يعلم أن الزرافات بمعنى الجماعات. وذكر أيضا ثبوت اللغة بالقرينة وبقول شاعر عربي. فهذه المصادر كلها موجودة في لفظ المولى غير أن الرازي لا يعلم أن اللغة بماذا

____________

(1) راجع المزهر 1 ص 83 و 84.

 


الصفحة 22


تثبت، ولذلك تراه يتلجلج ويرعد ويبرق من غير جدوى أو عائدة، ولا أحسبه يحير جوابا عن واحد من الأسئلة التي وجهناها إليه.

وكأنه في احتجاجه بخلو كتاب " العين " عن ذلك نسي أو تناسى ما لهج به في " المحصول " من إطباق الجمهور من أهل اللغة على القدح في كتاب " العين " كما نقله عنه السيوطي في المزهر 2 ص 47 و 48.

وأنا لا أدري ما المراد من الكتب الأصلية من اللغة؟ ومن الذي خص هذا الاسم بالمعاجم التي يقصد فيها سرد الألفاظ وتطبيقها على معانيها في مقام الحجية، وأخرج عنها ما ألف في غريب القرآن أو الحديث أو الأدب العربي؟ وهل نية أرباب المعاجم دخيلة في صحة الاحتجاج بها؟ أو أن ثقة أرباب الكتب وتضلعهم في الفن وتحريهم موارد استعمال العرب هي التي تكسبها الحجية؟ وهذه كلها موجودة في كتب الأئمة والأعلام الذين نقل عنهم مجيئ المولى بمعنى الأولى.

 

* (مفعل بمعنى فعيل):

هلم معي إلى صخب وهياج تهجم بها على العربية (ومن العزيز على العروبة والعرب ذلك) الشاه ولي الله صاحب الهندي في تحفته الاثني عشرية فحسب في رد دلالة الحديث أنها لا تتم إلا بمجيئ المولى بمعنى الولي وأن " مفعلا " لم يأت بمعنى " فعيل " يريد به دحض ما نص به أهل اللغة من مجيئ المولى بمعنى الولي الذي يراد به ولي الأمر كما ولي المرآة: وولي اليتيم، وولي العبد، وولاية السلطان، وولي العهد لمن يقيضه الملك عاهل مملكته بعده.

نعم عزب عن الدهلوي قول الفراء المتوفى 207 في (معاني القرآن) وأبي العباس المبرد: بأن الولي والمولى في لغة العرب واحد. وذهل عن إطباق أئمة اللغة على هذا، وعدهم الولي من معاني المولى في معاجم اللغة وغيرهما كما في " مشكل القرآن " للأنباري، و " الكشف والبيان " للثعلبي في قوله تعالى: أنت مولانا، و " الصحاح " للجوهري 2 ص 564، و (غريب القرآن) للسجستاني ص 154، وقاموس الفيروز آبادي 4 ص 401، و " الوسيط " للواحدي، وتفسير القرطبي 3 ص 431، ونهاية ابن

 


الصفحة 23


الأثير 4 ص 246 وقال: ومنه قول عمر لعلي: أصبحت مولي كل مؤمن. وتاج العروس 10 ص 399 واستشهد بقوله تعالى: بأن الله ولي الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم. وبقوله صلى الله عليه وآله: وأيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها. وبحديث الغدير: من كنت مولاه فعلي مولاه (1).

 

* (نظرة في معاني المولى):

ذكر علماء اللغة من معاني المولى السيد غير المالك والمعتق كما ذكروا من معاني الولي الأمير والسلطان مع إطباقهم على اتحاد معنى الولي والمولى: وكل من المعنيين لا يبارح معنى الأولوية بالأمر، فالأمير أولى من الرعية في تخطيط الأنظمة الراجعة إلى جامعتهم، وبإجراء الطقوس المتكفلة لتهذيب أفرادهم، وكبح عادية كل منهم عن الآخر، وكذلك السيد أولى ممن يسوده بالتصرف في شؤونهم، وتختلف دائرة هذين الوصفين سعتا وضيقا باختلاف مقادير الأمارة والسيادة فهي في والي المدينة أوسع منها في رؤساء الدواوين، وأوسع من ذلك في ولاة الأقطار، و يفوق الجميع ما في الملوك والسلاطين، ومنتهى السعة في نبي مبعوث على العالم كله وخليفة يخلفه على ما جاء به من نواميس وطقوس.

ونحن إذا غاضينا القوم على مجيئ الأولى بالشئ من معاني المولى فلا نغاضيهم علي مجيئه بهذين المعنيين، وإنه لا ينطبق في الحديث إلا على أرقي المعاني. أو أوسع الدوائر، بعد أن علمنا أن شيئا من معاني المولى المنتهية إلى سبعة وعشرين معنى لا يمكن إرادته في الحديث إلا ما يطابقهما من المعاني ألا؟ وهي:

1 -الرب

2 - العم

3 - ابن العم

4 - الابن

5 - ابن الأخت

6 - المعتق

7 - المعتق

8 - العبد

9 - المالك(*)

10 - التابع

11 - المنعم عليه

12 - الشريك

13 - الحليف

14 - الصاحب

15 - الجار

____________

(1) لا بسعنا ذكر المصادر كلها أو جلها لكثرتها جدا ولا يهمنا مثل هذا التافه.

(*) في صحيح البخاري 7 ص 57: المليك. وقال القسطلاني في شرح الصحيح 7 ص 77: المولى المليك لأنه يلي أمور الناس. وشرحه كذلك أبو محمد العيني في عمدة القاري. وكذا قال لفظيا العدوي الحمزاوي في النور الساري.

 


الصفحة 24


16 - النزيل

17 - الصهر

18 - القريب

19 - المنعم

20 - الفقيد

21 - الولي

22 - الأولى بالشئ

23 - السيد غير المالك والمعتق

24 - المحب

25 - الناصر

26 - المتصرف في الأمر

27 - المتولي في الأمر

   

   

   

 

فالمعنى الأولى يلزم من إرادته الكفر إذ لا رب للعالمين سوى الله. وأما الثاني والثالث إلى الرابع عشر فيلزم من إرادة شئ منها في الحديث الكذب، فإن النبي عم أولاد أخيه إن كان له أخ وأمير المؤمنين ابن عم أبيهم. وهو صلى الله عليه وآله ابن عبد الله وأمير المؤمنين ابن أخيه أبي طالب، ومن الواضح اختلاف أمهما في النسب فخؤلة كل منهما غير خؤلة الآخر، فليس هو عليه السلام بابن أخت لمن صلى الله عليه وآله ابن أخته. وأنت جد عليم بأن من أعتقه رسول الله لم يعتقه أمير المؤمنين مرة أخرى، وإن كلا منهما سيد الأحرار من الأولين والآخرين، فلم يكونا معتقين لأي ابن أنثى واعطف عليه العبد في السخافة والشناعة. ومن المعلوم أن الوصي صلوات الله عليه لم يملك مماليك رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يمكن إرادة المالك منه. ولم يكن النبي تابعا لأي أحد غير مرسله جلت عظمته، فلا معنى لهتافه بين الملأ بأن من هو تابعه فعلي تابع له. ولم يكن على رسول الله لأي أحد من نعمة بل له المنن والنعم على الناس أجمعين فلا يستقيم المعنى بإرادة المنعم عليه. وما كان النبي صلى الله عليه وآله يشارك أحدا في تجارة أو غيرها حتى يكون وصيه مشاركا له أيضا، على أنه معدود من التافهات إن تحققت هناك شراكة، وتجارته لأم المؤمنين خديجة قبل البعثة كانت عملا لها لا شراكة معها، ولو سلمناها فالوصي سلام الله عليه لم يكن معه في سفره ولا له دخل في تجارته. ولم يكن نبي العظمة محالفا لأحد ليعتز به، وإنما العزة لله ولرسوله و للمؤمنين، وقد اعتز به المسلمون أجمع، إذن فكيف يمكن قصده في المقام؟ وعلى فرض ثبوته فلا ملازمة بينهما.

وأما الصاحب والجار والنزيل والصهر والقريب سواء أريد منه قربى الرحم أو قرب المكان فلا يمكن إرادة شئ من هذه المعاني لسخافتها لا سيما في ذلك المحتشد الرهيب: في أثناء المسير، ورمضاء الهجير، وقد أمر صلى الله عليه وآله بحبس المقدم في السير، ومنع التالي منه في محل ليس بمنزل له، غير أن الوحي الإلهي المشفوع

 


الصفحة 25


بما يشبه التهديد إن لم يبلغ حبسه هنالك، فيكون صلى الله عليه وآله قد عقد هذا المحتفل والناس قد أنهكهم وعثاء السفر، وحر الهجير، وحراجة الموقف حتى أن أحدهم ليضع ردائه تحت قدميه، فيرقي هنالك منبر الأهداج، ويعلمهم عن الله تعالى أن نفسه نعيت إليه، وهو مهتم بتبليغ أمر يخاف فوات وقته بانتهاء أيامه، وأن له الأهمية الكبرى في الدين والدنيا فيخبرهم عن ربه بأمور ليس للإشادة بها أي قيمة وهي: أن من كان هو صلى الله عليه وآله مصطحبا أو جارا أو مصاهرا له أو نزيلا عنده أو قريبا منه بأي المعنيين فعلي كذلك. لاها الله لا نحتمل هذا في أحد من أهل الحلوم الخائرة، والعقليات الضعيفة، فضلا عن العقل الأول، والانسان الكامل نبي الحكمة، وخطيب البلاغة، فمن الإفك الشائن أن يعزى إلى نبي الاسلام إرادة شئ منها، وعلى تقدير إرادة شئ منها فأي فضيلة فيها لأمير المؤمنين عليه السلام حتى يبخبخ ويهنأ بها، ويفضلها سعد ابن أبي وقاص في حديثه (1) على حمر النعم لو كانت، أو تكون أحب إليه من الدنيا وما فيها، عمر فيها مثل عمر نوح.

وأما المنعم: فلا ملازمة في أن يكون كل من أنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وآله يكون أمير المؤمنين عليه السلام منعما عليه أيضا بل من الضروري خلافه، إلا أن يراد أن من كان النبي صلى الله عليه وآله منعما عليه بالدين والهدى والتهذيب و الارشاد والعزة في الدنيا والنجاة في الآخرة فعلي عليه السلام منعم عليه بذلك كله لأنه القائم مقامه، والصادع عنه، وحافظ شرعه، ومبلغ دينه، ولذلك أكمل الله به الدين، وأتم النعمة بذلك الهتاف المبين، فهو حينئذ لا يبارح معنى الإمامة الذي نتحراه، ويساوق المعاني التي نحاول إثباتها فحسب.

وأما العقيد: فلا بد أن يراد به المعاقدة والمعاهدة مع بعض القبايل للمهادنة أو النصرة فلا معنى لكون أمير المؤمنين عليه السلام كذلك إلا أنه تبع له في كل أفعاله وتروكه، فيساوقه حينئذ المسلمون أجمع، ولا معنى لتخصيصه بالذكر مع ذلك الاهتمام الموصوف، إلا أن يراد أن لعلي عليه السلام دخلا في تلك المعاهدات التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وآله لتنظيم السلطنة الإسلامية، وكلائة الدولة عن الملاشات

____________

(1) راجع ص 38 - 41.

 


الصفحة 26


بالقلاقل والحرج، فله التدخل فيها كنفسه صلى الله عليه وآله، وإن أمكن إرادة معاقدة الأوصاف والفضايل كما يقال: عقيد الكرم، وعقيد الفضل، أي: كريم وفاضل. ولو بتمحل لا يقبله الذوق العربي، فيقصد أن من كنت عقيد الفضايل عنده فليعتقد في علي مثله، فهو والحالة هذه مقارب لما نرتأيه من المعنى، وأقرب المعاني أن يراد به العهود التي عاهدها صلى الله عليه وآله مع من بايعه من المسلمين على اعتناق دينه، والسعي وراء صالحه، والذب عنه، فلا مانع أن يراد من اللفظ والحالة هذه فإنه عبارة أخرى لأن يقول: إنه خليفتي والإمام من بعدي.

 

* (المحب والناصر):

على فرض إرادة هذين المعنيين لا يخلو إما أن يراد بالكلام حث الناس على محبته ونصرته بما أنه من المؤمنين به والذابين عنه. أو أمره عليه السلام بمحبتهم ونصرتهم وعلى كل فالجملة إما إخبارية أو إنشائية.

فالاحتمال الأول وهو الإخبار بوجوب حبه على المؤمنين فمما لا طايل تحته، وليس بأمر مجهول عندهم لم يسبقه التبليغ حتى يأمر به في تلك الساعة ويناط التواني عنه بعدم تبليغ شيئ من الرسالة كما في نص الذكر الحكيم، فيحبس له الجماهير، و يعقد له ذلك المنتدى الرهيب، في موقف حرج لا قرار به، ثم يكمل به الدين، وتتم به النعمة، ويرضي الرب، كأنه قد أتى بشئ جديد، وشرع ما لم يكن وما لا يعلمه المسلمون، ثم يهنأه من هنأه بأصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، مؤذنا بحدوث أمر عظيم فيه لم يعلمه القائل قبل ذلك الحين، كيف؟ وهم يتلون في آناء الليل وأطراف النهار قوله سبحانه: والمؤمنون بعضهم أولياء بعض. وقوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة.

مشعرا بلزوم التوادد بينهم كما يكون بين الأخوين، نجل نبينا الأعظم عن تبليغ تافه مثله، ونقدس إلهنا الحكيم عن عبث يشبهه.

والثاني: وهو إنشاء وجوب حبه ونصرته بقوله ذلك، وهو لا يقل عن المحتمل الأول في التفاهة، فإنه لم يكن هناك أمر لم ينشأ وحكم لم يشرع حتى يحتاج إلى بيانه الانشائي كما عرفت، على أن حق المقام على هذين الوجهين أن يقول صلى الله عليه

 


الصفحة 27


وآله: من كان مولاي فهو مولى علي أي محبه وناصره، فهذان الاحتمالان خارجان عن مفاد اللفظ، ولعل سبط ابن الجوزي نظر إلى هذا المعنى وقال في تذكرته ص 19: لم يجز حمل لفظ المولى في هذا الحديث على الناصر. وسيأتي لفظه بتمامه.

على أن وجوب المحبة والمناصرة على هذين الوجهين غير مختص بأمير المؤمنين عليه السلام وإنما هو شرع سواء بين المسلمين أجمع، فما وجه تخصيصه به والاهتمام بأمره؟ وإن أريد محبة أو نصرة مخصوصة له تربو عن درجة الرعية كوجوب المتابعة، وامتثال الأوامر، والتسليم له، فهو معنى الحجية والإمامة، لا سيما بعد مقارنتها بما هو مثلها في النبي صلى الله عليه وآله بقوله: من كنت مولاه، والتفكيك بينهما في سياق واحد إبطال للكلام.

والثالث: وهو إخباره بوجوب حبهم أو نصرتهم عليه، فكان الواجب عندئذ إخباره صلى الله عليه وآله عليا والتأكيد عليه بذلك لا إلقاء القول به على السامعين، وكذلك إنشاء الوجوب عليه وهو المحتمل الرابع، فكان صلى الله عليه وآله في غنى عن ذلك الاهتمام وإلقاء الخطبة واستسماع الناس والمناشدة في التبليغ، إلا أن يريد جلب عواطف الملأ وتشديد حبهم له عليه السلام إذا علموا أنه محبهم أو ناصرهم ليتبعوه، ولا يخالفوا له أمرا، ولا يردوا له قولا.

وبتصديره صلى الله عليه وآله الكلام بقوله: من كنت مولاه. نعلم أنه على هذا التقدير لا يريد من المحبة أو النصرة إلا ما هو على الحد الذي فيه صلى الله عليه وآله منهما، فإن حبه ونصرته لأمته ليس كمثلهما في أفراد المؤمنين، وإنما هو صلى الله عليه آله يحب أمته فينصرهم بما أنه زعيم دينهم ودنياهم، ومالك أمرهم وكالئ حوزتهم، وحافظ كيانهم، وأولى بهم من أنفسهم، فإنه لو لم يفعل بهم ذلك لأجفلتهم الذئاب العادية، وانتأشتهم الوحوش الكواسر، ومدت إليه الأيدي من كل صوب وحدب، فمن غارات تشن، وأموال تباح، ونفوس تزهق، وحرمات تهتك، فينتقض غرض المولى من بث الدعوة، وبسط أديم الدين، ورفع كلمة الله العليا، بتفرق هاتيك الجامعة، فمن كان في المحبة والنصرة على هذا الحد فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله، والمعنى على هذا الفرض لا يحتمل غير ما قلناه.


الصفحة 28


 

* (المعاني التي يمكن إرادتها من الحديث):

لم يبق من المعاني إلا الولي. والأولى بالشئ. والسيد غير قسيميه: المالك والمعتق. والمتصرف في الأمر ومتوليه. أما الولي فيجب أن يراد منه خصوص ما يراد في الأولى لعدم صحة بقية المعاني كما عرفناكه، وأما السيد (1) بالمعنى المذكور فلا يبارح معنى الأولى بالشئ لأنه المتقدم على غيره لا سيما في كلمة يصف بها النبي صلى الله عليه وآله نفسه ثم ابن عمه على حذو ذلك، فمن المستحيل حمله على سيادة حصل عليها السايد بالتغلب والظلم، وإنما هي سيادة دينية عامة يجب إتباعها على المسودين أجمع.

وكذلك المتصرف في الأمر، ذكره الرازي في تفسيره 6 ص 210 عن القفال عند قوله تعالى: واعتصموا بالله هو مولاكم " الحج " فقال: قال القفال: هو مولاكم سيدكم والمتصرف فيكم، وذكرهما سعيد الچلبي مفتي الروم، وشهاب الدين أحمد الخفاجي في تعليقيهما على البيضاوي، وعده في الصواعق ص 25 من معانيه الحقيقية، وحذا حذوه كمال الدين الجهرمي في ترجمة الصواعق، ومحمد بن عبد الرسول البرزنجي في النواقض، والشيخ عبد الحق في لمعاته، فلا يمكن في المقام إلا أن يراد به المتصرف الذي قيضه الله سبحانه لأن يتبع فيحدو البشر إلى سنن النجاح فهو أولى من غيره بأنحاء التصرف في الجامعة الانسانية، فليس هو إلا نبي مبعوث أو إمام مفترض الطاعة منصوص به من قبله بأمر إلهي لا يبارحه في أقواله وأفعاله وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

وكذلك متولي الأمر الذي عده من معاني المولى أبو العباس المبرد، قال في قوله: إن الله مولى الذين آمنوا: والولي والمولى معناهما سواء، وهو الحقيق بخلقه المتولي لأمورهم (2) وأبو الحسن الواحدي في تفسيره الوسيط، والقرطبي في تفسيره 4 ص 232 في قوله تعالى في آل عمران: بل الله مولاكم. وابن الأثير في النهاية 4 ص 246، والزبيدي في تاج العروس 10 ص 398، وابن منظور في لسان

____________

(1) عده من معاني المولى جمع كثير من أئمة التفسير والحديث واللغة، لا يستهان بعدتهم.

(2) حكاه عنه الشريف المرتضى في الشافي.

 


الصفحة 29


العرب 20 وقالوا: ومنه الحديث: أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل وفي رواية: وليها. أي متولي أمرها، والبيضاوي في تفسير قوله تعالى: ما كتب لنا هو مولانا (التوبة) في تفسيره 1 ص 505، وفي قوله تعالى: واعتصموا بالله هو مولاكم (الحج) ج 2 ص 114، وفي قوله تعالى: والله مولاكم " التحريم " 2 ص 530، و أبو السعود العمادي في تفسير قوله تعالى: والله مولاكم " التحريم " (هامش تفسير الرازي) ج 8 ص 183، وفي قوله تعالى: هي مولاكم. والراغب في المفردات، وعن أحمد بن الحسن الزاهد، الدرواجكي في تفسيره: المولى في اللغة من يتولى مصالحك فهو مولاك يلي القيام بأمورك وينصرك على أعدائك، ولهذا سمي ابن العم والمعتق مولى ثم صار إسما لمن لزم الشئ، والزمخشري في " الكشاف " وأبو العباس أحمد بن يوسف الشيباني الكواشي المتوفى سنة 680 في تلخيصه، والنسفي في تفسير قوله تعالى: أنت مولانا، والنيسابوري في " غرائب القرآن " في قوله تعالى: أنت مولانا. و قوله تعالى: فاعلموا أن الله مولاكم. وقوله تعالى: هي مولاكم. وقال القسطلاني في حديث مر في ص 318 عن البخاري ومسلم في قوله صلى الله عليه وآله: أنا مولاه، أي: ولي الميت أتولي عنه أموره، والسيوطي في تفسير الجلالين في قوله تعالى: أنت مولانا. وقوله:

فاعلموا أن الله مولاكم. وقوله: لن تصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا. فهذا المعنى لا يبارح أيضا معنى الأولى لا سيما بمعناه الذي يصف به صاحب الرسالة صلى الله عليه و آله نفسه على تقدير إرادته.

على أن الذي نرتأيه في خصوص المقام بعد الخوض في غمار اللغة، ومجاميع الأدب، وجوامع العربية، إن الحقيقة من معاني المولى ليس إلا الأولى بالشئ، وهو الجامع لهاتيك المعاني جمعاء، ومأخوذ في كل منها بنوع من العناية، ولم يطلق لفظ المولى على شئ منها إلا بمناسبة هذا المعنى.

1 - فالرب سبحانه هو أولى بخلقه من أي قاهر عليهم خلق العالمين كما شائت حكمته ويتصرف بمشيئته.

2 - والعم أولى الناس بكلائة ابن أخيه والحنان عليه وهو القائم مقام والده الذي كان أولى به.


الصفحة 30


3 - وابن العم أولى بالاتحاد والمعاضدة مع ابن عمه لأنهما غصنا شجرة واحدة.

4 - والابن أولى الناس بالطاعة لأبيه والخضوع له قال الله تعالى: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة.

5 - وابن الأخت أيضا أولى الناس بالخضوع لخاله الذي هو شقيق أمه.

6 - والمعتق بالكسر أولى بالتفضل على من أعتقه من غيره.

7 - والمعتق بالفتح أولى بأن يعرف جميل من أعتقه عليه ويشكره بالخضوع بالطاعة.

8 - والعبد أيضا أولى بالانقياد لمولاه من غيره وهو واجبه الذي نيطت سعادته به.

9 - والمالك أولى بكلائة مماليكه وأمرهم والتصرف فيهم بما دون حد الظلم.

10 - والتابع أولى بمناصرة متبوعه ممن لا يتبعه.

11 - والمنعم عليه أولى بشكر منعمه من غيره.

12 - والشريك أولى برعاية حقوق الشركة وحفظ صاحبه عن الأضرار.

13 - والأمر في الحليف واضح، فهو أولى بالنهوض بحفظ من حالفه ودفع عادية الجور عنه.

14 - وكذلك الصاحب أولى بأن يأدي حقوق الصحبة من غيره.

15 - كما أن الجار أولى بالقيام بحفظ حقوق الجوار كلها من البعداء.

16 - ومثلها النزيل فهو أولى بتقدير من آوى إليهم ولجأ إلى ساحتهم وأمن في جوارهم.

17 - والصهر أولى بأن يرعي حقوق من صاهره فشد بهم أزره، وقوي أمره، وفي الحديث الآباء ثلاثة: أب ولدك. وأب زوجك. وأب علمك.

18 - واعطف عليها القريب الذي هو أولى بأمر القريبين منه والدفاع عنهم و السعي وراء صالحهم.

19 - والمنعم أولى بالفضل على من أنعم عليه، وأن يتبع الحسنة بالحسنة 20 - والعقيد كالحليف في أولوية المناصرة له مع عاقده، ومثلهما:

21 - المحب و 22 الناصر، فإن كلا منهما أولى بالدفاع عمن أحبه أو إلتزم

 


الصفحة 31


بنصرته.

وقد عرفت الحال في الولي 23 - والسيد 24 - والمتصرف في الأمر 25 - والمتولي له 26.

إذن فليس للمولى إلا معنى واحد وهو الأولى بالشئ وتختلف هذه الأولوية بحسب الاستعمال في كل من موارده، فالاشتراك معنوي وهو أولى من الاشتراك اللفظي المستدعي لأوضاع كثيرة غير معلومة بنص ثابت والمنفية بالأصل المحكم، وقد سبقنا إلى بعض هذه النظرية شمس الدين ابن البطريق في العمدة ص 56 وهو أحد أعلام الطائفة في القرن السادس، وتطفح بشئ من ذلك كلمات غير واحد من علماء أهل السنة (1) حيث ذكروا المناسبات في جملة من معاني المولى تشبه ما ذكرنا.

ويكشف عن كون المعنى المقصود (الأولى) هو المتبادر من المولى إذا أطلق كما يأتي بيانه عن بعض في الكلمات حول المفاد ما رواه مسلم بإسناده في صحيحه ص 197 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقل العبد لسيده مولاي. وزاد في حديث أبي معاوية: فإن مولاكم الله. وأخرجه غير واحد من أئمة الحديث في تآليفهم.

 

* (القرائن المعينة):

متصلة ومنفصلة

إلى هنا لم يبق للباحث ملتحد عن البخوع لمجئ المولى بمعنى الأولى بالشئ، وإن تنازلنا إلى أنه أحد معاينه وأنه من المشترك اللفظي، فإن للحديث قرائن متصلة وأخرى منفصلة تنفي إرادة غيره. فإليك البيان:

 

* (القرينة الأولى) *:

مقدمة الحديث وهي قوله صلى الله عليه وآله: ألست أولى بكم من أنفسكم. أوما يؤدي مؤداه من ألفاظ متقاربة، ثم فرع على ذلك قوله:

فمن كنت مولاه فعلي مولاه. وقد رواها الكثيرون من علماء الفريقين فمن حفاظ أهل السنة وأئمتهم.

____________

(1) راجع ما أسلفناه عن الدرواجكي وغيره وما يأتي عن سبط ابن الجوزي وغيره، فتجد هناك كثيرا من نظرائهما في مطاوي كلمات القوم.

 


الصفحة 32


 

1 - أحمد بن حنبل

2 - ابن ماجة

3 - النسائي

4 - الشيباني

5 - أبو يعلى

6 - الطبري

7 - الترمذي

8 - الطحاوي

9 - ابن عقدة

10 - العنبري

11 - أبو حاتم

12 - الطبراني

13 - القطيعي

14 - ابن بطة

15 - الدار قطني

16 - الذهبي

17 - الحاكم

18 - الثعلبي

19 - أبو نعيم

20 - ابن السمان

21 - البيهقي

22 - الخطيب

23 - السجستاني

24 - ابن المغازلي

25 - الحسكاني

26 - العاصمي

27 - الخلعي

28 - السمعاني

29 - الخوارزمي

30 - البيضاوي

31 - الملا

32 - ابن عساكر

33 - أبو موسى

34 - أبو الفرج

35 - ابن الأثير

36 - ضياء الدين

37 - قزأوغلي

38 - الكنجي

39 - التفتازاني

40 - محب الدين

41 - الوصابي

42 - الحمويني

43 - الأيجي

44 - ولي الدين

45 - الزرندي

46 - ابن كثير

47 - الشريف

48 - شهاب الدين

49 - الجزري

50 - المقريزي

51 - ابن الصباغ

52 - الهيثمي

53 - الميبدي

54 - ابن حجر

55 - أصيل الدين

56 - السمهودي

57 - كمال الدين

58 - البدخشي

59 - الشيخاني

60 - السيوطي

61 - الحلبي

62 - ابن باكثير

63 - السهارنپوري

64 - ابن حجر المكي.

   

 

وقد ألمعنا إلى موارد ذكر المقدمة بتعيين الجزء والصفحات من كتب هؤلاء الأعلام فيما أسلفناه عند بيان طرق الحديث عن الصحابة والتابعين، وهناك جمع آخرون من رواتها لا يستهان بعدتهم لا نطيل بذكرهم المقال، أضف إلى ذلك من رواها من علماء الشيعة الذين لا يحصى عددهم.

فهذه المقدمة من الصحيح الثابت الذي لا محيد عن الاعتراف به كما صرح بذلك غير واحد من الأعلام المذكورين (1) فلو كان صلى الله عليه وآله يريد في كلامه غير المعنى الذي صرح به في المقدمة لعاد لفظه (ونجله عن كل سقطة) محلول العرى، مختزلا بعضه عن بعض، وكان في معزل عن البلاغة وهو أفصح البلغاء، وأبلغ من نطق بالضاد، فلا مساغ في الاذعان بارتباط أجزاء كلامه، وهو الحق في كل قول يلفظه عن وحي يوحى، إلا أن نقول باتحاد المعنى في المقدمة وذيها.

ويزيدك وضوحا وبيانا ما في " التذكرة " لسبط ابن الجوزي الحنفي ص 20 فإنه

____________

(1) راجع رواة الحديث من الصحابة والكلمات حول سند الحديث.

 


الصفحة 33


بعد عد معان عشرة للمولى وجعل عاشرها الأولى قال: والمراد من الحديث: الطاعة المخصوصة، فتعين الوجه العاشر وهو الأولى ومعناه: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به، وقد صرح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن سعيد الثقفي الاصبهاني في كتابه المسمى بمرج البحرين فإنه روى هذا الحديث بإسناده إلى مشايخه وقال فيه:

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي فقال: من كنت وليه وأولى به من نفسه فعلي وليه.

فعلم أن جميع المعاني راجعة إلى الوجه العاشر، ودل عليه أيضا قوله عليه السلام:

ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وهذا نص صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته.

ا هـ. ونص ابن طلحة الشافعي في " مطالب السئول " ص 16 على ذهاب طايفة إلى حمل اللفظ في الحديث على الأولى. وسيوافيك نظير هذه الجمل في محله إنشاء الله تعالى.

 

* (القرينة الثانية) *:

ذيل الحديث وهو قوله صلى الله عليه وآله: أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. في جملة من طرقه بزيادة قوله: وانصر من نصره، واخذل من خذله. أو ما يؤدي مؤداه، وقد أسلفنا ذكر الجماهير الراوين له فلا موجب إلى التطويل بإعادة ذكرهم، ومر عليك في ذكر الكلمات المأثورة حول سند الحديث ص 266 - 281 بأن تصحيح كثير من العلماء له مصبه الحديث مع ذيله، وفي وسع الباحث أن يقرب كونه قرينة للمدعى بوجوه لا تلتأم إلا مع معنى الأولوية الملازمة للإمامة.

((أحدها)):

أنه صلى الله عليه وآله لما صدع بما خول الله سبحانه وصيه من المقام المشامخ بالرياسة العامة على الأمة جمعاء، والإمامة المطلقة من بعده، كان يعلم بطبع الحال أن تمام هذا الأمر بتوفر الجنود والأعوان وطاعة أصحاب الولايات والعمال مع علمه بأن في الملأ من يحسده كما ورد في الكتاب العزيز (1) وفيهم من يحقده، وفي زمر المنافقين من يضمر له العداء لأوتار جاهلية، وستكون من بعده هناة تجلبها النهمة والشره من أرباب المطامع لطلب الولايات والتفضيل في العطاء، ولا يدع الحق

____________

(1) في قوله: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. أخرج ابن المغازلي في المناقب، وابن أبي الحديد في سرحه 2 ص 236، والحضرمي الشافعي في الرشفة ص 27: إنها نزلت في علي وما خص به من العلم.

 


الصفحة 34


عليا عليه السلام أن يسعفهم بمبتغاهم لعدم الحنكة والجدارة فيهم فيقلبون عليه ظهر المجن، وقد أخبر صلى الله عليه وآله مجمل الحال بقوله: إن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا. وفي لفظ إن تستخلفوا عليا وما أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا راجع ص 12، 13 من هذا الكتاب.

فطفق صلى الله عليه وآله يدعو لمن والاه ونصره، وعلى من عاداه وخذله ليتم له أمر الخلافة، وليعلم الناس أن موالاته مجلبة لموالاة الله سبحانه، وأن عداؤه وخذلانه مدعاة لغضب الله وسخطه، فيزدلف إلى الحق وأهله، ومثل هذا الدعاء بلفظ العام لا يكون إلا فيمن هذا شأنه، ولذلك إن أفراد المؤمنين الذين أوجب الله محبة بعضهم لبعض لم يؤثر فيهم هذا القول، فإن منافرة بعضهم لبعض جزؤيات لا يبلغ هذا المبلغ، وإنما يحصل مثله فيما إذا كان المدعو له دعامة الدين، وعلم الاسلام، وإمام الأمة، وبالتثبط عنه يكون فت في عضد الحق وانحلال لعرى الاسلام.

((ثانيها)):

إن هذا الدعاء بعمومه الأفرادي بالموصول، والأزماني، والأحوالي بحذف المتعلق تدل على عصمة الإمام عليه السلام لإفادته وجوب موالاته ونصرته.

الانحياز عن العداء له وخذلانه على كل أحد في كل حين وعلى كل حال، وذلك يوجب أن يكون عليه السلام في كل تلك الأحوال على صفة لا تصدر منه معصية، ولا يقول إلا الحق، ولا يعمل إلا به، ولا يكون إلا معه، لأنه لو صدر منه شئ من المعصية لوجب الانكار عليه ونصب العداء له لعمله المنكر والتخذيل عنه، فحيث لم يستثن صلى الله عليه وآله من لفظ العام شيئا من أطواره وأزمانه علمنا أنه لم يكن عليه السلام في كل تلك المدد والأطوار إلا على الصفة التي ذكرناها، وصاحب هذه الصفة يجب أن يكون إماما لقبح أن يأمه من هو دونه على ما هو المقرر في محله، وإذا كان إماما فهو أولى الناس منهم بأنفسهم.

((ثالثها)):

إن الأنسب بهذا الدعاء الذي ذيل صلى الله عليه وآله به كلامه، و لا بد أنه مرتبط بما قبله أن يكون غرضه صلى الله عليه وآله بيان تكليف على الحاضرين من فرض الطاعة ووجوب الموالاة، فيكون في الدعاء ترغيب لهم على الطاعة والخضوع له، وتحذير عن المترد والجموح تجاه أمره، وذلك لا يكون إلا إذا نزلنا المولى

 


الصفحة 35


بمعنى الأولى، بخلاف ما إذا كان المراد به المحب أو الناصر فإنه حينئذ لم يعلم إلا أن عليا عليه السلام محب من يحبه رسول الله صلى الله عليه وآله أو ينصر من ينصره، فيناسب إذن أن يكون الدعاء له إن قام بالمحبة أو النصرة لا للناس عامة إن نهضوا بموالاته، وعليهم إن تظاهروا بنصب العداء له، إلا أن يكون الغرض بذلك تؤكيد الصلاة الودية بينه وبين الأمة إذا علموا أنه يحب وينصر كل فرد منهم في كل حال وفي كل زمان كما أن النبي صلى الله عليه وآله كذلك فهو يخلفه عليهما، وبذلك يكون لهم منجاة من كل هلكة، ومأوى من كل خوف، وملجأ من كل ضعة، شأن الملوك ورعاياهم، والأمراء والسوقة، فإنهما في النبي صلى الله عليه وآله على هذه الصفة، فلا بد أن يكونا فيمن يحذو حذوه أيضا كذلك وإلا لاختل سياق الكلام، فالمعنى على ما وصفناه بعد المماشات مع القوم متحد مع معنى الإمامة، و مؤد مفاد الأولى.

وللحديث ألفاظ أثبتها حفاظ الحديث متصلة به في مختلف تخريجاتهم لا تلتئم إلا مع المعنى الذي حاولنا من المولى.

 

* (القرينة الثالثة) *:

قوله صلى الله عليه وآله، يا أيها الناس؟ بم تشهدون؟

قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، قال: ثم مه؟ قالوا: وأن محمدا عبده ورسوله، قال:

فمن وليكم؟ قالوا: الله ورسوله مولانا. ثم ضرب بيده إلى عضد علي فأقامه فقال: من يكن الله ورسوله مولاه فإن هذا مولاه. الحديث.

هذا لفظ جرير وقريب منه لفظ أمير المؤمنين عليه السلام ولفظ زين بن أرقم وعامر بن ليلى، وفي لفظ حذيفة بن أسيد بسند صحيح: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؟ (إلى أن قال): قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: أللهم؟

اشهد، ثم قال: يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه. يعني عليا. (1) فإن وقوع الولاية في سياق الشهادة بالتوحيد والرسالة وسردها عقيب المولوية المطلقة لله سبحانه ولرسوله من بعده لا يمكن إلا أن يراد بها معنى الإمامة الملازمة

____________

(1) راجع ص 22 و 26 و 27 و 33 و 36 و 47 و 55.

 


الصفحة 36


للأولوية على الناس منهم بأنفسهم.

 

* (القرينة الرابعة) *:

قوله صلى الله عليه وآله عقيب لفظ الحديث: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي بن أبي طالب. وفي لفظ شيخ الاسلام الحمويني: الله أكبر تمام نبوتي، وتمام دين الله بولاية علي بعدي. (1) فأي معنى تراه يكمل به الدين، ويتم النعمة، ويرضي الرب في عداد الرسالة غير الإمامة التي بها تمام أمرها وكمال نشرها وتوطيد دعايمها؟ إذن فالناهض بذلك العبء المقدس أولى الناس منهم بأنفسهم.

 

* (القرينة الخامسة) *:

قوله صلى الله عليه وآله قبل بيان الولاية: كأني دعيت فأجبت. أو: أنه يوشك أن أدعى فأجيب. أو: ألا وإني أوشك أن أفارقكم. أو:

يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وقد تكرر ذكره عند حفاظ الحديث كما مر (2).

وهو يعطينا علما بأنه صلى الله عليه وآله كان قد بقي من من تبليغه مهمة يحاذر أن يدركه الأجل قبل الإشادة بها، ولولا الهتاف بها بقي ما بلغه مخدجا، ولم يذكر صلى الله عليه وآله بعد هذا الاهتمام إلا ولاية أمير المؤمنين وولاية عترته الطاهرة الذين يقدمهم هو صلوات الله عليه كما في نقل مسلم، فهل من الجايز أن تكون تلك المهمة المنطبقة على هذه الولاية إلا معنى الإمامة المصرح بها في غير واحد من الصحاح؟ وهل صاحبها إلا أولى الناس بأنفسهم؟

 

* (القرينة السادسة) *:

قوله صلى الله عليه وآله بعد بيان الولاية لعلي عليه السلام:

هنئوني هنئوني إن الله تعالى خصني بالنبوة وخص أهل بيتي بالإمامة كما مر ص 274. فصريح العبارة هو الإمامة المخصوصة بأهل بيته الذين سيدهم والمقدم فيهم هو أمير المؤمنين عليه السلام وكان هو المراد في الوقت الحاضر.

ثم نفس التهنئة والبيعة المصافقة والاحتفال بها واتصالها ثلثة أيام كما مرت هذه كلها ص 269 - 283 لا تلائم غير معنى الخلافة والأولوية، ولذلك ترى الشيخين

____________

(1) راجع ص 43 و 165 و 231 و 232 و 233 و 235.

(2) راجع ص 26 و 27 و 30 و 32 و 33 و 34 و 36 و 47 و 176.

 


الصفحة 37


أبي بكر وعمر لقيا أمير المؤمنين فهنئاه بالولاية. وفيها بيان لمعنى المولى الذي لهج به صلى الله عليه وآله، فلا يكون المتحلى به إلا أولى الناس منهم بأنفسهم.

 

* (القرينة السابعة) *:

قوله صلى الله عليه وآله بعد بيان الولاية: فليبلغ الشاهد الغايب. كما مر ص 33 و 160 و 198. أو تحسب أنه صلى الله عليه وآله يؤكد هذا التأكيد في تبليغ الغائبين أمرا علمه كل فرد منهم بالكتاب والسنة من الموالاة والمحبة والنصرة بين أفراد المسلمين مشفوعا بذلك الاهتمام والحرص على بيانه؟ لا أحسب أن ضئولة الرأي يسف بك إلى هذه الخطة، لكنك ولا شك تقول : إنه صلى الله عليه وآله لم يرد إلا مهمة لم تتح الفرص لتبليغها ولا عرفته الجماهير ممن لم يشهدوا ذلك المجتمع، وما هي إلا مهمة الإمامة التي بها كمال الدين، وتمام النعمة، ورضى الرب، وما فهم الملأ الحضور من لفظه صلى الله عليه وآله إلا تلك، ولم يؤثر له صلى الله عليه وآله لفظ آخر في ذلك المشهد يليق أن يكون أمره بالتبليغ له، وتلك المهمة لا تساوق إلا معنى الأولى من معاني المولى.

 

* (القرينة الثامنة) *:

قوله صلى الله عليه وآله بعد بيان الولاية في لفظ أبي سعيد وجابر المذكور ص 43 و 232 و 233 و 234 و 237: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي بن بعدي. وفي لفظ وهب المذكور ص 60: إنه وليكم بعدي. وفي لفظ علي الذي أسلفناه ص 165:

ولي كل مؤمن بعدي.

وكذلك ما أخرجه الترمذي، وأحمد، والحاكم، والنسائي، وابن أبي شيبة والطبري، وكثيرون آخرون من الحفاظ بطرق صحيحة من قوله صلى الله عليه وآله إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي، وفي آخر: هو وليكم بعدي.

وما أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1 ص 86 وآخرون بإسناد صحيح من قوله صلى الله عليه وآله: من سره أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي. الحديث.

وما أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 ص 86 بإسناد صحيح رجاله ثقات عن حذيفة

 


الصفحة 38


وزيد وابن عباس عنه صلى الله عليه وآله: من سره أن يحيى حياتي، ويموت ميتتي، ويتمسك بالقصبة الياقوتة التي خلقها الله بيده ثم قال لها: كوني. فكانت، فليتول علي ابن أبي طالب من بعدي.

فإن هذه التعابير تعطينا خبرا بأن الولاية الثابتة لأمير المؤمنين عليه السلام مرتبة تساوق ما ثبت لصاحب الرسالة مع حفظ التفاوت بين المرتبتين بالأولية والأولوية سواء أريد من لفظ (بعدي) البعدية الزمانية أو البعدية في الرتبة، فلا يمكن أن يراه؟

إذن من المولى إلا الأولوية على الناس في جميع شؤونهم، إذ في إرادة معنى النصرة والمحبة من المولى بهذا القيد ينقلب الحديث ويعد منقصة دون مفخرة كما لا يخفى.

 

* (القرينة التاسعة) *:

قوله صلى الله عليه وآله بعد إبلاغ الولاية: أللهم أنت شهيد عليهم إني قد بلغت ونصحت. فالإشهاد على الأمة بالبلاغ والنصح يستدعي أن يكون ما بلغه صلى الله عليه وآله ذلك اليوم أمرا جديدا لم يكن قد بلغه قبل. مضافا إلى أن بقية معاني المولى العامة بين أفراد المسلمين من الحب والنصرة لا تتصور فيها أي حاجة إلى الإشهاد على الأمة في علي خاصة، إلا أن تكون فيه على الحد الذي بيناه.

 

* (القرينة العاشرة) *:

قوله صلى الله عليه وآله قبل بيان الحديث وقد مر ص 165 و 196: إن الله أرسلني برسالة ضاق بها صدري، وظننت أن الناس مكذبي فأوعدني لأبلغها أو ليعذبني. ومر في ص 221 بلفظ: أن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني. وص 166 بلفظ:

إني راجعت ربي خشية طعن أهل النفاق ومكذبيهم فأوعدني لأبلغها أو ليعذبني.

ومر ص 51: لما أمر النبي أن يقوم بعلي بن أبي طالب المقام الذي قام به فانطلق النبي صلى الله عليه وآله إلى مكة فقال: رأيت الناس حديثي عهد بكفر بجاهلية ومتى أفعل هذا به يقولوا: صنع هذا بابن عمه ثم مضى حتى قضى حجة الوداع. الحديث.

ومر ص 219: إن الله أمر محمدا أن ينصب عليا للناس فيخبرهم بولايته فتخوف النبي صلى الله عليه وآله أن يقولوا: حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه. الحديث. ومر ص 217:


الصفحة 39


لما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوم بعلي فيقول له ما قال فقال: يا رب إن قومي حديث عهد بجاهلية (كذا في النسخ) ثم مضى بحجه فلما أقبل راجعا نزل بغدير خم. الحديث.

ومر ص 217: لما جاء جبرئيل بأمر الولاية ضاق النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ذرعا وقال: قومي حديثو عهد بالجاهلية فنزلت: يا أيها الرسول. الآية.

هذه كلها تنم عن نبأ عظيم كان يخشى في بثه بوادر أهل النفاق وتكذيبهم، فالذي كان يحاذره صلى الله عليه وسلم ويتحقق به القول بأنه حابى ابن عمه يستدعي أن يكون أمرا يخص أمير المؤمنين لا شيئا يشاركه فيه المسلمون أجمع من النصرة والمحبة وما هو إلا الأولوية بالأمر وما جرى مجراها من المعاني.

11 - جاء في أسانيد متكثرة:

التعبير عن موقوف يوم الغدير بلفظ النصب فمر ص 57 عن عمر بن الخطاب: نصب رسول الله عليا علما. و 165 عن علي عليه السلام أمر الله نبيه - ينصبني للناس. وفي قوله الآخر في رواية العاصمي كما تأتي: نصبني علما. ومر ص 199 عن الإمام الحسن السبط: أتعلمون أن رسول الله نصبه يوم غدير خم. وص 200 عن عبد الله بن جعفر: ونبينا قد نصب لأمته أفضل الناس وأولاهم وخيرهم بغدير خم. وص 208 عن قيس بن سعد: نصبه رسول الله بغدير خم. وص 219 عن ابن عباس وجابر: أمر الله محمدا أن ينصب عليا للناس فيخبرهم بولايته. وص 231 عن أبي سعيد الخدري: لما نصب رسول الله عليا يوم غدير خم فنادى له بالولاية.

فإن هذا اللفظ يعطينا خبرا بإيجاد مرتبة للإمام عليه السلام في ذلك اليوم لم تكن تعرف له من قبل غير المحبة والنصرة المعلومتين لكل أحد والثابتتين لأي فرد من أفراد المسلمين، على ما ثبت من إطراد استعماله في جعل الحكومات، وتقرير الولايات، فيقال: نصب السلطان زيدا واليا على القارة الفلانية، ولا يقال: نصبه رعية له أو محبا أو ناصرا أو محبوبا أو منصورا به على زنة ما يتساوى به أفراد المجتمع الذين هم تحت سيطرة ذلك السلطان.

مضافا إلى مجيئ هذا اللفظ في غير واحد من الطرق مقرونا بلفظ الولاية أو متلوا بكونه للناس أو للأمة. وبذلك كله تعرف أن المرتبة المثبتة له هي الحاكمية المطلقة على الأمة جمعاء، وهي معنى الإمامة الملازمة للأولوية المدعاة في معنى المولى، و

 


الصفحة 40


يستفاد هذا المعنى من لفظ ابن عباس الآخر الذي مر ص 51 و 217: قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم بعلي المقام الذي قام به.

ويصرح بالمعنى المراد ما مر ص 165 من قوله صلى الله عليه وآله: إن الله أمر أن أنصب لكم إمامكم والقائم فيكم بعدي ووصيي وخليفتي والذي فرض الله على المؤمنين في كتابه طاعته فقرب بطاعته طاعتي وأمركم بولايته. وقوله المذكور ص 215: فإن الله قد نصبه لكم وليا وإماما، وفرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه، جايز قوله.

12 - ما مر ص 52 و 217 من قول ابن عباس بعد ذكره الحديث:

فوجبت والله في رقاب القوم. في لفظ، وفي أعناق القوم. في آخر، فهو يعطي ثبوت معنى جديد مستفاد من الحديث غير ما عرفه المسلمون قبل ذلك وثبت لكل فرد منهم، وأكد ذلك باليمين وهو معنى عظيم يلزم الرقاب، ويأخذ بالأعناق لدة الإقرار بالرسالة لم يساو الإمام عليه السلام فيه غيره، وليس هو إلا الخلافة التي امتاز بها من بين المجتمع الاسلامي، ولا يبارحه معنى الأولوية.

13 - ما أخرجه شيخ الاسلام الحمويني في ((فرايد السمطين)) عن أبي هريرة قال:

لما رجع رسول الله عن حجة الوداع نزلت آية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك.

الآية. ولما سمع قوله تعالى: والله يعصمك من الناس اطمئن قلبه (إلى أن قال بعد ذكر الحديث): وهذه آخر فريضة أوجب الله عباده، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت قوله: اليوم أكملت لكم دينكم. الآية.

يعطينا هذا اللفظ خبرا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله صدع في كلمته هذه بفريضة لم يسبقها التبليغ، ولا يجوز أن يكون ذلك معنى المحبة والنصرة لسبق التعريف بهما منذ دهر كتابا وسنة، فلم يبق إلا أن يكون معنى الإمامة الذي أخر أمره حتى تكتسح عنه العراقيل، وتمرن النفوس بالخضوع لكل وحي يوحى، فلا تتمرد عن مثلها من عظيمة تجفل عنها النفوس الجامحة، وهي الملائمة لمعنى الأولى.

14 - تقدم ص 29 و 36 في حديث زيد بن أرقم بطرقه الكثيرة:

إن ختنا له سأله عن حديث غدير خم فقال له: أنتم أهل العراق فيكم ما فيكم. فقلت له: ليس عليك

 


الصفحة 41


مني بأس. فقال: نعم: كنا بالجحفة فخرج رسول الله. الحديث. ومر ص 24 عن عبد الله ابن العلا أنه قال للزهري لما حدثه بحديث الغدير: لا تحدث بهذا بالشام. وأسلفناك ص 273 عن سعيد بن المسيب أنه قال: قلت لسعد بن أبي وقاص: إني أريد أن أسألك عن شيئ وإني أتقيك. قال: سل عما بدا لك فإنما أنا عمك.

فإن الظاهر من هذه كلها أنه كان بين الناس للحديث معنى لا يأتمن معه راويه من أن يصيبه سوء أولدته العداوة للوصي صلوات الله عليه في العراق وفي الشام، و لذلك إن زيدا اتقى ختنه العراقي وهو يعلم ما في العراقيين من النفاق والشقاق يوم ذاك، فلم يبد بسره حتى أمن من بوادره فحدثه بالحديث، وليس من الجايز أن يكون المعنى حينئذ هو ذلك المبتذل بكل مسلم، وإنما هو معنى ينوء بعبأه الإمام عليه السلام بمفرده، فيفضل بذلك على من سواه، وهو معنى الخلافة المتحدة مع الأولوية المرادة.

15 - احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بالحديث يوم الرحبة:

احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بالحديث يوم الرحبة بعد أن آلت إليه الخلافة ردا على من نازعه فيها كما مر ص 344 وإفحام القوم به لما شهدوا، فأي حجة له في المنازعة بالخلافة في المعنى الذي لا يلازم الأولوية على الناس من الحب والنصرة؟.

16 - مر في حديث الركبان ص 187 - 191:

أن قوما منهم أبو أيوب الأنصاري سلموا على أمير المؤمنين عليه السلام بقولهم: السلام عليك يا مولانا؟ فقال عليه السلام كيف أكون مولاكم وأنتم رهط من العرب؟ فقالوا: إنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه.

فأنت جد عليم بأن أمير المؤمنين لم يتعجب أو لم يرد كشف الحقيقة للملأ الحضور لمعنى مبذول هو شرع سواء بين أفراد المسلمين، وهو أن يكون معنى قولهم السلام عليك يا محبنا أو ناصرنا. لا سيما بعد تعليل ذلك بقوله: وأنتم رهط من العرب.

فما كانت النفوس العربية تستنكف من معنى المحبة والنصرة بين أفراد جامعتها، و إنما كانت تستكبر أن يخص واحد منهم بالمولوية عليهم بالمعنى الذي نحاوله، فلا ترضخ له إلا بقوة قاهرة عامتهم، أو نص إلهي يلزم المسلمين منهم، وما ذلك

 


الصفحة 42


إلا معنى الأولى المرادف للإمامة والولاية المطلقة التي استحفى عليه السلام خبرها منهم فأجابوه باستنادهم في ذلك إلى حديث الغدير.

17 - قد سلفت في ص 191:

إصابة دعوة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أناسا كتموا شهادتهم بحديث الغدير في يومي مناشدة الرحبة والركبان، فأصابهم العمى والبرص، والتعرب بعد الهجرة، أو آفة أخرى، وكانوا من الملأ الحضور في مشهد يوم الغدير.

فهل يجد الباحث مساغا لاحتمال وقوع هاتيك النقم على القوم، وتشديد الإمام عليه السلام بالدعاء عليهم لمحض كتمانهم معنى النصرة والحب العامين بين أفراد المجتمع الديني، فكان من الواجب إذن أن تصيب كثيرا من المسلمين الذين تشاحنوا، وتلاكموا، وقاتلوا، فقموا جذوم تينك الصفتين، وقلعوا جذورهما، فضلا عن كتمان ثبوتهما بينهم، لكن المنقب لا يرى إلا أنهم وسموا بشية العار، وأصابتهم الدعوة بكتمانهم نبئا عظيما يختص به هذا المولى العظيم صلوات الله عليه، وما هو إلا ما أصفقت عليه النصوص، وتراكمت القراين من إمامته وأولويته على الناس منهم بأنفسهم.

ثم إن نفس كتمانهم للشهادة لا تكون لأمر عادي هو شرع سواء بينه وبين غيره، وإنما الواجب أن تكون فيه فضيلة يختص بها، فكأنهم لم يرقهم أن يتبجح الإمام بها فكتموها لكن الدعوة الصالحة فضحتهم بإظهار الحق، وأبقت عليهم مثلبة لايحة على جبهاتهم وجنوبهم وعيونهم ما داموا أحياءا، ثم تضمنتها طيات الكتب فعادت تلوكها الأشداق، وتتناقلها الألسن حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

18 - مر بإسناد صحيح ص 174 و 175:

في حديث مناشدة الرحبة من طريق أحمد والنسائي والهيثمي ومحب الدين الطبري: إن أمير المؤمنين عليه السلام لما ناشد القوم بحديث الغدير في الرحبة شهد نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم سمعوه منه قال أبو الطفيل: فخرجت وكأن في نفسي شيئا (1) فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: إني سمعت عليا رضي الله عنه يقول: كذا وكذا، قال: فما تنكر؟ قد سمعت رسول

____________

(1) كذا في لفظ أحمد، وفي لفظ النسائي: وفي نفسي منه شئ. وفي لفظ محب الدين:

وفي نفسي من ريبة شئ.

 


الصفحة 43


الله صلى الله عليه وسلم يقول له ذلك.

فما الذي تراه يستكبره أو يستنكره أبو الطفيل من ذلك؟ أهو صدور الحديث؟

ولا يكون ذلك لأن الرجل شيعي متفان في حب أمير المؤمنين عليه السلام ومن ثقاته، فلا يشك في حديث رواه مولاه، لا، بل هو معناه الطافح بالعظمة فكان عجبه من نكوس القوم عنه وهم عرب أقحاح يعرفون اللفظ وحقيقته، وهم أتباع الرسول صلى الله عليه وآله وأصحابه فاحتمل أنه لم يسمعه جلهم، أو حجزت العراقيل بينهم وبين ذلك، فطمنه زيد بن أرقم بالسماع، فعلم أن الشهوات حالت بينهم وبين البخوع له، وما ذلك المعنى المستعظم إلا الخلافة المساوقة للأولوية دون غيرها من الحب والنصرة، وكل منهما منبسط على أي فرد من أفراد الجامعة الإسلامية.

19 - سبق أيضا ص 239 - 246:

حديث إنكار الحارث الفهري معنى قول النبي صلى الله عليه وآله في حديث الغدير، وشرحنا ص 343 تأكد عدم التئامه مع غير الأولى من معاني المولى.

20 - أخرج الحافظ ابن السمان كما في الرياض النضرة 2 ص 170:

وذخاير العقبى للمحب الطبري ص 68، ووسيلة المآل للشيخ أحمد بن باكثير المكي، ومناقب الخوارزمي ص 97، والصواعق ص 107 عن الحافظ الدارقطني عن عمر وقد جاءه أعرابيان يختصمان فقال لعلي: إقض بينهما، فقال أحدهما: هذا يقضي بيننا؟ فوثب إليه عمر وأخذ بتلبيبه وقال: ويحك ما تدري من هذا؟ هذا مولاي ومولى كل مؤمن، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن.

وعنه وقد نازعه رجل في مسألة فقال: بيني وبينك هذا الجالس، وأشار إلى علي بن أبي طالب فقال الرجل: هذا الأبطن؟ فنهض عمر عن مجلسه وأخذ بتلبيبه حتى شاله من الأرض ثم قال: أتدري من صغرت؟ هذا مولاي ومولى كل مسلم.

وفي الفتوحات الإسلامية 2 ص 307 حكم علي مرة على أعرابي بحكم فلم يرض بحكمه فتلببه عمر بن الخطاب وقال: له ويلك إنه مولاك ومولى كل مؤمن و مؤمنة. وأخرج الطبراني إنه قيل لعمر: إنك تصنع بعلي - أي من التعظيم - شيئا
 


الصفحة 44


لا تصنع مع أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه مولاي. وذكره الزرقاني المالكي في شرح المواهب ص 13 عن الدارقطني.

فإن المولوية الثابتة لأمير المؤمنين التي اعترف بها عمر على نفسه وعلى كل مؤمن زنة ما اعترف به يوم غدير خم، وشفع ذلك بنفي الإيمان عمن لا يكون الوصي مولاه، أي لم يعترف له بالمولوية، أو لم يكن هو مولى له أي محبا أو ناصرا، ولكن على حد ينفي عنه الإيمان إن انتفى عنه ذلك الحب والنصرة، لا ترتبط إلا مع ثبوت الخلافة له، فإن الحب والنصرة العاديين المندوب إليهما بين عامة المسلمين لا ينفي بانتفائه الإيمان، ولا يمكن القول بذلك نظرا إلى ما شجر من الخلاف والتباغض بين الصحابة والتابعين حتى آل في بعض الموارد إلى التشاتم، والتلاكم، وإلى المقاتلة، والمناضلة، وكان بعضها بمشهد من النبي صلى الله عليه وآله فلم ينف عنهم الإيمان، ولا غمز القائلون بعدالة الصحابة أجمع في أحد منهم بذلك، فلم يبق إلا أن تكون الولاية التي هذه صفتها معناها الإمامة الملازمة للأولوية المقصودة سواء أوعز عمر بكلمته هذه إلى حديث الغدير كما تومي إليه رواية الحافظ محب الدين الطبري لها في ذيل أحاديث الغدير، أو أنه أرسلها حقيقة راهنة ثابتة عنده من شتى النواحي.

 

* (تذييل) *

عزى ابن الأثير في النهاية 4 ص 246، والحلبي في السيرة 3 ص 304 وبعض آخر إلى القيل وذكروا أن السبب في قوله صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه: إن أسامة بن زيد قال لعلي: لست مولاي إنما مولاي رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه.

إن من روى هذه الرواية المجهولة أراد حطا من عظمة الحديث، وتحطيما لمنعته فصوره بصورة مصغرة لا تعدو عن أن تكون قضية شخصية، وحوارا بين اثنين من أفرد الأمة، أصلحه رسول الله بكلمته هذه، وهو يجهل أو يتجاهل عن أنه تخصمه على تلك المزعمة الأحاديث المتضافرة في سبب الإشادة بذلك الذكر الحكيم من نزول آية التبليغ إلى مقدمات ومقارنات أخرى لا يلتأم شئ منها مع هذه الأكذوبة، ومثلها الآية الكريمة الناصة بكمال الدين، وتمام النعمة، ورضى الرب بذلك الهتاف المبين،

 


الصفحة 45


وليست هذه لعظمة من قيمة الاصلاح بين رجلين تلاحيا، لكن ذهب على الرجل أنه لم يزد إلا تأكيدا في المعنى وحجة على الخصم على تقدير الصحة.

فهب أن السبب لذلك البيان الواضح هو ما ذكر لكنا نقول: إن ما أنكره أسامة على أمير المؤمنين عليه السلام من معنى المولى وأثبته لرسول الله خاصه دون أي أحد لا بد أن يكون شيئا فيه تفضيل لا معنى ينوء به كل أحد حتى أسامة نفسه ولا تفاضل بين المسلمين من ناحيته في الجملة، وذلك المعنى المستنكر المثبت لا يكون إلا الأولوية أو ما يجري مجراها من معاني المولى.

ونقول: إن النبي صلى الله عليه وآله لما علم أن في أمته من لا يلاحي ابن عمه ويناوئه بالقول ويخشى أن يكون له مغبة وخيمة تأول إلى مضادته، ونصب العراقيل أمام سيره الإصلاحي من بعده، عقد ذلك المحتشد العظيم فنوه بموقف وصيه من الدين، وزلفته منه، ومكانته من الجلالة، وإنه ليس لأحد من أفراد الأمة أن يقابله بشئ من القول أو العمل وإنما عليهم الطاعة له، والخضوع لأمره، والرضوخ لمقامه، وأنه يجري فيهم مجراه من بعده، فاكتسح بذلك المعاثر عن خطته، وألحب السنن إلى طاعته، وقطع المعاذير عن محادته بخطبته التي ألقاها، ونحن لم نأل جهدا في إفاضة القول في مفاده.

ويشبه هذا ما أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 5 ص 347 وآخرون عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله يتغير فقال: يا بريدة؟ ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله؟ قال: من كنت مولاه فعلي مولاه.

فكأن راوي هذه القصة كراوي سابقتها أراد تصغيرا من صورة الأمر فصبها في قالب قضية شخصية، ونحن لا يهمنا ثبوت ذلك بعد ما أثبتنا حديث الغدير بطرقه المربية على التواتر، فإن غاية ما هنالك تكريره صلى الله عليه وآله اللفظ بصورة نوعية تارة وفي صورة شخصية أخرى، لتفهيم بريدة أن ما حسبه جفوة من أمير المؤمنين لا يسوغ له الوقيعة فيه على ما هو شأن الحكام المفوض إليهم أمر الرعية، فإذا جاء الحاكم

 


الصفحة 46


بحكم فيه الصالح العام ولم يرق ذلك لفرد من السوقة ليس له أن يتنقصه، فإن الصالح العام لا يدحضه النظر الفردي، ومرتبة الولاية حاكمة على المبتغيات الشخصية فأراد صلى الله عليه وآله أن يلزم بريدة حده فلا يتعدى طوره بما أثبته لأمير المؤمنين من الولاية العامة نظير ما ثبت له صلى الله عليه وآله بقوله صلى الله عليه وسلم: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟.

 

هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين
((آل عمران 138))

 


الصفحة 47


 

 

الأحاديث المفسرة

لمعنى المولى والولاية

 

وقبل هذه القرائن كلها تفسير رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه معنى لفظه وبعده مولانا أمير المؤمنين عليه السلام حذو القذة بالقذة.

أخرج القرشي علي بن حميد في - شمس الأخبار - ص 38 نقلا عن (سلوة العارفين) للموفق بالله الحسين بن إسماعيل الجرجاني والد المرشد بالله بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما سئل عن معنى قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه.

قال: الله مولاي أولى بي من نفسي لا أمر لي معه، وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي، ومن كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي فعلي مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معه.

ومر في صفحة 200 في حديث احتجاج عبد الله بن جعفر على معاوية قوله:

يا معاوية؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر وأنا بين يديه، وعمر بن أبي سلمة، وأسامة بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، و أبو ذر، والمقداد، والزبير بن العوام، وهو يقول: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقلنا:

بلى يا رسول الله؟ قال: أليس أزواجي أمهاتكم؟ قلنا: بلى يا رسول الله؟ قال: من كنت مولاه فعلي مولاه أولى به من نفسه، وضرب بيده على منكب علي فقال: أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه؟ أيها الناس أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر، وعلي من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر (إلى أن قال عبد الله): ونبينا صلى الله عليه وآله قد نصب لأمته أفضل الناس وأولاهم وخيرهم بغدير خم، وفي غير موطن، واحتج عليهم به، وأمرهم بطاعته، وأخبرهم أنه منه بمنزلة هارون من موسى، وأنه ولي كل مؤمن من بعده، وأنه كل من كان هو وليه فعلي وليه، و من كان أولى به من نفسه فعلي أولى به، وأنه خليفته فيهم ووصيه. الحديث.


الصفحة 48


ومر ص 165 فيما أخرجه شيخ الاسلام الحمويني في حديث احتجاج أمير - المؤمنين عليه السلام أيام عثمان قوله: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس أتعلمون أن الله عز وجل مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم؟ قالوا بلى يا رسول الله؟ قال: قم يا علي؟ فقمت فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. فقام سلمان فقال: يا رسول الله؟ ولاء كماذا؟ قال: ولاء كولاي، من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه.

وسبق ص 196 في حديث مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين قوله: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الناس؟ إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين و أولى بهم من أنفسهم، من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. فقام إليه سلمان الفارسي فقال: يا رسول الله؟ ولاء كماذا؟ فقال: ولاء كولاي، من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه.

وروى الحافظ العاصمي في " زين الفتى " قال: سئل علي بن أبي طالب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال: نصبني علما إذ أنا قمت فمن خالفني فهو ضال.

يريد عليه السلام بالقيام قيامه في ذلك المشهد (يوم الغدير) لما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله ليرفعه فيعرفه وينصبه علما للأمة وقد مر ذلك ص 15 و 23 و 165 و 217 وأشار إليه حسان في ذلك اليوم بقوله:

فقال له: قم يا علي؟ فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا

وفي حديث رواه السيد الهمداني في مودة القربى: فقال (رسول الله): معاشر الناس؟ أليس الله أولى بي من نفسي يأمرني وينهاني مالي على الله أمر ولا نهي؟ قالوا: بلى يا رسول الله؟ قال: من كان الله وأنا مولاه فهذا علي مولاه يأمركم وينهاكم مالكم عليه من أمر ولا نهي، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، و أخذل من خذله، أللهم؟ أنت شهيد عليهم إني قد بلغت ونصحت.

وقال الإمام الحافظ الواحدي بعد ذكر حديث الغدير: هذه الولاية التي أثبتها النبي صلى الله عليه وسلم

 


الصفحة 49


لعلي مسؤول عنها يوم القيامة، روى في قوله تعالى: وقفوهم إنهم مسؤولون. أي عن ولاية علي رضي الله عنه والمعنى: إنهم يسألون هل والوه حق الموالاة كما أوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم أضاعوها وأهملوها؟ فتكون عليهم المطالبة والتبعة.

وذكره وأخرج حديثه شيخ الاسلام الحمويني في " فراد السمطين " في الباب الرابع عشر، وجمال الدين الزرندي في - نظم درر السمطين -، وابن حجر في " الصواعق " ص 89، والحضرمي في " الرشفة " ص 24.

وأخرج الحمويني من طريق الحاكم أبي عبد الله ابن البيع عن محمد بن المظفر قال: ثنا عبد الله بن محمد بن غزوان: ثنا علي بن جابر: ثنا محمد بن خالد الحافظ ابن عبد الله: ثنا محمد بن فضيل: ثنا محمد بن سوقة عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا؟ فقالوا: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب.

وقال: وروي عن علي عليه السلام أنه قال: جعلت الموالاة أصلا من أصول الدين. وأخرج من طريق الحاكم ابن البيع: ثنا محمد بن علي: ثنا أحمد بن حازم: ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي عن سفيان بن إبراهيم الحرنوي عن أبيه عن أبي صادق قال: قال علي: أصول الاسلام ثلاثة لا ينفع واحد منها دون صاحبه: الصلاة. والزكاة. والموالاة.

ومر ص 382 عن عمر بن الخطاب نفي الإيمان عمن لا يكون أمير المؤمنين مولاه.

وقال الآلوسي في تفسيره 23 ص 74 في قوله تعالى: وقفوهم إنهم مسئولون. بعد عد الأقوال فيها: وأولى هذه الأقوال أن السؤال عن العقايد والأعمال ورأس ذلك لا إله إلا الله ومن أجله ولاية علي كرم الله تعالى وجهه.

ومن طريق البيهقي عن الحافظ الحاكم النيسابوري بإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ونصب الصراط على جسر جهنم لم يجزها أحد إلا من كانت معه براءة بولاية علي بن أبي طالب. وأخرجه محب الدين الطبري في الرياض 2 ص 172.

ولا يسعنا المجال لذكر ما وقفنا عليه من المصادر الكثيرة المذكور فيها ما ورد في قوله تعالى: وقفوهم إنهم مسئولون. وقوله: سل من أرسلنا قبلك من رسلنا

 


الصفحة 50


وما أخرجه الحفاظ عن النبي صلى الله عليه وآله من حديث البراءة والجواز. فلا أحسب أن ضميرك الحر يحكم بملائمة هذه كلها مع معنى أجنبي عن الخلافة و والأولوية على الناس من أنفسهم، ويراه مع ذلك أصلا من أصول الدين. وينفي الإيمان بانتفائه، ولا يرى صحة عمل عامل إلا به.

وهذه الأولوية المعدودة من أصول الدين والمولوية التي ينفي الإيمان بانتفائها كما مر في كلام عمر ص 382 صرح بها عمر لابن عباس في كلامه الآخر ذكره الراغب في محاضراته 7 ص 213 عن ابن عباس قال: كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة وعمر على بغل وأنا على فرس فقرأ آية فيها ذكر علي بن أبي طالب فقال: أما والله يا بني عبد المطلب؟ لقد كان علي فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر. فقلت في نفسي لا أقالني الله إن أقلته، فقلت: أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين؟ وأنت وصاحبك وثبتما وأفرغتما الأمر منا دون الناس، فقال: إليكم يا بني عبد المطلب؟ أما إنكم أصحاب عمر بن الخطاب، فتأخرت وتقدم هنيهة، فقال: سر، لا سرت، وقال: أعد علي كلامك. فقلت: إنما ذكرت شيئا فرددت عليه جوابه ولو سكت سكتنا. فقال: إنا والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوة ولكن استصغرناه، وخشينا أن لا يجتمع عليه العرب و قريش لما قد وترها، قال: فأردت أن أقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره، أفتستصغره أنت وصاحبك؟ فقال: لا جرم، فكيف ترى؟ والله ما نقطع أمرا دونه، ولا نعمل شيئا حتى نستأذنه.

وفي شرح نهج البلاغة 2 ص 20 قال " عمر ": يا بن عباس أما والله إن صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنا خفناه على اثنين - إلى أن قال ابن عباس -: فقلت: وما هما يا أمير المؤمنين؟ قال: خفناه على حداثة سنه، وحبه بني عبد المطلب، وفي ج 2 ص 115: كرهناه على حداثة السن وحبه بني عبد المطلب.

والشهادة بولاية أمير المؤمنين بالمعنى المقصود هي نور وحكمة مودوعة في قلوب مواليه عليه السلام، ودونها كانت تشد الرحال، ولتعيين حامل عبأها كانت تبعث الرسل، كما ورد فيما أخرجه البيهقي في [ المحاسن والمساوي ] 1 ص 30 في حديث طويل جرى بين ابن عباس ورجل من أهل الشام من حمص ففيه: قال الشامي: يا بن عباس؟


الصفحة 51


إن قومي جمعوا لي نفقة وأنا رسولهم إليك وأمينهم ولا يسعك أن تردني بغير حاجتي فإن القوم هالكون في أمر علي ففرج عنهم فراج الله عنك. فقال ابن عباس: يا أخا أهل الشام؟

إن مثل علي في هذه الأمة في فضله وعلمه كمثل العبد الصالح الذي لقيه موسى عليه السلام - ثم ذكر حديث أم سلمة وفيه لعلي فضايل جمة - فقال الشامي يا بن عباس ملأت صدري نورا وحكمة، وفرجت عني فرج الله عنك، أشهد أن عليا رضي الله عنه مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

 

هذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون
((الأنعام 136))


الصفحة 52


 

كلمات حول مفاد الحديث

للأعلام الأئمة في تآليفهم

 

لقد تمخضت الحقيقة من معنى المولى، وظهرت بأجلى مظاهرها، بحيث لم يبق للخصم منتدح عن الخضوع لها، إلا من يبغي لدادا، أو يرتاد انحرافا عن الطريقة المثلى، ولقد أوقفنا السير على كلمات درية لجمع من العلماء حداهم التنقيب إلى صراح الحق، فلهجوا به غير آبهين بما هنالك من جلبة ولغط، فإليك عيون ألفاظهم:

1 - قال ابن زولاق الحسن بن إبراهيم أبو محمد المصري المتوفى 387 في " تاريخ مصر ": وفي ثمانية عشر من ذي الحجة سنة 362 وهو يوم الغدير تجمع خلق من أهل مصر والمغاربة ومن تبعهم للدعاء، لأنه يوم عيد، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيه واستخلفه (1)

يعرب هذا الكلام عن أن ابن زولاق وهو ذلك العربي المتضلع لم يفهم من الحديث إلا المعنى الذي نرتأيه، ولم ير ذلك اليوم إلا يوم عهد إلى أمير المؤمنين واستخلاف.

2 - قال الإمام أبو الحسن الواحدي المتوفى 468 بعد ذكر حديث الغدير:

هذه الولاية التي أثبتها النبي صلى الله عليه وسلم هي مسؤول عنها يوم القيامة. راجع تمام العبارة ص 387.

3 - قال حجة الاسلام أبو حامد الغزالي المتوفى 505 في كتابه: سر العالمين (2) ص 9: إختلف العلماء في ترتيب الخلافة وتحصيلها لمن آل أمرها إليه، فمنهم من زعم أنها بالنص، ودليلهم في المسألة قوله تعالى:

قل للمخلفين من الأعراب ستدعون

____________

(1) وحكاه عنه المقريزي في الخطط 2 ص 222.

(2) لا شك في نسبة الكتاب إلى الغزالي فقد نص عليه الذهبي " في ميزان الاعتدال " في ترجمة الحسن بن صباح الاسماعيلي وينقل عنه قصته، وصرح بها سبط ابن الجوزي في " التذكرة " ص 36 و شطرا من الكلام المذكور.

 


الصفحة 53


إلى قوم أولي بأس شديد فقاتلوهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا و إن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا شديدا. وقد دعاهم أبو بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطاعة فأجابوا، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا، قال في الحديث: إن أباك هو الخليفة من بعدي يا حميراء. وقالت امرأة: إذا فقدناك فإلى من نرجع؟ فأشار إلى أبي بكر. ولأنه أم بالمسلمين على بقاء رسول الله والامامة عماد الدين.

هذا جملة ما يتعلق به القائلون بالنصوص ثم تأولوا وقالوا: لو كان علي أول الخلفاء لانسحب عليهم ذيل الفناء ولم يأتوا بفتوح ولا مناقب، ولا يقدح في كونه رابعا كما لا يقدح في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان آخرا، والذين عدلوا عن هذا الطريق زعموا أن هذا وما يتعلق به فاسد وتأويل بارد جاء على زعمكم وأهويتكم، وقد وقع الميراث في الخلافة والأحكام مثل داود، وزكريا، وسليمان، ويحيى قالوا: كان لأزواجه ثمن الخلافة، فبهذا تعلقوا وهذا باطل إذ لو كان ميراثا لكان العباس أولى.

لكن أسفرت الحجة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته في يوم غدير خم باتفاق الجميع وهو يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن؟ لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فهذا تسليم، ورضى وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرياسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك ازدهام الخيول، وفتح الأمصار سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون.

4 - قال شمس الدين سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 في [ تذكرة خواص الأمة ] ص 18: إتفق علماء السير إن قصة الغدير كانت بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة، جمع الصحابة وكانوا مائة وعشرين ألفا وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. الحديث. نص صلى الله عليه وسلم على ذلك بصريح العبارة دون التلويح والإشارة، وذكر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ذلك طار في الأقطار، وشاع في البلاد والأمصار (ثم ذكر ما مر
 


الصفحة 54


في آية سأل) فقال: فأما قوله: من كنت مولاه. فقال علماء العربية: لفظ المولى ترد على وجوه (ثم ذكر من معاني المولى تسعة (1) فقال): والعاشر بمعنى الأولى قال الله تعالى: فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأويكم النار هي مولاكم. ثم طفق يبطل إرادة كل من المعاني المذكورة واحدا واحدا فقال:

والمراد من الحديث الطاعة المحضة المخصوصة فتعين الوجه العاشر وهو: الأولى و معناه: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به، وقد صرح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن سعيد الثقفي الاصبهاني في كتابه المسمى ب " مرج البحرين " فإنه روى هذا الحديث بإسناده إلى مشايخه وقال فيه: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي عليه السلام فقال: من كنت وليه وأولى به من نفسه فعلي وليه. فعلم أن جميع المعاني راجعة إلى الوجه العاشر، ودل عليه أيضا قوله عليه السلام: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهذا نص صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: وأدر الحق معه حيثما دار وكيفما دار. ا هـ.

5 - قال كمال الدين ابن طلحة الشافعي المتوفى 654 في " مطالب السئول " ص 16 بعد ذكر حديث الغدير ونزول آية التبليغ فيه: فقوله صلى الله عليه وسلم. من كنت مولاه فعلي مولاه. قد اشتمل على لفظة من وهي موضوعة للعموم، فاقتضى أن كل إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاه كان علي مولاه، واشتمل على لفظة المولى وهي لفظة مستعملة بإزاء معان متعددة قد ورد القرآن الكريم بها، فتارة تكون بمعنى أولى قال الله تعالى في حق المنافقين: مأويكم النار هي مولاكم. معناه: أولى بكم. ثم ذكر من معانيها: الناصر والوارث والعصبة والصديق والحميم والمعتق، فقال: وإذا كانت واردة لهذه المعاني فعلى أيها حملت إما على كونه أولى كما ذهب إليه طائفة، أو على كونه صديقا حميما فيكون معنى الحديث: من كنت أولى به أو ناصره أو وارثه أو عصبته أو حميمه أو صديقه فإن عليا منه كذلك. وهذا صريح في تخصيصه لعلي عليه السلام بهذه المنقبة العلية وجعله لغيره كنفسه بالنسبة إلى من دخلت عليهم كلمة

____________

(1) وهي المالك. المعتق بالكسر. المعتق بالفتح. الناصر. ابن العم. الحليف. المتولي لضمان الجرير:. الجار. السيد المطاع.

 


الصفحة 55


من التي هي للعموم بما لا يجعله لغيره.

وليعلم أن هذا الحديث هو من أسرار قوله تعالى في آية المباهلة: قل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا نسائكم وأنفسنا وأنفسكم. والمراد نفس علي على ما تقدم فإن الله تعالى لما قرن بين نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين نفس علي وجمعهما بضمير مضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت رسول الله لنفس علي بهذا الحديث ما هو ثابت لنفسه على المؤمنين عموما فإنه صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين، وناصر المؤمنين، وسيد المؤمنين، وكل معنى أمكن إثباته مما دل عليه لفظ المولى لرسول الله فقد جعله لعلي. عليه السلام وهي مرتبة سامية، ومنزلة سامقة، ودرجة علية، ومكانة رفيعة خصصه بها دون غيره، فلهذا صار ذلك اليوم يوم عيد وموسم سرور لأولياءه.

تقرير ذلك وشرحه وبيانه: إعلم أظهرك الله بنوره على أسرار التنزيل، ومنحك بلطفه تبصرة تهديك إلى سواء السبيل، إنه لما كان من محامل لفظة المولى (الناصر) وإن معنى الحديث: من كنت مولاه فعلي ناصره، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد وصف عليا بكونه ناصرا لكل من كان النبي ناصره فإنه ذكر ذلك بصيغة العموم، وإنما أثبت النبي هذه الصفة وهي الناصرية لعلي لما أثبتها الله عز وجل لعلي فإنه نقل الإمام أبو إسحاق الثعلبي يرفعه بسنده في تفسيره إلى أسماء بنت عميس قال: لما نزل قوله تعالى: وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صالح المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. فلما أخبر الله فيما أنزله على رسوله وإنه ناصره هو الله وجبريل وعلي، يثبت الناصرية لعلي فأثبتها النبي صلى الله عليه اقتداء بالقرآن الكريم في إثبات هذه الصفة له.

ثم وصفه صلى الله عليه وسلم بما هو من لوازم ذلك بصريح قوله رواه الحافظ أبو نعيم في حليته (ج 1 ص 66) بسنده: إن عليا دخل عليه فقال: مرحبا بسيد المسلمين، و إمام المتقين. فسيادة المسلمين وإمامة المتقين لما كانت من صفات نفسه صلى الله عليه وسلم وقد عبر الله تعالى عن نفس علي بنفسه ووصفه بما هو من صفاته. فافهم ذلك.

ثم لم يزل صلى الله عليه وسلم يخصصه بعد ذلك بخصايص من صفاته نظرا إلى ما ذكرناه حتى روى الحافظ أيضا في حليته (ج 1 ص 67) بسنده عن أنس بن مالك قال: قال

 


الصفحة 56


رسول الله لأبي برزة وأنا أسمع: يا أبا برزة؟ إن الله عهد إلي في علي بن أبي طالب:

إنه راية الهدى، ومنار الإيمان، وإمام أوليائي، ونور جميع من أطاعني، يا أبا برزة؟

علي إمام المتقين، من أحبه أحبني، ومن أبغضه أبغضني، فبشره بذلك. فإذا وضح لك هذا المستند ظهرت حكمة تخصصه صلى الله عليه وسلم عليا بكثير من الصفات دون غيره ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (1).

6 - قال صدر الحفاظ فقيه الحرمين أبو عبد الله الكنجي الشافعي المتوفى 658 في " كفاية الطالب " ص 69 بعد ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: لو كنت مستخلفا أحدا لم يكن أحد أحق منك لقدمتك في الاسلام، وقرابتك من رسول الله، وصهرك عندك فاطمة سيدة نساء العالمين. وهذا الحديث وإن دل على عدم الاستخلاف لكن حديث غدير خم دليل على التولية وهي الاستخلاف، وهذا الحديث أعني حديث غدير خم ناسخ لأنه كان في آخر عمره صلى الله عليه وسلم.

7 - قال سعيد الدين الفرغاني المتوفى 699 - كما ذكره الذهبي في العبر - في شرح تائية ابن الفارض الحموي المتوفى 576، التي أولها.

سقتني حميا الحب راحة مقتلي * وكأسي محيا من عن الحسن جلت

في شرح قوله:

وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا * علي بعلم ناله بالوصية

: وكذا هذا البيت مبتدأ محذوف الخبر تقديره: وبيان علي كرم الله وجهه و وإيضاحه بتأويل ما كان مشكلا من الكتاب والسنة بوساطة علم ناله بأن جعله النبي صلى الله عليه وسلم وصيه وقائما مقام نفسه بقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه. وذلك كان يوم غدير خم على ما قاله كرم الله وجهه في جملة أبيات منها قوله:

وأوصاني النبي على اختياري * لأمته رضى منه بحكمي
وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم

وغدير خم ماء على منزل من المدينة على طريق يقال له الآن: طريق المشاة إلى مكة، كان هذا البيان بالتأويل بالعلم الحاصل بالوصية من جملة الفضائل التي

____________

(1) نقلنا هذا الكلام على علاته وإن كان لنا نظر في بعض أجزائه.

 


الصفحة 57


لا تحصى خصه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فورثها عليه الصلاة والسلام. وقال:

وأما حصة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من العلم والكشف، وكشف معضلات الكلام العظيم، والكتاب الكريم الذي هو من أخص معجزاته صلى الله عليه وسلم بأوضح بيان بما ناله بقوله صلى الله عليه وسلم: أنا مدينة العلم وعلي بابها. وبقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه.

مع فضائل أخر لا تعد ولا تحصى.

8 - قال علاء الدين أبو المكارم السمناني البياضي المكي المتوفى 736 في - العروة الوثقى - وقال لعلي عليه السلام وسلام الملائكة الكرام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى ولكن لا نبي بعدي. وقال في غدير خم بعد حجة الوداع على ملأ من المهاجرين والأنصار آخذا بكتفه: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وهذا حديث متفق على صحته فصار سيد الأولياء، وكان قلبه على قلب محمد عليه التحية والسلام، وإلى هذا السر أشار سيد الصديقين صاحب غار النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر حين بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى علي لاستحضاره بقوله: يا أبا عبيدة؟

أنت أمين هذه الأمة أبعثك إلى من هو في مرتبة من فقدناه بالأمس، ينبغي أن تتكلم عنده بحسن الأدب.

9 - قال الطيبي حسن بن محمد المتوفى 743 في " الكاشف " في شرح حديث الغدير، قوله: إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم. يعني به قوله تعالى. النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم. أطلق فلم يعرف بأي شئ هو أولى بهم من أنفسهم، ثم قيد بقوله: وأزواجه أمهاتهم. ليؤذن بأنه بمنزلة الأب، ويؤيده قرائة ابن مسعود رضي الله عنه: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم. وقال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته. ولذلك صار المؤمنون إخوة، فإذن وقع التشبيه في قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه. في كونه كالأب، فيجب على الأمة احترامه وتوقيره وبره، وعليه رضي الله عنه أن يشفق عليهم ويرأف بهم رأفة الوالد على الأولاد، ولذا هنأ عمر بقوله: يا بن أبي طالب؟ أصبحت و أمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.

10 - قال شهاب الدين ابن شمس الدين دولت آبادي المتوفى 1049 في " هداية السعداء ": وفي " التشريح " قال أبو القاسم (رح) من قال: إن عليا أفضل من عثمان

 


الصفحة 58


فلا شيئ عليه لأنه قال أبو حنيفة رضي الله عنه وقال ابن مبارك: من قال: إن عليا أفضل العالمين، أو: أفضل الناس، وأكبر الكبراء فلا شيئ عليه لأن المراد منه أفضل الناس في عصره وزمان خلافته كقوله صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه. أي في زمان خلافته ومثل هذا الكلام قد ورد في القرآن والأحاديث وفي أقوال العلماء بقدر لا يحصى ولا يعد.

وقال أيضا في " هداية السعداء ": وفي حاصل التمهيد في خلافة أبي بكر ودستور الحقايق: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من مكة نزل في غدير خم فأمر أن يجمع رحال الإبل فجعلها كالمنبر فصعد عليها فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا: نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. وقال الله عز وجل: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.

قال أهل السنة: المراد من الحديث: من كنت مولاه فعلي مولاه. أي في وقت خلافته وإمامته (1)

11 - قال أبو شكور محمد بن عبد السعيد بن محمد الكشي السالمي الحنفي في - التمهيد في بيان التوحيد -. قالت الروافض: الإمامة منصوصة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله وصيا لنفسه وجعله خليفة من بعده حيث قال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. ثم هارون عليه السلام كان خليفة موسى عليه السلام فكذلك علي رضي الله عنه. والثاني:

وهو: أن النبي عليه السلام جعله وليا للناس لما رجع من مكة ونزل في غدير خم فأمر النبي أن يجمع رحال الإبل فجعلها كالمنبر وصعد عليها فقال: ألست بأولى المؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا: نعم. فقال عليه السلام: من كنت مولاه فعلي موه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، والله جل جلاله يقول:

____________

(1) قصدنا من إيراد هذا القول وما يأتي بعده محض الموافقة في المفاد، وأما ظرف الولاية والأفضلية فلا نصافق الرجل عليه، وقد قدمنا البحث عن ذلك مستقصى وسيأتي فيه بياننا الواضح.

 


الصفحة 59


إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، الآية. نزلت في شأن علي رضي الله عنه دل على أنه كان أولى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم قال في الجواب عما ذكر: وأما قوله: بأن النبي عليه السلام جعله وليا، قلنا: أراد به في وقته يعني بعد عثمان رضي الله عنه، وفي زمن معاوية رضي الله عنه ونحن كذا نقول. وكذا الجواب عن قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا.

الآية. فنقول: إن عليا رضي الله عنه كان وليا وأميرا بهذا الدليل في أيامه ووقته وهو بعد عثمان رضي الله وأما قبل ذلك فلا.

12 - قال ابن باكثير المكي الشافعي المتوفى 1047 في - وسيلة المآل في عد مناقب الآل - بعد ذكر حديث الغدير بعدة طرق: وأخرج الدارقطني في الفضايل عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت أبا بكر رضي الله عنه يقول: علي بن أبي طالب عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: الذين حث النبي صلى الله عليه وسلم على التمسك بهم، والأخذ بهديهم فإنهم نجوم الهدى من اقتدى بهم اهتدى، وخصه أبو بكر بذلك رضي الله عنه لأنه الإمام في هذا الشأن، وباب مدينة العلم والعرفان، فهو إمام الأئمة، وعالم الأمة، و كأنه أخذ ذلك من تخصيصه صلى الله عليه وسلم له من بينهم يوم غدير خم بما سبق، وهذا حديث صحيح لا مرية فيه ولا شك ينافيه، وروي عن الجم الغفير من الصحابة، وشاع واشتهر، وناهيك بمجمع حجة الوداع.

13 - قال السيد الأمير محمد اليمني المتوفى 1182 في - الروضة الندية شرح التحفة العلوية - بعد ذكر حديث الغدير بعدة طرق، وتكلم الفقيه حميد على معانيه وأطال وننقل بعض ذلك (إلى أن قال): ومنها قوله: أخذ بيده ورفعها وقال: من كنت مولاه فهذا مولاه. والمولى إذا أطلق من غير قرينة فهم منه أنه المالك المتصرف، وإذا كان في الأصل يستعمل لمعان عدة منها: المالك للتصرف ولهذا إذا قيل: هذا مولى القوم سبق إلى الأفهام أنه المالك للتصرف في أمورهم. ثم عد منها: الناصر وابن العم والمعتق والمعتق. فقال: ومنها: بمعنى الأولى قال تعالى: مأويكم النار هي مولاكم. أي أولى بكم وبعذابكم. وبعد فلو لم يكن السابق إلى الأفهام من لفظة

 


الصفحة 60


مولى السابق المالك للتصرف لكانت منسوبة إلى المعاني كلها على سواء وحملناها عليها جميعا إلا ما يتعذر في حقه عليه السلام من المعتق والمعتق فيدخل في ذلك المالك للتصرف ، والأولى المفيد ملك التصرف على الأمة، وإذا كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم كان إماما ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: من كنت وليه فهذا وليه. والولي المالك للتصرف بالسبق إلى الفهم، وإن استعمل في غيره، وعلى هذا قال صلى الله عليه وسلم: والسلطان ولي من لا ولي له. يريد ملك التصرف في عقد النكاح يعني أن الإمام له الولاية فيه حيث لا عصبة بطريق الحقيقة، فإن يجب حملها عليها أجمع إذا لم يدل دليل على التخصيص.

14 - قال الشيخ أحمد العجيلي الشافعي في - ذخيرة المآل شرح عقد جواهر اللآل في فضائل الآل - بعد ذكر حديث الغدير وقصة الحارث بن نعمان الفهري: و هو من أقوى الأدلة على أن عليا رضي الله عنه أولى بالإمامة والخلافة والصداقة والنصرة والاتباع باعتبار الأحوال والأوقاف والخصوص والعموم، وليس في هذا مناقضة لما سبق وما سيأتي إنشاء الله تعالى من أن عليا رضي الله عنه تكلم فيه بعض من كان معه في اليمن فلما قضى حجه خطب بهذا تنبيها على قدره وردا على من تكلم فيه كبريدة فإنه مكان يبغضه ولما خرج إلى اليمن رأى جفوة فقصه للنبي صلى الله عليه وسلم فجعل يتغير وجهه ويقول: يا بريدة؟ ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ من كنت مولاه فعلي مولاه. لا تقع يا بريدة في علي فإن عليا مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي. (1)

وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد
((سورة الحج 24))

____________

(1) مر الكلام حول هذا الحديث وأمثاله ص 383 و 384.

 


الصفحة 61


 

(توضيح للواضح)

في ظرف مفاد الحديث

دعانا إليه إغضاء غير واحد (1) ممن اعترف بالحق في مفاد الحديث، حيث وجده كالشمس الضاحية بلجا ونورا، أو تسالم عليه (2) عن لازم هذا الحق، وهو: أنه إذا ثبتت لمولانا أمير المؤمنين خلافة الرسول صلى الله عليه وآله فإن لازمه الذي لا ينفك عنه أن تكون الخلافة بلا فصل كما هو الشأن في قول الملك الذي نصب أحد من يمت به ولي عهده من بعده، أو من حضره الموت أوصى إلى أحد، وأشهدا على ذلك، فهل يحتمل الشهداء أو غيرهم أن الملوكية للأول والوصاية للثاني تثبتان بعد ردح من الزمن مضى على موت الملك والموصي؟ أو بعد قيام أناس آخرين بالأمر بعدهما ممن لم يكن لهم ذكر عند عقد الولاية، أو بيان الوصية؟ وهل من المعقول مع هذا النص أن ينتخبوا للملوكية بعد الملك، ولتنفيذ مقاصد الموصي بعده، رجالا ينهضون بذلك؟ كما هو المطرد فيمن لا وصية له ولا عهد إلى أحد؟ أللهم لا. لا يفعل ذلك إلا من عزب عن الرأي، فصدف عن الحق الصراح.

وهلا يوجد هناك من يجابه المنتخبين " بالكسر " بأنه لو كان للملك نظر إلى غير من عهد إليه وللموصي جنوح إلى سوى من أفضى إليه أمره فلماذا لم ينصا به وهما يشهدانه ويعرفانه؟ فأين أولئك الرجال؟ ليجابهوا من مرت عليك كلماتهم من أن الولاية الثابتة لمولانا بنص يوم الغدير تثبت له في ظرف خلافته الصورية بعد عثمان.

أو ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعرف المتقدمين على ابن عمه، ويشهد موقفهم، ويعلم بمقاديرهم من الحنكة؟ فلماذا خص النص بعلي عليه السلام؟ بعد ما خاف أن يدعى فيجيب، وأمر الملأ الحضور أن يبايعوه، ويبلغ الشاهد الغايب (3)

____________

(1) راجع من كتابنا هذا ص 397 و 398.

(2) راجع شرح المواقف 3 ص 271، والمقاصد ص 290، والصواعق ص 26، والسيرة الحلبية 3 ص 303.

(3) تجد هذه الجمل الثلاث في غير واحد من الأحاديث فيما تقدم.

 


الصفحة 62


ولو كان يرى لهم نصيبا من الأمر فلماذا أخر البيان عن وقت الحاجة؟ وهو أهم فرايض الدين، وأصل من أصوله، وبطبع الحال أن الآراء في مثله تتضارب [ كما تضاربت ] وقد يتحول الجدال جلادا، والحوار قتالا، فبأي مبرر ترك نبي الرحمة أمته سدى في أعظم معالم الدين.

لم يفعل نبي الرحمة ذلك، ولكن حسن ظن القوم بالسلف الماضين العاملين في أمر الخلافة، المتوثبين على صاحبها لحداثة سنه وحبه بني عبد المطلب كما مر ص 389 حداهم إلى أن يزحزحوا مفاد النص إلى ظرف الخلافة الصورية، ولكن حسن اليقين برسول الله صلى الله عليه وآله يلزمنا بالقول بأنه لم يترك واجبه من البيان الوافي لحاجة الأمة. هدانا الله إلى سواء السبيل.
 

***