أقوال العلماء
في صحة حديث الغدير وتواتره
ومحاكمة حول سند الحديث


تأليف
العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني

إعداد
مركز الأبحاث العقائدية


 
 

كلمات حول سند الحديث

للحفاظ الاثبات والأعلام الفطاحل

 

لم نندفع إلى عقد هذا البحث بدافع الحاجة إلى إثبات صحة الحديث، ولا دعانا إليه الاعواز عن إثبات تواتره، فإن ذات الحديث وجوهريتها القائمة بنفسها في غنى عن أي تحوير في ذلك، ومن ذا الذي يسعه إنكار صحته، ورجال كثير من أسانيده رجال الصحيحين، وأي متعند يمكنه رد تواتره اللفظي في الجملة والمعنوي في تفاصيله والإجمالي في جملة من شئونه، وقد شهد به القريب والبعيد، ورواه القاصي والداني، وأثبته أكثر المؤلفين في الحديث والتاريخ والتفسير والكلام، وأفرده بالتأليف آخرون، فلن تجد له إلا رنة تصك المسامع منذ هتف به داعي الرشاد حتى عصرنا الحاضر، وسيبقى ذكره مخلدا ما تعاقب الملوان، فليس من يجابهه بالانكار إلا كمن يتعاما عن الشمس الضاحية، وإنما راقنا البحث عما قيل في ذلك إصحارا بحقيقة راهنة، ألا؟ وهي إصفاق علماء الفريقين على صحة الحديث وتواتره، ليعلم القارئ أن من يحيد عن تلكم الخطة شاذ عن الطريقة المثلى، خارج تجاه ما اجتمعت عليه الأمة، وهو يقول: إن الأمة لا تجتمع على خطأ. فمنهم:

1 - الحافظ أبو عيسى الترمذي المتوفى 279 * قال في صحيحه 2 ص 298 بعد ذكر الحديث: هذا حديث حسن صحيح.

2 - الحافظ أبو جعفر الطحاوي المتوفى 279 * قال في " مشكل الآثار " ج 2 ص 308: قال أبو جعفر: فدفع دافع هذا الحديث وزعم أنه مستحيل وذكر أن عليا لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم في خروجه إلى الحج من المدينة الذي مر في طريقه بغدير خم بالجحفة، وذكر في ذلك ما قد حدثنا أحمد بإسناده قال: ثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال:

دخلنا على جابر بن عبد الله فذكر حديثه في حجة النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: فقدم علي من

 


الصفحة 2


 

اليمن ببدن النبي. ثم ذكر بقية الحديث.

قال أبو جعفر: فهذا الحديث صحيح الاسناد، ولا طعن لأحد في رواته، وفيه:

إن ذلك القول كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بغدير خم في رجوعه من حجه إلى المدينة لا في خروجه لحجه من المدينة.

فقال هذا القاتل: فإن هذا الحديث روي عن سعد بن أبي وقاص في هذه القصة، وإن ذلك القول إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير خم في خروجه من المدينة إلى الحج لا في رجوعه من الحج إلى المدينة.

قال أبو جعفر: وكان الصحيح في ذلك أن الحكم (1) ما أخذ هذا عن عايشة ابنة سعد وإنما أخذه عن مصعب بن سعد، كذلك رواه غير الليث في روايته المأمون عليها، الضابط لها، الحجة فيها، وهو شعبة بن الحجاج.

3 - الفقيه أبو عبد الله المحاملي البغدادي المتوفى 330 * صححه في " أماليه " كما مر ص 55

4 - أبو عبد الله الحاكم المتوفى 405 * رواه بعدة طرق وصححها في " المستدرك " كما مر في محلها.

5 - أبو محمد أحمد بن محمد العاصمي * قال في " زين الفتى ": قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من كنت مولاه فعلي مولاه. وهذا حديث تلقته الأمة بالقبول، وهو موافق بالأصول.

ثم رواه بطريق شتى كما مرت في محلها.

6 - الحافظ ابن عبد البر القرطبي المتوفى 463 * قال في الاستيعاب ج 2 ص 373 بعد ذكر حديث المواخاة وحديثي الراية والغدير: هذه كلها آثار ثابتة.

7 - الفقيه أبو الحسن ابن المغازلي الشافعي المتوفى 483 * قال في كتابه " المناقب " بعد روايته الحديث عن شيخه أبي القاسم الفضل بن محمد الاصبهاني: قال أبو القاسم: هذا حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه نحو مائة نفس منهم العشرة المبشرة، وهو حديث ثابت لا أعرف له علة، تفرد علي بهذه الفضيلة لم يشركه فيها أحد.

____________

(1) راجع حديث سعد بن أبي وقاص في رواة الحديث من الصحابة.

 


الصفحة 3


 

8 - حجة الاسلام أبو حامد الغزالي المتوفى 505 * قال في " سر العالمين " ص 9 أسفرت الحجة وجهها وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته في يوم غدير خم باتفاق الجميع وهو يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال عمر: بخ بخ. إلخ.

يأتي تمام الكلام في المفاد إنشاء الله.

9 - الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي المتوفى 597 * قال في " المناقب " إتفق علماء السير على أن قصة الغدير كانت بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة وكان معه من الصحابة ومن الأعراب وممن يسكن حوالي مكة والمدينة مائة وعشرون ألفا وهم الذين شهدوا معه حجة الوداع وسمعوا منه هذه المقالة، وقد أكثر الشعراء في ذلك في تلك الحكاية.

10 - أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 * قال في تذكرته ص 18 بعد ذكره الحديث مع صدره وذيله وتهنئة عمر بعدة طرق: وكل هذه الروايات خرجها أحمد بن حنبل في الفضايل بزيادات، فإن قيل: فهذه الرواية التي فيها قول عمر رضي الله عنه: أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ضعيفة. فالجواب: إن هذه الرواية صحيحة. وإنما الضعيف حديث رواه أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب عن عبد الله بن علي بن بشر عن علي بن عمر الدارقطني عن أبي نصر حبشون (1) بن موسى بن أيوب الخلال يرفعه إلى أبي هريرة وقال في آخرة: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم من كنت مولاه فعلي مولاه. نزل قوله: اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي الآية. قالوا:

وقد إنفرد بهذا الحديث حبشون ونحن نقول: نحن ما استدللنا بحديث حبشون بل بالحديث الذي رواه أحمد في الفضايل عن البراء بن عازب وإسناده صحيح. إلى أن قال: إتفق علماء السير على أن قصة الغدير كانت بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي حجة، جمع الصحابة وكانوا مائة وعشرين ألفا وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. الحديث. نص صلى الله عليه وسلم على ذلك بصريح العبارة دون التلويح والإشارة. ا ه. وسيأتي تمام كلامه في المفاد إنشاء الله.

11 - ابن أبي الحديد المعتزلي المتوفى 655 * عده في شرح نهج البلاغة ج 2

____________

(1) في التذكرة: أبي نضير خيشون. وفيه تصحيف. وسنوقفك على صحة حديث حبشون.

 


الصفحة 4


 

ص 449 من الأخبار العامة الشايعة من فضايل أمير المؤمنين، ومر عنه ص 148: استفاضة حديث احتجاج أمير المؤمنين يوم الشورى وفيه حديث الغدير.

12 - الحافظ أبو عبد الله الكنجي الشافعي المتوفى 658 * قال في " كفاية الطالب " ص 15 بعد ذكر الحديث من طرق أحمد: أقول، هكذا أخرجه في مسنده وناهيك به راويا بسند واحد وكيف وقد جمع طرقه مثل هذا الإمام. وقال بعد روايته من طرق الحافظ أبي عيسى الترمذي في جامعه: وجمع الدارقطني الحافظ طرقه في جزء، وجمع الحافظ ابن عقدة الكوفي كتابا مفردا فيه، ورووا أهل السير والتواريخ قصة غدير خم، وذكره محدث الشام في كتابه بطرق شتى عن غير واحد من الصحابة والتابعين، أخبرني بذلك عاليا المشايخ. وروى بإسناده ص 17 عن المحاملي ثم قال: قلت: هذا حديث مشهور حسن روته الثقات، وانضمام هذه الأسانيد بعضها إلى بعض حجة في صحة النقل.

13 - الشيخ أبو المكارم علاء الدين السمناني المتوفى 736 * قال (في العروة الوثقى): وقال " رسول الله " لعلي عليه السلام وسلام الملائكة الكرام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى ولكن لا نبي بعدي. وقال في غدير خم بعد حجة الوداع على ملأ من المهاجرين والأنصار آخذا بكتفه: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وهذا حديث متفق على صحته، فصار سيد الأولياء وكان قلبه على قلب محمد عليه التحية والسلام، وإلى هذا السر أشار سيد الصديقين صاحب غار النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر حين بعث أبا عبيدة ابن الجراح إلى علي لاستحضاره قال: يا أبا عبيدة؟ أنت أمين هذه الأمة أبعثك إلى من هو في مرتبة من فقدناه بالأمس ينبغي أن تتكلم عنده بحسن الأدب. إلى آخر مقالته بطولها.

14 - شمس الدين الذهبي الشافعي المتوفى 748 * مر ص 156: إنه أفرد كتابا في حديث الغدير. وذكره بطرق شتى في " تلخيص المستدرك " وصحح غير واحد منها ويأتيك قوله: صدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، و أما: أللهم؟ وال من والاه. فزيادة قوية الاسناد. واعتمد على تصحيحه جمع من أعلام أصحابه كما ستقف على كلمات بعضهم

 


الصفحة 5


 

15 - الحافظ عماد الدين ابن كثير الشافعي الدمشقي المتوفى 774 * روى في تأريخه 5 ص 209 عن سنن الحافظ النسائي عن محمد بن المثنى عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن الأعمش " سليمان " عن حبيب بن ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم بلفظه المذكور بطريق النسائي ص 30 ثم قال: تفرد به النسائي من هذا الوجه (1) قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا حديث صحيح. وروى حديث المناشدة في الرحبة وقال: هذا إسناد جيد. ورواه بطرق أحمد عن زيد وقال: هذا إسناد جيد رجاله ثقات على شرط السنن، وقد صحح الترمذي بهذا السند حديثا في الريث. ورواه بطريق ابن جرير الطبري عن سعد بن أبي وقاص وقال: قال شيخنا الذهبي: وهذا حديث حسن غريب (2) ورواه بطريق آخر عن جابر بن عبد الله وقال: قال شيخنا الذهبي:

هذا حديث حسن. ورواه بطرق أخرى ثم قال: قال الذهبي: وصدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله قاله. وأما: أللهم؟ وال من والاه. فزيادة قوية الاسناد.

16 - الحافظ نور الدين الهيثمي المتوفى 807 * روى في مجمع الزوايد 9 ص 104 - 109 حديث الركبان المذكور من طريق أحمد والطبراني فقال رجال أحمد ثقات. وروى حديث المناشدة من طريق أحمد عن أبي الطفيل وقال: رجاله رجال الصحيح إلا فطر وهو ثقة. ورواه من طريق أحمد الآخر عن سعيد بن وهب وقال: رجاله رجال الصحيح. ورواه من طريق البزار عن سعيد وزيد ثم قال: رجاله رجال الصحيح إلا فطر وهو ثقة. ورواه من طريق أبي يعلى عن عبد الرحمن بن أبي يعلى ووثق رجاله. ورواه من طريق أحمد عن زياد بن أبي زياد ووثق رجاله. ورواه عن حبشي بن جنادة من طريق الطبراني ووثق رجاله. ورواه بطرق وأسانيد أخرى وصححها ووثق رجالها كما مرت في محلها.

17 - شمس الدين الجزري الشافعي المتوفى 833 * روى حديث الغدير بثمانين طريقا، وأفرد في إثبات تواتره رسالته " أسنى المطالب " المطبوعة، وقال بعد ذكر مناشدة أمير المؤمنين يوم الرحبة: هذا حديث حسن من هذا الوجه صحيح من وجوه كثيرة

____________

(1) تحكم باطل يظهر على من راجع طرق زيد من كتابنا ص 29 - 37.

(2) لا أعرف للحديث غرابة إلا كونه في فضل أمير المؤمنين.


الصفحة 6


 

تواتر عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وهو متواتر أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الجم الغفير عن الجم الغفير، ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا إطلاع له في هذا العلم فقد ورد مرفوعا عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير ابن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، والعباس بن عبد المطلب وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وبريدة بن الحصيب، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وحبشي بن جنادة، وعبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمر، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وأسعد بن زرارة، وخزيمة بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري، و سهل بن حنيف، وحذيفة بن اليمان، وسمرة بن جندب، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم، وصح عن جماعة منهم ممن يحصل القطع بخبرهم، وثبت أيضا أن هذا القول كان منه صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم كما أخبرنا شيخنا أبو عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي قرائتا عليه: أخبرنا الإمام فخر الدين علي بن أحمد المقدسي. ثم ذكر حديث المناشدة بعدة طرق.

18 - الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى 852 * رواه في " تهذيب التهذيب " في مواضع بعدة طرق منها ج 7: 337، وقال ص 339: قلت: لم يجاوز المؤلف (أبو الحجاج المزي المتوفى 742) ما ذكر ابن عبد البر وفيه مقنع ولكنه ذكر حديث الموالاة عن نفر سماهم فقط، وقد جمعه ابن جرير الطبري في مؤلف فيه أضعاف من ذكر، وصححه واعتنى بجمع طرقه أبو العباس ابن عقدة، فأخرجه من حديث سبعين صحابيا أو أكثر. وقال في فتح الباري 7 ص 61: وأوعب من جمع مناقبه (يعني عليا) من الأحاديث الجياد النسائي في كتاب " الخصايص " وأما حديث: من كنت مولاه فعلي مولاه. فقد أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جدا، وقد استودعها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان. وقد روينا عن الإمام أحمد قال: ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن علي بن أبي طالب.

19 - أبو الخير الشيرازي الشافعي (المترجم ص 132) * قال في (إبطال الباطل) الذي رد به على نهج الحق: وأما ما روي من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره يوم غدير خم

 


الصفحة 7


 

حين أخذ بيد علي وقال: ألست أولى؟ فقد ثبت هذا في الصحاح وقد ذكرنا سره في ترجمة كتاب [كشف الغمة في معرفة الأئمة].

20 - الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي المتوفى 911 * قال: إنه حديث متواتر. وحكاه عنه غير واحد ممن تأخر عنه كما يأتي.

21 - الحافظ أبو العباس شهاب الدين القسطلاني المتوفى 923 * قال في " المواهب اللدنية " 7 ص 13: وأما حديث الترمذي والنسائي: من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال الشافعي: يريد بذلك ولاء الاسلام كقوله تعالى: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم. وقول عمر: أصبحت مولى كل مؤمن. أي: ولي كل مؤمن، و طرق هذا الحديث كثيرة جدا استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد له وكثير من أسانيدها صحاح وحسان.

22 - الحافظ شهاب الدين ابن حجر الهيتمي المكي المتوفى 974 * قال في " الصواعق المحرقة " ص 25 عند رد استدلال الشيعة بحديث الغدير: وجواب هذه الشبهة التي هي أقوى شبههم يحتاج إلى مقدمة وهي بيان الحديث ومخرجه، وبيانه: إنه حديث صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، فطرقه كثيرة جدا، ومن ثم رواه ستة عشر صحابيا، وفي رواية لأحمد أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون صحابيا، وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته كما مر وسيأتي، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحته، ولا لمن رده بأن عليا كان باليمن لثبوت رجوعه منها وإدراكه الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقول بعضهم: إن زيادة أللهم وال من والاه. إلى آخره موضوعة مردود فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيرا منها، ثم تكلم في مقام الرد عليه في تواتره تارة وفي مفاده أخرى فقال: ولفظه عند الطبراني وغيره بسند صحيح أنه صلى الله عليه وسلم خطب بغدير خم تحت شجرات فقال: أيها الناس؟ إنه قد نبأني اللطيف الخبير. إلى آخر ما مر ص 26، 27.

وقال في ص 73 في عد مناقب أمير المؤمنين عليه السلام: الحديث الرابع: قال صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من

 


الصفحة 8


 

عاداه. الحديث وقد مر في حادي عشر الشبه وإنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون صحابيا (1) وإن كثيرا من طرقه صحيح أو حسن، ومر الكلام ثم على معناه مستوفى. وقال في شرح همزية البوصيري ص 221 في شرح قوله:

وعلي صنو النبي ومن * دين فؤادي وداده والولاء

أي مناصرته والذب عنه والرد على من نازع في خلافته، ولم يبال بوقوع الإجماع عليها وعلى من خرجوا عليه ونازعوه الأمر ورموه بما هو برئ منه، وذلك عملا بما صح عنه صلى الله عليه وسلم وهو: أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، إن عليا مني و أنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي. ولتأكيد الذب عنه لكثرة أعدائه من بني أمية و الخوارج الذين بالغوا في سبه وتنقيصه مدة ألف شهر حتى المنابر خصه الناظم بذلك، ولهذا اشتغل جهابذة الحفاظ ببث فضايله رضي الله عنه نصحا للأمة ونصرة للحق، و من ثم قال أحمد: ما جاء لأحد من الفضايل ما جاء لعلي. وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة بأسانيد الصحاح الحسان أكثر ما ورد في حق علي، فمن ذلك ما صح: أن الله تعالى يحبه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه. بل روى الترمذي:

إنه كان أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلى أن قال: وإن آية المباهلة (سورة آل عمران 60) لما نزلت دعا صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وابنيها وقال: أللهم هؤلاء أهلي. وإنه قال: أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب. لكن اعترض تصحيح الحاكم لهذا، وإنه قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، رواه ثلاثون صحابيا، وإن الله تعالى أمره أن يحب أربعة وأخبره بأنه يحبهم منهم علي وإنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق. وإن من سبه فقد سب النبي صلى الله عليه وسلم. وإنه يقاتل على (تأويل) القرآن كما قاتل صلى الله عليه وسلم على تنزيله. وإنه يهلك فيه اثنان: محب مفرط: ومبغض مبهت. وإن قاتله اللعين ابن ملجم أشقى الآخرين كما أن عاقر الناقة أشقى الأولين.

23 - جمال الدين الحسيني الشيرازي المتوفى 1000 * قال في (أربعينه) بعد ذكر حديث الغدير ونزول آية سأل سائل في القضية: أصل هذا الحديث سوى قصة الحارث تواتر عن أمير المؤمنين عليه السلام، وهو متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، ورواه

____________

(1) هؤلاء هم المشهود لعلي عليه السلام يوم الرحبة لا كل رواة الحديث.

 


الصفحة 9


 

جمع كثير وجم غفير من الصحابة فرواه ابن عباس، ثم روى لفظ ابن عباس وحذيفة ابن أسيد الغفاري وحديث الركبان.

24 - جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن صلاح الدين الحنفي * قال في [المعتصر من المختصر] ص 413: روى أبو الطفيل واثلة بن الأسقع (1) قال: جمع الناس علي بن أبي طالب في الرحبة فقال: انشد بالله عز وجل كل امرئ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول ما سمع؟ فقام أناس من الناس فشهدوا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم غدير خم:

ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ وهو قائم ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم؟ وال من والاه، وعاد من عاداه. قال أبو الطفيل:

فخرجت وفي نفسي منه شئ فلقيت زيد بن أرقم فأخبرته فقال: ما تتهم أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا يلتفت إلى من أنكر خروج علي إلى الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم و مروره في طريقه بغدير خم، وقال: قدم علي من اليمن بالبدن، لأنه وإن لم يكن معه في خروجه إلى الحج فكان معه في رجوعه على طريقه الذي كان مروره به بغدير خم، فيحتمل أنه كان هذا الكلام في الرجعة يؤيده الحديث الصحيح: إنه كان القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير خم في رجوعه إلى المدينة من حجه عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل بغدير خم أمر بدوحاته فقممن. وذكر الحديث بلفظ زيد المذكور من طريق النسائي ص 30.

25 - الشيخ نور الدين الهروي القاري الحنفي المتوفى 1014 * قال في [المرقاة شرح المشكاة] ج 5 ص 568 بعد رواية الحديث بطرق شتى: والحاصل أن هذا حديث صحيح لا مرية فيه، بل بعض الحفاظ عده متواترا إذ في رواية لأحمد أنه سمعه من النبي ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته (2) وقال ص 584: رواه أحمد في مسنده وأقل مرتبته أن يكون حسنا، فلا التفات لمن قدح في ثبوت هذا الحديث.

____________

(1) كذا في المعتصر والصحيح: أبو الطفيل عامر بن واثلة.

(2) إذا كان بلوغ رواة الحديث ثلثين موجبا لتواتره فكيف به إذا أنهيناهم في هذا الكتاب إلى ما ينيف على المائة صحابيا؟ ثم كيف به إذا أنهاهم الحافظ أبو العلاء العطار إلى مائتين وخمسين طريقا؟.


الصفحة 10


 

وأبعد من رده بأن عليا كان باليمن لثبوت رجوعه منها وإدراكه الحج من النبي صلى الله عليه وسلم ولعل سبب قول هذا القائل أنه وهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا القول عند وصوله من المدينة إلى غدير خم. ثم قال (بعضهم): إن زيادة أللهم وال من والاه. موضوعة مردود فقد ورد من طرق صحح الذهبي كثيرا منها.

26 - زين الدين المناوي الشافعي المتوفى 1031 * قال في " فيض القدير " 6 ص 218: قال ابن حجر: حديث كثير الطرق جدا قد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد منها صحاح ومنها حسان. وفي بعضها: قال ذلك يوم غدير خم، وزاد البزار (1) في روايته: أللهم؟ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، ولما سمع أبو بكر وعمر ذلك قالا فيما أخرجه الدارقطني عن سعد بن أبي وقاص: أمسيت يا بن أبي طالب؟ مولى كل مؤمن ومؤمنة. وأخرج أيضا: قيل لعمر: إنك تصنع بعلي شيئا لا تصنعه بأحد من الصحابة قال: إنه مولاي. ثم قال: بعد رواية حديث نزول آية: سأل سائل بعذاب واقع.

يوم الغدير: قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات. وقال في موضع آخر: رجاله رجال الصحيح.

وقال المصنف (السيوطي) حديث متواتر.

27 - نور الدين الحلبي الشافعي المتوفى 1044 * ذكره في " السيرة الحلبية " 3 ص 302 ما مر عن ابن حجر من صحة الحديث ووروده بأسانيد صحاح وحسان وعدم الالتفات إلى القادح في صحته، وعدم كون ذيله موضوعا، ووروده من طرق صحح الذهبي كثيرا منها.

28 - الشيخ أحمد بن باكثير المكي الشافعي المتوفى 1047 * قال في " وسيلة المآل في مناقب الآل " بعد رواية الحديث بلفظ حذيفة بن أسيد، وعامر بن ليلى، و ابن عباس، والبراء بن عازب: أخرج هذه الرواية البزار برجال الصحيح عن فطر بن خليفة وهو ثقة. وعن أم سلمة رضي الله عنها فذكر لفظها ثم لفظ سعد بن أبي وقاص فقال:

أخرج الدارقطني في الفضايل عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت أبا بكر رضي الله

____________

(1) إضافة هذه الزيادة إلى البزار فحسب تحكم باطل وقد أخرجها زرافات من الحفاظ كما أوقفناك عليه.

 


الصفحة 11


 

عنه يقول: علي بن أبي طالب عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذي حث النبي صلى الله عليه وسلم على التمسك بهم والأخذ بهديهم فإنهم نجوم الهدى من اقتدى بهم اهتدى، وخصه أبو بكر بذلك رضي الله عنه لأنه الإمام في هذا الشأن وباب مدينة العلم والعرفان فهو إمام الأئمة و عالم الأمة، وكأنه أخذ ذلك من تخصيصه صلى الله عليه وسلم له من بينهم يوم غدير خم بما سبق، وهذا حديث صحيح لا مرية فيه ولا شك ينافيه، وروي عن الجم الغفير من الصحابة وشاع واشتهر، وناهيك بمجمع حجة الوداع، قال شيخ الاسلام العسقلاني رحمه الله تعالى:

حديث من كنت مولاه. أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جدا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان. ويدل على ذلك ما روى أبو الطفيل رضي الله عنه: إن عليا رضي الله عنه وكرم وجهه جمع الناس وهو خليفة في الرحبة موضع بالعراق ثم قام فحمد الله وأثنى عليه. إلى آخر اللفظ المذكور ص 176.

29 - الشيخ عبد الحق الدهلوي البخاري المتوفى 1052 * قال في شرح المشكاة ما تعريبه: وهذا الحديث صحيح بلا شك، رواه جمع مثل الترمذي والنسائي وأحمد، وطرقه كثيرة رواه ستة عشر صحابيا، وفي رواية: سمعه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون صحابيا وشهدوا به ولعلي لما نوزع أيام خلافته. وكثير من أسانيده صحاح وحسان ولا يلتفت إلى قول من تكلم في صحته ولا إلى قول بعضهم: إن زيادة أللهم وال من والاه. موضوع لأنها رويت بطرق شتى صحح أكثرها الذهبي. وقال في (لمعاته): هذا حديث صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي. إلى آخر كلامه المذكور ثم قال: كذا قال الشيخ ابن حجر في " الصواعق المحرقة ".

30 - الشيخ محمود بن محمد الشيخاني القادري المدني * قال في (الصراط السوي في مناقب آل النبي): ومن تلك الأحاديث الواردة الصحيحة قوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: من كنت مولاه فعلي مولاه. أخرجه الترمذي والنسائي والإمام أحمد وغيرهم، وكم حديث صحيح ما أخرجه الشيخان. ثم روى حديث الرحبة بلفظ سعيد ابن وهب فقال: قال الذهبي: هذا حديث صحيح. ثم ذكر رواية أحمد حديث الرحبة

 


الصفحة 12


 

عن أبي الطفيل وزيد بن أرقم فقال: قال الحافظ الذهبي: هذا الحديث صحيح غريب (1) ثم رواه من طريق أبي عوانة عن أبي الطفيل عن زيد فقال: قال الحافظ الذهبي:

هذا حديث صحيح. ثم رواه من طريق الحافظين أبي يعلى والحسن بن سفيان فقال:

قال الحافظ الذهبي: هذا حديث حسن إتفق على ما ذكرنا جمهور أهل السنة.

وأما ما انفرد به أهل البدع من الاسماعيلية (2) ببلاد اليمن وخالف به أهل الجمعة والجماعة والسنن فإنهم قالوا في قوله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم أي مرجعه من حجة الوداع بعد أن جمع أصحابه وكرر عليهم قوله: ألست أولى بكم من أنفسكم؟

ثلثا وهم يجيبونه بالتصديق والاعتراف، ثم رفع يد علي رضي الله عنه وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واخذل من خذله، و انصر من نصره، وأدر الحق معه حيث دار: معنى المولى في هذا الحديث: الأولى لا الناصر وغيرهما من المعاني المشتركة، قال المدعي من الاسماعيلية: وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن لعلي رضي الله عنه ما لرسول الله من الولاء عليهم وجعل قوله أولا:

ألست أولى بكم من أنفسكم؟ سندا. وقال المدعي أيضا: لو كان المولى بمعنى الناصر والسيد وغيرهما لما احتاج إلى جمع الصحابة وإشهادهم، ولا أن يأخذ بيد علي ويرفعها، لأن ذلك يعرفه كل أحد، ولا يحتاج إلى الدعاء له بقوله: أللهم وال من والاه. إلى آخره، وقال المدعي أيضا: ولا يكون هذا الدعاء إلا لإمام معصوم مفترض الطاعة بعده. وبدليل جعله الحق تابعا لعلي لا متبوعا له، ولا يكون ذلك إلا لمن و وجبت طاعته وعصمته. وقال المدعي: فصح بهذا إن عليا رضي الله عنه هو الوصي وإنه نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن خلافة من تقدمه معصية. إنتهى افتراء المدعي.

أقول: قد مر الأحاديث الصحاح والحسان وليس فيها جميع ما ذكره المدعي بل الصحيح مما ذكرنا: من كنت مولاه فعلي مولاه. والصحيح ما ذكرناه أيضا: أللهم

____________

(1) ليس لغرابته وجه بالمعنى الاصطلاحي ولا بغيره إلا كونه في فضل أمير المؤمنين (ع).

(2) سيوافيك في بيان مفاد الحديث أن هذه البرهنة لم تختص بالاسماعيلية، وإنما هي مقتضى الحق الصراح، وقد قال به كل من بري ولاءا لأمير المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كولائه خلافة عنه.


الصفحة 13


 

وال من والاه. والصحيح ما ذكرناه أيضا: إن الله ولي المؤمنين ومن كنت وليه فهذا وليه، أللهم؟ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره. والصحيح مما ذكرنا أيضا قوله صلى الله عليه وسلم للناس: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول الله؟

قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم: وال من والاه، وعاد من عاداه. والصحيح مما ذكرنا أيضا: قوله صلى الله عليه وسلم: كأني دعيت فأجبت وإني قد تركت فيكم الثقلين:

كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ثم قال: إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن. ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، أللهم، وال من والاه، وعاد من عاداه. والصحيح مما ذكرنا أيضا: قوله صلى الله عليه وسلم: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا بلى. قال: فإن هذا مولى من أنا مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. فلقيه عمر رضي الله عنه فقال:

هنيئا لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.

إنتهى ما هو الصحيح والحسان وليس في ذلك من مخترعات المدعي ومفترياته (1) وقد استوعب طرق الأحاديث المذكورة وغيرها ابن عقدة في كتاب مفرد.

31 - السيد محمد البرزنجي الشافعي المتوفى 1103 * قال في تأليفه (النواقض):

إعلم أن الشيعة يدعون أن هذا الحديث نص جلي في إمامة علي رضي الله عنه وهو أقوى شبههم. والقدر الذي ذكرناه وهو: من كنت مولاه فعلي مولاه. من دون تلك الزيادة من الحديث صحيح وروي من طرق كثيرة (2).

32 - ضياء الذين المقبلي المتوفى 1108 * عد حديث الغدير في كتابه - الأبحاث المسددة في الفنون المتعددة - من الأحاديث المتواترة المفيدة للعلم.

وفي تعليق [هداية العقول إلى غاية السئول] 2 ص 30: نقل العلامة السيد عبد الله

____________

(1) لم يأت المدعي إلا بشئ مما صححه هذا الرجل ولم يزد عليه إلا بيانا في سرد الاحتجاج به (ولا مناص له من ذلك) فإن كان له نظر في الحجة فلماذا لم يبده؟ وستقف على لباب القول في هذه كلها إنشاء الله تعالى

(2) مر الايعاز إلى نص الحفاظ على صحة صدر الحديث وذيله وأنهما قويا الاسناد وسيوافيك القول الفصل في (القرائن المعينة) من الكتاب إنشاء الله تعالى.


الصفحة 14


 

ابن علي الوزير في " طبق الحلوى " تاريخه المعروف عن السيد محمد إبراهيم: إن حديث من كنت مولاه. له مائة وخمسون طريقا، لكن لم يعرف كل ذلك من حفاظ الحديث إلا الأفراد، وقال السيد العلامة محمد (1) بن إسماعيل الأمير رحمه الله: إن له مائة وخمسين طريقا. قال العلامة المقبلي (المترجم ص 142) بعد سرده لبعض طرق هذا الحديث:

فإن لم يكن هذا معلوما فما في الدين معلوم. وجعل هذا في الفصول من المتواتر لفظا و كذلك حديث المنزلة، وأقر الجلال كلام الفصول في تواتر حديث الغدير ولم يسلمه في حديث المنزلة قال: وإنما هو (يعني حديث المنزلة) صحيح مشهور لا متواتر (2).

وقال السيد الأمير محمد الصنعاني المذكور في - الروضة الندية شرح التحفة العلوية -: وحديث الغدير متواتر عند أكثر أئمة الحديث، قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة الطبري: ألف محمد بن جرير فيه كتابا. وقال الذهبي:

وقفت عليه فاندهشت لكثرة طرقه. وقال الذهبي في ترجمة الحاكم: فله طرق جيدة أفردتها بمصنف. قلت: عده الشيخ المجتهد نزيل حرم الله ضياء الدين صالح بن مهدي المقبلي في الأحاديث المتواترة التي جمعها في أبحاثه، وهو من أئمة العلم والتقوى و الانصاف، ومع إنصاف الأئمة بتواتره فلا يمل بإيراد طرقه بل يتبرك ببعض منها.

33 - الشيخ محمد صدر العالم * قال في - معارج العلى في مناقب المرتضى -:

ثم اعلم أن حديث الموالاة متواتر عند السيوطي رحمه الله كما ذكره في (قطف الأزهار) فأردت أن أسوق طرقه ليتضح التواتر فأقول: أخرج أحمد والحاكم عن ابن عباس وابن أبي شيبة وأحمد عنه عن بريدة، وأحمد وابن ماجة عن البراء. والطبراني عن جرير.

وأبو نعيم عن جندع الأنصاري. وابن قانع عن حبشي بن جنادة. والترمذي وقال:

حسن غريب. والنسائي والطبراني والضياء المقدسي عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم أو حذيفة بن أسيد. وابن أبي شيبة والطبراني عن أبي أيوب. وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم والضياء عن سعد بن أبي وقاص. والشيرازي في الألقاب عن عمر. والطبراني عن مالك بن الحويرث. وأبو نعيم في فضايل الصحابة عن يحيى بن جعدة عن زيد بن أرقم

____________

(1) أحد شعراء الغدير في القرن الثاني عشر تأتي هناك ترجمته.

(2) خفى عليه تواتر حديث المنزلة وأنه من المتفق عليه.


الصفحة 15


 

وابن عقدة في كتاب الموالاة عن حبيب بن بديل بن ورقاء وقيس بن ثابت وزيد بن شراحيل الأنصاري. وأحمد عن علي وثلاثة عشر رجلا. وابن أبي شيبة عن جابر. وأخرج أحمد وابن أبي عاصم في السنة عن زاذان بن عمر قال: سمعت عليا في الرحبة (فذكر إلى آخر الحديث) ثم قال: وأخرج أحمد عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم (فذكر لفظهما ثم قال): وأخرج الطبراني عن ابن عمر. وابن أبي شيبة عن أبي هريرة واثنى عشر من الصحابة. وأحمد والطبراني والضياء عن أبي أيوب وجمع من الصحابة. والحاكم عن علي وطلحة. وأحمد والطبراني والضياء عن علي وزيد بن أرقم وثلاثين رجلا من الصحابة.

وأبو نعيم في فضايل الصحابة عن سعد. والخطيب عن أنس. وأخرج عبد الله بن أحمد وأبو يعلى وابن جرير والخطيب والضياء عن عبد الرحمن بن أبي ليلي قال: شهدت عليا في الرحبة (فذكر الحديث بتمامه) ثم قال: وأخرج الطبراني عن عمرو بن مرة وزيد ابن أرقم معا. وأخرج الطبراني والحاكم عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم (فذكر الحديث باللفظ الذي أسلفناه) فقال: وأخرج الطبراني عن حبشي بن جنادة. وأخرج أبو نعيم في فضايل الصحابة عن زيد بن أرقم والبراء بن عازب.

34 - السيد ابن حمزة الحراني الدمشقي الحنفي المتوفى 1120 * روى حديث الغدير في كتابه " البيان والتعريف " 2 ص 136 و 230 من طرق الترمذي و النسائي والطبراني والحاكم والضياء المقدسي، ثم قال: قال السيوطي حديث متواتر.

35 - أبو عبد الله الزرقاني المالكي المتوفى 1122 * قال في " شرح المواهب " 7 ص 13 بعد ذكر كلام المصنف المذكور ص 300: وخصه لمزيد علمه، ودقائق استنباطه وفهمه، وحسن سيرته، وصفاء سريرته، وكرم شيمه، ورسوخ قدمه (إلى أن قال): و للطبراني وغيره بإسناد صحيح: إنه صلى الله عليه وسلم خطب بغدير خم وهو موضع بالجحفة برجعة من حجة الوداع (فذكر الحديث) وفيه: يا أيها الناس؟ إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم؟ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، و أدر الحق معه حيث دار. وزعم بعض أن زيادة: أللهم وال. إلخ. موضوعة، مردودة بأن ذلك جاء من طرق صحح الذهبي كثيرا منها، وروى الدارقطني عن سعد قال: لما
 


الصفحة 16


 

سمع أبو بكر وعمر ذلك قالا: أمسيت يا بن أبي طالب؟ مولى كل مؤمن ومؤمنة (ثم ذكر حديث نزول آية سأل سائل حول القضية وترجم ابن عقدة وأثنى عليه فقال): وهو متواتر رواه ستة عشر صحابيا (1) وفي رواية لأحمد أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته، فلا التفات إلى من قدح في صحته ولا لمن رده بأن عليا كان باليمن لثبوت رجوعه منها وإدراكه الحج معه صلى الله عليه وسلم.

36 - شهاب الدين الحفظي الشافعي، أحد شعراء الغدير في القرن الثاني عشر * قال في - ذخيرة الأعمال في شرح عقد جواهر اللآل -: هذا حديث صحيح لا مرية فيه أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وطرقه كثيرة. قال الإمام أحمد رحمه الله: وشهد به لعلي ثلاثون صحابيا لما نوزع في أيام خلافته.

37 - ميرزا محمد البدخشي * قال في " نزل الأبرار " ص 21: هذا حديث صحيح مشهور، ولم يتكلم في صحته إلا متعصب جاحد لا اعتبار بقوله، فإن الحديث كثير الطرق جدا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وقد نص الذهبي على كثير من طرقه بالصحة، ورواه من الصحابة عدد كثير.

وقال في [مفتاح النجا في مناقب آل العبا]: أخرج الحكيم في " نوادر الأصول " و الطبراني بسند صحيح في الكبير عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بغدير خم تحت شجرة فقال: يا أيها الناس؟ قد نبأني اللطيف الخبير - إلى آخر ما مر ص 27 - فقال: وأخرج أحمد عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهما - باللفظ الذي أسلفناه ص 30 - ثم قال: وأخرج أحمد عن علي وأبي أيوب الأنصاري. وعمرو بن مرة. وأبو يعلى عن أبي هريرة. وابن أبي شيبة عنه وعن اثنى عشر من الصحابة. والبزار عن ابن عباس وعمارة وبريدة. والطبراني عن ابن عمر ومالك بن الحويرث وأبي أيوب وجرير وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأنس. والحاكم عن علي وطلحة.

وأبو نعيم في فضايل الصحابة عن سعد. والخطيب عن أنس رضي الله عنهم - ثم ذكر الحديث فقال: وفي رواية أخرى للطبراني عن عمرو بن مرة وزيد بن أرقم وحبشي بن جنادة رضي الله عنهم

____________

(1) هذا ما وصلت إليه حيطته وهو يرى تواتر الحديث به. وقد أسلفنا أن رواته من الصحابة تربو على المائة.

 


الصفحة 17


 

مرفوعا بلفظ: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم؟ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واعن من أعانه. وعند ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا:

أللهم؟ من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم؟ وال من والاه، وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه. وفي أخرى لأبي نعيم في " فضايل الصحابة " عن زيد بن أرقم والبراء بن عازب معا مرفوعا: ألا؟ إن الله وليي وأنا ولي كل مؤمن، من كنت مولاه فعلي مولاه. ولأحمد في رواية أخرى.

ولابن حبان والحاكم والحافظ أبي بشر إسماعيل بن عبد الله العبدي الاصبهاني المشهور بسمويه عن ابن عباس عن بريدة (وذكر لفظه) وللطبراني في رواية أخرى عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم (وذكر لفظه) وعند الترمذي والحاكم عن زيد بن أرقم (وذكر لفظه) أقول: هذا حديث صحيح مشهور نص الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي التركماني الفارقي ثم الدمشقي على كثير من طرقه بالصحة. وهو كثير الطرق جدا. وقد استوعبها الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي المعروف بابن عقدة في كتاب مفرد. وأخرج أحمد عن أبي الطفيل قال جمع علي كرم الله وجهه الناس في الرحبة (ثم ذكر حديث الرحبة).

38 - مفتي الشام العمادي الحنفي الدمشقي المتوفى 1171 * عده في - الصلاة الفاخرة - ص 49 من الأحاديث المتواترة، يرويه كما قال في أول كتابه من عشرة مشايخ فأكثر نقلا عن الترمذي والبزار وأحمد والطبري وأبي نعيم وابن عساكر وابن عقدة وأبي يعلى.

39 - أبو العرفان الصبان الشافعي المتوفى 1206 * قال في (إسعاف الراغبين) في هامش نور الأبصار ص 153 بعد رواية الحديث: رواه عن النبي ثلاثون صحابيا، وكثير من طرقه صحيح أو حسن.

40 - السيد محمود الآلوسي البغدادي المتوفى 1270 * قال في " روح المعاني " 2 ص 249: نعم ثبت عندنا أنه صلى الله عليه وسلم قال في حق الأمير هناك (يعني غدير خم): من كنت مولاه فعلي مولاه. وزاد على ذلك كما في بعض الروايات، لكن: لا دلالة (1) في

____________

(1) ستقف على دلالته في بيان مفاد الحديث. وإنما الغرض من كلامه هو البخوع لصحة السند.

 


الصفحة 18


 

الجميع على ما يدعونه من الإمامة الكبرى والزعامة العظمى. وقال في ج 2 ص 350:

قال الذهبي: إنه صحيح. ونقل عن الذهبي أيضا أنه قال: إن من كنت مولاه. متواتر يتيقن أن رسول الله قاله، وأما أللهم؟ وال من والاه: فزيادة قوية الاسناد.

41 - الشيخ محمد الحوت البيروتي الشافعي المتوفى 1276 * قال في " أسنى المطالب " ص 227: حديث: من كنت مولاه فعلي مولاه. رواه أصحاب السنن غير أبي داود ورواه أحمد وصححوه. وروي بلفظ: من كنت وليه فعلي وليه. ورواه أحمد والنسائي والحاكم وصححه.

42 - المولوي ولي الله اللكهنوي * قال في - مرآة المؤمنين في مناقب أهل بيت سيد المرسلين - بعد ذكر الحديث بغير واحد من طرقه ما تعريبه: وليعلم أن هذا الحديث صحيح وله طرق عديدة، وقد أخطأ من تكلم في صحته إذ أخرجه جمع من علماء الحديث مثل الترمذي والنسائي، ورواه جمع من الصحابة وشهدوا به لعلي في أيام خلافته، ثم ذكر حديث المناشدة وإصابة الدعوة.

43 - الحافظ المعاصر شهاب الدين أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الحضرمي * قال في كتابه: " تشنيف الآذان " ص 77: وأما حديث: من كنت مولاه فعلي مولاه. فتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية نحو ستين شخصا لو أوردنا أسانيد الجميع لطال بنا ذلك جدا، ولكن: نشير إلى مخرجيها تتميما للفائدة، ومن أراد الوقوف على طرقها وأسانيدها فليرجع إلى كتابنا في المتواتر فنقول:

رواه أحمد في مسنده وابن أبي عاصم في السنة عن علي وثلاثة عشر رجلا من الصحابة، ورواه النسائي في الخصايص عن علي وبضعة عشر رجلا، ورواه عنه وعن جماعة معه أيضا الطحاوي في مشكل الآثار والبزار في المسند وابن عساكر وآخرون، ورواه ابن راهويه في المسند وابن جرير في تهذيب الآثار وابن أبي عاصم في السنة و الطحاوي في مشكل الآثار والمحاملي في الأمالي وابن عقدة والخطيب من حديث ابن عباس، ورواه أحمد والنسائي في الكبرى والخصايص وابن ماجة والحسن بن سفيان و الدولابي في الكنى وابن عساكر في التاريخ من حديث البراء بن عازب، ورواه أحمد والترمذي والنسائي في الكبرى وابن حبان في الصحيح والبزار والدولابي في الكنى و

 


الصفحة 19


 

الطبراني والحاكم وآخرون عن زيد بن أرقم، ورواه أحمد والنسائي في الكبرى و الخصائص وسمويه في فوائده وعثمان بن أبي شيبة وابن جرير في التهذيب وابن حبان والحاكم والطبراني في الصغير وأبو نعيم في الحلية وتاريخ إصبهان والفضايل وابن عقدة وابن عساكر من طرق تبلغ حد التواتر عن بريدة، ورواه أحمد والنسائي في الكبرى والطبراني من حديث أبي أيوب، ورواه الترمذي وابن عقدة والطبراني والدارقطني و من طريقه ابن عساكر من حديث حذيفة بن أسيد إلا أنه عند الترمذي على الشك، و رواه النسائي وابن ماجة وسعيد بن منصور وابن جرير في التهذيب والبزار وابن عقدة وابن عساكر من حديث سعد بن أبي وقاص، ورواه ابن أبي شيبة والبزار في مسنديهما و أبو يعلى والطبراني في الأوسط وابن عقدة، ورواه الطبراني في الصغير وابن عقدة وأبو نعيم في الحلية والتاريخ والخطيب وابن عساكر من حديث أنس بن مالك، ورواه الحاكم والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في التاريخ وابن عساكر من حديث أبي سعيد، ورواه عثمان بن أبي شيبة والنسائي في سننهما وابن عقدة وأبو يعلى والطبراني والبانياسي في جزئه وأبو نعيم في تاريخ إصبهان وابن عساكر في تاريخ دمشق من حديث جابر بن عبد الله، ورواه الطبراني من حديث عمرو بن ذي مر، ورواه عثمان بن أبي شيبة في سننه وابن عقدة والطبراني وابن عدي ومن طريقه ابن عساكر من حديث ابن عمر، ورواه ابن عقدة والطبراني وابن عساكر من حديث مالك بن الحويرث، ورواه أبو نعيم في الحلية والطبراني و أبو طاهر المخلص وابن قانع وابن عساكر عن حبشي بن جنادة، ورواه الطبراني وابن عقدة من حديث جرير بن عبد الله البجلي، ورواه البزار من حديث عمارة، والطبراني وابن عقدة وابن عساكر من حديث عمار بن ياسر، وابن عساكر من حديث رباح بن الحارث، ومن حديث عمر ابن الخطاب، ومن حديث نبيط بن شريط، ورواه ابن عقدة وابن عساكر من حديث سمرة بن جندب، ورواه الطوسي في أماليه من حديث أبي ليلي، ورواه أبو نعيم في الصحابة من حديث جندب الأنصاري، ورواه ابن عقدة في كتاب الموالاة من حديث جماعة بأسانيد متعددة منهم: حبيب بن بديل، وقيس بن ثابت، وزيد بن شرحبيل، والعباس بن عبد المطلب، والحسن بن علي وأخوه، وعبد الله بن جعفر، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن أبي ثابت، وأبو ذر، وسلمان الفارسي، ويعلى بن مرة، وخزيمة بن ثابت، وسهل بن حنيف، وأبو

 


الصفحة 20


 

رافع، وزيد بن حارثة، وجابر بن سمرة، وضمرة الأسلمي، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن بسر المازني، وعبد الرحمن بن يعمر الديلمي، وأبو الطفيل، وسعد بن جنادة، وعامر بن عميرة، وحبة بن جوين، وأبو أمامة، وعامر بن ليلى، ووحشي بن حرب، وعايشة، وأم سلمة، ورواه الحاكم من حديث طلحة بن عبيد الله..

 

وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته
وهو السميع العليم * وإن تطع أكثر من في
الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون
إلا الظن وإن هم إلا يخرصون

(سورة الأنعام 115، 116)


الصفحة 21


 

محاكمة حول سند الحديث

 

وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم
(سورة المائدة)

لقد أوقفك البحث والتنقيب البالغان على زرافات من علماء الأمة وحفاظ الحديث ورؤساء المذهب (ألسنة والجماعة) رووا حديث الغدير وأخبتوا وسكنوا إليه.

وعلى آخرين رووا عنه كل ريبة وشك، وحكموا بصحة أسانيد جمة من طرقه، وحسن طرق أخرى، وقوة طايفة منها، وهناك أمة من فطاحل العلماء حكموا بتواتر الحديث، وشنعوا على من أنكر ذلك، ولقد علمت أن من رواه من الصحابة في ما وقفنا على روايته مائة وعشرة صحابي، ومر ص 155: أن الحافظ السجستاني رواه عن مائة و عشرين صحابيا. وأسلفنا ص 158 عن الحافظ أبي العلاء الهمداني: إنه رواه بمائتي و وخمسين طريقا. وعليه فقس رواية التابعين ومن بعدهم في الأجيال المتأخرة. فلن تجد فيما يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديثا يبلغ هذا المبلغ من الثبوت و اليقين والتواتر. وقد أفرد شمس الدين الجزري (المترجم ص 129) رسالة في إثبات تواتره ونسب منكره إلى الجهل، فهو كما مر ص 307 عن الفقيه ضياء الدين المقبلي:

إن لم يكن معلوما فما في الدين معلوم. وص 295 عن العاصمي: حديث تلقته الأمة بالقبول، وهو موافق بالأصول. وص 296 عن الغزالي: إنه أجمع الجمهور على متنه.

وص 295: إتفق عليه جمهور أهل السنة. وص 309 عن البدخشي: حديث صحيح مشهور ولم يتكلم في صحته إلا متعصب جاحد لا اعتبار بقوله. وص 297: إنه حديث متفق على صحته، وإن صدره متواتر يتيقن أن رسول الله قاله، وذيله زيادة قوية الاسناد. وص 311: إنه حديث صحيح قد أخطأ من تكلم في صحته. وص 310:


الصفحة 22


 

إنه حديث مشهور كثير الطرق جدا. وص 310 من قول الآلوسي: نعم ثبت عندنا إنه صلى الله عليه وسلم قاله في حق علي. وص 302، حديث صحيح لا مرية فيه. وص 299، 301:

إنه متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ومتواتر عن أمير المؤمنين أيضا، رواه الجم الغفير، ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا إطلاع له في هذا العلم (يعني علم الحديث). وص 304:

إنه حديث صحيح لا مرية فيه ولا شك ينافيه، ولا يلتفت إلى قول من تكلم في صحته، و لا إلى قول من نفى الزيادة. وص 299: إنه متواتر لا يلتفت إلى من قدح في صحته و صح عن جماعة ممن يحصل القطع بخبرهم. وص 295 عن الاصبهاني: حديث صحيح ثابت لا أعرف له علة، قد رواه نحو مائة نفس منهم العشرة المبشرة. إلى كلمات أخرى ذكرت مفصلة.

لكن بين ثنايا العصبية ومن وراء ربوات الأحقاد حثالة حدى بهم الانحياز عن مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى تعكير هذا الصفو وإقلاق تلك الطمأنينة بكل جلبة ولغط، فمن منكر صحة صدور الحديث (1) معللا بأن عليا كان باليمن وما كان مع رسول الله في حجته تلك. إلى آخر ينكر صحة صدر الحديث (2) ويقول:

لم يروه أكثر من رواه. إلى ثالث يضعف ذيله (3) ويقول: لا ريب أنه كذب. ورابع يطعن في أصله، ويعتبر الدعاء الملحق به (4) ويقول: لم يخرج غير أحمد إلا الجزء الأخير من قوله صلى الله عليه وسلم أللهم؟ وال من والاه. إلخ.

وقد عرفت تواتر الجميع والاتفاق على صحته ونصوص العلماء على اعتبار هذه كلها، غير آبهين بكل ما هناك من الصخب واللغب، فالإجماع قد سبق المهملجين و لحقهم حتى لم يبق لهم في مستوى الاعتبار مقيلا.

وهناك من يقول تارة: إنه لم يروه علمائنا (5) وأخرى: إنه لا يصح من طريق

____________

(1) حكاه الطحاوي وغيره عن بعض وأجابوا عنه كما سبق ص 294 و 300.

(2) التفتازاني في المقاصد ص 290 وقلده بعض من تأخر عنه.

(3) ابن تيمية في منهاج السنة 4 ص 85.

(4) محمد محسن الكشميري في نجاة المؤمنين.

(5) قاله ابن حزم في المفاضلة بين الصحابة.


الصفحة 23


 

الثقات (1) وقلده بعض مقلدي المتأخرين وقال: لم يذكره الثقات من المحدثين (2) وهو بنفسه يقول بتواتره في موضع آخر من كتابه. ونحن لا نقابل البادي والتابع إلا بالسلام كما أمرنا الله سبحانه بذلك (3).

وأنا لا أدري أن قصر الباع لم يدع الباري يعرف علماء أصحابه؟ أو أن يقف على الصحاح والمسانيد؟ أو أنه لا يقول بثقة كل أولئك الأعلام؟.

فإن كان لا يدري فتلك مصيبة * وإن كان يدري فالمصيبة أعظم

وفي القوم من يلوك بين أشداقه أنه ما أخرجه إلا أحمد في مسنده (4) وهو مشتمل على الصحيح والضعيف. فكأنه لم يقف على تأليف غير مسند أحمد، أو أنه لم يوقفه السير على الأسانيد الجمة الصحيحة والقوية في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها، وكأنه لم يطلع على ما أفرده الأعلام بالتأليف حول أحمد ومسنده، أو لم يطرق سمعه ما يقوله السبكي في طبقاته ج 1 ص 201 من أنه ألف (أحمد) مسنده وهو أصل من أصول هذه الأمة، قال الإمام الحافظ أبو موسى المديني " المترجم ص 116 ": مسند الإمام أحمد أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، إنتقى من أحاديث كثيرة ومسموعات وافرة، فجعل إماما ومعتمدا وعند التنازع ملجأ و ومستندا على ما أخبرنا والدي وغيره بأن المبارك بن عبد الجبار كتب إليهما من بغداد قال: أخبرنا. ثم ذكر السند من طريق الحافظ ابن بطة إلى أحمد إنه قال:

إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله فارجعوا إليه فإن كان فيه وإلا ليس بحجة. و قال عبد الله: قلت لأبي: لم كرهت وضع الكتب وقد عملت المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إماما إذا اختلف الناس في سنة عن رسول الله رجع إليه. وقال: قال أبو موسى المديني: ولم يخرج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طعن في أمانته. وقال

____________

(1) حكاه عن ابن حزم ابن تيمية في منهاج السنة 4 ص 86.

(2) الهروي سبط ميرزا مخدوم بن عبد الباقي في السهام الثاقبة.

(3) في محكم كتابه بقوله: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.

(4) قاله محمد محسن الكشميري في " نجاة المؤمنين ".


الصفحة 24


 

أبو موسى: ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد قد احتاط فيه إسنادا ومتنا لم يورد فيه إلا ما صح سنده. ثم ذكر دليل مدعاه. إنتهى ملخصا.

وكأنه لم يقف على ما يقول الحافظ الجزري " المترجم ص 129 " من قصيدة له يمدح بها الإمام أحمد ومسنده وذكرها في [المصعد الأحمد في ختم مسند أحمد] ص 45:

وإن كتاب المسند البحر للرضى * فتى حنبل للدين أية مسند
حوى من الحديث المصطفى كل جوهر * وجمع فيه كل در منضد
فما من صحيح كالبخاري جامعا * ولا مسند يلفى كمسند أحمد

وهذا الحافظ السيوطي يقول في ديباجة " جمع الجوامع " كما في كنز العمال ج 1 ص 3: وكل ما في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن. فهب أنا سالمنا الرجل على ما يقول ولكن ما ذنب أحمد؟ وما التبعة على المسند؟

إن كان هذا الحديث من قسم الصحاح من رواياته. على أنه ليس من الممكن مسالمته على تخصيص الرواية بأحمد وأولئك رواته أمم من الأئمة أدرجوه في الصحاح والمسانيد وأخرجوه ثقة عن ثقة ورجال كثير من أسانيده رجال الصحيحين.

وجاء آخر يقول (1): نقل [حديث الغدير] في غير الكتب الصحاح. ذاهلا عن أن الحديث أخرجه الترمذي في صحيحه، وابن ماجة في سننه، والدارقطني بعدة طرق، وضياء الدين المقدسي في المختارة و و و.. م - وسمعت في ص 311 قول الشيخ محمد الحوت: رواه أصحاب السنن غير أبي داود ورواه أحمد وصححوه. وأصحابه يقولون: إنها كتب صحاح فالعز وإليها معلم بالصحة.

وبهذا تعرف قيمة قول من قدح (2) في صحته بعدم رواية الشيخين في صحيحيهما وجاء آخر يصححه ويثبت حسنه وينقل اتفاق جمهور أهل السنة عليه ويقول: و كم حديث صحيح ما أخرجه الشيخان كما مر ص 304: ونحن نقول: حتى أن الحاكم النيسابوري استدرك عليهما كتابا ضخما لا يقل عن الصحيحين في الهجم، وصافقه على

____________

(1) حسام الدين السهارنپوري في " مرافض الروافض ".

(2) القاضي عضد الإيجي في " المواقف " والتفتازاني في " شرح المقاصد ".


الصفحة 25


 

كثير مما أخرجه الذهبي في الملخص، وتجد في تراجم العلماء مستدركات أخرى على الصحيحين.

وهذا الحاكم النيسابوري يقول في المستدرك 1 ص 3: لم يحكما [يعني البخاري ومسلم] ولا واحد منهما بأنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجاه. وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أقل أو أكثر منه كلها سقيمة غير صحيحة.

وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها أن أجمع كتابا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل [البخاري] ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما وقد خرج جماعة من علماء عصرهما ومن بعدهما عليهما أحاديث قد أخرجاها و هي معلولة وقد جهدت في الذب عنها في المدخل إلى الصحيح بما رضيه أهل الصنعة، و أنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان رضي الله عنهما أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الاسلام، إن الزيادة في الأسانيد و المتون من الثقات مقبولة. ا ه.

وقال الحافظ الكبير العراقي في " فتح المغيث " ص 17 في شرح قوله في ألفية الحديث:

ولم يعماه ولكن قل ما * عند ابن الأخرم منه قد فاتهما

: أي لم يعم البخاري ومسلم كل الصحيح، يريد لم يستوعباه في كتابيهما ولم يلتزما ذلك، وإلزام الدارقطني وغيره إياهما بأحاديث ليس بلازم، قال الحاكم في خطبة المستدرك: ولم يحكما ولا واحد منها إنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجاه. ا ه.

قال البخاري: ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول.

وقال مسلم: ليس كل صحيح وضعته هنا إنما وضعت هنا ما أجمعوا عليه. يريد ما وجد عنده فيها شرايط المجمع عليه وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم. وقال العراقي أيضا ص 19 في شرح قوله:


الصفحة 26


 

وخذ زيادة الصحيح إذ تنص * صحته أو من مصنف ينص
بجمعه نحو ابن حبان الزكي * وابن خزيمة وكالمستدرك

لما تقدم أن البخاري ومسلما لم يستوعبا إخراج الصحيح فكأنه قيل: فمن أين يعرف الصحيح الزايد على ما فيهما؟ فقال: خذه إذ تنص صحته. أي حيث ينص على صحته إمام معتمد كأبي داود والترمذي والنسائي والدارقطني والخطابي والبيهقي في مصنفاتهم المعتمدة كذا قيده ابن الصلاح بمصنفاتهم ولم أقيده بها بل إذا صح الطريق إليهم أنهم صححوه ولو في غير مصنفاتهم، أو صححه من لم يشتهر له تصنيف من الأئمة كيحيى بن سعيد القطان وابن معين ونحوهما فالحكم كذلك على الصواب، وإنما قيده ابن الصلاح بالمصنفات لأنه ذهب إلى أنه ليس لأحد في هذه الأعصار أن يصحح الأحاديث فلهذا لم يعتمد على صحة السند إلى من صححه في غير تصنيف مشهور. ويؤخذ الصحيح أيضا من المصنفات المختصة بجمع الصحيح فقط كصحيح أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان، وكتاب المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم، وكذلك ما يوجد في المستخرجات على الصحيحين من زيادة أو تتمة لمحذوف فهو محكوم بصحته. إنتهى.

ولا يخفى على الباحث أن القرون الأولى لم يكن يوجد فيها شئ من كل هذا اللغط أمام ما أصحر به نبي الاسلام يوم الغدير. نعم كان هناك شرذمة من أهل الحنق والأحقاد على آل الله، وكانوا ينحتون له قضية شخصية واقعة بين أمير المؤمنين وزيد بن حارثة، كل ذلك تصغيرا لموقعه العظيم في النفوس، إلى أن جاء المأمون الخليفة العباسي وأحضر أربعين من فقهاء عصره وناظرهم في ذلك، وأثبت عليهم حق القول في الحديث كما مر ص 210، ثم في القرن الرابع تلقته الأمة بالقبول، وأخبت به الحفاظ الاثبات من دون غمز فيه رادين عنه قول من يقدح فيه ممن لا يعرف باسمه ورسمه: بأن عليا ما كان مع رسول الله في حجته تلك كما مر ص 295.

وقد أسلفنا لك صريح كلمات الأعلام باتفاق جمهور أهل السنة على صحة الحديث وأقوالهم في تواتره. وهناك أعاظم مشايخ الشيخين (البخاري ومسلم) قد رووه بأسانيد صحاح وحسان، مخبتين إليه وفيهم جمع من الذين يروي عنهم الشيخان بأسانيدهم في

 


الصفحة 27


 

الصحيحين من مشيخة القرن الثالث. ألا؟ وهم:

يحيى بن آدم المتوفى 203

شبابة بن سوار المتوفى 206

أسود بن عامر المتوفى 208

عبد الرزاق بن همام المتوفى 211

عبد الله بن يزيد المتوفى 212

عبيد الله بن موسى المتوفى 213

حجاج بن منهال المتوفى 217

فضل بن دكين المتوفى 218

عفان بن مسلم المتوفى 219

علي بن عياش المتوفى 219

محمد بن كثير المتوفى 223

موسى بن إسماعيل المتوفى 223

قيس بن حفص المتوفى 227

هدبة بن خالد المتوفى 235

عبد الله بن أبي شيبة المتوفى 235

عبيد الله بن عمر المتوفى 235

إبراهيم بن المنذر المتوفى 236

ابن راهويه إسحاق المتوفى 237

عثمان بن أبي شيبة المتوفى 239

قتيبة بن سعيد المتوفى 240

حسين بن حريث المتوفى 244

أبو الجوزاء أحمد المتوفى 246

أبو كريب محمد المتوفى 248

يوسف بن عيسى المتوفى 249

نصر بن علي المتوفى 251

محمد بن بشار المتوفى 252

محمد بن المثنى المتوفى 252

يوسف بن موسى المتوفى 253

محمد صاعقة المتوفى 255

وغيرهم.(1)

 

فعدم إخراج البخاري ومسلم هذا الحديث المتفق على صحته وتواتره والحال هذه لا يكون قدحا في الحديث إن لم يكن نقصا في الكتابين ومؤلفيهما. وكأن الشيخ محمود القادري فطن بهذا وحاول بقوله المذكور ص 304: وكم حديث صحيح ما أخرجه الشيخان. تقديس ساحة الكتابين ومؤلفيهما عن هذا النقص. لا أنه أراد إثبات صحة الحديث بذلك، كيف؟ وهو يقول؟ إتفق على ما ذكرنا جمهور أهل السنة.

وغير خاف على النابه البصير أن البادي بخلاف الإجماع في رد الحديث هو ابن حزم الأندلسي (2) وهو يقول: إن الأمة لا تجتمع على خطأ. ثم تبعه في ذلك ابن تيمية وجعل قوله مدرك قدحه في الحديث ولم يجد غميزة فيه غيره بيد أنه زاد عليه قوله: نقل عن البخاري وإبراهيم الحراني وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طعنوا فيه وضعفوه. ذاهلا عن قوله في منهاج السنة 4 ص 13: إن قصة الغدير كانت في مرتجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع وقد أجمع الناس على هذا. ثم قلدهما من راقة الانحياز عن الحق الثابت من نظراء التفتازاني والقاضي الايجي والقوشجي و

____________

(1) سبقت تراجم هؤلاء جميعا من ص 82 - 93.

(2) ستقف على الرأي العام فيه بعد تمام المحاكمة.


الصفحة 28


 

السيد الجرجاني وزادوا ضغثا على إبالة فلم يكتفوا في رد الحديث بعدم إخراج الصحيحين، ولم يقفوا على فرية ابن تيمية في عزوه الطعن إلى البخاري والحراني، أو ما راقتهم النسبة إلى البخاري والحراني لمكان ضعف الناقل (ابن تيمية) عندهم، فقالوا بإرسال مسلم: قد طعن فيه ابن أبي داود وأبو حاتم السجستاني. ثم جاء ابن حجر فزاد على أبي داود والسجستاني قوله: وغيرهم. إلى أن جاد الدهر بالهروي فزحزح السجستاني ووضع في محله الواقدي وابن خزيمة فقال في السهام الثاقبة: قدح في صحة الحديث كثير من أئمة الحديث كأبي داود والواقدي وابن خزيمة وغيرهم من الثقات.

لا أدري ما أجرأهم على الرحمن [وقد خاب من افترى] وما عساني أن أقول في بحاثة يذكر هذه النسب المفتعلة على أئمة الحديث وحفاظ السنة في كتابه؟ ألا مسائل هؤلاء عن مصدر هذه النقول والاضافات؟ أفي مؤلف وجدوها؟ فما هو؟ وأين هو؟

ولم لم يسموه. أم عن المشايخ رووها؟ فلم لم يسندوها؟ ألا مسائل هؤلاء كيف خفي طعن مثل البخاري وقرنائه في الحديث على ذلك الجم الغفير من الحفاظ والأعلام و مهرة الفن في القرون الأولى إلى القرن السابع والثامن قرن ابن تيمية ومقلديه؟

فلم يفه به أحد، ولا يوجد منه أثر في أي تأليف ومسند، أو أنهم أوقفهم السير عليه ولكنهم لم يروا في سوق الحق له قيمة فضربوا عنه صفحا؟.

وبعد هذا كله فأين تجد مقيل القول بإنكار تواتره من مستوى الحقيقة؟ والقول:

بأن الشيعة إتفقوا على اعتبار التواتر فيما يستدل به على الإمامة فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بحديث الغدير وهو من الآحاد؟ (1) يقول الرجل ذلك وهو يرى الحديث متواترا لرواية ثمانية صحابي (2) وأن في القوم من يرى الحديث متواترا لرواية أربعة من الصحابة له ويقول: لا تحل مخالفته (3) ويجزم بتواتر حديث:

____________

(1) التفتازاني في المقاصد ص 290، وابن حجر في الصواعق ص 25 ومقلديهما.

(2) راجع الصواعق ص 13.

(3) قال ابن حزم في المحلى في مسألة عدم جواز بيع الماء: فهؤلاء أربعة من الصحابة رضي الله عنهم فهو نقل تواتر لا تحل مخالفته.


الصفحة 29


 

الأئمة من قريش (1) ويقول: رواه أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، ومعاوية، وروى معناه جابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وعبادة بن الصامت. وآخر يقول ذلك في حديث آخر رواه علي بن النبي صلى الله عليه وآله ويرويه عن علي اثني عشر رجل فيقول (2):

هذه اثنتا عشرة طريقا إليه ومثل هذا يبلغ حد التواتر وآخر يرى حديث: تقتلك الفئة الباغية. متواترا ويقول (3): تواترت الروايات به روي ذلك عن عمار وعثمان وابن مسعود وحذيفة وابن عباس في آخرين، وجود السيوطي قول من حدد التواتر بعشرة وقال في ألفيته ص 16.

وما رواه عدد جم يجب * إحالة اجتماعهم على الكذب
فمتواتر وقوم حددوا * بعشرة وهو لدي أجود

هذه نظريتهم المشهورة في تحديد التواتر، لكنهم إذا وقفوا على حديث الغدير اتخذوا له حدا أعلى لم تبلغه رواية مائة وعشر صحابي أو أكثر بالغا ما بلغ.

ومن غرائب اليوم ما جاء به أحمد أمين في كتابه ظهور الاسلام تعليق ص 194 من: أنه يرويه الشيعة عن البراء بن عازب. وأنت تعلم أن نصيب رواية البراء من إخراج علماء أهل السنة أوفر من كثير من روايات الصحابة، فقد عرفت ص 18، 19، 20 و ص 272 - 283: إنه أخرجها ما يربو على الأربعين رجلا من فطاحل علمائهم وفيهم مثل أحمد وابن ماجة والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة ونظرائهم، وجملة من أسانيدها صحيحة رجالها كلهم ثقات، لكن: أحمد أمين راقه أن تكون الرواية معزوة إلى الشيعة فحسب، إسقاطا للاحتجاج بها، وليس هذا ببدع من تقولاته في صحايف إسلامه صبحا وضحا وظهرا.

كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولوا إلا كذبا
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا

(سورة الكهف)

____________

(1) راجع الفصل 4 ص 89.

(2) راجع تاريخ ابن كثير 7 ص 289.

(3) تهذيب التهذيب 7 ص 409، والإصابة 2 ص 512.


الصفحة 30


 

الرأي العام في ابن حزم

الأندلسي المتوفى 456

 

ما عساني أن أكتب عن شخصية أجمع فقهاء عصره على تضليله والتشنيع عليه ونهي العوام عن الاقتراب منه، وحكموا بإحراق تآليفه ومدوناته مهما وجدوا الضلال في طياتها كما في لسان الميزان 4 ص 200، ويعرفه الآلوسي عند ذكره بقوله: الضال المضل كما في تفسيره 21 ص 76.

ما عساني أن أقول في مؤلف لا يتحاشا عن الكذب على الله ورسوله، ولا يبالي بالجرأة على مقدسات الشرع النبوي، وقذف المسلمين بكل فاحشة، والأخذ بمخاريق القول وسقطات الرأي.

ما عساني أن أذكر عن بحاثة لا يعرف مبدئه في أقواله، ولا يستند على مصدر من الكتاب والسنة في آرائه، غير أنه إذا أفتى تحكم، وإذا حكم مان، يعزو إلى الأمة الإسلامية ما هي بريئة منه، ويضيف إلى الأئمة وحفاظ المذهب ما هم بعداء منه، تعرب تآليفه عن حق القول من الرأي العام في ضلاله وإليك نماذج من آرائه.

قال في فقهه (المحلى ج 10 ص 482: مسألة: مقتول كان في أوليائه غائب أو صغير أو مجنون، إختلف الناس في هذا. ثم نقل عن أبي حنيفة أنه يقول: إن للكبير أن يقتل ولا ينتظر الصغار. وعن الشافعي: إن الكبير لا يستقيد حتى يبلغ الصغير ثم أورد على الشافعية بأن الحسن بن علي قد قتل عبد الرحمن بن ملجم ولعلي بنون صغار، ثم قال: هذه القصة (يعني قتل ابن ملجم) عائدة على الحنفيين بمثل ما شنعوا على الشافعيين سواء سواء، لأنهم والمالكيين لا يختلفون في أن من قتل آخر على تأويل فلا قود في ذلك. ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا رضي الله عنه إلا متأولا مجتهدا مقدرا على أنه صواب، وفي ذلك يقول
 


الصفحة 31


 

عمران بن حطان شاعر الصفرية:

يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حينا فأحسبه * أوفى البرية عند الله ميزانا

أي لأفكر فيه ثم أحسبه، فقد حصل الحنفيون في خلاف الحسن بن علي على مثل ما شنعوا به على الشافعيين، وما ينقلون أبدا من رجوع سهامهم عليهم، ومن الوقوع فيما حفروه (1).

فهلم معي نسائل كل معتنق للاسلام أين هذا الفتوى المجردة من قول النبي صلى الله عليه وآله في حديث صحيح لعلي عليه السلام: قاتلك أشقى الآخرين. وفي لفظ: أشقى الناس. وفي الثالث: أشقى هذه الأمة كما أن عاقر الناقة أشقى ثمود؟ أخرجه الحفاظ الاثبات والأعلام الأئمة بغير طريق، ويكاد أن يكون متواترا على ما حدد ابن حزم التواتر به. منهم:

إمام الحنابلة أحمد في المسند 4 ص 263، والنسائي في الخصايص ص 39، و ابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 ص 135، والحاكم في المستدرك عن عمار 3 ص 140، و الذهبي في تلخيصه وصححاه، ورواه الحاكم عن ابن سنان الدؤلي ص 113 وصححه وذكره الذهبي في تلخيصه، والخطيب في تاريخه عن جابر بن سمرة 1 ص 135، وابن عبد البر في الاستيعاب (هامش الإصابة) 3 ص 60 ذكره عن النسائي ثم قال: وذكره الطبري وغيره أيضا، وذكره ابن إسحاق في السير، وهو معروف من رواية محمد بن كعب القرظي عن يزيد (2) بن جشم عن عمار بن ياسر، وذكره ابن أبي خيثمة من طرق، وأخرجه محب الدين الطبري في رياضه عن علي من طريق أحمد وابن الضحاك، وعن صهيب من طريق أبي حاتم والملا، ورواه ابن كثير في تاريخه 7 ص 323 من طريق أبي يعلى، وص 325 من طريق الخطيب، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 ص 411 عن ابن عساكر والحاكم والبيهقي، وص 412 بعدة طرق عن ابن

____________

(1) حكاه عنه ابن حجر في تلخيص الخبير لي تخريج أحاديث الرافعي الكبير - ط هند سنة 1303 - ص 416.

(2) كذا في النسخ والصحيح: عن أبي يزيد بن خثيم.


الصفحة 32


 

عساكر، وص 413 من طريق ابن مردويه، وص 157 من طريق الدارقطني، وص 399 من طريق أحمد والبغوي والطبراني والحاكم وابن مردويه وأبي نعيم وابن عساكر وابن النجار.

وأين هذا من قوله الآخر صلى الله عليه وسلم لعلي: ألا أخبرك بأشد الناس عذابا يوم القيامة؟

قال: أخبرني يا رسول الله؟ قال: فإن أشد الناس عذابا يوم القيامة عاقر ناقة ثمود و خاضب لحيتك بدم رأسك. رواه ابن عبد ربه في " العقد الفريد " 2 ص 298.

وأين هذا من قوله الثالث صلى الله عليه وآله: قاتلك شبه اليهود وهو يهود أخرجه ابن عدي في الكامل، وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع 6 ص 412.

وأين هذا مما ذكره ابن كثير في تاريخه 7 ص 323 من أن عليا كان يكثر أن يقول: ما يحبس أشقاها؟ وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 ص 411 بطريقين عن أبي سعد وأبي نعيم وابن أبي شيبة، وص 413 من طريق ابن عساكر.

وأين هذا من قول أمير المؤمنين الآخر لابن ملجم: لا أراك إلا من شر خلق الله؟ رواه الطبري في تاريخه 6 ص 85، وابن الأثير في الكامل 3 ص 169 وقوله الآخر عليه السلام: ما ينظر بي إلا شقي؟ أخرجه أحمد بإسناده كما في البداية و النهاية 7 ص 324. وقوله الرابع لأهله: والله لوددت لو انبعث أشقاها؟ أخرجه أبو حاتم والملا في سيرته كما في الرياض 2 ص 248. وقوله الخامس: ما يمنع أشقاكم؟

كما في الكامل 3 ص 168، وفي كنز العمال 6 ص 412 من طريق عبد الرزاق و ابن سعد. وقوله السادس: ما ينتظر أشقاها؟ أخرجه المحاملي كما في الرياض 2 ص 248.

ليت شعري أي اجتهاد يؤدي إلى وجوب قتل الإمام المفترض طاعته؟ أو أي اجتهاد يسوغ جعل قتله مهرا لنكاح (1) امرأة خارجية عشقها أشقى مراد؟ أو أي مجال مجال للاجتهاد في مقابل النص النبوي الأغر؟ ولو فتح هذا الباب لتسرب الاجتهاد

____________

(1) راجع الإمامة والسياسة 1 ص 134، تاريخ الطبري 6 ص 83، والمستدرك 3 ص 143، والكامل 3 ص 168، والبداية والنهاية 7 ص 328.

 


الصفحة 33


 

منه إلى قتلة الأنبياء والخلفاء جميعا، لكن ابن حزم لا يرضى أن يكون قاتل عمر أو قتلة عثمان مجتهدين، ونحن أيضا لا نقول به.

ثم ليتني أدري أي أمة من الأمم أطبقت على تعذير عبد الرحمن بن ملجم في ما ارتكبه؟ ليته دلنا عليها، فإن الأمة الإسلامية ليس عندها شئ من هذا النقل المائن، أللهم إلا الخوارج المارقين عن الدين، وقد إقتص الرجل أثرهم واحتج بشعر قائلهم عمران.

أللهم؟ ما عمران بن حطان وحكمه في تبرير عمل ابن ملجم من إراقة دم ولي الله الإمام الطاهر أمير المؤمنين؟ ما قيمة قوله حتى يستدل به ويركن إليه في أحكام الاسلام؟ وما شأن فقيه " ابن حزم " من الدين يحذو حذو مثل عمران ويأخذ قوله في دين الله، ويخالف به النبي الأعظم في نصوصه الصحيحة الثابتة ويردها ويقذف الأمة الإسلامية بسخب خارجي مارق؟ وهذا معاصره القاضي أبو الطيب طاهر ابن عبد الله الشافعي (1) يقول في عمران ومذهبه هذا.

إني لأبرأ مما أنت قائله * عن ابن ملجم الملعون بهتانا
يا ضربة من شقي ما أراد بها * إلا ليهدم للاسلام أركانا
إني لأذكره يوما فألعنه * دنيا وألعن عمرانا وحطانا
عليه ثم عليه الدهر متصلا * لعائن الله إسرارا وإعلانا
فأنتما من كلاب النار جاء به * نص الشريعة برهانا وتبيانا (2)

وقال بكر بن حسان الباهلي:

قل لابن ملجم والأقدار غالبة *: هدمت ويلك للاسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشي على قدم * وأول الناس إسلاما وإيمانا
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما * سن الرسول لنا شرعا وتبيانا

____________

(1) من فقهاء الشافعية، قال ابن خلكان في تاريخه 1 ص 253: كان ثقة صادقا دينا ورعا عارفا بأصول الفقه وفروعه، محققا في علمه، سليم الصدر، حسن الخلق، صحيح المذهب، يقول الشعر على طريقة الفقهاء، ولد بآمل 348 وتوفي ببغداد 450.

(2) مروج الذهب 2 ص 43.


الصفحة 34


 

صهر النبي ومولانا وناصره * أضحت مناقبه نورا وبرهانا
وكان منه على رغم الحسود له * مكان هارون من موسى بن عمرانا
وكان في الحرب سيفا صارما ذكرا * ليثا إذا ما لقى الاقران أقرانا
ذكرت قاتله والدمع منحدر * فقلت: سبحان رب الناس سبحانا
إني لأحسبه ما كان من بشر * يخشى المعاد ولكن كان شيطانا
أشقى مراد إذا عدت قبائلها * وأخسر الناس عند الله ميزانا
كعاقر الناقة الأولى التي جلبت * على ثمود بأرض الحجر خسرانا
قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها * قبل المنية أزمانا فأزمانا
فلا عفا الله عنه ما تحمله (1) * ولا سقى قبر عمران بن حطانا
لقوله في شقي ظل مجترما * ونال ما ناله ظلما وعدوانا
: (يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا)
بل ضربة من غوي أورثته لظى (2) * وسوف يلقى به الرحمن غضبانا
كأنه لم يرد قصدا بضربته * إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا (3)

م - قال ابن حجر في الإصابة 3 ص 179: صاحب الأبيات بكر بن حماد التاهرتي، وهو من أهل القيروان في عصر البخاري وأجازه عنها السيد الحميري الشاعر المشهور الشيعي وهو في ديوانه. ا ه.

وفي الاستيعاب 2 ص 472: أبو بكر ابن حماد التاهرتي، وذكر له أبياتا في رثاء مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أولها:

وهز علي بالعراقين لحية * مصيبتها جلت على كل مسلم

وقال محمد بن أحمد الطبيب (4) ردا على عمران بن حطان:

____________

(1) في الكامل: فلا عفا الله عنه سوء فعلته.

(2) في الكامل: بل ضربة من غوى أوردته لظى.

(3) مروج الذهب 2 ص 43، الاستيعاب في ترجمة أمير المؤمنين، الكامل لابن الأثير 3 ص 171، تمام المتون للصفدي ص 152.

(4) يوجد البيتان في كامل المبرد 3: 90 ط محمد بن علي صبيح وأولاده، وليسا من أصل الكتاب كما لا يخفى.

 


الصفحة 35


 

يا ضربة من غدور صار ضاربها * أشقى البرية عند الله إنسانا
إذا تفكرت فيه ظلت ألعنه * وألعن الكلب عمران بن حطانا

على أن قتل الإمام المجتبى لابن ملجم وتقرير المسلمين له على ذلك صحابيهم وتابعيهم حتى أن كل أحد منهم كان يود أنه هو المباشر لقتله يدلنا على أن فعل اللعين لم يكن مما يتطرق إليه الاجتهاد فضلا عن أن يبرره، ولو كان هناك اجتهاد فهو في مقابلة النصوص المتضافرة، فكان من الصالح العام لكافة المسلمين اجتياح تلك الجرثومة الخبيثة، وهو واجب أي أحد من الأمة الإسلامية، غير أن إمام الوقت السيد المجتبى تقدم إلى تلك الفضيلة كتقدمه إلى غيرها من الفضايل.

فليس هو من المواضيع التي حررها ابن حزم فتحكم أو تهكم على الشافعية والحنفية والمالكية وإنما هو من ضروريات الاسلام في قاتل كل إمام حق، ولذلك ترى أن القائلين بإمامة عمر بن الخطاب لم يشكوا في وجوب قتل قاتله، ولم ير أحد منهم للاجتهاد هناك مجالا، كما سيأتي في كلام ابن حزم نفسه: إنه لم ير له مجالا لقتلة عثمان.

فشتان بين ابن حزم وبين ابن حجر، هذا يبرر عمل عبد الرحمن وذاك يعتذر عن ذكر إسمه في كتابه لسان الميزان.

م - ويصفه بالفتك وأنه من بقايا الخوارج في تهذيب التهذيب 7: 338.

وابن حجر في كلامه هذا اتبع أثر الحافظ أبي زرعة العراقي في قوله في طرح التثريب 1: 86: انتدب له " لعلي " قوم من الخوارج فقاتلهم فظفر بهم ثم انتدب له من بقاياهم أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وكان فاتكا ملعونا فطعنه.

 

* (ومن نماذج آرائه) *

قوله في الفصل 4 ص 161 في المجتهد المخطي: وعمار رضي الله عنه قتله أبو الغادية يسار بن سبع السلمي، شهد (عمار) بيعة الرضوان فهو من شهداء الله له بأنه علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ورضي عنه، فأبو الغادية رضي الله عنه متأول مجتهد مخطئ فيه باغ عليه مأجور أجرا واحدا، وليس هذا كقتلة عثمان رضي الله عنه لأنهم لا مجال للاجتهاد في قتله، لأنه لم يقتل أحدا ولا حارب ولا قاتل ولا دافع ولا

 


الصفحة 36


 

زنا بعد إحصان ولا ارتد فيسوغ المحاربة تأويل، بل هم فساق محاربون سافكون دما حراما عمدا بلا تأويل على سبيل الظلم والعدوان، فهم فساق ملعونون. إنتهى.

لم أجد معنى لاجتهاد أبي الغادية (بالمعجمة) وهو من مجاهيل الدنيا، وأفناء الناس، وحثالة العهد النبوي، ولم يعرف بشئ غير أنه جهني، ولم يذكر في أي معجم بما يعرب عن اجتهاده، ولم يرو منه شئ من العلم الإلهي سوى قول النبي صلى الله عليه وآله: دمائكم وأموالكم حرام. وقوله: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يتعجبون من أنه سمع هذا ويقتل عمارا (1) ولم يفه أي أحد من أعلام الدين إلى يوم مجيئ ابن حزم باجتهاد مثل أبي الغادية.

ثم لم أدر ما معنى هذا الاجتهاد في مقابل النصوص النبوية في عمار، ولست أعني بها قوله صلى الله عليه وآله في الصحيح الثابت المتواتر (2) لعمار: تقتلك الفئة الباغية وفي لفظ: الناكبة عن الطريق. وإن كان لا يدع مجالا للاجتهاد في تبرير قتله، فإن قاتله مهما تأول فهو عاد عليه ناكب عن الطريق، ونحن لا نعرف اجتهادا يسوغ العدوان الذي استقل العقل بقبحه، وعاضده الدين الإلهي الأقدس. وإن كان أوله معاوية أورده لما حدث به عبد الله بن عمرو وقال عمرو بن العاص: يا معاوية؟

أما تسمع ما يقول عبد الله؟ بقوله:

إنك شيخ أخرق، ولا تزال تحدث بالحديث، وأنت ترحض في بولك، أنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه جاؤا به حتى ألقوه بين رماحنا. (3) وبقوله: أفسدت علي أهل الشام، أكل ما سمعت من رسول الله تقوله؟ فقال عمرو: قلتها ولست أعلم الغيب، ولا أدري أن صفين تكون، قلتها وعمار يومئذ لك ولي وقد رويت أنت فيه مثل ما رويت. ولهما في القضية معاتبة مشهورة وشعر منقول، منه قول عمرو:

تعاتبني إن قلت شيئا سمعته * وقد قلت لو أنصفتني مثله قبلي

____________

(1) الاستيعاب 2 ص 680، والإصابة 4 ص 150.

(2) ذكر تواتره ابن حجر في الإصابة 2 ص 512، وتهذيب التهذيب 7 ص 409.

(3) تاريخ الطبري 6 ص 23، وتاريخ ابن كثير 7 ص 369.


الصفحة 37


 

أنعلك فيما قلت نعل ثبيتة؟ * وتزلق بي في مثل ما قلته نعلي
وما كان لي علم بصفين أنها * تكون وعمار يحث على قتلي
ولو كان لي بالغيب علم كتمتها * وكابدت أقواما مراجلهم تغلي
أبى الله إلا أن صدرك واغر * علي بلا ذنب جنيت ولا ذحل
سوى أنني والراقصات عشية * بنصرك مدخول الهوى ذاهل العقل

وأجابه معاوية بأبيات منها:

فيا قبح الله العتاب وأهله * ألم تر ما أصبحت فيه من الشغل؟


فدع ذا ولكن هل لك اليوم حيلة * ترد بها قوما مراجلهم تغلي؟
دعاهم علي فاستجابوا لدعوة * أحب إليهم من ثرى المال والأهل (1)

كما لست أعني ما أخرجه الطبراني (2) عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و آله: إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق. وإن كان قاطعا للحجاج فإن المناوئ لابن سمية (عمار) على الباطل لا محالة، ولا تجد اجتهادا يبرر مناصرة المبطل على المحق بعد ذلك النص الجلي.

وإنما أعني ما أخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص 387 وصححه وكذلك الذهبي في تلخيصه، بالإسناد عن عمرو بن العاص: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول: أللهم أولعت قريش بعمار إن قاتل عمار وسالبه في النار. وأخرجه السيوطي من طريق الطبراني في الجامع الصغير 2 ص 193، وابن حجر في الإصابة 4 ص 151.

وأخرج السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 ص 73 قوله صلى الله عليه وآله لعمار: يدخل سالبك وقاتلك في النار. من طريق إن عساكر، و ج 6 ص 184 من طريق الطبراني في الأوسط، وص 184 من طريق الحاكم.

وأخرج الحافظ أبو نعيم وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع 7 ص 72 عن زيد بن وهب قال: كان عمار بن ياسر قد ولع بقريش وولعت به فغدوا عليه فضربوه فجلس

____________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 ص 274.

(2) جمع الجوامع للسيوطي كما في ترتيبه 6 ص 184.


الصفحة 38


 

في بيته فجاء عثمان بن عفان يعوده فخرج عثمان وصعد المنبر فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتلك الفئة الباغية، قاتل عمار في النار.

وأخرج الحافظ أبو يعلى وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع 7 ص 74 عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعمار: تقتلك الفئة الباغية، بشر قاتل عمار بالنار.

وفي جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 ص 75 و ج 6 ص 184 من طريق الحافظ ابن عساكر عن أسامة بن زيد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار؟ قاتله وسالبه في النار. أخرجه ابن كثير في تاريخه 7 ص 268.

وفي ترتيب الجمع 7 ص 75 من طريق ابن عساكر عن مسند على: إن عمارا مع الحق والحق معه يدور عمار مع الحق أينما دار، وقاتل عمار في النار.

وأخرج أحمد وابن عساكر عن عثمان. وابن عساكر عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار: تقتلك الفئة الباغية قاتلك في النار. كنز العمال 6 ص 184، وأخرجه عن أم سلمة ابن كثير في تاريخه 7 ص 270 من طريق أبي بكر بن أبي شيبة.

وأخرج أحمد في مسنده 4 ص 89 خالد بن الوليد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله. وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص 391 بطريقين صححهما هو والذهبي، والخطيب في تاريخه 1 ص 152، وابن الأثير في أسد الغابة 4 ص 45، وابن كثير في تاريخه 7 ص 311، وابن حجر في الإصابة 2 ص 512، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 ص 73 من طريق ابن أبي شيبة وأحمد، وفي 6 ص 184 من طرق أحمد وابن حبان والحاكم.

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 ص 390 بإسناد صححه هو والذهبي عن رسول الله صلى الله عليه وآله بلفظ: من يسب عمارا يسبه الله، ومن يبغض عمارا يبغضه الله، و من يسفه عمارا يسفهه الله. ورواه السيوطي في الجمع كما في ترتيبه 7 ص 73 من طريق ابن النجار والطبراني بلفظ من سب عمارا سبه الله، ومن حقر عمارا حقره الله، و ومن سفه عمارا سفهه الله.

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 ص 391 بإسناده بلفظ: من يحقر عمارا يحقره

 


الصفحة 39


 

الله، ومن يسب عمارا يسبه الله، ومن يبغض عمارا يبغضه الله. وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 ص 73 من طريق أبي يعلى وابن عساكر، وفي 6 ص 185 عن أبي يعلى وابن قانع والطبراني والضياء المقدسي في المختارة.

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 ص 389 بإسناد صححه هو والذهبي في تلخيصه بلفظ: من يسب عمارا يسبه الله، ومن يعاد عمادا يعاده الله.

وأخرج أحمد في المسند 4 ص 90 بإسناده بلفظ: من يعاد عمارا يعاده الله عز وجل، ومن يبغضه يبغضه الله عز وجل، ومن يسبه يسبه الله عز وجل.

فأين هذه النصوص الصحيحة المتواترة (1) من اجتهاد أبي الغادية؟ أو أين هو من تبرير ابن حزم عمل أبي الغادية؟ أو أين هو من رأيه في اجتهاده، ومحاباته له بالأجر الواحد؟ وهو في النار لا محالة بالنص النبوي الشريف، وهل تجد بغضا أو تحقيرا أعظم من القتل؟.

وهناك دروس في هذه كلها يقرأها علينا التأريخ، قال ابن الأثير في الكامل 3 ص 134: إن أبا الغادية قتل عمارا وعاش إلى زمن الحجاج ودخل عليه فأكرمه الحجاج وقال له: أنت قتلت ابن سمية؟ يعني عمارا قال: نعم، فقال: من سره أن ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلى هذا الذي قتل ابن سمية، ثم سأله أبو الغادية حاجته فلم يجبه إليها، فقال: نوطئ لهم الدنيا ولا يعطونا منها ويزعم أني عظيم الباع يوم القيامة، فقال الحجاج: أجل والله من كان ضرسه مثل أحد وفخذه مثل جبل ورقان ومجلسه مثل المدينة والربذة إنه لعظيم الباع يوم القيامة، والله لو أن عمارا قتله أهل لأرض كلهم لدخلوا كلهم النار. م - وذكره ابن حجر في الإصابة 4 ص 151.

وفي الاستيعاب " هامش الإصابة " 4 ص 151: أبو الغادية كان محبا في عثمان وهو قاتل عمار وكان إذا استأذن على معاوية وغيره يقول: قاتل عمار بالباب، وكان يصف قتله له إذا سئل عنه لا يباليه، وفي قصته عجب عند أهل العلم روى عن النبي قوله: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. وسمعه منه ثم قتل عمارا.

____________

(1) على ما اختاره ابن حزم من حد التواتر في ساير الأحاديث.

 


الصفحة 40


 

وهذه كلها تنم عن غايته المتوخاة في قتل عمار واطلاعه ووقوفه على ما أخبر به النبي الأقدس في قاتل عمار، وعدم ارتداعه ومبالاته بقتله بعدهما، غير أنه كان بطبع الحال على رأي إمامه معاوية ويقول لمحدثي قول النبي بمقاله المذكور: إنك شيخ أخرق، ولا تزال تحدث بالحديث، وأنت ترحض في بولك.

وأنت أعرف مني بمغزى هذا الكلام ومقدار أخذ صاحبه بالسنة النبوية و اتباعه لما يروى عن مصدر الوحي الإلهي، وبأمثال هذه كان اجتهاد أبي الغادية فيما ارتكبه أو ارتبك فيه.

وغاية ما عند ابن حزم في قتلة عثمان: أن اجتهادهم في مقابلة النص: (لا يحل دم امرء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلث، الثيب الزاني ، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) (1) لكنه لا يقول ذلك في قاتل علي عليه السلام ومقاتليه وقاتل عمار، وقد عرفت أن الحالة فيهم عين ما حسبه في قتلة عثمان.

ثم إن ذلك على ما أصله هو في غير مورد لا يأدي إلا خطأ القوم في اجتهادهم فلم لم يحابهم الأجر الواحد كما حابى عبد الرحمن بن ملجم ونظرائه؟ نعم: له أن يعتذر بأن هذا قاتل علي وأولئك قتلة عثمان.

على أن نفيه المجال للاجتهاد هناك إنما يصح على مزعمته في الاجتهاد المصيب وأما المخطئ منه فهو جار في المورد كأمثاله من مجاريه عنده.

ثم إن الرجل في تدعيم ما ارتئاه من النظريات الفاسدة وقع في ورطة لا تروقه، ألا وهي سب الصحابة بقوله: فهم فساق ملعونون. وذهب جمهور أصحابه على تضليل من سبهم بين مكفر ومفسق، وإنه موجب للتعزير عند كثير من الأئمة بقول مطلق من غير تفكيك بين فرقة وأخرى أو استثناء أحد منهم، وهو إجماعهم على عدالة

____________

(1) أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة و الدارمي في السنن، وابن سعد في الطبقات، وأحمد والطيالسي في المسندين، وابن هشام في السيرة، والواقدي في المغازي 430 و 432.

 


الصفحة 41


 

الصحابة أجمعين (1) وهو بنفسه يقول في الفصل ج 3 ص 257: وأما من سب أحدا من الصحابة رضي الله عنهم فإن كان جاهلا فمعذور، وإن قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى وسرق: وإن عاند الله تعالى في ذلك ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وقد قال عمر رضي الله عنه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم عن حاطب وحاطب مهاجر بدري: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا بل كان مخطئا متأولا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آية النفاق بغض الأنصار. وقال لعلي: لا يبغضك إلا منافق. ا ه.

وكم عند ابن حزم من المجتهدين نظراء عبد الرحمن بن ملجم وأبي الغادية حكم في الفصل بأنهم مجتهدون وهم مأجورون فيما أخطأوا قال في ج 4 ص 161: قطعنا أن معاوية رضي الله عنه ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجرا واحدا. وعد في ص 160 معاوية وعمرو بن العاصي من المجتهدين، ثم قال: إنما اجتهدوا في مسائل دماء كالتي إجتهد فيما المفتون وفي المفتين من يرى قتل الساحر وفيهم من لا يراه، وفيهم من يرى قتل الحر بالعبد وفيهم من لا يراه، وفيهم من يرى قتل المؤمن بالكافر وفيهم من لا يراه، فأي فرق بين هذه الاجتهادات واجتهاد معاوية وعمرو وغيرهما؟ لولا الجهل والعمى والتخليط بغير علم. إنتهى.

وشتان بين المفتين الذين التبست عليهم الأدلة في الفتيا، أو اختلفت عندهم بالنصوصية والظهور ولو بمبلغ فهم ذلك المفتي، أو أنه وجد إحدى الطائفتين من الأدلة أقوى من الأخرى لصحة الطريق عنده، أو تضافر الاسناد، فجنح إلى جانب القوة، وارتأى مقابله بضرب من الاستنباط تقوية الجانب الآخر، فأفتى كل على مذهبه، كل ذلك إخباتا إلى الدليل من الكتاب والسنة.

فشتان بين هؤلاء وبين محاربي علي عليه السلام وبمرأى الملأ الاسلامي ومسمعهم كتاب الله العزيز وفيه آية التطهير الناطقة بعصمة النبي وصنوه وصفيته وسبطيه، وفيه آية المباهلة النازلة فيهم وعلي فيها نفس النبي، وغيرهما مما يناهز ثلاثة مائة آية (2)

____________

(1) راجع الصارم المسلول على شاتم الرسول ص 572 - 592، والاحكام في أصول الأحكام 2 ص 631، والشرف المؤبد للشبراوي ص 112 - 119.

(2) راجع تاريخي الخطيب 6 ص 221 وابن عساكر، وكفاية الكنجي ص 108، والصواعق ص 76، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 115، والفتوحات الإسلامية 2 ص 342، ونور الأبصار ص 81، وهناك مصادر كثيرة أخرى.


الصفحة 42


 

النازلة في الإمام أمير المؤمنين.

وهذه نصوص الحفاظ الاثبات، والأعلام الأئمة، وبين يديهم الصحاح والمسانيد فيها حديث التطهير. وحديث المنزلة. وحديث البرائة. ذلك الهتاف النبوي المبين المتواتر، كل ذلك كانت تلوكه أشداق الصحابة وأنهي إلى التابعين.

أفترى من الممكن أن يهتف المولى سبحانه في المجتمع بطهارة ذات وقدسه من الدنس، وعصمته من كل رجس؟ أو ينزله منزلة نفس النبي الأعظم ويسمع به عباده؟ أو يوجب بنص كتابه المقدس على أمة نبيه الأقدس مودة ذي قرباه؟ (وأمير المؤمنين سيدهم) ويجعل ولائهم أجر ذلك العب الفادح الرسالة الخاتمة العظمى؟ و يخبر بلسان نبيه أمته بأن طاعة (على) طاعته ومعصيته معصيته؟ (1) ويكون مع ذلك كله هناك مجال للاجتهاد بأن يقاتل؟ أو يقتل؟ أو ينفى من الأرض؟ أو يسب على رؤس الاشهاد؟ أو يلعن على المنابر؟ أو تعلن عليه الدعايات؟ وهل يحكم شعورك الحر بأن الاجتهاد في كل ذلك كاجتهاد المفتين واختلافهم في قتل الساحر وأمثاله؟.

وابن حزم نفسه يقول في الفصل 3 ص 258: ومن تأويل من أهل الاسلام فأخطأ فإن كان لم تقم عليه الحجة، ولا تبين له الحق، فهو معذور مأجور أجرا واحدا لطلبه الحق وقصده إليه، مغفور له خطؤه إذ لم يتعمد، لقول الله تعالى: وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم. وإن كان مصيبا فله أجران أجر لإصابته و أجر آخر لطلبه إياه، وإن كان قد قامت الحجة عليه، وتبين له الحق فعند عن الحق غير معارض له تعالى ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم فهو فاسق لجرأته على الله تعالى بإصراره على الأمر الحرام. فإن عند عن الحق معارضا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر مرتد حلال الدم والمال، لا فرق في هذه الأحكام بين الخطأ في الاعتقاد في أي شئ كان من الشريعة وبين الخطأ في الفتيا في أي شئ كان. إنتهى.

فهل من الممكن إنكار حجية كتاب الله العزيز؟ أو نفي ما تلوناه منه؟ أو احتمال خفاء هذه الحجج الدامغة كلها على أهل الخطأ من أولئك المجتهدين؟ وعدم تبين الحق لهم؟ وعدم قيام الحجة عليهم؟ أو تسرب الاجتهاد والتأويل في تلك النصوص أيضا؟.

____________

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص 121، 128، والذهبي في تلخيصه وصححاه.

 


الصفحة 43


 

على أن هناك نصوص نبوية حول حربه وسلمه منها: ما أخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص 149 عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم. وذكره الذهبي في تلخيصه، وأخرجه الكنجي في الكفاية ص 189 من طريق الطبراني والخوارزمي في المناقب ص 90، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 ص 216 من طريق الترمذي وابن ماجة و ابن حبان والحاكم.

وأخرجه الخطيب بإسناده عن زيد في تاريخه 7 ص 137 بلفظ: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم، والحافظ ابن عساكر في تاريخه 4 ص 316، ورواه الكنجي في كفايته ص 189 من طريق الترمذي، وابن حجر في الصواعق ص 112 من طريق الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم، وابن الصباغ المالكي في فصوله ص 11، ومحب الدين في الرياض 2 ص 189، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 ص 102 من طريق ابن أبي شيبة والترمذي والطبراني والحاكم والضياء المقدسي في المختارة.

م - وأخرجه ابن كثير في تاريخه 8 ص 36 باللفظ الأول عن أبي هريرة من طريق النسائي من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين وابن ماجة من حديث وكيع كلاهما عن سفيان الثوري.

وأخرج أحمد في مسنده 2 ص 442 عن أبي هريرة بلفظ: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم. والحاكم في المستدرك 3 ص 149، والخطيب في تاريخه 4 ص 208، والكنجي في الكفاية ص 189 من طريق أحمد وقال: حديث حسن صحيح، و المتقي في الكنز 6 ص 216 من طريق أحمد والطبراني والحاكم.

وأخرج محب الدين الطبري في الرياض 2 ص 189 عن أبي بكر الصديق: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خيم خيمة وهو متكئ على قوس عربية وفي الخيمة علي وفاطمة و الحسن والحسين فقال: معشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، حرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردئ الولادة.


الصفحة 44


 

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 ص 129 عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب وهو يقول: هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله. ثم مد بها صوته. وأخرجه ابن طلحة الشافعي في مطالب السئول ص 31 عن أبي ذر بلفظ: قائد البررة، وقاتل الكفرة. إلخ. ورواه ابن حجر في الصواعق ص 75 عن الحاكم، وأحمد زيني دحلان في الفتوحات الإسلامية 2 ص 338.

إلى أحاديث كثيرة لو جمعت لتأتي مجلدات ضخمة، على أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يبث الدعاية بين أصحابه حول تلك المقاتلة التي زعم ابن حجر فيها اجتهاد معاوية وعمرو بن العاص ومن كان معهما، وكان صلى الله عليه وآله يأمرهم ويأمر أميرهم (ولي الله الطاهر) بحربهم وقتالهم، وبطبع الحال ما كان ذلك يخفى على أي أحد من أصحابه، وإليك نماذج من تلك (1) الدعاية النبوية.

أخرج الحاكم في المستدرك 3 ص 139 والذهبي في تلخيصه عن أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين و المارقين. ورواه الكنجي في كفايته ص 70. وأخرج الحاكم في المستدرك 3 ص 140 عن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله يقول لعلي: تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.

وأخرج الخطيب في تاريخه 8 ص 340 و ج 13 ص 187 وابن عساكر عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين. وأخرجه الحمويني في فرايد السمطين في الباب الثالث والخمسين، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 ص 392. وأخرج الحاكم وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع 6 ص 391 عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى منزل أم سلمة فجاء علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم سلمة؟ هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي. وأخرج الحمويني في فرايد السمطين في الباب الرابع والخمسين بطريقين عن سعد بن عبادة عن علي قال: أمرت بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين.

وأخرج م - البيهقي في المحاسن والمساوي ج 1 ص 31 والخوارزمي في المناقب

____________

(1) لم نذكرها بجميع طرقها التي وقفنا عليها روما للاختصار وستوافيك في الجزء الثالث.

 


الصفحة 45


 

ص 52 و 58 عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: هذا علي بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، يا أم سلمة هذا أمير المؤمنين وسيد المسلمين ووعاء علمي ووصيي وبابي الذي أوتى منه، أخي في الدنيا والآخرة ومعي في المقام الأعلى، علي يقتل القاسطين والناكثين والمارقين. ورواه الحمويني في الفرايد في الباب السابع والعشرين والتاسع والعشرين بطرق ثلث، م - وفيه: وعيبة علمي مكان وعاء علمي، والكنجي في الكفاية ص 69، والمتقي في الكنز 6 ص 154 من طريق الحافظ العقيلي.

وأخرج شيخ الاسلام الحمويني في فرايده عن أبي أيوب قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الناكثين والقاسطين. من طريق الحاكم، ومن طريقه الآخر عن غياث بن ثعلبة عن أبي أيوب قال (غياث): قاله أبو أيوب في خلافة عمر بن الخطاب.

وأخرج في الفرايد في الباب الثالث والخمسين عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قلنا: يا رسول الله؟ أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من؟ قال: مع علي بن أبي طالب.

م - وقال ابن عبد البر في الاستيعاب 3 ص 53 هامش الإصابة: وروي من حديث علي، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي أيوب الأنصاري: إنه أمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين..

فلعلك باخع بما ظهرت عليه من الحق الجلي غير أنك باحث عن القول الفصل في معاوية وعمرو بن العاصي فعليك بما في طيات كتب التأريخ من كلماتهما وسنوقفك على ما يبين الرشد من الغي في ترجمة عمرو بن العاصي وعند البحث عن معاوية في الجزء العاشر.

هذا مجمل القول في آراء ابن حزم وضلالاته وتحكماته فأنت (كما يقول هو) لولا الجهل والعمى والتخليط بغير علم. تجد الرأي العام في ضلاله قد صدر من أهله في محله، وليس هناك مجال نسبة الحسد والحنق إلى من حكم بذلك من المالكيين أو غيرهم، ممن عاصره أو تأخر عنه، وكتابه الفصل أقوى دليل على حق القول و صواب الرأي.

قال ابن خلكان في تاريخه 1 ص 370: كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين

 


الصفحة 46


 

لا يكاد أحد يسلم من لسانه قال ابن العريف: كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين. قاله لكثرة وقوعه في الأئمة، فنفرت منه القلوب، واستهدف لفقهاء وقته، فتمالؤا على بغضه، وردوا قوله، وإجتمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم من الدنو إليه، والأخذ عنه، فأقصته الملوك، و شردته عن بلاده، حتى انتهى إلى بادية لبلة (1) فتوفي بها في آخر نهار الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة.

 

ولقد حق عليه كلمة العذاب
أفأنت تنقذ من في النار؟

____________

(1) بفتح اللامين من بلاد الأندلس.