قبسات من السیرة العلویة

 

المؤلّف

سماحة آیة الله العظمى مكارم الشیرازی(مدّ ظلّه)

 

إعداد وتنظیم

ابوالقاسم علیان نجادی ـ عبدالرحیم الحمرانی

 

وصف الكتاب: الكتاب الحاضر حصیلة الدروس الأخلاقیة للأستاذ الجلیل ومعلم الأخلاق العالم العامل سماحة آیة الله العظمى مكارم الشیرازی مدظله العالی.

 

 

 

 

المقدمة

الأخلاق فی الحوزات العلمیة

 

یتمتع نظام الحوزات العلمیة التعلیمی والتربوی بمزایا وخصائص خاصة تمیزه عن جمیع الأنظمة الدراسیة! ومن هذه الخصائص الدروس الأخلاقیة التى تحتل أهمیّة فی الحوزات العلمیة. حیث یسعى الأساتذة الأعزاء ـ وإلى جانب تدریس طلبة العلوم الدینیة والطلبة الجامعیین مختلف العلوم ـ إلى تربیتهم الروحیة وتنمیة فضائلهم الخلقیة وإستئصال الخصال الأخلاقیة الذمیمة ولاسیما تلك التی تنبثق من دراسة وتعلم العلم. وتتخذ الدروس الأخلاقیة وحلقات التهذیب فی الحوزات العلمیة إسلوبین:

أ) الأول: الدروس الأخلاقیة المستقلة التى تُلقى عادة فی إحدى اللیالی أو الأیّام الأخیرة من الأسبوع من قبل أحد العلماء الأعلام والمتخلقین بهذه الأخلاق، حیث یخوض الأستاذ بالاستفادة من خزینه الأخلاقی فی شرح الآیات والروایات والقصص الأخلاقیة التی تُشبع نهم طلاب العلم والفضیلة.

ب) الثانی الدروس الأخلاقیة غیر المستقلة التی تلقى فی آخر یوم من الدروس الأسبوعیة فی ختام الدرس ـ والأستاذ فی هذه الجلسات یروی عطش الظمأى للمعارف الدینیة من منهل كوثر القرآن وآل محمّد(صلى الله علیه وآله) من خلال بیان الروایات الأخلاقیة فتحصنهم لأسبوع على الأقل إزاء الإنحرافات الخلقیة.

 

الكتاب الحاضر

 

 

الكتاب الحاضر حصیلة الدروس الأخلاقیة للأستاذ الجلیل ومعلم الأخلاق العالم العامل سماحة آیة الله العظمى مكارم الشیرازی مدظله العالی، وقد دوّنت بهذا الشكل حیث بین سماحته المطالب الأخلاقیة المهمّة فی ختام الروایات المذكورة بلسان بسیط وبلیغ والذی یعد من ممیزات سماحته بحیث یستفید منها عامّة الناس، لیسهم قراءته والعمل به فی رفع المستوى الخلقی للقراء الأعزاء إن شاء الله.

 

 خصائص الدروس الأخلاقیة لسماحته

 

یمتاز الدرس الأخلاقی لسماحته ببعض الخصائص مقارنة بالدروس الأخلاقیة فی الحوزات العلمیة وبنوعها الثانی من قبل العدید من الأساتذة، ومن هنا یتضاعف حضور الطلبة أیام الأربعاء التی یبادر فیها الأستاذ الفاضل إلى الوعظ والإرشاد، ویمكن تلخیص خصائص دروسه الأخلاقیة فی مایلی:

1 ـ تلقى المباحث الأخلاقیة عادة یوم الأربعاء فی ختام الدروس، غیر أنّ سماحته یلقیها بدایة الدرس، ثم یواصل الدرس، ولا یخفى تأثیر هذا الأسلوب أكثر من سابقه.

2 ـ إنّ مدّة الدروس الأخلاقیة من النوع الثانی قلیلة; أی أنّ الأساتذة لا یخوضون فی المباحث الأخلاقیة فی ختام الدرس لأكثر من دقائق، بینما یفرد الأستاذ الجلیل نصف وقت الدرس وربّما ثلثیه للوصایا الأخلاقیة.

3 ـ إنّ الأساتذة الأجلاء الذین عرفهم القاصی والدانی بالنظام والدقّة حتى عُدّوا قدوة وأسوة فی ذلك، یراعون هذا النظام فی أبحاثهم الأخلاقیة، بینما تحظى عادة أبحاث سماحته الأخلاقیة بنظم خاص موضوعی أو ترتیبی. ومن هنا طرح الكلمات القصار للنبی الأكرم(صلى الله علیه وآله) من تحف العقول لسنة، ثم تابع لسنة أخرى مبحث التقوى من زوایا مختلفة، وجعل قصار كلمات أمیرالمؤمنین(علیه السلام) فی تلك السنة موضوع أبحاثه الأخلاقیة.

4 ـ عادة ما یثیر سماحته بعض القضایا السیاسیة المهمّة أثناء أبحاثه الأخلاقیة، حیث یخوض فی كل جلسة إن دعت الضرورة وفی الدقائق الأخیرة فی بیان وتحلیل الأمور  السیاسیة المهمة للأسبوع.

5 ـ لا یقتصر سماحته فی أبحاثه الأخلاقیة على الرسالة الخلقیة للآیة أو الروایة، بل إنّ كان هنالك سؤال وشبهة أو تناقض ظاهری بین سائر الآیات والروایات خاض فی تفاصیله وشرحه بدقّة.

 

 

 110 كلمة من أمیر الكلام

 

حیث عقد العزم على جمع هذه المحاضرات فی سنة 2000 م والتی سمیت بسنة أمیرالمؤمنین، فقد جمعنا مائة وعشرة أحادیث إستیحاء من هذه السنة المباركة من روایات أمیرالمؤمنین(علیه السلام) الأخلاقیة التی ألقیت فی الجلسات الأخلاقیة لأستاذنا الجلیل سماحة آیة الله العظمى مكارم الشیرازی (مد ظلّه) والتی استعرض فیها أبحاثه الرائعة والتعلیمیة. وأخرج الكتاب بهذه الصیغة بعد التحقیق فی مصادره وحذف الجانب المكرر وشرح بعض النقاط المجملة وإضافة الهوامش الضروریة والقیام بسائر الأعمال اللازمة الأخرى. ولا یسعنی هنا إلاّ أن أتقدم بجزیل الشكر لجمیع الإخوة الأعزاء الذین مدوا ید العون فی المراحل المختلفة، سائلاً المولى تعالى توفیق الجمیع للتحلی بالصفات الأخلاقیة السامیة واجتناب الرذائل والصفات القبیحة، آمین یاربّ العالمین.

ربّنا تقبل منّا إنّك أنت السمیع العلیم

قم ـ الحوزة العلمیة

أبوالقاسم علیان نجادی

صیف عام 2001 م

 

1. شروع الأعمال كافة باسم الله

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «كل أمر ذی بال لم یذكر فیه اسم الله فهو أبتر».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 73، ص 305 و ج 89، ص 242 .

 

 

 

 

 الشرح والتفسیر::

 

هنالك تأثیر لذكر الله فی جمیع أعمال وأقوال الإنسان، وللغفلة عنه نتیجة سلبیة. ولذلك ورد الحثّ فی هذه الروایة الشریفة على ذكر الله فی كل عمل، ومن الواضح أنّ المراد من ذكر الله واستهلال جمیع الأعمال بذكره لا یعنی الإقتصار على التلفظ بالبسملة، بل الهدف أن یكون لله تعالى حضور فی جمیع أعمالنا، ومن هنا جاء فی هذه الروایة وخلافاً للروایات المشابهة «لم یذكر» بدلا من «لم یبدأ»(1).

حیث لا تقتصر ضرورة ذكر الله على بدایة العمل، بل على استمراریته.

_______________________

1 . الجامع الصغیر، ج 2، ص 277، ح 7284.

 

 

 كیف تذكر الله؟

هنالك أنواع لذكر الله واستحضار خالق عالم الوجود، وأفضلها أن یعلم الإنسان بأنّه وجود تابع یعجز عن مواصلة حیاته لبرهة دون الإعتماد على الله. وتبعیتنا نحن البشر، بل  جمیع الكائنات فی عالم الوجود، لله تعالى، كتبعیة شعاع المصابیح لمصدر الطاقة والذی یعتمد علیه ویحتاجه بدایةً واستمراراً. فإن بلغ الإنسان هذه المرحلة من ذكر الله وعدم الغفلة عنه عاش حالة من الطمأنینة القلبیة والروحیة فلا یفكر بالإعتماد على أحد سوى الله فیستحیل علیه مقارفة الذنب والمعصیة; ذلك لأنّ هذا الإنسان یرى نفسه دائماً فی محضر الله ویدرك أن جمیع النعم وبالتالی جمیع وجوده منه تعالى، ومن المؤكد أنّ مثل هذا الإنسان لا یتلوث بالمعصیة، فالمعاصی تهجم على الإنسان حین یغفل عن الله(1). فمن عاش ذكر الله دائماً جانَبَ المعصیة.

_______________________

1 . راجع الاخلاق فی القرآن، ج 2، ص 324، المباحث المتعلقة بالغفلة ومنها: عوامل الغفلة، العواقب الوخیمة للغفلة، علامات الغفلة، طرق القضاء على الغفلة، الغفلة الایجابیة والسلبیة وسائر المباحث.

 

 

 2. إختلاف آثار العفو

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «العفو یفسد من اللئیم بقدر إصلاحه من الكریم».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 419.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

یمكن تفسیر هذا الحدیث الشریف بصیغتین.

الصیغة الأولى: إنّ الإنسان الكریم حین یعفو عن شخص مذنب ویصفح عنه یحظى بحبه; لأن عفوه ممزوج بالكرم والتواضع، لكن عفو اللئیم والوضیع مدعاة للإفساد لأنّه مقرون بالمنّ والأذى وهذا فی الواقع مصداق من مصادیق: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَیْرٌ مِّنْ صَدَقَة یَتْبَعُهَا أَذىً وَاللهُ غَنِىٌّ حَلِیمٌ)(1).

الصیغة الثانیة: كان العفو فی التفسیر الأول من «الكریم» تارة و«اللئیم» تارة أخرى والذی كان أثران مختلفان بإلنسبة للمعفو عنه، أمّا فی التفسیر الثانی فالعفو والصفح تارة بشأن الشخص «الكریم» وأخرى الشخص «اللئیم» الخاطىء الذی حظى بالعفو. وطبق هذا التفسیر یكون معنى الروایة: إن حظى الإنسان الكریم الخاطىء بالعفو أدى ذلك إلى صلاحه، أمّا العفو عن الإنسان اللئیم والوضیع فلا یقتصر على عدم إصلاحه، بل یستغل  ذلك العفو فیصبح أكثر جرأة فیوغل فی الفساد، وعلیه فنتیجة هذا العفو الإفساد. والرسالة الأخلاقیة لهذه الروایة تبیّن أنّ العفو یجرى وفق نظام، فحین فتح النبی الاكرم(صلى الله علیه وآله) مكة أصدر عفوا عاما(2). فكان لذلك العفو بالغ الأثر الإیجابی على غالبیة أهل مكة، بینما استثنى بعض الأفراد الذین أبوا الإصلاح وأمر بقتلهم. قال تعالى بشأن ثمرة هذا العفو العام: (یَدْخُلُونَ فِی دِینِ اللهِ أَفْوَاجاً)(3). فكان هذا الإقبال العام على الإسلام دون أدنى إجبار وإكراه ثمرة عفو وصفح نبی الإسلام(صلى الله علیه وآله). وهذه القضیة درس للجمیع ولا سیّما قادة المجتمع. وقد طرحت مسألة العفو والصفح بصورة واسعة فی آیات القرآن الكریم والروایات، ولا یسع المقام ذكر تلك الآیات والروایات(4).

_______________________

1 . سورة البقره، الآیة 263.

2 . بینات، ج 2، ص338.

3 . سورة النصر، الآیة 2.

4 . راجع میزان الحكمة، ج 6، ص 358.

 

 3. الآثار المهمة للاذكار

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یا كمیل قل عند كل شدّة «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلی العظیم» وقل عند كل نعمة «الحمد لله» تزدد منها، وإذا أبطأت الأرزاق علیك «فاستغفر الله» یوسع علیك فیها».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص270.

 

 

 الشرح والتفسیر :

 

إنّها نصیحة معلم عظیم كعلی(علیه السلام) لتلمیذ مستعد مثل كمیل بثلاثة أذكار رفیعة لثلاثة أهداف كبیرة. نعم فلدى المعصومین(علیهم السلام)كل شیء حتى الأوراد والأذكار ولا حاجة بهم للآخرین. فهنالك آثار مهمّة لهذه الأذكار الثلاثة المذكورة فی الحالات الخاصّة الواردة فی الروایة; المهم الالتفات إلى هذه النقطة وهی أنّ «الذكر لیس مجرد لقلقة لسان» وعلیه إن لم نلتفت إلى مفهوم هذه الأذكار الرفیعة ولم نطبق مضامینها على صعید المجتمع فسوف لن نظفر بتلك الآثار. فمعنى الذكر «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله» أنّ القدرات كافّة بید الله وهو حلاّل جمیع المشاكل وكل ما فی الوجود منه. فإن صدقنا بهذا المعنى وطرقنا بالنتیجة بابه بكل كیاننا وترسیخ إیماننا بهذه المفاهیم، إن إعترتنا حالة أشبه بحالة الغریق فی البحر بأن لا نفكر بقوّة أخرى سوى قوّة أخرى سوى قوة الله فإنّه سیكفینا فی مشاكلنا. ورسالة الذكر «الحمد لله» أن لا نغتر بما ننال من نعمة ویجب أن نثق أنّها حقّاً من الله فلا نُسیء الانتفاع بها والبخل بها فإن تلك النعمة سوف تزداد. وهكذا الذكر الثالث «أستغفر الله» فمعنى الإستغفار أن لانعود إلى الذنب، فالذنب أحد عوامل المعضلات الاقتصادیة فی المجتمع، والمجتمع العاصی سیكون مجتمعاً فقیراً(1). طبعاً بروز هذه المعضلات حین المعصیة هی إنذار للمؤمنین. وعلى ضوء هذه النظرة فإنّ ظهور المشاكل المذكورة بحد ذاته نعمة، ومن هنا أوكل الله تعالى الكفّار لأنفسهم ولیس لهم من نذیر لیوقظهم من غفلتهم حتى یغرقوا فی آثامهم.

_______________________

1 . للوقوف على المزید بشأن آثار المعاصی فی الدنیا راجع الكتاب المحقق حول صلاة الاستسقاء، ص81، فصاعداً.

 

 

 4. آداب البیع والشراء

 

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ولیكن البیع بیعاً سمحاً بموازین عدل واسعار لاتجحف بالفریقین من البایع والمبتاع فمن قارف حكرة بعد نهیك إیاه فنكل به وعاقبه فی غیر إسراف».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الرسالة 53، (عهد الإمام علی(علیه السلام) إلى مالك الأشتر).

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

هنالك ثلاث مشاكل تهدد المجتمع الإسلامی:

1- الغزو الثقافی للعدو الذی استهدف بقسوة عقائد المجتمع الإسلامی وآدابه وسُننه.

2- بث الفرقة فی الصفوف المتراصة للمسلمین والذی یعد من الوسائل القدیمة للأعداء.

3- التضخم والغلاء الفاحش الذی یُسبّبه سوء الإدارة أو مخططات الأعداء.

ولابدّ من الإلتفات إلى النقاط التالیة بشأن المشكلة الثالثة التی تشكل موضوع الروایة المذكورة:

أ) یمكن تحمل التضخم والغلاء اقتصادیاً فی حده المعقول والمتعارف. أمّا الأسعار الآنیة والقیمة المضطربة المتغیرة كل حین فهی نوع من الفوضى والإرباك الاقتصادی. وهنا  یتوجب على الحاكم الشرعی الوقوف بوجه هذه المشكلة وإیجاد الحلّ لها.

ب) إنّ ید المشرّعین لیست مغلولة من الناحیة الشرعیة، فما یقال إنّه لیس للسلعة من حد معین، بل یتبع اتفاق البائع والمشتری إنّما یتعلق بالظروف الاقتصادیة الاعتیادیة، لكن تستطیع الحكومة الإسلامیة تحدید ثمن السلع فی الظروف غیر العادیة، وإلاّ فإنّ الناس سیُعاقبون من استغلال البائعین لهم. وعلیه یمكن تشخیص أسعار السلع ومعاقبة المسیئین طبق العناوین الثانویة وفی ظلّ الشرائط الاقتصادیة الخاصة، بل یستفاد من الروایة الواردة ضرورة إشراف الحكومة الإسلامیة بالعنوان الأولی على الأسواق وتنفیذ التعزیرات الشرعیة فی المتجاوزین.

 

ج) لابدّ أن یتعاون الناس فی هذه الظروف الحساسة ویهبوا عملیاً المواجهة الباعة المستغلین وذلك بالامتناع عن شراء السلع الغالیة.

د) القضیة الأخیرة أنّ الحكومة الإسلامیة ینبغی أن لا تغیر أسعارها على الأقل فی الوقت الذی یضغط فیه صعود الأسعار على أبناء المجتمع. وهكذا یمكن السیطرة على الغلاء بغیة الحفاظ على الإسلام والثورة من خلال رعایة الأمور الأربعة المذكورة.

 

 5. طول الأمل

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ما أطال أحد الأمل إلاّ نسی الأجل وأساء العمل».(1)

_______________________

1 . غرر الحكم ودرر الكلم، ج 6، ص 101، ح 9676.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

نعم، فطول الأمل یصیب الإنسان بسوء السلوك وقبح العمل وینسیه الأجل. طبعاً هنالك «رجاء» و«أمل» والأول إیجابی والمراد منه الأمل البناء، بینما قد یكون للأمل معنى سلبی وغیر بنّاء. وقد خاض الإمام علی(علیه السلام) فی هذه الروایة العمیقة المعنى فی أحد الأبعاد السلبیة للأمل ویذكر تأثیره السیىء على أعمال الإنسان.

سؤال: لم كان «طول الأمل» سیئاً لهذه الدرجة؟

الجواب: إنّ لزخرف الدنیا المادی جاذبة قوّیة من بعید، لكنّه سرعان ما یفقد هذه الجاذبیة حین یقترب منه الإنسان ویعتاد علیه. كالمخدرات التی لها جاذبة لبعض الأفراد قبل تعاطیها، أمّا إن أدمنوها لم تعد لها من جاذبیة لدیهم، ولابدّ من أن یضاعفوا من مقدارها حتى تقذف بهم فی لهوات الموت. فالشخص المستأجر والذی یعانی من المشاكل یتمنى أن یظفر ببیت مهما كان صغیراً حیث تكون له جاذبة خارقة لدیه، فإن حصل علیه یصبح عادیاً بعد مدّة قصیرة فیأمل ببیت أكبر وإمكانات أوسع، ثم لا یقتنع بذلك فیفكر كلّ یوم ببیت أوسع. وعلیه فلیس للآمال من حدود، ولذلك إن أراد الإنسان تحقیق جمیع آماله وجب علیه أن یوظف جمیع طاقاته لبلوغها، ومن الطبیعی أن لا یعد لدیه من وقت وقوّة یوظفها للآخرة. ومن هنا تواترت روایات المعصومین(علیهم السلام) التی تذم طول الأمل والذی اعتبر مدعاة لنسیان الآخرة(1).

وینبغی الإنتباه لهذا الموضوع حیث إنّ زیادة النعمة التی تتطلب عادة آمالاً طویلة لتحصیلها قد تكون أساس الشقاء فی أغلب المواضع «مرّ رسول الله(صلى الله علیه وآله) براعی إبل فبعث یستسقیه فامتنع. فقال رسول الله(صلى الله علیه وآله): اللهم أكثر ماله وولده. ثم مر براعی غنم آخر فبعث إلیه یستسقیه فحلب له ما فی ضروعها. فقال رسول الله(صلى الله علیه وآله): اللهم اُرزقه الكفاف. فسأله بعض أصحابه عن هذا الدعاء؟ فقال(صلى الله علیه وآله): إنّ ما قلّ وكفى خیر ممّا كثر وألهى»(2).

_______________________

1 . جاء عن الامام علی(علیه السلام) أنّه قال: طول الأمل ینسی الآخرة» الأخلاق فی القرآن، ج 3، ص 188.

2 . بحار الأنوار، ج 69، ص 61، ح 4.

 

 6. ثمن الجنّة

 

 

قال الإمام علی(علیه السلام) لرجل سأله أن یعظه:

«لا تكن ممّن یرجو الآخرة بغیر العمل، ویُرجیء التوبة بطول الأمل، یقول فی الدنیا بقول الزاهدین ویعمل فیها بعمل الراغبین».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 150.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

حقاً إنّ كلمات الإمام علی(علیه السلام) رائعة وهذه العبارة من أروعها. فقد اختزنت هذه العبارة ثلاث وصایا مهمّة تتضمّن خیر الدنیا والآخرة للفرد والمجتمع:

1. إنّ الجنّة لا تعطى عبثاً ومجرّد الكلام دون العمل لا ینجى الإنسان. ومجرّد ادّعاء حب الدین والولایة وأئمّة الدین لا یحل عقدة من مشاكلنا ولیس هنالك من أمل بالاستقرار والراحة فی عالم الآخرة بلقلقة اللسان ومجانبة العمل. فادّعاء محبة وموالاة أهل البیت(علیهم السلام)یكون مجدیاً حین یقترن بالأعمال الصالحة بحیث لو ارتكبنا زللاً وخطأ أمكن تلافیة بالولایة والشفاعة وما شابه ذلك. ویتضح ضمنیاً من المطالب المذكورة مدى الخطأ الذی علیه من یدعی حبّ أهل بیت النبی(صلى الله علیه وآله)ولیس لدیه أی زاد من الأعمال الصالحة.

 

 2. لا تنسجم التوبة والإنابة إلى الله مع طول الأمل ـ سیما أن لیس للإنسان أی علم بمستقبله ولا یدرى متى یموت. ترى كیف یطیل الأمل مَن لا یدری أحیّ هو أم میّت بعد لحظة؟! أم كیف یستطیع التوبة من یطیل الأمل؟! إنّ الأجل إنذار خطر ودواء ناجع لعلاج هذا الداء. فلمّا حل أجل نبی الله سلیمان(علیه السلام) قبض واقفاً ولم یؤذن له بالجلوس(1). وعلیه فلا ینبغی أن نؤخر التوبة بطول الأمل.

3. الموعظة الثالثة للإمام(علیه السلام): لا تكن ممّن یختلف قوله عن فعله. فهناك من یتحدث عن الدنیا وكإنّه زاهد وتارك للدنیا، بینما هو مُكبّ على الدنیا ومتعلق بها، فاسع إلى أن ینسجم قولك مع عملك. یا ویلی إنّ لسانی یحبّ علیّاً بینما عملی كعمل معاویة! أتحدث عن المعنویة وعبادة الله والروحیات لكنی أغرق فی بحر المادیة وعبادة زخارف الدنیا! من هم الراغبون فی الدنیا؟ إنّهم أولئك الذین وقفوا على مفترق طریقین فولّوا ظهورهم لله وأقبلوا على الدنیا. فالناس حین یبلغون مفترق طرق یكونون طوائف:

الأولى: الأفراد الذین اختاروا الدنیا بصورة عمیاء وهجروا الله.

الثانیة: الأفراد الذین زهدوا فی الدنیا واختاروا سبیل الآخرة.

والثالثة: الأفراد المترددون الشكاكون مثل عمر بن سعد الذی كان یبغی ملك الری بثمن قتل الامام الحسین(علیه السلام)ویطلب الجنّة، فینبغی لنا أن نمتحن أنفسنا حین یقع النزاع بین عقولنا وأنفسنا الأمّارة بالسوء لندرك من أیة طائفة نحن.

_______________________

1 . التفسیر الامثل، ج 18، ص 44 وتأریخ الأنبیاء، ص 197.

 

 

 7. حریة الإنسان

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «أیّها الناس إنّ آدم لم یلد عبداً ولا أَمةً وإنّ الناس كلّهم أحرار».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 2، ص 351، الباب 779، ح 3556.

 

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

عامّة الأمّة مخاطبة من قِبل الإمام بهذه الروایة، لأنّه لم یخاطب طائفة معینة، بل خاطب جمیع أبناء الإنسان، فخطاب «یا أیّها الناس» فی المواقع التی لهابعد حقوق الإنسان، بینما هنالك بعد حقوقی إسلامی فی خطاب «یاأیّها الذین آمنوا». فالناس جمیعاً أحرار طبق هذه الروایة وقد ابتنى خلق الإنسان على الحریة والتحرر من عبودیة غیر الله. وإن نقضت هذه المادة فی موضع فلها بعد استثنائی. فحریّة الإنسان طرحت من قبل الإسلام قبل أكثر من 1400 سنة وهی جدیرة بالتأمل; لأنّ الحریة لم تكن قضیة أساسیة ومتعارفة آنذاك، خلافاً لما علیه الیوم حیث أصبحت قیمة الحریة قضیة بدیهیة. فأصل ضرورة الحریة موضوع واضح، بل من البدیهیات التی تحظى بقبول الجمیع وتسعى لنیلها جمیع الشعوب الخاضعة لسیطرة المستعمرین. وهنالك أمران لابدّ من تأملهما والتوقف عندهما:

1. لم كانت الحریة قیمة؟ ماذا لو غابت الحریة؟ وماذا سیكون لو كانت؟ للأسف أنّ فلسفة الحریة قلّما نوقشت. ففلسفة الحریة واضحة: للإنسان قوى وقابلیات ولا یسعه تفجیر هذه الطاقات إلا بزوال ما یعترضه من عقبات، فیستطیع تحصیل العلم والمعرفة بحریة ویندفع نحو التكامل، ویقوم التكامل على دعامتین:

أ) الاستعدادات الباطنیة.

ب) إنتفاء المانع. وعلیه فإنّ فلسفة حریّة الإنسان استفادته من استعداداته وقابلیاته الباطنیة. ومن الواضح أنّ ازادهار استعدادات الإنسان الباطنیة یتحقق بصورة أفضل فی الوسط الحر. فلیس هنالك من مجال للمقارنة بین حیاة نبات فی مزهریة وحیاة نبات فی أرض زراعیة.

2. مانوع الحریة المطلوبة؟

یتضح مما مرفی النقطة الأولى أن النوع المطلوب من الحریة هو ما كان فی مسار تكامل الإنسان. وعلیه فإنّ فلسفة الحریة تبیّن حدودها، ذلك لأنّ الحریة على أنواع:

1. الحریة المطلقة; ولیس لهذه الحریة من وجود سوى فی الغابات وبین الحیوانات الوحشیة لا غیر. فلكلّ أن یفعل ما یشاء فی هذه الأمكنة، ومن الواضح أنّه لیس هنالك مَن یتبنى هذه الحریة.

2. الحریة ضمن نطاق القوانین البشریة التی تتغییر وتتأول على الدوام، فحریة من لا یؤمن بالدین ولكنّه یقرّ بالقانون لابدّ أن تكون فی إطار القانون وواضح أن لا تناقض بین القانون والحریة، بل القانون یصونها.

3. الحریة فی نطاق القیم الشرعیة; كحریة أتباع الأدیان الإلهیّة فی إطار القیم الدینیة، فهؤلاء لا یأذنون قط بانتهاك حرمة هذه القیم والمثل باسم الحریة.

من البدیهی أنّ الحریة من النوع الأول لیست مطلوبة من قِبل أحد من الناس، والنوع الثانی أساس أنواع المشاكل والمصائب. والنوع الثالث فقط هو الذی یسعه ضمان سعادتنا والثوب الذی یسع قامة الإنسان.

 

 

 8. رحى جهنم

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «إنّ فی جهنّمَ رحى تطحن، أفلا تسألوننی ما طحنها؟ فقیل له: فما طحنها یا أمیرالمؤمنین؟ قال: العلماء الفجرة، والقرّاء، الفسقة، والجبابرة الظلمة، والوزراء الخونة، والعرفاء الكذبة...»(1).

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 2، ص 173، الباب 620، ح 2922.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

كفى بنار جهنّم للآثمین عقوبة، النار: (الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الاَْفْئِدَةِ)(1).

غیر أنّ یعض أصحاب النار ومنهم الفئات الخمس المذكورة یضاعف لها العذاب، وسبب ذلك أنّهم استغلوا مواقعهم. التفت إلى مضمون الحدیث:

«إنّ فی جهنّم رحى تطحن»: هذه الرحى تطحن خمس جماعات من الناس. فقیل: ما طحنها یا أمیرالمؤمنین؟ فقال(علیه السلام):

1. العلماء الفجرة: الفئة الاُولى من العلماء الذین یحملون المصابیح والموثوق بهم فی الدین والإیمان والعقیدة، والعالم الفاجر والمنحرف كالسارق الذی یحمل مصباحاً بیده حیث یسرق ما یشاء ویختار ما یرید. وقد حذّر الإمام الحسن العسكری(علیه السلام) فی روایة من أن خطر هؤلاء العلماء یفوق خطر عسكر یزید(2).

2. والقرّاء الفسقة: والفارق بین العلماء الفجرة والقرّاء الفسقة أنّ القرّاء كانوا یقتصرون على تعلیم الناس القرآن، أما العلماء الفجرة فهم معلّموا الناس سائر العلوم. وإنّ فسق هؤلاء یضاعف الخطر وحیث إنّ مواقعهم مهمّة ویتعاملون مع أرواح الناس وقلوبهم ولا سیما أنّهم یتعاملون مع الشبّان فإنّ عذابهم شدید.

3. والجبابرة الظلمة: هؤلاء هم الفئة الثالثة الذین تطحنهم رحى النار; ویأتی خطر هذه الفئة بعد العلماء الفجرة والقرّاء الفسقة، لأنّ أولئك یغیرون عقائد الناس، أمّا الجبابرة الظلمة فیسومون الناس الظلم والجور.

4. والوزراء الخونة: هؤلاء أیضاً ممّن تطحنهم الرحى، وسبب نعت الوزراء بالخیانة والجبابرة بالظلم لأنّ هؤلاء الوزراء یخونون زعمائهم ویصورون لهم الضلال هدى بالاضافة إلى خیانتهم أنفسهم وأمتهم.

5. والعرفاء الكذبة: المراد من العرفاء هنا الخبراء. وعلیه فإنّ الفئة الخامسة هم أهل الخبرة والاختصاص الكذبة. وتشمل هذه العبارة جمیع الوسائل الإعلامیة المشوبة نوعاً ما بالكذب وعرض ما یخالف الحقیقة; الوسائل التی ینبغی أن تری الحسنات والمعروف والصراط المستقیم، لا أن تطرح الأكاذیب وتروج التحلل وتستغفل الناس وتلقی بهم فی الشبهات والأضالیل ویتضح ضمنیاً من هذا الحدیث أنّ المجتمع یدور حول محور هذه الفئات الخمس، فإن صلحت هذه الفئات صلح المجتمع، وإن انحرفت فسد المجتمع. ونقطة انحرافها تكمن فی تقدیم المصالح الشخصیة على المصالح الاجتماعیة والقیم المادیة على المثل الدینیة.

_______________________

1 . سورة الهمزة، الآیة 7.

2 . راجع شرح هذه الروایة فی الامثال القرآنیة، ج 1، ص 230.

 

 9. الآفات

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «لكلّ شیء آفة».

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

لكل شیء فی عالم الوجود كما ورد فی هذه الروایة آفة أو آفات; أی أنّ جمیع كائنات العالم عرضة للآفة ولا استثناء فی ذلك. على سبیل المثال ما أعظم الآفات والاضرار التی تصیب أجسامنا نحن الناس. فأنواع الأمراض التی یتجاوز تعدادها الآلاف تهدد صحتنا على الدوام. ومن هنا كانت هنالك عدة فروع طبیة لمعالجتها، حتى أن آفات عضو معین (كالعین مثلاً) على درجة من الكثرة بحیث یتعذر أن نرى فی العالم جمیعاً طبیباً متخصصاً بجمیع أمراض العین; بل هنالك عدّة اختصاصات فی العین. وروح الإنسان كذلك; وهكذا النباتات والحیوانات والمجتمع البشری وبالتالی فلكل شیء آفة. وعلى ضوء هذا الأصل الكلی والعام لابدّ من مراقبة الآفات فی كل نجاح وموفقیة، وبخلافه یبقى ذلك النجاح والانتصار مهدداً بالأخطار. وقد واصل الإمام(علیه السلام) كلامه فبیّن آفات ما یقارب ثلاثین نعمة، نكتفی هنا بالإشارة إلى أربع منها:(1)

 1. «آفة الورع قلة القناعة»(2) الأمر الذی یقذف بالإنسان فی الحرمات، ویجعله حریصاً على استغلال الأموال المشتبهة، والشیء الذی یسوق الأفراد ضعاف الإیمان إلى ترك الخمس والزكاة، والشیء الذی یجعل الإنسان یفعل كل شیء لجنی كثیر من الأموال. ولو اقترنت حیاة الإنسان بالقناعة لسهلت إدارتها. جاء فی سیرة هارون الرشید أنّه كان ینشر فی حفلة زفاف أحد أولاده بعض الأوراق التی كتب على كل منها ملكاً معیناً بدلاً من نشر العملات.(3) ومن الواضح أنّ الشخص إذا أراد أن یفعل هذا الأمر لا یسعه القناعة بالحلال، بل یضطر لممارسة الغصب والسرقة وسائر الأعمال الفاحشة، بینما لا یقارف مثل هذه الأعمال لو عاش القناعة.

2. «آفة القوی استضعاف الخصم»(4) فآفة ذوی القوة والقدرة والمجتمعات المقتدرة الاستخفاف بالأعداء. لا تقل: الغزو الثقافی لیس بمهم! لا أهمیّة لتلك الصحیفة إن مارست الإهانة! لیس هنالك من تأثیر لو انحرف الفلم الفلانی و...; لأنّك إن استصغرت العدو تلقیت صفعته.

3. «آفة الدین الهوى»(5) فآفة الدین شیء باطنی یدعى هوى النفس.

4. «آفة العقل الهوى»(6) فهوى النفس یشل عقل الإنسان ویجعل الإنسان عظیم الزلل. والهوى یصبح حجاباً. فعبادة الهوى وعبادته آفة الدین وآفة العقل. نعم فلكل شیء آفة، ولابدّ من التعرف على الآفات بغیة مواجهتها.

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 1، ص 110، الباب 97، ح 514.

2 . میزان الحكمة، ج 1، ص 111، الباب 97، ح 537.

3 . الاخلاق الاسلامیة فی نهج البلاغة، ج 1، ص 118.

4 . میزان الحكمة، ج 1، ص 111، الباب 97، ح 541.

5 . المصدر السابق، ص 110، الباب 97، ح 513.

6 . المصدر السابق، ص 111، الباب 97، ح 526.

 

 10. هل الأكثریة معیار مطلق؟

 

 

قال الإمام علی(علیه السلام):«أیّها الناس لاتستوحشوا فی طریق الهدى لقلّة أهله».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 201 .

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

إحدى آفات عقل الإنسان استسلامه للأكثریة فی المجتمع والذی ورد النهی عنه فی الآیات القرآنیة وروایات المعصومین(علیهم السلام); بل ورد فی بعض هذه الآیات مدح الأقلیة وذم الأكثریة، مثلا جاء فی الآیة الشریفة 116 من سورة الأنعام: (وَإِنْ تُطِعْ أَكثَرَ مَنْ فِی الاْرض یُضِلُّوك عَنْ سَبِیلِ اللهِ). أضف إلى ذلك فقد وصفت هذه الأكثریة فی أكثر من عشر آیات بالجهل وفی خمس بالجحود وفی أربع بفقدان الإیمان. وبالنظر لما یستفاد ممّا ورد فی الآیات والروایات من ذم الأكثریة، ومن جانب آخر یطالعنا الكلام فی عالمنا المعاصر عن الأكثریة وأنّ معظم القضایا المصیریة الیوم تدور حول محور الأكثریة، ترى ما هو المعیار؟ الجواب: إنّ المجتمعات البشریة مختلفة، فالمجتمع الذی یتولّى إدارة شؤونه الصلحاء تكون التقوى والصلاح فی تبعیة الأكثریة، أمّا إن تولّى ذلك عبدة الأهواء فإنّ الإسلام لا یوصی قط باتباع الأكثریة العابدة للأهواء، لأنّ ذلك لا ینسجم مع العقل والمنطق. بعبارة أخرى إنّ  الإسلام یدعو إلى اتّباع الأكثریة الكیفیة لا الأكثریة الكمیة! ومن هنا قال تعالى فی الآیة الشریفة السابقة من سورة هود والثانیة من سورة الملك: (لِیَبْلُوَكمْ أَیُّكمْ أَحْسَنُ عَمَلا)ولم یقل «أكثر عملا» لأنّ الأكثریة الكیفیة هی المهمّة لا الكمیة! ولكن ینبغی الالتفات إلى هذه النقطة وهی أنّ مسألة اتّباع الأكثریة فی عالمنا المعاصر سبیل بائس! حیث لا یوجد فی المجتمعات غیر الدینیة معیار للأكثریة الكیفیة، والجمیع یدّعون أنّهم الأفضل. وعلیه فهم مضطرون للعمل طبق رأی الأكثریة لحفظ نظام المجتمع; وإن كان العالم والمدیر والمدبّر بمقتضى ذلك على رأی واحد، والفرد الأمی والجاهل على رأی واحد كذلك! وعلیه فالآیات المذكورة وأمثالها لیست بشأن المجتمع الصالح والسلیم.

لا ینبغی أن نتبع الأكثریة فی سلوكنا الأخلاقی، وإن اضطررنا للإتباع فی حیاتنا السیاسیة. وعلیه لو أكلت اكثریة الناس على الأرض المال الحرام ولم تتورع عنه فلا ینبغی أن نتبع هذه الأكثریة. ولو كذبت هذه الأكثریة حین تتعرض مصالحها الشخصیة للخطر فلا ینبغی أن نفارق صف الجماعة الصادقة بحجة كوننا أقلّیة ونخشى قلّة الصادقین فنلتحق بصف الكاذبین. فالإنسان المؤمن لابدّ أن یكون مستقلا فی المسائل الأخلاقیة، أی لو تلوث جمیع من على الأرض (فرضاً) بالخمر فلا ینبغی له أن یستوحش من وحدته فی هذا المسیر ویحتذی بمنطق «حشر مع الناس عید» أو یقول: «من یقول الصدق لنصدق نحن؟».

وما شابه ذلك; ذلك لأنّ هذه الأعذار لیست مقبولة یوم القیامة فالإنسان یعیش الصلاح ویطوی مسیرته إلى الله حین لا یصغى لما یقوله الآخرون، بل یرى ماذا یقول الله. اللهم اجعلنا من سالكی طریق الحق، وأزِل عنّا وحشة الوحدة فی هذا الطریق.

 

 

 

 11. الإحسان

 

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «نعم زاد المعاد الإحسان إلى العباد».(1) وقال فی روایة أخرى: «رأس الإیمان الإحسان إلى الناس».(2)

_______________________

1 . غرر الحكم، ج 6، ص 161، ح 9912.

2 . غرر الحكم، ج 4، ص 52، ح 5253.

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

إنّ إحدى بركات الحكومة الإسلامیة «عید العواطف»، «عید الإحسان»، «مشروع الإكرام» وسائر المشاریع المشابهة التی یهب فیها المجتمع لمساعدة الطبقات الفقیرة. لا شك فی أنّ مساعدة الآخرین من العبادات المهمّة، بل واحدة من أهم العبادات. ومن هنا وصف الإمام علی(علیه السلام) هذا العمل فی الروایة الأولى أنّه أفضل متاع وزاد عالم الآخرة. ولو ضممنا هذه الروایة للآیة الشریفة: (تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزَّادِ التَّقْوَى).(1) لا تضح أنّ الإحسان ولید التقوى والتقوى ولیدة الإحسان. وعلیه فالدافع الأصلی للناس من المساعدة ینبعث من التقوى والإیمان، والواقع هو أنّ الإسلام أقوى مشجع على الإحسان. وتضمنت الروایة الثانیة علاقة الإحسان بالإیمان، فالإنسان الضعیف الإیمان لا یحسن، بینما المؤمنون الأقویاء  هم أهل الإحسان. والطریف أنّ الإحسان لم یطرح فی هذه الروایات لیقتصر على المسلمین والمؤمنین، بل ورد فی إحداها الإحسان إلى عباد الله وفی الاُخرى الإحسان إلى الناس، ومفهوم ذلك أنّ الإحسان یوجب مضاعفة الإیمان والتقوى وإن كان للفقراء والمحتاجین غیر المسلمین، لأنّ الله یحبّ جمیع عباده ومن أحبّ عبادالله فقد أحبّ الله. ولذلك فالإحسان لكل محتاج مشروع ومطلوب.

_______________________

1 . سورة البقرة، الآیة 197.

 

 

 آثار الإحسان

 

للإحسان تأثیران; تأثیر فی المحسن وتأثیر فی المحسن إلیه، والتأثیر على المحسن یفوق نظیره على المحسن إلیه (خلافاً للمتصور عادة ومن هنا اقترن الإحسان فی أغلب الموارد بالمن والأذى). والجدیر ذكره أنّ القرآن عبر عن الزكاة التی تعد نوعاً من الإحسان «تطهرهم» و«تزكیهم»(1); أی أنّ الإحسان یؤدی إلى طهارة وتزكیة المحسن ویسهم فی تعالیه الخلقی وزوال الصفات الذمیمة والرذائل. والشاهد على ذلك ما ورد فی الروایة من أنّ الصدقة تقع بید الله قبل أن تصل الفقیر.(2) كما تدل على ذلك آیة الإنفاق(3) حیث یؤدی الإنفاق إلى سمّو وتكامل المنفق. النقطة الأخیرة أنّ الإحسان لا یختزن الطهارة الفردیة فحسب، بل یؤدّی إلى الطهارة الاجتماعیة; لأنّ أحد أهم عوامل المعاصی الاجتماعیة هو الفقر، فإنّ طوی الفقر فی ظلّ الإحسان طهر المجتمع.

_______________________

1 . وردت هاتان العبارتان فی الآیة الشریفة 103 من سورة التوبة.

2 . صحیح مسلم، ج 2، ص 702; نقلاً عن أمثال القرآن، ج 1 ص 109.

3 . سورة البقرة، الآیة 261.

 

 

 12. الأخلاق وكنوز الأرزاق

 

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «فی سعة الأخلاق كنوز الأرزاق».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 3، ص 151، الباب 1114، ح 5079.

 

الشرح والتفسیر

 

حین بلغنا البحث حول صفة «حسن الخلق» فی تفسیر الأخلاق فی القرآن، ج 3، ص135 رأینا سعة هذا البحث، ورغم مطالعاتنا السابقة حول هذا الموضوع فقد وجدنا عبارات فی القرآن والأحادیث قلّما وردت فی مسألة أخرى. بعبارة أسهل فإنّ حسن الخلق والبشاشة والأدب وحسن التصرف مع الناس من أسس الإسلام. والروایات الكثیرة بتعبیراتها الرائعة الفریدة وتؤكد أنّ رسول الله(صلى الله علیه وآله) كان یولی فائق الأهمیّة لحسن الخلق. وللأسف لم تلق هذه المسألة تلك الأهمیّة فی الأوساط الإسلامیة بل عمل على العكس منها، حتى ظن البعض أنّ الفرد الملتزم لابدّ أن یكون عبوساً وعنیفاً وجافاً ! والحال هذا خطأ كبیر. الواقع ماورد فی هذه الروایة إحدى الفوائد الدنیویة للأخلاق الحسنة. وقد دلت التجربة على أنّ من حسنت أخلاقه حسنت معیشته وحیاته. وقد اطّلعنا على إحصاء عن كیفیة كسب وعمل بعض الكسبة یفید أنّ الكسبة الحسنی الخلق كانوا موفقین بنسبة 70% وسیىء الخلق بنسبة 30%; ای ان 40% حصة حسن الخلق! ذلك لأنّ حسن الخلق یجذب  الناس وسوء الخلق یطردهم. فلابدّ أن یتحلى جمیع المسلمین سیما من یتعامل مع الناس بالبیع بحسن الخلق، فحسن الخلق یعمر المجتمع ویؤدّی إلى طول العمر، حیث ورد فی الحدیث «إن البرّ وحسن الخلق یعمران الدیار ویزیدان فی الأعمار»(1).

سؤال: لماذا یوجب حسن الخلق سعة الرزق؟

الجواب: إنّما یشترى الإنسان سلعة من الكاسب فی المثال المذكور حین یثق به. فإن شك فی كاسب وضعفت ثقته به هرب منه وعلیه لابدّ للكاسب أن یحظى بثقة المشتری وأحد طرق ذلك المعاملة الحسنة، فالمشتری یرى حسن الخلق للبائع نابع من أمانته وصدقه وثقته. نقل شخص انی ذهبت للعلاج فی أحد بلدان الغرب، وبعد العلاج والمعاملة الحسنة والاستقبال الرائع طلبت قائمة الحساب، فقالوا لی بمنتهى الأدب والاحترام: لا تعجل بهذا الخصوص عد سالماً إلى إیران وسنرسل لك قائمة الحساب ولك أن تضع المبلغ المطلوب برقم الحساب المذكور أسفلها. وبالمقابل هنالك بعض المستشقیات فی بلداننا الاسلامیة لا یستقبلون المریض مالم یدفع النقود، فأین هذا من ذاك؟ للأسف ما كان یخشاه الإمام علی(علیه السلام) ـ سبق الآخرین للعمل بالإسلام ـ تحقق فی بعض الأمور.

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 3، ص 151، الباب 1114، ح 5077.

 

 

 13. العرفان بالقیمة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «لیس مَن ابتاع نفسه فأعتقها كمن باع نفسه فأوبقها».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 419.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

صنّف أمیرالمؤمنین(علیه السلام) الناس إلى صنفین:

1. صنف ابتاع نفسه فحرّرها.

2. صنف باع نفسه فحبسها.

ولمزید من إیضاح مضمون هذا الحدیث لابدّ من شرح مختصر حول الشراء والتحرر. فقد شبهت نفس الإنسان بالغلام المملوك لغیره، والإنسان الحر من یشتری نفسه ویحررها. وبعبارة أخرى الإنسان أسیر; أحیاناً أسیر الشهوات وأخرى أسیر المنصب والمقام وتارة أسیر المرأة والولد وأخرى أسیر الخیال والوهم، وعلیه أن یحرر نفسه من هذا الأسر، لا أن یبیع نفسه إزاء ذلك ویربط نفسه بأغلالها.

سؤال: لم یبیع بعض الناس أنفسهم؟

الجواب: هذا البعض إمّا لا یعرف قیمة نفسه ولا یدری أن قیمته واستعداده على درجة  ربّما تفوق الملائكة ویصبح إمامهم(1) وأبعد من ذلك خلیفة الله فی الأرض. وعلیه فمن باع نفسه من لا یعرف قیمته ولم یقف على مقداره الثمین، أو أنّه لا یعرف تفاهة الثمن المقابل لنفسه ومتاعه; على سبیل المثال الشخص الذی یبیع كرامته بالهوى والهوس إمّا لا یعرف ثمن كرامة النفس أو لم یدرك تفاهة الهوى والهوس. قال الإمام علی(علیه السلام): «لیس لأنفسكم ثمن إلاّ الجنّة فلا تبیعوها إلاّ بها».(2)

وطبق هذه الروایة فإنّ بضاعة وجود الإنسان فی هذا العالم الواسع لیس لها سوى مشتر مناسب وثمن ممّاثل وهو الله تعالى الذی یدفع إزائها جنّته ورضاه.

والخلاصة لیس هنالك من یخرج من هذین الصنفین وعلینا أن نرى لأی صنف ننتمی.

_______________________

1 . قیمة الإنسان رفیعة بحیث قال جبرئیل الأمین الملك المقرب لله وأمین الوحی لم نتقدم على الإنسان منذ سجدنا لآدم (وسائل الشیعة: ج 4، الباب 31 من أبواب الاذان والاقامة، ح 5).

2 . نهج البلاغة، قصار الكلمات 256.

 

 14. القیمة الواقعیة للأعمال

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یا كمیل لیس الشأن أن تصلی وتصوم وتتصدق، الشأن أن تكون الصلاة بقلب نقی وعمل عندالله مرضی وخشوع سوی».(1)

_______________________

1 . تحف العقول المترجم، ص 186.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

الأبعاد الواقعیة للأعمال وكیفیتها هی التی تعین قیمتها الحقیقیة ولیس ظاهرها ومقدارها. كما أكد علی(علیه السلام) على كمیل بأن یخوض فی روح العمل بدلاً من الاستغراق فی ظاهر العمل والاهتمام بمقداره وكثرته; لأنّ الهدف النهائی من هذه الأعمال تربیة الإنسان وتعلیمه وتكامله وهذا مرهون بطهارة العمل لاكثرته.(1) توضیح ذلك: للعبادات روح وجسم، جسم العبادة الأعمال والأفعال الظاهریة. فجسم الصلاة القراءة الصیحة والركوع والسجود وسائر أركان وأفعال الصلاة التی یجب أن تتمّ بصورة صحیحة، لكن روح الصلاة التوجه إلى المضامین الرفیعة للأذكار وجلاء الروح المتصدئة بالقرآن والتوجه لله وترسیخ التوحید فی مختلف الفروع والالتفات للنبوّة والمعاد وأمثال ذلك والخلاصة على الصراط المستقیم. وتتطلب العبادة الحقیقیة التوجه الكلی إلى الله، كما أنّ الصلاة الخالیة من الروح لن  تكون صلاة، والصلاة بلا جسم كذلك لیست صلاة، وكما یخطىء المسلم الذی یكتفی بجسم الصلاة دون التوجه لمضامین ومعانی أذكار الصلاة وإخلاص النیة، یخطىء أكثر من تشبه بالمسلمین ویترك الصلاة وسائر العبادات بذریعة الوصال بمعرفة الله، ویزعم أنّه یتوجه لروح الصلاة وعمقها.

_______________________

1 . مئة وخمسون درسا من الحیاة، ص 118.

 

 

 

 15 الأركان الأصلیة للتوبة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «التوبة على أربع دعائم: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وعمل یالجوارح وعزم أن لا یعود».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 1، ص 548، الباب 459، ح 2160.

 

 

الشرح والتفسیر

 

إستنتاج أغلب الناس للتوبة إستنتاج خاطىء ولهذا فإنّ آثاره قلیلة على التوبة الفردیة وكذلك الاجتماعیة. توضیح ذلك أنّ الصرح العظیم للتوبة لا یبنى على دعامة أودعامتین، بل لابدّ من مراعاة الدعائم الأربع، وبعبارة أخرى لابدّ أن تتجلى آثار التوبة فی جمیع كیان الإنسان. واستناداً لهذه المقدمة القصیرة نخوض فی شرح الدعائم الاربع للتوبة:

الركن الأول: الخطوة الأُولى للتوبة الندم الباطنی فیحدث تغیراً حقیقیاً فی باطن روح الإنسان وقلبه فیندم وینفر مما ارتكب من ذنب.

الركن الثانی: رغم أنّ الندم الباطنی الخطوة الأولى للتوبة، لكنه لیس بركنها الوحید، ومن هنا فإنّ التحول والانقلاب الذی یحدث فی باطنه لابدّ أن یؤثر على سائر أعضاء بدنه ویتجلى بواسطة لسانه بصفته ترجمان قلبه، فاللسان یتوب من الذنب تبعاً للقلب وینطلق بالإستغفار. وعلیه فانسجام القلب واللسان فی النفور من الذنب عمودان من الأعمدة الأربعة للتوبة.

الركن الثالث: أن تنتقل حالة الندم من اللسان إلى سائر الأعضاء وتسوقها لردود الأفعال لیقوم الإنسان بتلافی الماضی. وتستطیع أعضاء الإنسان أن تقوم بثلاثة أفعال فی هذه المرحلة لتستقیم حالة التوبة وتترسخ:

أ) یتلافى هضم حقوق الناس التی هضمت بفعل الذنوب، فإن اغتاب أحداً استبرأ منه ذمته، وإن كسر قلب مؤمن جبره، وإن غصب مال الناس عوّضها، والخلاصة یؤدی كل ما علیه من حق لشخص.

ب) أداء حقوق الله فیبادر إلى الإتیان بالعبادة التی تركها ویقضی ما فاته منها ویدفع الكفارة، وأن لا یسوف هذه الأمور لما بعد الموت.

ج) تدارك الأخطاء والسیئات السابقة بالإحسان والعبادة. والشاهد على هذه المرحلة من التوبة قوله تعالى: (إِلاَّ الَّذِینَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا) التی وردت فی عدّة آیات قرآنیة(1). فالذنب كالمرض، والكبیرة كالمرض العضال، فالشخص الذی یلّم به مرض عضال وینهض من فراشه بعد المعالجة تتشتت قواه وتغوص عیناه ویضعف ویفقد طاقته. فلابدّ أن یتقوى بالاضافة إلى العلاج، یستعید عافیته. الذنب كذلك یضعف الإیمان والفضائل الإنسانیة فلابدّ من تقویة تلك الفضائل الضعیفة بالأعمال الصالحة عقب التوبة.

الركن الرابع: العزم على ترك الذنب فی المستقبل; أی أنّ التوبة تبیّن الطریق للإنسان إلى آخر عمره. والنتیجة فإنّ التوبة طبق وصیة الإمام علی(علیه السلام) توجد تحوّلاً تاماً ولا تتعلق باللسان فقط. وهكذا الأمر بالنسبة للمجتمع، فالمجتمع العاصی لابدّ أن یطوی المراحل الأربع عقب التوبة.ترى هل طبقنا هذه المراحل الأربع فی مجتمعنا بعد الثورة؟

_______________________

1 . سورة البقرة، الآیة 160، وورد شبه هذه العبارة فی الآیات 89 من سورة آل عمران و 119 من سورة النحل و 5 من سورة النور.

 

 

 16 الأركان الثلاثة للمجتمع البشری

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «قامت الدنیا بثلاثة: بعالم ناطق مستعمل لعلمه، وبغنی لا یبخل بماله على أهل دین الله عزوجل، وبفقیر صابر، فاذا كتمَ العالم علمه، وبخل الغنی ولم یصبر الفقیر، فعندها الویل والثبور».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 10، ص 119، وردت هذه الروایة بعدة صیغ ووردت بشكل آخر فی نهج البلاغة فی قسم قصار الكلمات 372.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

تستفاد بعض الأمور من هذه الروایة، والأمران المهمان هما:

1. العالم لابدّ أن یكون ناطقاً وبخلافه سیكون كالكنز المخفی فی التراب لا یقدم من فائدة للمجتمع. وعلیه فالخطیب العالم هو الذی یفود المجتمع إلى الصراط المستقیم وقد كان الإمام علی(علیه السلام)، مصداقاً تاماً وكاملاً «للعالم» كما كان خطیباً بارعاً وأوحداً. أضف إلى ذلك فإن «نطق» العالم لابدّ أن یكون مثل «نطق» نبی الاسلام(صلى الله علیه وآله)(وَمَا یَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى)(1) وعلیه فینبغی أن یكون كل ما یقوله لرضى الله ولیس إرضاء هوى النفس.

2. «العالم الناطق» لابدّ أن یبادر للعمل الصالح قبل دعوة الآخرین إلیه، وینتهی عن الباطل قبل أن ینتهی الآخرون عنه. وفی هذه الحالة یكون عالماً ربانیاً والنظر إلیه وحتى النظر إلى باب بیته وحضور مجلسه عبادة وكلامه جهاد فی سبیل الله.(2) والمجتمع یكون فی خیر وصلاح إن لم یحتكر العالم علمه، بل نشره وعمل به قبل الآخرین وأشرك الأغنیاء الفقراء فی أموالهم، وصبر الفقراء على فقرهم; إلاّ أنّ المصیبة تحلّ حین یكتم العالِم علمه عن الآخرین ولا یأخذ الغنی بید الفقیر والمحتاج ویفقد الفقیر صبره وتحمله.

أیّها القارىء العزیز! إنّ كل واحد منّا أحد هذه الأصناف الثلاثة، فلنسأل الله أن یوفقنا فی ما علینا من وظیفة.

_______________________

1 . سورة النجم، الآیة 3.

2 . سئل الصادق(علیه السلام): روی أنّ رسول الله(صلى الله علیه وآله) قال: النظر للعلماء عبادة. فمَن هم هؤلاء العلماء؟ قال: المراد العالم الذی إن نظرت إلیه ذكرت الاخرة ومن لم یكن كذلك (فلیس فقط لا عبادة فی النظر إلیه، بل) فتنة. میزان الحكمة، الباب 2845، ح 13438.

 

 17 أسباب شرف الإنسان وعزته

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یا كمیل أحسن حلیة المؤمن التواضع، وجماله التعفّف، وشرفه التفقه، وعزّه ترك القال والقیل».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 413.

 

 

الشرح والتفسیر

أشار أمیرالمؤمنین(علیه السلام) فی هذه الروایة إلى أربعة مواضیع مهمّة ومصیریة، والحقیقة أنّه خلق ثقافة بهذه العبارات الأربع وطرح مفهوماً جدیداً لبعض الكلمات، نكتفی بشرح العبارة الأولى منها رعایة للاختصار:

العبارة الأولى: «أحسن حلیة المؤمن التواضع». فقد استعمل(علیه السلام) الحلیة فی هذه العبارة بمفهوم جدید وأخرجها من معناها المادی لیبین لها معنى روحیاً. ووردت عدّة مطالب كثیرة فی الآیات والروایات فی التواضع بصفته حلیة المؤمن; منها ماورد فی الآیة 18 من سورة لقمان: (وَلاَ تَمْشِ فِی الاَْرْضِ مَرَحاً) فهل المراد بالمشی فی الآیة الشریفة المشی الاعتیادی الذی یعد من مصادیق التواضع، أم المشی بالمعنى الواسع للكلمة ویشمل المشی والأسلوب الاجتماعی والسیاسی والثقافی والسلوك الصغیر والكبیر؟ لا یبعد أن یكون المراد المعنى الثانی. جاء فی الروایة عن علی(علیه السلام) أنّه قال: «ثمرة التواضع المحبة وثمرة الكبر  المسیئة»(1). والتواضع بمعنى ترك الكبر وهو مهم للجمیع ولاسیما أهل العلم والافراد القدوة للمجتمع. وإحدى علامات التواضع الابتداء بالسلام، حیث كان النبی(صلى الله علیه وآله) یبتدأ بالسلام حسبما ورد فی الروایة(2) وهكذا شد إلیه قلوب الناس، فلم لا نستفید من هذا الأمر القلیل الكلفة والعظیم الفائدة؟!

_______________________

1 . غرر الحكم، ح 4614ـ4613 (نقلاً عن الأخلاق فی القرآن، ج 2، ص 74).

2 . منتهى الآمال، ج 1، ص 54.

 

 

 أقسام التواضع

للتواضع ثلاثة فروع: 1. التواضع لله 2. التواضع لخلق الله 3. التواضع للحق.

والمراد من التواضع لله واضح، كما هو واضح التواضع لخلق الله. ولا حاجة لذكر هذه النقطة أنّ المراد من خلق الله هنا «المؤمنون». وعلیه فلا معنى للتواضع للكفّار والأعداء، بل لابدّ من العزة والرفعة أمام هؤلاء. وأمّا التواضع للحق فعادة ما یتعثر به أغلب من اتصف بالنوع الأول والثانی من التواضع! یجب علینا أن نقرّ بأخطائنا بصراحة وتسلم الدوام للحق مهما كان مرّاً وكان الطرف المقابل أدنى منّا من حیث العمر أو التحصیل العلمی أو المكانة الإجتماعیة والأسریة.

 

 18 الإعتدال فی كل شیء

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «مَن بالغ فی الخصومة أثم، ومن قصر فیها خَصِمَ».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 419.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

الاعتدال فی كل شیء من الأمور التی حثّ علیها الإسلام وهذه المسألة على درجة من الأهمیة بحیث تكون مطلوبة حتى فی الخصومة والعداوة. وقد دلت التجربة على أنّ الافراط والتفریط عادة ما یختم بمختلف المشاكل، ومن هنا فإنّ «الاعتدال» أصل شامل یسود كل نظام الوجود، فهنالك توازن دقیق فی حركة السیارات حول الشمس، بحیث لو اقتربت مسافتها من الشمس لجذبتها فتهلك بفعل الحرارة الشمسیة، وإن ابتعدت فرت من جاذبیتها وحرمت من طاقة الشمس. وهذا التوازن والاعتدال عجیب ومذهل فی نظام البدن البشری، ولو اختل هذا الاعتدال لبرزت الأمراض فوراً. فهذا الحدیث الشریف یعلمنا أن نكون معتدلین فی حیاتنا الشخصیة فی كل الأشیاء حتى فی العداء والمحبّة والأبحاث والمناظرات وفی العبادات والأعمال وأنشطة الحیاة وإظهار الحب والسرور والحزن وفی جمیع الأشیاء.

جاء فی تفسیر الآیة الشریفة 143 من سورة البقرة: (وَكذَلِك جَعَلْنَاكمْ أُمَّةً وَسَطاً)

 أنّ المراد من «كذلك» قبلة المسلمین، أی كما أنّ قبلتكم أیّها المسلمون فی وسط شرق وغرب العالم ووسط قبلة الیهود والنصارى أنتم أیضاً أمّة معتدلة.(1) وإننا لنطلب هذا من الله عشر مرات على الأقل كل یوم «إهدنا الصراط المستقیم».

_______________________

1 . التفسیر الامثل، ج 1، ص 483.

 

 

 19 الأغنیاء الحق

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «لا غنى كالعقل ولا فقر كالجهل».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 54.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

الغنى نوعان: 1. الغنى باطن الذات 2. الغنى خارج الذات.

المراد من الغنى خارج الذات أن یستغنی الشخص عن الآخرین بواسطة الأشیاء الخارجة عن ذاته; بواسطة المقام والقدرة والأصدقاء والأموال وما شابه ذلك. وهذا الغنى خارج الذات الذی لیس له من اعتبار یذكر لا یشبع نهم الإنسان، ومن هنا فالأثریاء أعظم عطشاً من غیرهم! وعلى هذا الأساس حین سئل البهلول عن شخص نذر أن یساعد أفقر الناس فلمن یعطی؟ قال: لهارون الرشید(1).

2. النوع الثانى: الغنى باطن الذات وهو أن یستغنی الإنسان بالاستفادة من إمكاناته الذاتیة دون الإستعانة بالوسائل الخارجیة. وهؤلاء الأفراد یظفرون بالغنى الذاتی فی ظل الإیمان والثقة بالنفس والقناعة والتوكل على الله والتقوى التی تعد أعظم ذخیرة، فهم أغنى الجمیع. وأهم خصائص الغنى الذاتی تعذر سرقته، وكان علی(علیه السلام) ممن عرف بالغنى الذاتى. ومن هنا وقف صامدا كالجبل طیلة مدة سكوته لخمس وعشرین سنة عن حقّه فی الخلافة، وحین أتته السلطة لم تأسره، بل هو الذی أسرها ولم یعتن بالدنیا حیث لا یراها مع عظمتها أهون من فعل(2) ومن قضم جرادة».(3) وأهون من عفطة عنز(4) ومن عراق خنزیر فی ید مجذوم(5). هذا هو الرصید الواقعی والدائم.

_______________________

1 . لم نعثر فی المصادر المعتبرة على القصة المذكورة بهذا الشكل، لكن توجد قصة شبیهة بذلك فی كتاب البهلول العاقل، ص 31: إنّ هارون الرشید أعطى البهلول مالاً لیتصدق به على الفقراء. فأخذ البهلول المال ثم أعاده للخلیفة. وحین سأله هارون قال: لم أجد أفقر من الخلیفة.

2 . نهج البلاغه، الخطبة 33.

3 . نهج البلاغه، الخطبة 224.

4 . نهج البلاغة، الخطبة 3.

5 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 236.

 

 20 الإمارة والإسارة

 

قال الإمام على(علیه السلام): «أمنن على مَن شئت تكن أمیره، واحتج إلى مَن شئت تكن أسیره، واستغن عمّن شئت تكن نظیره».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 400 و 421 و ج 72، ص 107 و ج 71، ص 411.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

القانون المذكور هو الحاكم بقوّة فی العلاقات الاجتماعیة للأفراد والشعوب حیث «الحكومة لمن یعطی والآخذ تابع شاء أم أبى!». فالأفراد والشعوب المحتاجة فی الواقع عبید وقعت أمر استعبادها باحتیاجها للآخرین، ومن هنا ورد الذم فی الإسلام لطلب المساعدة من الآخرین واعتبرها مسألة لا أخلاقیة ولم یسمح به سوى لبعض الأفراد. وعلیه فالمسلم الواقعی من یسعى لإقامة علاقاته الاجتماعیة مع الآخرین على أساس التعاون المتبادل لا الذی یقتصر على جانب واحد، وتلقی المساعدة ینبغی أن یختص بالمقعدین من الأفراد(1). والنقطة الأخرى التی تستفاد من الروایة أنّ الأسر والإمارة والعزّة والذلّة والسعادة والشقاء والفقر والغنى وما شابه ذلك لیست أموراً إعتباطیة، بل معلولة لعوامل وعلل علینا توفیرها. فلابدّ أن نجدّ ونجتهد فی التعرف على عوامل النجاح والشقاء لنتّجه صوب النوع الأول ونجتنب النوع الثانی.

_______________________

1 . مائة وخمسون درساً من الحیاة، ص 26.

 

 21 الأمن والاستقرار فی ظل الدین

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «مَن استحكمتْ لی فیه خِصلة من خصال الخیر احتملتُه علیها واغتضرتُ فقد ماسواها ولا اغتضرُ فقدَ عقل ولا دین، لأنّ مفارقةَ الدین مفارقةُ الأمن... وفقدَ العقل فقدُ الحیاة».(1)

_______________________

1 . اصول الكافی، ج 1، ص 31، كتاب العقل والجهل، ح 30.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

هذه العبارة لأمیرالمؤمنین(علیه السلام) عمیقة المعانی وتشیر إلى أخطار یمكن أن تصیب كل مجتمع. فنحن نواجه فی عالمنا المعاصر خطرین:

الأول: إنّ العقل بمعناه الواقعی فی خطر! وإن كان هذا الخطر بعیداً عن العقل بمعنى الشیطنة والعقل بمعنى الحصول على المنافع المادیة. ودلیل هذا الخطر أنّ الهوى والهوس یكون رَیناً على عقل الإنسان وحجاباً علیه، فالهوى أحد موانع المعرفة. ویروج عبدة الأهواء هذا الهوى بصیغ مختلفة حتى أنّهم لیصنعون لعب الأطفال بما یسوقهم الى عبادة الأهواء! وأمّا الدین فی خطر لأنّ عبدة الأهواء یرون الدین مانعاً فی طریقهم فیقاوموه بقوّة وأننا لنشهد الإرباك الأمنی المتفاقم فی مختلف شؤون المجتمع من جراء إضعاف دور الدین فی المجتمعات المعاصرة، فالاضطراب الاجتماعی والسیاسی والأخلاقی والعسكری  والاقتصادی لمن المصادیق البارزة لهذا الإرباك. ورغم تجاوز الدین والعقل من قبل زعامات العالم الفعلیة، بل الهجوم علیها، إلاّ أنّ إقبال الناس على هاتین الهبتین الإلهیتین آخذاً بالازدیاد كل یوم، لاسیما بالنسبة للدین الإسلامی الذی یلبی حاجات البشریة طیلة الأزمان. وعلیه وبالنظر للهجمات التی تستهدف الدین والعقل من جانب (بحیث یسعى لمحو هاتین الدعامتین الحیویتین) واستناداً لعطش البشریة للدین الاسلامی من جانب آخر تتضاعف مسؤولیة علماء الدین ومفسری القرآن.

 

 

 22 البدء بالذات

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «من نصب نفسه للناس إماماً فعلیه أن یبدأ بتعلیم نفسه قبل تعلیم غیره، ولیكن تأدیبه بسیرته قبل تأدیبه بلسانه».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 2، ص 56.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

إنّ الأفراد الذین یتصدون للزعامة والقیادة والادارة سواء فی منظومة كبیرة كالدولة أو صغیرة كالأسرة فإنّهم یرغبون بأن یصغی إلیهم من دونهم ویمتشل أوامرهم. وقد وردت عدّة أبحاث فی علوم النفس والتحقیق بشأن التسلل الى الآخرین; إلاّ أن لأغلبها بعد متضع. لكننا نرى أطروحات رائعة فی التعالیم الإسلامیة بهذا الخصوص تنسجم مع طبیعة الإنسان وفطرته. والروایة المذكورة تشیر إلى هذا المطلب; فقد كان معنى كلامه(علیه السلام) فی القسم الأول من الروایة: «علِّم نفسك قبل تعلیم الآخرین» أی إبدأ بتهذیب نفسك لتوفق فی التغییر، فالطبیب المریض الذی لا یعالج نفسه سوف لن یوفق إن بادر لعلاج الآخرین ویصبح مصداقاً للمثل المعروف «طبیب یداوی الناس وهو علیل».(1) ثم كان معنى كلامه (علیه السلام) فی

الشق الثانی: من الروایة «علیك تأدیب الناس بسلوكك وأخلاقك قبل تأدیبهم بلسانك» أی علیك بالتأدیب العملی، على غرار ما كان علیه أولیاء الله. فوعظ العالم غیر العامل أشبه بالسخریة! ومن هنا ورد تشبیه رائع فی الروایات للعالم غیر العامل(2).

_______________________

1 . المثل المذكور مصرع بیت شعر للشاعر المعروف «الكمیت بن زیاد بن خنیس» والبیت كما ورد فی تفسیر القمی، ج 1، ص 26، كما یلی: وغیر تقی یأمر الناس بالتقى *** طبیب یداوی الناس وهو علیل    انظر ترجمة هذا الشاعر القدیر فی الغدیر، ج 2، ص 197.

2 . وردت بعض هذه الروایات فی میزان الحكمة، الباب 3628.

 

 23 الصبر والتحمل

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «علیكم بالصّبر فالصّبرُ من الإیمان كالرأسِ من الجَسدِ ولا خیرَ فی جَسد لا رأسَ معه ولا فی إیمان لا صبرَ معه».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 82.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

الصبر مسألة مهمّة أكدت علیها آیات القرآن وروایات المعصومین(علیهم السلام) بشكل كبیر. ویكفى الصبر أهمیّة أنّ المستفاد من بعض الآیات أنّه أهم عامل لدخول الجنّة، وهذا ما أشارت إلیه الآیة 24 من سورة الرعد: (سَلاَمٌ عَلَیْكمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ).

 

 

سر أهمیّة الصبر

 

حین نتمعن أهمیّة الصبر ونغوص فیه ندرك خلاصة جمیع الواجبات والحرمات فی الصبر; حیث یتعذّر الإتیان بالواجبات وترك المحرمات دون الصبر. والصبر على نوعین:

1. صبر سلبی 2. صبر إیجابی.

الصبر السلبی والخاطىء یعنى استسلام الإنسان لكل حادثه; فیسلم للظلم والفقر والمرض وما شابه ذلك ولا یبدی أیّة مقاومة. هذا هو الصبر السلبی والذی یردوه خصوم  الأدیان «إنّ الأدیان ولیدة أفكارالظلمة اصطنعوها لمواصلة ظلمهم».

أمّا النوع الثانی فمثل الرأس بالنسبة للجسد، صبر إیجابی. وهذا النوع من الصبر یمنح الإنسان قوّة تعادل عشرة أضعاف القوّة العادیة. قال تعالى: (یَا أَیُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ یَكنْ مِّنْكمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ یَغْلِبُوا مِائَتَیْنِ وَإِنْ یَكنْ مِّنْكمْ مِّائَةٌ یَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَّذِینَ كفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ یَفْقَهُونَ).(1) والصبر على طاعة الله والابتعاد عن المعاصی صبر إیجابی. والصبر صفة أخلاقیّة بارزة مفیدة جدّاً فی الدنیا. وعلیه فلا یمكن الظفر بالدنیا ولا الدین دون الصبر.(2)

_______________________

1 . سورة الانفال، الآیة 65.

2 . راجع كتاب علامات الصابرین فی القرآن للدكتور یوسف القرضاوی للوقوف على ماهیة الصبر ومنزلة الصبر والصابرین فی القرآن وآفات الصبر وسائر ما یرتبط به من أبحاث.

 

 24 الإیمان والعمل توأمان

 

قال الإمام علی(علیه السلام):«الإیمان والعمل أَخوان توأمان ورفیقان لایفترقان».(1)

_______________________

1 . غرر الحكم، ج 2، ص 136، ح 2094، كما وردت مثل هذه الروایة عن رسول الله(صلى الله علیه وآله): راجع میزان الحكمة، ج 1، ص 306، الباب 262، ح 1289. كما ترى سائر الروایات بهذا المضمون فی المصدر المذكور.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

طرحت العدید من الأبحاث فی الروایات بشأن علاقة الإیمان بالعمل، وتعلم أنّ التعلیمات الاسلامیة تقسم عادة إلى قسمین «أصول الدین وفروعه»; أی أنّ الدین أشبه بالشجرة ذات الفروع والجذور. فأصول الدین جذور الشجرة التی تمتص الماء والغذاء من الأرض وتوصله إلى الفروع، ولو جفت الجذور لجفت الفروع. وفروع الدین كتلك الفروع، ومن الواضح أنّ الشجرة لیست بشجرة دون الفروع ولن تدوم. وثمرة شجرة الدین المقامات المعنویة والأخلاق والقرب من الله. والصفات والخصائص الإنسانیة ثمار هذه الشجرة. وهذه الشجرة مفیدة بهذه الأقسام الثلاثة ولا أثر لها دونها، أی أنّ أقسامها الثلاثة ضروریة. ولعل مسألة أصول وفروع الدین أخذت من هذه الشجرة التی ذكرت ووردت بصیغة مثال غایة الروعة فی القرآن الكریم. ولئن كان العدو یتّجه فی الماضی لفروع هذه الشجرة ویقتلعها، فقد استهدف الیوم جذور هذه الشجرة المثمرة، والغریب إنّه هبّ لقتال  الدین بكل ما أوتی من قوة وإمكانات وأخطر سلاحه فی هذه المعركة الاستعانة بذات الدین! حیث یروم القضاء على الدین من خلال التفاسیر الخاطئة والمشبوهة. ومن هنا ینبغی الحیطة والحذر على جمیع المسلمین وعدم خشیة لومة لائم. واستناداً لهذه المقدمة یتضح معنى الروایة المذكورة فی الحاجة الى الإیمان والعمل كهذه الشجرة وإن فصلا عن بعضهما فسوف لن یكون لهما ثمرة. هنالك مفهوم خاص للعبارة «توأمان» أی أنّهما یأبیان الانفصال وعلیه فلیس هنالك من معنى أن یكون الإنسان مؤمناً دون أن یندفع للعمل. فالإیمان الذی لا یستتبع العمل ینبغی الشك فیه! ولعل ذلك هو الذی جعل القرآن كلما تحدث عن الإیمان أردفه بالكلام عن العمل الصالح. أتى شخصى لم یكن یعرف علاقة الإیمان بالعمل إلى الإمام الصادق(علیه السلام) فسأله: «ألا تخبرنی عن الإیمان، أقولٌ هو وعملٌ، أم قولٌ بلا عمل؟» فقال(علیه السلام): «الإیمان عملٌ كلُّه»(1) لا أنّه فرع من العمل.

_______________________

1 . سفینة البحار، ج 1، ص 152.

 

 25 لمن المشورة؟

 

 

قال الإمام على(علیه السلام):«لاتُدخلنَّ فی مَشورتك بخیلاًیَعدِلُ بك عن الفضلِ،ویَعدِك الفقرَ، ولا جباناً یُضَعِّفك عن الأمور، ولا حریصاً یُزیِّن لك الشَرَه بالجوَرِ».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الرسالة 53.

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

المشورة من الوصایا الإسلامیة المهمة التی لها صدى واسع فی الآیات القرآنیة والروایات الإسلامیة، بحیث سمّیت بهذا الاسم إحدى السور القرآنیة. فمشورة الأفراد من ذوی الخبرة لها دور فی تقدم مشاریع الإنسان الصحیحة والبناءة وتختزن الكثیر من الآثار والفوائد. ولكن بنفس المقدار الذی تلعبه المشورة مع الأفراد المعنیین فی تطور المشاریع الصحیحة فإنّها تنطوی على أضرار كثیرة إن كانت مع الأفراد الذین یتّصفون بنقاط ضعف معینة وعادة ما تعطی نتیجة معكوسة، ومن هنا أكد أمیرالمؤمنین(علیه السلام) على التحفظ من استشارة ثلاث طوائف سیما فی الأمور الاجتماعیة المهمّة وهی:البخلاء والجبناء والحریصون; فالبخیل یقبض ید الإنسان لیصده عن بذل نعم الله وهباته، والجبان یضعف الإرادة حتى لا یتجه صوب الأعمال المهمّة،والحریص یشجع الإنسان على الحرصوالولعوالتعدی على حقوق الاخرین(1).

_______________________

1 . مائة وخمسون درساً من الحیاة، ص 87. راجع شرح الأبحاث المتعلقة بالمشورة ذیل الآیة الشریفة (وَشَاوِرْهُمْ فِى الاَْمْرِ) فی التفسیر الامثل، ج 3، ص 142.

 

 26 البدعة والمبتدع

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «أمّا أهلُ البِدعة فالمخالفونَ لأمرِ اللهِ، ولكتابهِ، ورسولهِ، العاملونَ برأیهم وأهوائِهم وإن كثُروا».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 1، ص 381، الباب 329، ح 1632.

 

 

الشرح والتفسیر: البدعة قسمان

 

1. تأتی أحیاناً بمعنى التجدید فی المسائل العلمیة والصناعیة والاجتماعیة والذوقیه وما شابه ذلك. فالإنسان إن طرح قضیة جدیدة على أساس الذوق السلیم وإرشاد العقل، فهذا أمر إیجابی وعادة ما یعبر عنه بالإبداع، ومن الواضح أنّ تطورالعلوم والصناعات البشریة فی ظل هذا الابداع.

2. المعنى الآخر للبدعة، تحریف أحكام الله أو إضافة شیء إلیها; وهذا النوع من البدعة بدعة سلبیة. وللأسف عادة ما یخلط بینهما حیث یتظاهرون بالبدعة الإیجابیة لتطبیق البدعة السلبیة، كأن یقال باسم الإبداع: «كان الوضوء فی زمان لم تراع فیه الأمور الصحیة بالشكل المطلوب ولم یكن الناس یغتسلون كما ینبغی، ومن هنا أوجب الإسلام الوضوء لرعایة الشؤون الصحیة، أمّا الآن وقد اهتم الناس بالقضایا الصحیة فلم یعد للوضوء من ضرورة!». ومن هنا ینبغى الحذر حتى لا یلبس أصحاب البدع السلبیة بدعهم ثوب الإیجابیة. والآن بعد أن اتضح مفهوم البدعتین السلبیة والإیجابیة والحدّ الفاصل بینهما

نعود إلى كلام أمیرالمؤمنین(علیه السلام). فقد قال(علیه السلام)فی تفسیر البدعة السلبیة أنّ أهل البدع مخالفون لأوامر الله ولكتابه ولرسوله. فالبدعة التی واجهها الإمام الحسین(علیه السلام) إنّما حیكت فی عصر الخلفاء سیما الخلیفة الثالث; حیث وضع بیت المال تحت تصرف قرابة الخلیفة وأغدقت المناصب الحكومیة على بطانته والتى كان ینبغی أن تمنح على أساس التقوى والعلم

والكفاءة والتدبیر. وكانت تلك أسوأ البدع التی تصدى لها الإمام الحسین(علیه السلام). أضف إلى كل ذلك فقد خلق معاویة بدعة عظیمة أخرى فاستبدل الحكومة الإسلامیة بالملوكیة وأحیا جمیع سنن وتقالید الملوك واستخلف یزید شارب الخمر وملاعب الطیور! فكانت هذه الأمور مخالفة لأوامر الله والقرآن الكریم وأهداف رسول الله(صلى الله علیه وآله). فما خالف أمر الله وكتابه وسنة نبیّه فهو بدعة، سواء أسمیناها قراءة جدیده أم عرّفناها بالتجدید، أو اطلق علیها تفسیر عصری.

 

 

دوافع البدعة

خاض الإمام(علیه السلام) فی العبارة التالیة فی دوافع المبتدعین لیخلص إلى أنّ أهم دوافع البدعة یكمن فی الهوى. فاصحاب الأهواء من الأفراد الذین یرون الدین مانعاً لأهوائهم، ولكن حیث لا یسعهم مواجهة الدین بصورة مباشرة فیعرضون أهوائهم مغلفة بثوب الدین بصفتها قراءة جدیدة فیصبحون من خلال تفسیرهم بالرأی بناة مختلف البدع. وقد استغل هذا السلاح فی عهد الطاغوت، حیث كانوا یردون على الإشكالات والانتقادات قائلین: «إننا حفظنا روح الإسلام رغم عدم حفظ بعض قوالبه» وقد أجاب أحد وعاظ السلاطین حین سأله الشاه: هل ینسجم برنامجنا الفلانی مع الإسلام أم لا؟ قال: «نعم مادامت هناك الإرادة الملكیة» مهما ترید سنطرحه كقراءة جدیدة! ولو لم تواجه البدعة ویهبّ العلماء لتوعیة الناس فلیس لها من نتیجة سوى هدم الدین والمذهب; ذلك لأنّ كل عصر وزمان إن شهد بعض البدع سوف تتغیر صورة الدین بعد مدّة بالمرة فیبدو الدین كظاهرة جدیدة.

ولعل الروایات الواردة بشأن الحجّة ـ عجل الله تعالى فرجه ـ وتدل على أنّه یأتی بدین جدید إشارة إلى هذا الموضوع; أی أنّ الإسلام یشهد آنذاك حالة من البدع والضلال بحیث یبدو للناس أنّ الدین جدید بعد أن یطهره من تلك البدع والضلالات(1).

_______________________

1 . راجع الروایة المذكورة وشرحها فی كتاب الحكومة العالمیة للامام المهدی، ص 320.

 

دعائم البدعة

 

تقوم البدعة على أساس ضعف الإیمان. فإننا إن آمنا بأنّ الله العالم المطلق وأننا لانشكل قطرة من بحر أمامه وأن لا وجه للمقارنة بین علمه اللامتناهی وبین علمنا الضحل وقبلنا الإسلام بصفته آخر الأدیان السماویة وأنّ رسول الله(صلى الله علیه وآله) معصوم فسوف لن نسمح لكائن من كان أن یتدخل ویتصرف فی الأحكام الشرعیة. لا ینبغی أن نكیّف الكتاب والسنّة مع آرائنا وعقائدنا ونظریاتنا ونتحرك قبلها، بل لابدّ أن نجعلهما إمامنا وننطلق من خلالهما ونكیّف عقائدنا على ضوئهما. ترى كیف یسلِّم بعض أهل البدع لأوامر الطبیب وهو بشر مثلهم، بینما یتمردون على أوامر الله؟!

 

 

 27 أسمى نسب وأرفع شرف

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «المودةُ أشیك الأنساب والعلم أشرف الأحساب».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 1، ص 183 و ج 74، ص 419.

 

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

متعارف لدى العرب أنّهم یعرضون «نسب» و«حسب» الشخص حین یریدون بیان شخصیته. والمراد من النسب أنّه إبن من ومن أیّ قبیلة؟ وأمّا الحسب فیعنى لغویاً: المفاخر، غایته أنّ الشخص ربما یبین مفاخر أجداده أحیاناً وأخرى مفاخره; مثلاً الكرم یعتبر حسباً وشرفاً للشخص الكریم وإن لم یكن أجداده كرماء. وقد رسم الإمام(علیه السلام) فی هذه الروایة صورة واضحة للحسب والنسب فبیّن «أنّ أرسخ وأشدّ الأنساب الحبّ والمودّة». سئل أحدهم: ترید صدیقاً حمیماً أم أخاً، قال: أرید أخاً یصبح لی صدیقاً حمیماً، وهذا هو المطلب الذی أشیر إلیه فی الروایة المذكورة. حقّاً إنّ الحبّ یفعل المعجزة، فالحبّ ربّما یهدىء روع أعدى الأعداء. وهو وسیلة عظیمة للموفقیة فی الدنیا والآخرة ورصید ضخم للتبلیغ وطرح الدین الإسلامی على جمیع أبناء الدنیا.

ثم قال(علیه السلام): إنّ أعظم ما یفخر به، العلم والمعرفة. وبالنظر إلى ذكر العلم بصورة مطلقة فی الروایة فإنّه یشمل كل نوع علمی سوى العلوم المحرمة والمكروهة. والخلاصة هناك عاملان مهمان فی النجاح: العلم والحب.

 

 

 28 أفضل الجهاد

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «لا فضیلةَ كالجهاد ولا جهادَ كمجاهدة الهوى».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 75، ص 165.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

عدّ الإمام(علیه السلام) الجهاد فی هذه الروایة رأس كل الفضائل; ذلك لأنّ شأنه أعظم بالنسبة لسائر العبادات والخوض فیه أصعب، وطبق ماروی عن رسول الله(صلى الله علیه وآله) أن «أفضل الأعمال أحمزها»(1) ولیست هنالك من فضیلة كفضیلة الجهاد فی سبیل الله. ویمتاز جهاد النفس أصعب أنواع الجهاد ولذلك فهو أسمى، فأطلق علیه النبی(صلى الله علیه وآله)الجهاد الأكبر(2).

سؤال: أو یمكن أن یقاتل الإنسان نفسه؟ فالقتال عادة ثنائی، الإنسان من جانب والشخص الأجنبی من جانب آخر، فما معنى أن یجاهد الإنسان نفسه؟

الجواب: یتكون كیان الإنسان من عدّة أجزاء، بعبارة أخرى الإنسان لا یقتصر على بعد واحد، بل له عدّة أبعاد وهذه الأبعاد لیست متجانسة ومؤتلفة، لذلك قد تتضارب هذه الأبعاد الوجودیة للإنسان مع بعضها وتشتبك مع بعضها; فالبعد الإنسانی والملكوتی یواجه دائماً البعد الحیوانی. نعم، فهوى النفس عدو باطن ویقظ دائماً استقر فی القلب ورافق الإنسان فی كل مكان ویوسوس له على الدوام ویدعوه لمختلف الآثام، ولا یمكن التغلب على هذا العدو الخطیر والقاسی سوى بذكر الله والرقابة التامة لأنّه: (أَلاَ بِذِكرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(3).

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 67، ص 191 و 237 و ج 82، ص 332.

2 . بحار الأنوار، ج 19، ص 182.

3 . سورة الرعد، الآیة 28.

 

 

 29 أكبر الذنوب

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «جهلُ المرءِ بعیوبهِ من أكبرِ ذنوبهِ».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 419.

 

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

عادة ماتكون للذنوب التی یقارفها الإنسان جذور نفسانیة; أی له خلق وطبع سبّب هذه الذنوب. مثلاً الشخص الذی یغتاب إنّما یرتكب ذلك لحسد فی خُلُقه. أو الشخص الذی لا یتورع عن مال الحرام لأنّه ذائب فی الدنیا وحریص وطویل الأمل فیتعلق بالدنیا. أو الشخص الذی یحقر الآخرین إنّما یرتكب هذه السیئة بسهولة لأنّه متكبر ومغرور. والحال لو تعرّف الإنسان على هذه الذنوب وأصلح جذوره النفسیة لجفت لدیه منابع الذنب. أمّا إن لم یلتفت إلى هذه المنابع واستغرق فی معالجة الغصون فسوف لن ینجح.

ویتضح من هذا المطلب لم كان عدم معرفة جذور النفس من أكبر الذنوب.

سؤال: لم لا یلتفت الإنسان إلى عیوبه؟ لم یلتفت الإنسان إلى شوكة فی رجل غیره بینما یغفل عن حدبة على ظهره؟

الجواب: الإنسان محبّ لذاته وإن اشتد حبّ الذات غفلَ الإنسان عن رؤیة عیوبه، بل یحسب عیوبه محاسن. كالفرد العاجز عن العمل والأنشطة الاقتصادیة وكسل ویحسب نفسه زاهداً! أو شخص فاحش وبذیء ویرى نفسه شجاعاً! وتجاوز حب الذات من أعقد المشاكل الأخلاقیة وآخر عقبة كؤود فی السلوك إلى الله والتی یقال لها فی العرفان «الأنانیة».

سؤال: ماذا نفعل لمواجهة هذه المشكلة؟

الجواب: هنیئاً لأولئك الذین یعرضون أنفسهم للانتقاد ویتعرفون من خلال ذلك على عیوبهم، وأما من لم یكن كذلك فعلیه أن یقوم بهذین الفعلین على الأقل:

1. أن ینتخب بعض الأصدقاء الصاعاء لیكونوا له مرآة عاكسة لعیوبه ویكون مصداقاً للحدیث «أحبّ إخوانی إلیَّ من أهدى عیوبی إلیَّ»(1).

2. أن یرى ما العیب فی الآخرین فیسعى لاجتنابه; وهذا مثال بسیط: لو احتاج آنیاً لمساعدة جاره ولم یساعده وذمه، فلیحذر إن طلب منه جاره فلیسارع لنجدته.

اللّهم وفقنا فی مكافحتنا للأنانیة وحبّ الذات المفرط.

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 71، ص 282.

 

 30 أسوأ الأصحاب

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «شرُّ إخوانك من داهنك فی نفسك وساترك عیوبك».(1)

_______________________

1 . غررالحكم، ج 4، ص 173، ح 5725.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

الناس على نوعین فی تعاملهم مع الحقائق والوقائع: قسم یسلم للحقائق ویقرّ بها مهما كانت مریرة ویعتبر بما حدث لإصلاح ذاته. أمّا النوع الثانی والذی لیس بالقلیل للأسف یتنكر للحقائق ویهرب منها، والحال، الهروب من الواقعیات والتغطیة على الحقائق لا یحل من مشكلة ولا یعتبر خدمة لأحد. ولهذا فإنّ الأصدقاء الذین یسعون بدلاً من النقد البنّاء إلى كتمان العیوب ویغطون على المعایب أو یبدونها حسنات فإنّهم لا یقدمون أدنى خدمة فی عالم الصداقة فحسب، بل یرتكبون خیانة عظمى، وهی الخیانة التی قد یكون ثمنها حیثیة وسعادة صدیقهم.(1) وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام لا یأمر بالإبتعاد عن مثل هؤلاء الأصدقاء فحسب، بل یوصی بأنّ الإنسان المؤمن مرآة أخیه المؤمن.(2) یعكس جمیع الحقائق دون نقص لإخوته المؤمنین لیسعى من خلالها للإصلاح ورفع تلك العیوب.

_______________________

1 . مئة وخمسون درسا من الحیاة، ص 30.

2 . بحار الأنوار، ج 74، ص 414.

 

 

 31 كن معنا بهذا الطریق

 

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یا كمیل لا تأخذ إلاّ عنّا تكن مِنّا».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 412.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

إستسهل البعض جدا مسألة الولایة ویعتقدون أنّ من بكى على الأئمّة الأطهار(علیهم السلام)ولطم علیهم صدره وأقام مراسم العزاء ولم یترك توسلاتهم فهو من أصحاب الولایة; أی یرون ذلك كافیاً بل یتصور البعض أنّه یمكن الجمع بین الولایة والمعصیة والتمرد!

طبعاً للولایة مراحل مختلفة وإحدى مراحلها التوجه والتوسل وحضور مراسم عزائهم(علیهم السلام); لكن ممّا لا شك فیه أنّ هذا لا یكفی والولایة التامة والحقیقیة أن نبرمج جمیع شؤون حیاتنا طبق تعالیمهم ووصایاهم ونراهم حاضرین فی جمیع مفردات حیاتنا وننفتح عن طریقهم على المعارف الإسلامیة الحقه. فقد أصبح سلمان من أهل البیت(1).

حیث كان یقتفی آثارهم فی كل شیء ولم یفكر سوى فی أهل البیت. والنقطة التی تقابل هذا التفكیر الصحیح والولائی الأصیل، الأمور الآتیة:

1. أن یلوذ الإنسان بخیالاته وأوهامه وظنونه فیكیف نفسه معها ویطوی بها مسیرته!

2. أن لا یقتصر فی الركون إلى عقله وفكره، بل یقبل على القرآن والسنّة، لكن لا یكون تلمیذهما ویتحرك إثرهما بل یرى نفسه أستاذهما; أی یقرر أولاً ثم یكیف علیه الآیات والروایات. یحمل الدین والقرآن آراءه ویطرح تفاسیر خاطئة لآیات القرآن وبالتالی یلجأ إلى التفسیر بالرأی أو ما یصطلح علیه بـ «القراءة الجدیدة».

3. أن یستفید من عقله وفكره ویتتلمذ على القرآن والسنّة، لكنّه یبتدع ویضیف إلى الدین مالیس فیه من أمور خارجة عنه ویصنع خلیطا من الدین وغیر الدین كدین لله، وبعبارة أخرى یصاب بالالتقاط.

إلهی!! وفّقنا لاجتناب هذه السبل الخطیرة الثلاثة ووفّقنا لنیل جمیع المعارف الإسلامیة من النبی الأكرم(صلى الله علیه وآله) وأئمة أهل البیت(علیهم السلام) وحقیقة الولایة.

 _______________________

1 . قال رسول الله(صلى الله علیه وآله) كراراً: «سلمان مِنّا أهل البیت» ونقلها المرحوم العلاّمة المجلسی فی مختلف أجزاء بحار الأنوار حیث وردت فقط فی ج 22، ص 326 و 330 و 348 و 374 و 385.

 

 

 32 أفضل الأعمال

 

عن أمیرالمؤمنین(علیه السلام): «علم أصحابه فی مجلس واحد أربعمائة باب مما یصلح للمؤمن فی دینه ودنیاه... قال: انتظروا الفرج ولاتیأسوا من روح الله، فإنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ انتظار الفرج».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 10، ص 96.

 

 

 

 الشرح والتفسیر: ما المراد من كلمة «الفرج»؟:

یوجد هنا احتمالان: 1. الألف واللام فی الفرج للجنس، أی أرجوا الأمل فی حل المشاكل دائماً فی المصائب والصعاب ولاتیأسوا قط من رحمة الله; لأنّ رحمة الله مطلقة ولا متناهیة. فالدنیا لاتخلو من المطبات ولمختلف الأمم العدید من المعضلات والتعقیدات، وأحیاناً یضیّق الشیاطین والطواغیت على الناس فیضعف عسكر الإیمان بحیث تشتد هذه المصائب أحیاناً، إلاّ أنّ المؤمنین لا ییأسون قط من رحمة الله. على سبیل المثال، إشتد الضیق بالمسلمین فی معركة الأحزاب والذی عبّر عنه القرآن (بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ)(1) والذی نعبّر عنه «بلغ السیلُ الزُبى» مع ذلك كان المسلمون یأملون بانفراج الموقف ورفع المشاكل  وانتظار الفرج وقد أثمر ذلك الانتظار وقد قضى الله على الكفّار بتلك الریح. وعلیه فإن طرأت بعض الصعوبات على المجتمع، الحوزات العلمیة، الثورة، الشبّان، الحكومة الإسلامیة ونوامیس المسلمین فلا ینبغی أن نیأس من رحمة الحق، فرحمته عامة وتشمل من لم یعرفه ویتوسل به(2) فكیف لا تشملنا؟!

2. لهذه المفردة معنى معهود، أی انتظروا الفرج الخاص الذی ینتظره جمیع المسلمین والشیعة، بعبارة أخرى أنّ هذه الروایة توصینا أن ننتظر نهضة الإمام المهدی(علیه السلام). وحسب الاحتمال الثانی معنى العبارة «أحبّ الأعمال» أن انتظار الفرج أفضل من الصلاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهی عن المنكر وبالتالی جمیع الأعمال كانتظار الفرج(3).

سؤال: إنتظار الفرج حالة باطنیة فیمكن أن یزعم الجمیع أنّهم منتظرون، فهل هذه الحالة الباطنیة التی لا مشقّة فیها تكون أفضل الأعمال؟ وأفضل حتى من الجهاد بكل ویلاته وتعریضه حیاة الإنسان للخطر؟ وهل هذا الإنسان كذاك الذی یهب دمه فی سبیل الله؟

الجواب: الانتظار على أنواع:

1. الانتظار الكاذب الخالی من أیّ استعداد یقتصر على حركة اللسان.

2. الانتظار الحق الممزوج بالتأهب وهذا له درجات على غرار حالة التأهب للجهاد، حیث یكون هذا التأهب بنسبة 50% وربما 70% وأخرى 100% ولبعض المنتظرین تأهب ناقص ولآخرین كامل نسبیاً، بینما هنالك طائفة ذات تأهب تام 100%، فأی من هؤلاء مشمول یأحب الأعمال؟ لا شك إنّما یبلغ هذه الدرجة ذوو التأهب التام ولیس كل من یدّعی الانتظار. أو یمكن أن ننتظر ضیفاً عزیزاً ورفیعاً ولا نوفر أدنى أسباب ووسائل الإستقبال؟ لو ادّعى شخص هذا الانتظار ولم یستعد له لشك الناس فی عقله! من جانب آخر للإنتظار عدة صور، فهنالك فارق بین من ینتظر ضیفاً وآخر ینتظر مائة ضیف، وانتظار شخص عادی یختلف جذریاً عن انتظار إمام هو أفضل من على الأرض ویظهر  لإقامة الحكومة العالمیة ویبسط العدل والقسط. ولو تأملنا صور الانتظار لاعترفنا بأنّ هذا الانتظار هو أكبر وأروع وأسمى انتظار طیلة التاریخ البشری لكن المهم هل تشیر أعمالنا لهذا الانتظار؟ علینا أن نعین منذ الآن موقعنا فی حكومة المهدی(علیه السلام) العالمیة! هل سنكون من الأفراد فی الخطوط الأمامیة؟ أی نكون على قدر من الشجاعة والقوة. والورع والتقوى والعلم والإیمان والصمود لنكون من أوائل المجاهدین؟ أم سنكون خلف الجبهة ونقدم العون للمقاتلین؟ أم سوف لن نكون فی الخط الامامی ولا خلف الجبهة؟ بل یكون تفكیرنا محصوراً بدنیانا فقط؟ أو نعوذ بالله نقف لمواجهة إمام الزمان فی الجبهة المقابلة؟

عجبا! إنّ من یدّعى انتظار المنتظر یقف الآن فی الطرف المقابل ویقتل بسیف الإمام! مثل هذا الإنسان فی الواقع إنّما یقرأ مایعجل فی موته بقراءته لدعاء تعجیل الفرج؟! وعلى ضوء هذه التوضیحات یمكن للانتظار الواقعی أن یكون مدرسة وجامعة لتهذیب النفس.

_______________________

1 . سورة الأحزاب، الآیة 10.

2 . ورد هنا المطلب فی دعاء شهر رجب المستحب بعد الصلوات الواجبة والمستحبة.

3 . ورد هذا المضمون فی سائر الروایات، فقی بعض الروایات «أفضل أعمال أمتی» وبعضها الاخر «أفضل العبادة» وفی روایات «أفضل عبادة المؤمن». راجع شرح هذه الروایات فی میزان الحكمة، الباب 240.

 

 

 33 خیر رفیق

 

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «حُسنُ الخُلقِ خَیرُ رَفِیق» وقال أیضاً: «ربّ عزیز أذلّه خُلقُه وذلیل أعزّه خُلُقه».(1)

_______________________

1 . سفینة البحار، ج 2، ص 678.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

حیاة الإنسان حیاة جماعیة ولذلك لا یسعه العیش وحیداً، لأنّه یتخلف فی هذه الحالة عن كل شىء. ومن الواضح أنّ الحیاة الجماعیة والاجتماعیة بحاجة إلى رفیق وصدیق، لیواكب الإنسان ویعینه فی المصاب والبلاء والسراء والضراء. والحیاة دون رفیق مریرة وشاقة تؤدی إلى عذاب الروح البشریة، ومن هنا كان السجن الإنفرادی أقسى عذاب للإنسان السجین. وحسب هذه الروایة فإنّ خیر رفیق للإنسان حسن خلقه. فالأخلاق الحسنة تجذب الآخرین إلیه وبذلك یزداد أصدقاؤه، فالشخص الحسن الخلق یسارع جمیع الناس لرفقته. فربما یتحلى شخص بجمیع مواطن القوة كالمال والمقام والشخصیة والتحصیلات العالیة والاُسرة العریقة والمتدینة والعقائد الراسخة والعمیقة وما شابه ذلك لكنّه یفتقد الأخلاق الحسنة، فمثل هذا الإنسان یصبح ذلیلاً. وبالعكس لعلّ شخصاً لا یمتلك أیّاً من الأمور المذكورة لكنّه حسن الخلق، فمما لا شك فیه أنّ هذا الشخص عزیز عند الجمیع ینظرون إلیه باحترام. والروایة المذكورة إشارة إلى هذا الموضوع ومعناها أنّ حسن الخلق غطاء على جمیع المساوىء والعیوب ونقاط الضعف، كما أنّ سوء الخلق یلغی ویغطی على جمیع المحاسن وأمور الإنسان الإیجابیة. وقد جاء التأكید فی الآیات والروایات على مسألة الأخلاق لتأثیرها البالغ فی إدارة وزعامة المجتمع. ولاسیما أهل العلم الذین ینبغی أن یركزوا على هذه المسألة، فیردوا بمرونه على الإساءات الخلقیة والإهانات حتى لا یتهموا بالعنف والغلظة.

 

 

 34 خیرالزاد

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «لا خیرَ فی شیء من أزوادها إلاّ التقوى».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 111.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

لما عاد(علیه السلام) من صفین وبلغ الكوفة وقف على القبور وجعل یخاطب أرواح الموتى بالحدیث عن حوادث وأخبار الدنیا، ثم طالبها(علیه السلام) بأن تتحدث له وصحبه عن حوادث وأخبار عالم الآخرة ثم واصل(علیه السلام) كلامه لیشق ذهول من رافقه فقال: «أمّا لو اُذن لهم فی الكلام لأخبروكم أنّ خیر زاد التقوى»(1). والواقع أنّ الروایتین المذكورتین وسائر الروایات المشابهة اقتباس من الآیة الشریفة: (تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزَّادِ التَّقْوَى).(2) فالزاد كان أمر غایة فی الأهمیة فی الأسفار القدیمة، خلافاً لما علیه الیوم حیث لیست له تلك الأهمیّة. فكان المسافر فی السابق عندما یسافر من قریة إلى أخرى ومنطقة لأخرى یعدّ بعض لوازم السفر والمواد الغذائیة التی یعبّر عنها بالزاد والمتاع. ولابدّ أن یكون هذا الزاد: 1. قلیل الحجم 2 . لایتعرض للفساد.

وقد شُبّهت الدنیا فی الآیة الشریفة السابقة والروایتین المذكورتین بمنزل یقصده المسافرون لیقیموا فیه مدة قصیرة ویأخذوا منه زاداً ومتاعاً ویواصلون حركتهم. ثم وصف التقوى على أنّها أفضل الزاد والمتاع الجامع للصفات الثلاث المذكورة. حقاً إنّ التقوى تزیّن كل موضع وإلاّ كان خراباً. طبعاً وجود الشرطة وممانعة الناس ضروریة لعدم ارتكاب المخالفة لكنها لیست كافیة، والشیء العملی وجود الشرطة الذاتیة والتقوى الإلهیّة. فتقوى المقاتلین هی التی تقف وراء انتصار الشعب الإیرانی المسلم الذی خرج مرفوع الرأس بعد ثمان سنوات من الحرب المفروضة والاستنزافیة غیر المتكافئة وضاعفت شموخ الإسلام لدى العالم، فلا ینبغی أن نغفل عن هذه الخاصیة العظیمة. سئل الإمام الصادق(علیه السلام)عن الآیة الشریفة: (یَوْمَ لاَ یَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِیم)(3)فقال(علیه السلام): «القلب السلیم القلب الذی لیس فیه سوى الله»(4) وثمرة عدم وجود ماسوى الله هی التقوى; أجل التقوى ثمرة القلب السلیم.

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصارالكلمات 120.

2 . سورة البقرة، الآیة 197.

3 . سورة الشعراء، الآیة 88 ـ 89.

4 . التفسیر الأمثل، ج 15، ص 274.

 

 35 أفضل طریق للعبودیة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یا كمیل إنّ أحبّ ما امتثله العباد إلى الله بعد الإقرار به وبأولیائه، التعفف والتحمّل والإصطبار».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 414.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

1. ما التعفف؟ للتعفف معنى خاص ومعنى عام: المعنى الخاص هو العفة عن الزنى، كما عبّر القرآن الكریم: (الَّذِینَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)(1). وهو ذات الشیء الذی دفع یوسف(علیه السلام) ثمنه باهضاً لحفظه. وأمّا معناه العام فمطلق الورع والزهد وعدم الإغترار بالحرام بالنسبة للمال والمقام وجمیع إغراءات الحیاة. فالتعفف حسب هذا التفسیر هو الإغماض عن الحرام فی جمیع المجالات. والعفة بالمعنى الواسع لهذه الكلمة علامة شخصیة الإنسان وإیمانه.

2. ما المراد من التحمل؟ لا شك فی أنّ لحیاة كل إنسان بعض الصعوبات فهناك المصاعب التی تكتنف الدراسة ومخالطة الناس والحصول على الرزق الحلال وعبودیة الله والصدق والعفة والسیر والسلوك إلى الله وبالتالی جمیع الأنشطة والفعالیات والتی ینبغی تحملها وعدم الانحناء لها. وعلینا أن نعتبر فی تحمل الصعاب كسائر الأمور ـ برسول الله(صلى الله علیه وآله) ـ فحین  كسر العدو رباعیته وشجّ جبهته لم ییأس، بل تغلب على تلك الصعاب حتى فی تلك الحالة ولم یكفّ عن هدایة الناس داعیاً لهم «اللّهم اغفر لقومی فإنّهم لا یعلمون»(2) فتبیلغ الدین وارشاد الناس یتطلب تحمل; تحمل الدعة والمشقّة.

3. ما الإصطبار؟ الإصطبار من مادة صبر. والفارق بین الصبر والتحمل أنّ للصبر جانباً إیجابیاً بینما للتحمل بعد سلبی.

قال الإمام علی(علیه السلام): «فصبرت وفی العین قذى وفی الحلق شجا»(3) حقاً إنّ مثل الصبر الإمام خمساً وعشرین سنة أمر فی غایة الصعوبة. ونحن أیضاً علینا أن نتحلى بالصبر والتحمل لنواصل ثورتنا الإسلامیة للأجیال القادمة. وإنّ العفة والتغاضی عن الحرمات وتحمل المشاكل والصعوبات والصبر وضبط النفس من العناصر الفاعلة فی حفظ ودیمومة الثورة الإسلامیة.

_______________________

1 . سورة المؤمنون، الآیة 5.

2 . بحار الأنوار، ج 20، ص 21.

3 . نهج البلاغة، الخطبة 3 .

 

 

 36 الوصایا الخمس لحیاة أفضل

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یا كمیل قُلِ الحقّ على كل حال ووادّ المتقین واهجر الفاسقین وجانب المنافقین ولاتصاحب الخائنین».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 413.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

أوصى الإمام علی(علیه السلام) كمیل الذی یعدّ من خلّص صحبه بخمس وصایا طبق هذه الروایة لنیل أفضل الحیاة:

الوصیة الاُولى: یا كمیل قل الحقّ على كل حال وتعصب له طیلة حیاتك، سواء فی السراء أم الضراء وحین تكون مقتدراً أو فاقداً للقدرة، وسواء كنت متربعا على السلطة أم على الأرض والخلاصة قل الحقّ طیلة حیاتك على الأرض فی هذه الدنیا، ثم أوصاه(علیه السلام)بمن یقرب منه ویبتعد عنه فی حیاته.

الوصیة الثانیة: رافق المتقین واحبّهم، لأنّ الصدیق المتقی حیث یصادقك لرضى الله فإنّه لا یتخلى عنك فی المشاكل والصعاب، ومن هنا فلا یشجعك على المعصیة ولهذا لا یحول دون طاعتك وعبادتك. نعم احفظ فی خزانة قلبك دائماً مودّة المتقین. ثم أمر كمیل بالتحفظ عن ثلاث فئات:

الوصیة الثالثة: اهجر الفاسقین، فالفسقة یلوثونك وأهلك بالمعاصی، إذن أقصهم من حیاتك واقطع علاقتك بهم صوناً لنفسك وأهلك.

الوصیة الرابعة: احذر یا كمیل مصاحبة المنافقین. إنّما أوصى الإمام(علیه السلام)بالهجران بشأن الفاسقین والمجانبة حذراً بالنسبة للمنافقین، كون كل مجتمع لا یخلو من المنافقین ولا یمكن فصلهم ولا یمكن التعرف علیهم بسهولة. واعظم صفعة تلقاها المسلمون من المنافقین ومن هنا لابدّ من مراقبة مكرهم وحیلهم والحذار منها وإن تعذر تطهیر المجتمع منهم.

الوصیة الخامسة: یا كمیل لا تصاحب الخائنین، فلیس للإنسان الخائن جدارة الصداقة والرفقة لأنّه عدیم الوفاء . لو تمعن فی هذا الكلام واصبح عملیاً فی المجتمع لشهد قطعا حالة من التحول والتغییر; ذلك لأنّ كل مجتمع یعانی من الخیانة والنفاق والمعصیة وكتمان الحق ویحتاج إلى التقوى والطهر وبیان الحقائق والأفراد الورعین. فلو طهرنا مجتمعنا من هذه الصفات القبیحه والرذائل وزیناه بالصفات الحمیدة لأصبح بلاشك مجتمعاً نموذجیاً.

 

 

 37 نتیجة طول الأمل

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «أطول الناس أملاً أسوأُهم عملاً».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 1، ص 144، الباب 117، ح 720 .

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

ربط الإمام(علیه السلام) بین طول الأمل والأعمال السیئة فبیّن أنّ طول الأمل لیس سیئا فحسب، بل كلما كان الأمل أطول كانت الأعمال التی تصدر من الإنسان أسوأ. وقد طرحت عدّة طروحات وعدّة مباحث بشأن طول الأمل(1) ونكتفی هنا بطرح سؤالین والاجابة عنهما:

سؤال: هنالك تعارض فی الروایات التی تتناول طول الأمل، فمن جانب بعض الروایات ومنها هذه الروایة تعتبر الأمل أمراً سلبیاً ولا قیمة له وتحذر الناس منه، ومن جانب آخر نعلم أنّه لولا الأمل لا نتهت الحیاة; ذلك لأنّ الإنسان یحیى بالأمل. ومن هنا جاء فی الحدیث النبوی الشریف: «الأمل رحمة لأمتی» وجاء فی هذا الحدیث: «لولا الأمل لما أرضعت أم ولدها ولما زرع الفلاح»(2)، واستناداً لهذا فهل الأمل محمود أم لا؟

الجواب: الأمل ضمن حدود معینة و معقولة محمود وهذا هو ما عبّر عنه بالرحمة وأساس مواصلة الحیاة; أمّا طول الأمل وخروجه عن المعقول، الأمل الذی یستحوذ على ذهن الإنسان، الأمل الذی یبعده عن سعادته، فلا شك فی أنّ هذا الأمل لیس بمطلوب وهذا ما أشارت إلیه الروایة المذكورة.

سؤال آخر: لِمَ یؤثر طول الأمل سلبیاً على أعمال الإنسان؟

الجواب: لأنّه یغفل الإنسان عن الموت والحساب ومحكمة العدل الإلهی، والإنسان لا یسلم إن غفل عن عالم الآخرة. أضف إلى ذلك فإنّ الإنسان إن وظّف فكره واستعداده وطاقاته المحدودة باتجاه تحقق الآمال الطوال فسوف لن یكون لدیه القدرة على الإتیان بالأعمال الصالحة. جاء فی الحدیث النبوی الشریف: «والذی نفس محمّد بیده ما طرفت عینای إلاّ ظننت أن شقرای لا یلتقیان حتى یقبض الله روحی»(3). وأقل وحدة زمانیة فی مقاساتنا طرفة العین، ولیست هنالك من ضمانة ولو طرفة عین فی مواصلتنا لحیاتنا. وعلیه لابدّ أن نقصر الأمل ونفكر فی إعداد الزاد والمتاع لعالم الآخرة محطتنا الأصلیة. والإنسان الذی یوقن بأنّه مفارق أصحابه (بالموت) ویوارى (بالتالی) التراب ویواجه الحساب (والكتاب الالهی یوم المعاد) ولا یحتاج ما جمعه فی الدنیا سوى ما قدم لآخرته فالأولى به أن یقصر أمله ویبادر للعمل(4).

_______________________

1 . راجع شرح هذه الأبحاث فی الأخلاق فی القرآن، ج 2، ص 177.

2 . میزان الحكمة، ج 1، ص 140، الباب 113، ح 673.

3 . میزان الحكمة، ج 1، ص 145، الباب 118، ح 729.

4 . المصدر السابق، ح 724.

 

 

 38 إستقامة اللسان

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ولقد قال رسول الله(صلى الله علیه وآله) لا یستقیم إیمان عبد حتى یستقیم قلبه، ولا یستقیم قلبه حتى یستقیم لسانه».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 176.

 

 

الشرح والتفسیر

 

هنالك سبیلان لخلق وترسیخ الإیمان: الأول: العقل والبرهان. والآخر: الشهود والباطن. ولا یتسنى هذا الإیمان من هذین السبیلین دون إصلاح القلب. فإن أردنا الولوج من سبیل البرهان فإنّ هناك موانع إن قضینا علیها وفقنا بهذا الخصوص. فالشیطان مع ماله من ذكاء غفل عن مطلب واضح وقال حین سئل عن سبب عدم سجوده لآدم أسوة بسائر الملائكة: (لَمْ أَكنْ لاَِّسْجُدَ لِبَشَر خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَال مِّنْ حَمَإ مَّسْنُون)(1) والحال لم تكن عظمة آدم بجسمه، بل لروح الله التی نفخت فیه. إلاّ أنّ الشیطان لم یلتفت لهذا الأمر، حیث كانت لدیه عقبة تمنعه من المعرفة هی التكبر وحبّ الذات. وعلیه فالإنسان العابد الهوى لا یمكنه عبادة الله من خلال البرهان. والنتیجة إن أردنا الإیمان عن طریق البرهان لابدّ من إصلاح القلب. وأمّا إن ارید بلوغه عن طریق الشهود والباطن; الطریق الذی سلكه علی(علیه السلام): «ما كنت أعبد ربّا لم أره»(2) فمن الواضح أنّه یحتاج إلى قلب مستقیم وطاهر. لابدّ من نفض غبار القلب لیتسنى رؤیة الحبیب.

_______________________

1 . سورة الحجر، الآیة 33.

2 . اصول الكافی، ج 1، ص 98، كتاب التوحید، باب فی ابطال الرؤیة.

 

 

 القلب واللسان

 

لم یكن علماء الأخلاق آنذاك حین تلا علی(علیه السلام) هذا الحدیث عن رسول الله(صلى الله علیه وآله); لكنهم یقولون الآن إّن أعظم وأغلب الذنوب بواسطة اللسان. وقد ذهب بعض علماء الأخلاق إلى أنّ عدد الكبائر أكثر من عشرین، بینما أحصینا 30 كبیرة فی كتابنا الأخلاق فی القرآن(1) وهی الذنوب التی اعتبرها البعض أشد من الزنا.(2)

أیّها القراء الأعزاء! لا یبلغ الإنسان شیئاً ما لم یستقم اللسان. ذلك لأنّ اللسان أداة ووسیلة لدى الإنسان على الدوام; أمّا سائر وسائل الذنب فلیست حاضرة دائماً للإنسان. والأسوأ من ذلك ما یؤسف له أن قبح ذنوب اللسان قلّلت وأزیلت فی بعض المواقع. فلو فرش أحدهم والعیاذ بالله بساط قمار فی مسجد لاعترض علیه الجمیع، أمّا إن اغتاب أحداً وهذا أسوأ من القمار، قَلَّ من یعترض علیه. وعلیه لابدّ أن نراقب ألسنتنا سیما حین الغضب والحسد وبروز المصاعب والمصائب، فإصلاح اللسان إحدى خطوات السیر والسلوك ومقدمة لإصلاح القلب.

_______________________

1 . راجع الأخلاق فی القرآن، ج 1، ص 316.

2 . قال رسول الله(صلى الله علیه وآله): «الغیبة أشد من الزنا» میزان الحكمة، ج 7، ص 333.

 

 

 39 التعلیم والتعلم الإلزامی

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ما أخذ الله على أهل الجهل أن یتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن یعلّموا».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 478.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

هنالك مشروعان مهمّان فی الإسلام یضمن تطبیقهما سلامة المجتمع وسعادة الناس فی الدنیا والآخرة فی جمیع مجالات الحیاة وهما:

1. إرشاد الجهّال 2. الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر.

واختلافهما أنّ الشخص فی الأول یرتكب مخالفة ولا یدری بذلك فالجهل یدفعه للقیام ببعض الأعمال المخالفة، لكنّه فی الثانی یرتكب المخالفة والمنكر عالماً أو یكف عن الإتیان بالمعروف. لا شك فی أنّ لتطبیق هذین الركنین الأساسیین والمهمّین والذین یعدّان من وظائف الأنبیاء والأولیاء، بل حسب اعتبار وظائف الله، آثار وفوائد عظیمة. ویبث الروح فی حیاة المجتمع. ولا ینبغی أن یغفل المبلغون الدینیون والأفراد الناشطون فی إرشاد المجتمع عن أیّ من هذین المشروعین ویقومون بكل منهما حسب الظروف المتاحة. والنقطة المهمّة التی تستفاد من الحدیث المذكور أنّ العلماء مسؤولون بذات المقدار المسؤول فیه الجهّال عن أعمالهم وضرورة الاندفاع نحو تعلم العلم، بل لعلّ مسؤولیتهم أعظم. ومن هنا أخذ الله عهد الجهّال بالتعلم والعلماء بالتعلیم.

 

 

 40 تفسیر آخر للتقوى

 

قال الإمام علی(علیه السلام) فی رسالة وجهها لمعاویة:

«فاتق الله فی نفسك ونازع الشیطان قیادك واصرف إلى الآخرة وجهك فهی طریقنا وطریقك واحذر أن یصیبك الله منه بعاجل قارعة تمس الأصل وتقطع الدابر».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الرسالة 55.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

یستفاد من هذه العبارات تفسیر آخر للتقوى وهو أنّ التقوى أن لا یسلس الإنسان قیاده للشیطان وعدم التقوى تعویض زمام اختیار الإنسان للشیطان. ولمزید من التوضیح لابدّ من الالتفات إلى أنّ الناس من هذه النظرة ثلاث طوائف:

1. الطائفة التی یئس الشیطان من إضلالها والتحكم بأمورها، وبالطبع فإنّ هذه الطائفة عدّة معدودة باسم «المخلصین» الذین قال فیهم القرآن على لسان الشیطان: (لاَغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعِینَ * إِلاَّ عِبَادَك مِنْهُمُ الْمُخْلَصِینَ)(1). كما أمَّن الله تعالى هؤلاء فقال: (إِنَّ عِبَادِى لَیْسَ لَك عَلَیْهِمْ سُلْطَانٌ)(2). وهذه الطائفة من عبادالله عبارة عن المعصومین(علیهم السلام)وأولیاء  الله حیث قضى هؤلاء على عناصر وجذور الفساد فی باطنهم، ومن هنا لم یكن للشیطان من سبیل إلیهم.

2. الطائفة الخاضعة تماماً للشیطان حتى أنّها لتقتفی آثاره أحیاناً دون دعوته! ولا حاجة لتوضیح وضع هذه الطائفة.

3. الطائفة الثالثة التی لیست تابعة مطلقاً لله تعالى ولا مسلّمة محضاً للشیطان، بل تطیع أمرالله تارة وتخدع بالشیطان وتطیعه تارة أخرى. قال الله تعالى فی الآیة 20 من سورة الأعراف بشأن هذه الطائفة التی لیست قلیلة: «إنَّ الَّذینَ اتّقَوا إذا مَسَّهُم طائِفٌ مِنَ الشَّیطانِ تَذَكروا فإذا هُمْ مُبصِرُونَ». فالشیطان یطوف حول قلب الإنسان علّه یظفر ببوابة للدخول، بوابة المال والمقام والشهوة والمرأة والولد والمدح الكاذب وما شابه ذلك. ولابدّ أن نكون على الأقل ضمن هذه الطائفة لنتمكن من الإبصار عن طریق ذكر الله ونهرب من الشیطان كهروبنا من سارق الأموال فإن غفلنا سرق الشیطان مصادرنا.

إلهی! وفّقنا للسیر بغیة بلوغ طائفة المخلصین.

_______________________

1 . سورة الحجر، الآیة 40 ـ 41.

2 . سورة الحجر، الآیة 42.

 

 

41  تقدیم السراج

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ما تُقدّم مِنْ خَیر یَبقَ لَك ذُخرُهُ، وَمَا تُؤخرُهُ یَكنْ لِغَیرك خَیرُهُ».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الرسالة 69.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

استفحل الیوم جنون الثروة أكثر ممّا مضى دون أن یحسبوا ویسألوا أنفسهم ما الهدف الأصلی وفلسفة هذه الثروة؟ أوَلا یدرك أولئك الذین یجمعون الثروة بشكل جنونی دون أدنى اكتراث لسبل جمعها من حیث الحلال والحرام والظلم والعدالة، أنّهم لا یستطیعون حمل كل هذه الثروة معهم إلى قبورهم؟! أوَلا یعتقدون بأنّ جمع كل هذه الثروة ووداعها وبقاء مسؤولیتها لیس بعمل عقلائی؟(1) لعل التفكیر والتمعن فی مضمون هذه الروایة یمكنه أن یغیر مسار حیاة الجمیع ولا سیما الأغنیاء والأثریاء. انتبه لهذه القصة: دُعی ثری لضیافة، ولما انطلق نحو المكان برفقة غلامه، وكان الغلام یحمل بیده سراجاً لإضاءة الظلمة، كان یتحرك خلفه عامداً. فسأله الثری: ما فائدة السراج الذی یُضیء خلفی؟ تقدم لأستفید من سراجك. قال الغلام الذی كان یعرف بذكائه وعلمه بوقائع الأمور ضمن تأییده لما ذكره:

سیدی اشاطرك هذه العقیدة فالخیرات والمبرات التی تحصل بعد موت الإنسان كهذا السراج خلفك لیست لها من آثار تذكر، ولابدّ من سراج فی الأمام لعالم الآخرة. أخذ هذا الكلام مأخذه من الثری والذی قاله ذلك الغلام وفی ذلك الوقت المناسب بحیث أوقف أغلب أملاكه للأمور الخیریة، حتى قیل إنّ موقوفاته فی مشهد تأتی بعد موقوفات مرقد الإمام الرضا(علیه السلام).

_______________________

1 . مائة وخمسون درساً من الحیاة، ص 170.

 

 42 حصیلة اقتران الكسل بالعجز

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «إنّ الأشیاء لمّا ازدوجت ازدوج الكسل بالعجز فنتج منهما الفقر».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 75، ص 59.

 

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

رائعة هی العبارة الواردة فی هذه الروایة، حیث بیّن(علیه السلام) طبق هذه الروایة أنّ مختلف الأشیاء ازدوجت واقترنت مع بعضها فی بدایة الخلقة، فازدوج كل شیء بما یناسبه وأخذت السنخیة والتناسب بنظر الاعتبار، فكان الكسل كفؤ وصنو العجز فازدوجا وكان حاصل ازدواجهما الفقر. فقد بیّن فی هذه الروایة عاملان وعنصران مهمّان للفقر یمكن اجتنابهما: العامل الأول، الكسل; وممّا لا شك فیه أنّ الكسل سبیل یؤدّی إلى الفقر. والعامل الثانی العجز وهو على نوعین:

أ) العجز الطبیعی كأن یولد الشخص أعمى.

ب) العجز الكاذب وهو كثیر. فالقوّة الحقیقیة لكل إنسان عشرة أضعاف قوته المستعملة. ویمكن لمس هذا الزعم عملیاً حین الغضب. ولو زال العجز عن المجتمع، العجز الذی یؤدّی إثر تلقین النفس إلى التقوقع والضعف والخمول ویثق أبناء المجتمع بأنهم قادرون، فمّما لا شك فیه سیحدث انقلاباً عجیباً فی المجتمع وسیكون جمیع أبناء المجتمع فاعلون وناشطون. وللفقر والعجز آثار سیئة جمّة، تقضی على دین الإنسان وإیمانه وموقعه، وتهز ركائز العزّة والاستقلال وتجعل الإنسان تابعاً. فقد أبدت إیران على عهد الشاه سلطان حسین درجة من الضعف بحیث سیطر علیها الأفغان ونهبوا خیراتها. ولكن نفس هذا الشعب الضعیف والعاجز حین خضع لإمرة نادر شاه وتجاوز ضعفه وعجزه نجح فی تطهیر بلده من دنس الأجانب وطردهم من أرضه. كما كان الشعب الإیرانی ضعیفاً وذلیلاً قبل الثورة، إلاّ أنّ طاقات هذا الشعب تحرّكت بنهضة الإمام الخمینى(قدس سره) لتوجه صفعتها الموجعة لصرح الطاغوت.

كما تمكن النبی الأكرم(صلى الله علیه وآله) خلال مدّة قصیرة من فتح أغلب بلدان العالم بأولئك العرب البدائیین فی عصر الجاهلیة والذی یسود مجتمعهم مختلف صنوف الذل والهوان! وقد خسر الیابانیون كل وجودهم فی الحرب العالمیة الثانیة، لكنهم حفظوا إرادتهم وجهدهم فكافحوا بكل نشاط حتى سیطروا على الجانب الأعظم ـ فی الوقت الحاضر ـ من الأسواق العالمیة. فالأفراد الناجحون یباشرون نشاطهم قبل شروق الشمس ولا ینامون كثیراً ولیس لهم من تعطیلات طویلة وأساس نظامهم على السعی والعمل وعدم التعطیل. جاء فی الروایة أنّ العطسة من الرحمن والتثاؤب من الشیطان.(1) وفلسفة ذلك أن الإنسان یشعر بالحیویة بعد العطسة ویستعد للنشاط، لكن التثاؤب یرمز إلى الكسل والدعة والرغبة بالنوم. والنقطة الأخیرة أنّ الفقر فی هذه الروایات لا یقتصر على الفقر الاقتصادی، بل یشمل الفقر العلمی. فالفرد الكسول والعاجز لا یبلغ شیئاً فی مسیرة العلم.

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 73، ص 52.

 

 43 حساب النفس

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «مَن حاسبَ نفسَه رَبِحَ، ومَن غَفَل عنها خَسِرَ».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 208.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

حضیت المحاسبة بتأكید شدید فی الروایات الإسلامیة والتی لا ینفك علماء السیر والسلوك عن التركیز علیها. فما المحاسبة؟ لابدّ أن نقول فی الجواب إنّ للإنسان مصادر مهمّة طیلة عمره ینهمك فی تأمینها واستهلاكها. والمحاسبة أن یراقب ماالذی یحصل علیه من تأمین هذه المصادر المهمّة؟ هل یستغل هذه المصادر القیمة كالعمر والعقل والدین والإیمان وما شابه ذلك كما ینبغی؟ الله محاسب ورغم أنّ علمه مطلق فقد صنع سجل عمل لجمیع الأفراد وسیحاسبهم على أعمالهم وعقائدهم وسلوكیاتهم، ویا له من سجل دقیق ومنظم بحیث یحصی أصغر أعمال الإنسان.(1) ویجری جمیع نظام الوجود على أساس الحساب والدقة. إذن لماذا لا یكون الإنسان من أهل الحساب مع أنّه لا یعتبر حتى قطرة من بحر عالم الوجود؟ لابدّ أن نحاسب أنفسنا مرّة كل یوم أو كل أسبوع أو كل شهر; كم أدیّنا من عبادة خالصة؟ كم خدمنا الآخرین؟ ما مدى تجاوزنا لحقوقنا؟ هل ضیعنا حقوق الآخرین؟ ألسنا مدینین للآخرین؟ ومئات الأسئلة الأخرى; لأننا سنهزم إن لم نكن من أهل الحساب، سننّبه فجأة إلى ضیاع كل مصادرنا دون أن نظفر بشیء. ویتضح مما تقدم كیف یستفید من یخوض فی محاسبة نفسه وما مدى الخسران الذی یصیب من یغفل عن حساب نفسه.

_______________________

1 . للوقوف على شرح المباحث المتعلقة بصحیفة الأعمال راجع نفحات القرآن، ج 6، ص 75.

 

 

 44 حسن العاقبة

 

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «إذا أراد اللهُ بعبد خیراً وفَّقَه لإنفاذ أجله فی أحسن عمله، ورزقه مبادرة عمله فی طاعته قبل الفوت».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 10، ص 591، الباب 4145، ح 2939.

 

 

 الشرح والفسیر

 

لحسن العاقبة أهمیّة فائقة. ومن هنا فالدعاء بعاقبة الخیر عظیم الأهمیّة. واستناداً لهذا الأصل «إنّ الأجل مباغت» ولا فرق فی رسالة الأجل بین المعافی والمریض والكهل والشبّاب والرجل والمرأة والصغیر والكبیر والعالم والجاهل واللیل والنهار وسائر الأمور، فالإنسان ینبغی أن یحذر عاقبته. فبعض الأشخاص یكونون حین الموت أسوأ الأحوال كمجلس المعصیة وحین السكر وفی حالة السرقة وما شابه ذلك. والبعض الآخر فی أحسن الحالات كأن یصلی الصبح ویوفق فی سجدة الشكر للقاء الله أو عند الطواف فی الكعبة أو الصوم أو فی الجبهة حین القتال وتفیض روحه. فقد أوصینا بالتأهب دائماً، فإن ارتكبنا ذنباً التفتنا وإن كان لأحد حق فی أعناقنا أعدناه ولا نفوض للآخرین أو نسوف هذه الأعمال. فمعیار الفلاح العقیدة والإیمان حین موت الإنسان; فما أكثر الأفراد الذین حسنت عاقبتهم ولم تكن مسیرتهم صحیحة(1) وبالعكس كان هنالك العدید من الأفراد الذین یبدو أنّهم كانوا على طریق الحق ولكن ساءت عاقبتهم!

وسرّ حسن عاقبة الشخص أن یكون متأهباً دائماً ویؤدّی حقوق الله والناس، ذلك لأنّه یستطیع إطفاء النار بقطرات دموعه فی حیاته، بینما تغلق صحف الأعمال بعد الموت وتفوت فرصة التدارك.

_______________________

1 . راجع سیرة بعض هؤلاء الأفراد السعداء فی كتاب حسن عاقبة أفراد العالم.

 

 45 حق التقوى

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ما فات الیوم من الرزق رجى غداً زیادته، ومافات أمن من العمر لم یرج الیوم رجعته، الرجاء مع الجائی والیأس مع الماضی فـ «اتّقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 114.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

طرح(علیه السلام) بادىء كلامه إحدى نقاط الضعف الاجتماعیة وهى: أنّ الناس حسّاسون بالنسبة لما یفقدون من إمكانات مادیة یمكن تعویضها بینما لا یبدون مثل هذه الحساسیة تجاه فوات أعمارهم التی یأبى التعویض. والحال مایقتضیه العقل لابدّ من الحسرة على ما مضى ولا یعود والاعتبار بالماضی وإدراك قیمة ما بقى من العمر وإعداد الزاد والمتاع. ثم استشهد(علیه السلام) بالآیة 102 من سورة آل عمران فأوصى برعایة «حق التقوى» والسعی لحسن العاقبة والموت على ملّة الإسلام.

سؤال: أوصى برعایة حق التقوى فما حق التقوى؟

الجواب: هنالك خلاف بین مفسری القرآن بهذا الخصوص، لكن المسلّم أنّ حق التقوى مرتبة عالیة منها. جاء عن الإمام الصادق(علیه السلام) بشأن حق التقوى «أن یطاع فلا یعصى ویذكر فلا ینسى ویشكر فلا یكفر»(1). فهنالك ثلاث نقاط بصفتها «حق التقوى» فی روایة الإمام الصادق(علیه السلام) وأهمها مسألة ذكر الله. فذكر الله مصدر معظم الفضائل الأخلاقیة ویوجب تهذیب النفوس ولا شك أنّ هناك رابطة وثیقة بین ذكرالله وطاعته، بل ترتبط جمیع مباحث التقوى، بمعرفة الله، وكلما ازدادت المعرفة بالله وأكثرَ الإنسان من ذكر الله زادت تقواه. وعلیه فالتقوى ثمرة معرفة الله. فإن آمنت حقاً بأنّ الله أقرب إلیّ من حبل الورید وحاضر ومراقب لأعمالی فی كل مكان وعالم بما یدور فی ذهنی من أفكار وعقائد فسوف لن أقارف المعصیة; وإن آمنا بأنّ بیده العزة والذلة لما اعتقدنا بأنّ عزتنا وذلتنا بید الآخرین.

_______________________

1 . مجمع البیان، ج 1، ص 482.

 

 

 46 حقیقة الصوم

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «الصیامُ إجتنابُ المحارم، كما یمتنع الرجل من الطعام والشراب».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 5، ص 417، الباب 2359، ح 10952.

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

كما أنّ للإنسان روحاً وجسماً كذلك للعبادات روح وجسم، وجسم العبادة ظاهرها الذی یدركه كل شخص، وروح العبادة فلسفتها الوجودیة والمصالح الكامنة فیها، على سبیل المثال، لصلاة الجماعة جسم وروح; والكثیر من یأتی بحسن الشكل وظاهر هذه العبادة الكبرى، كصلوات الجماعة الملیونیة فی مكة والمدینة أیّام مناسك الحج العظیمة، لكنها للأسف خالیة من الروح. وروح الصلاة نهیها عن المنكر والفساد; غیر أنّ الفساد یضج فی مدن السعودیة بغض النظر عن مكة والمدینة. وروح صلاة الجماعة الوحدة والوئام، وللأسف لیس هنالك من اتحاد بین كل هؤلاء المسلمین. لقد بین أمیرالمؤمنین(علیه السلام)فی العبارة 252 من كلماته القصار فی نهج البلاغة فلسفة عشرین حكماً من الأحكام الإسلامیة، مثلاً، قال بشأن الحج «فرض الله... الحج تقربة للدین». ففی أیّام الحج یجتمع ملایین المسلمین وأجسامهم متقاربة، بینما هنالك مسافة شاسعة بین القلوب، ومن هنا لا تحل فی هذا المؤتمر الضخم مشكلة واحدة من مشاكل المسلمین وكأنّهم لا مشكلة صعبة لدیهم. وللصوم جسم وروح; وجسم الصوم الامتناع عن الأكل والشرب وسائر المفطرات. أمّا روح الصوم بالاضافة إلى الإمتناع عن المفطرات الإبتعاد عن جمیع الذنوب! حتى یبلغ الصائم مرتبة التقوى حسب تعبیر القرآن الكریم(1). ومن الواضح أنّ الجسم بدون روح لیس أكثر من تمثال. وبالنظر لذلك فالصوم ثلاثة أنواع:

1. صوم من یقتصر على إجتناب المفطرات بینما لاتصوم عینه وأذنه وسائر جوارحه.

2. صوم من یجتنب الذنوب بالإضافة للإمتناع عن المفطرات.

3. صوم من طهر كعبة القلب من كل ماسوى الله ولم یقطنه سوى حب الله.

_______________________

1 . كما إشارت إلى ذلك الآیة 183 من سورة البقرة.

 

 

 

 47 حبائل الخداع

 

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «رحم الله امرءً غالب الهوى، وأفلت من حبائل الدنیا».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 10، ص 384، الباب 4042، ح 21157.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

مفهوم جهاد النفس، القتال بین حقیقة الإنسان وهوى النفس; فهناك الأهواء الطائشة فی جانب، وحقیقة الإنسان، فی الجانب الآخر. والإمام(علیه السلام) یدعو لمن یقاوم هوى نفسه. ثم أشار إلى حبائل الدنیا وحذّر الناس من هذه الحبائل الخلاّبة والجمیلة الظاهر.

 

 خصائص الفخ

 

للفخ عدّة خصائص:

1. إحدى خصائص الفخ خفاؤه لكی لا یجلب الإنتباه.

2. الخاصیة الأخرى للفخ أنّه محكم ومن یقع فیه یتعذر علیه الهروب والفرار.

3. الخاصیة الثالثة أن یجلب الإنتباه بطعمه; فالحبوب بأطرافه تخدع الطیور وتلقیها فی الفخ. ولفخ الدنیا هذه الخصائص; وأحد أفخاخ الدنیا حب المقام الذی یرافق الإنسان منذ مرحلة الشباب حتى آخر لحظات عمره(1). لكل شیء وقت معین، إلاّ أنّ حبّ المقام یرافق الإنسان دائماً طیلة عمره. وهذا الفخ یكون خفیاً أحیاناً یلبس ثوب خدمة الآخرین أو خدمة الثورة والدین أو الشعور بالمسؤولیة الشرعیة وما شابه ذلك. وقد طرحت حوله الحبوب التی تلفت النظر; فالاستفادة من النعم وضرورات المعیشة وحفظ ماء الوجه والإمكانات الأكثر وهدوء الروح والرفاهیة الأفضل وأمثال ذلك من الحبوب المطروحة حوله. والعجب أنّ هذا الفخ محكم للغایة یشقّ على من وقع فیه النجاة منه. وأحد أفخاخ العبادات، الریاء. فالریاء فی هذا النوع من العبادات یدب شیئاً فشیئاً حتى ینتهى إلى العجب، فیرى هذا الشخص أنّه أفضل وأرفع الأمة وشفیع یوم المحشر! ولا ینتهى الأمر عند ذلك الحد، بل یتأسر عقله إلى درجة لیصبح الهوى هو الأمیر فیصبح طالب الله! لابدّ من التعرف بدقه على هذه الحبائل والإبتعاد عن الوقوع فیها. فإن سقطنا فیها لا سمح الله، وجب علینا أن نفكر سریعاً فی كیفیة النجاة منها، حیث یصعب التحرر منها مع تقادم الزمان.

_______________________

1 . ورد فی الخبر «آخر ما یخرج من قلوب الصدّیقین حبّ الجاه» الأخلاق فی القرآن، ج 3، ص 30.

 

 

 48 أبواب البرّ

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ثلاثٌ من أبواب البرّ; سخاءُ النفس وطیبُ الكلام والصبرُ على الأذى».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 68، ص 89.

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

للبِرّ مفهوم واسع ویشمل جمیع الخیرات; البرّ المعنوی والمادى والفردی والاجتماعى والأخلاقی والاقتصادی والسیاسی وأمثال ذلك. وهنالك معنى واسع لما قال تعالى فی الآیة الشریفة 44 من سورة البقرة: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكمْ). قال أحد اللغویین: البرّ بالكسر والفتح بمعنى الصحراء، وحیث إنّ الصحراء واسعة فإنّ العرب تصطلح بالبِرّ على كل فعل یوسع حیاة الإنسان والبّرّ بالفتح إحدى صفات الله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِیمُ)(1). على كل حال فقد عرض الإمام(علیه السلام)ثلاثة أعمال بصفتها بوابة أبواب البِرّ وهی:

الأول: سخاء النفس

المراد من سخاء النفس أنّ هذه الفضیلة الأخلاقیة تتجذر فی قلب الإنسان بحیث یُسّر قلباً بالكرم والسخاء. لأنّ الإنسان یفرض أحیاناً السخاء على نفسه لیدرك الأجر  والثواب، إلاّ أنّه یفرح قلباً أحیاناً أخرى بسخائه ویستقر وضعه، فمثل هذا السخاء نافذ فی قلب الإنسان وفی غایة الرفعة. لا ینبغى أن ننسى أنّ الله یقضی حوائج أغلب عباده بواسطتنا، ولا نتصور أنّ ما لدینا لنا، بل أحیاناً لا نكون سوى واسطة وهنیئاً لأولئك الذین یكونون واسطة بین الله والمحتاجین. وقد بیّن تعالى هذا المطلب بأحسن صورة فی الآیة الكریمة من سورة الحدید: (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكمْ مُّسْتَخْلَفِینَ فِیهِ). ویتطلب شرح الإنفاق فی حیاة الأئمّة المعصومین(علیهم السلام) كتاباً مستقلاً، فبعض الأئمّة(علیهم السلام)قسموا أموالهم مع الفقراء أكثر من مرّة فی حیاتهم(2) والنموذج البارز على ذلك سورة الدهر(3).

 

الثانی: طیب الكلام

الكلام الطیب وحسن الخلق معین لا ینضب. فالمصدر المالی للإنسان محدود ومتوقع وحاجة المحتاجین لا حدود لها، ومن الواضح أنّ المحدود لا یلّبی حاجة اللامحدود. غیر أنّ الله وهب الإنسان مصدراً غیر محدود وهو طیب اللسان لیلبّی الحاجات اللامحدودة للمحتاجین، فلابدّ من التعامل معهم بلسان طیب الكلمة بعیداً عن الكلمات الجارحة .فإن تعذر مدّ ید العون مادیاً فلابدّ من اللطف بهم لساناً. فما یفعله الأدب لا تسعه عشرات الأدلة. ولطیب الكلام جاذبة عجیبة سیما فی الوقت الذی نتهم فیه بالعنف.

 

الثالث: الصبر على الأذى

الدنیا موضع الصعاب والمعضلات والمنغّصات; فالمصیبة والقحط والجفاف والزلزال والسیل ومختلف الأمراض وما شاكل ذلك من منغّصات الدنیا. وهنالك بعض الحوادث فی السیاقة وسائر الأمور التی نواجهها كل یوم ولابدّ من تحملها جمیعاً وتذكیر الآخرین بها بلسان طیب لیمكن بلوغ أبواب البِرّ.

_______________________

1 . سورة الطور، الآیة 28.

2 . نقل المرحوم الشیخ عباس القمی فی منتهى الآمال، ج 1، ص 417، عن الإمام الصادق(علیه السلام) أنّ الإمام الحسن(علیه السلام)قسم جمیع أمواله على الفقراء ثلاث مرات فأخذ نصفها ودفع النصف الآخر للفقراء.

3 . ذكرنا شرح هذه القصة نقلاً عن مصادر أهل السنّة فی كتاب آیات الولایة فی القرآن.

 

 49 الدنیا والآخرة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ما بَعُدَ كائِن وما قَرُبَ بائِن».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 419 .

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

یشیر هذا الحدیث إلى الدنیا والآخرة; والآخرة كائنة، أى قادمة; وعلیه فما سیأتی لیس ببعید. أمّا الدنیا فمفارقة على كل حال وبائنة والبائن لیس بقریب. والخلاصة فإنّ الدنیا القریبة ظاهریاً بعیدة، أمّا الآخرة البعیدة ظاهریاً فقریبة ودائمة. والتعبیرات التی وردت فی الآیات والروایات بشأن الدنیا والآخرة كثیرة وعلّة التأكید على هذه المسألة ما یعرض لنا نحن الناس للأسف من غفلة. فمنطق بعض الناس كمنطق عمر بن سعد ـ لعنة الله علیه ـ حیث یقولون: الدنیا فی الید والآخرة مؤجلة فلا ینبغی بیع العاجل من أجل الآجل(1). والحال لیست الدنیا نقد ولا الآخرة فقد; فأعظم المقامات والمناصب تزول بطرفة عین،  فیاله من نقد تافه ومتقلب. جاء فی الخبر أنّ أهل الآخرة حین ینظرون إلى الدنیا یرون جمیع عمر الدنیا لا یعدل فُواق ناقة. أمّا الآخرة فخالدة ولابدّ أن نقرّ بهذه الحقیقة ونؤمن بها وتتضح على ضوئها آثار الإیمان على أعمالنا وسلوكنا وعقائدنا. على غرار السراج إذا اُشعل فی دار فإنّ نوره یتخلل جمیع منافذها إلى الخارج.

_______________________

1 . حین أراد ابن زیاد من عمر بن سعد قتال الإمام الحسین(علیه السلام)، استمهله عمر لیفكر لیلة فی هذا الأمر، فأنشد شعراً تلك اللیلة فی حیرته ومن ذلك بیته:

ألا إنّما الدنیا لخیر معجّل *** وما عاقلٌ باعَ الوجودَ بدینِ

(منهاج الدموع، ص 291).

 

 

 50 ما یهلكان الناس

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «أهلك الناسَ إثنان: خوفُ الفقر وطلبُ الفخر».(1)

_______________________

1 . تحف العقول، المترجم، ص 239; نهج البلاغة، قصار الكلمات، 95 .

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

لو تأملنا علل ازدیاد الإنتهاكات والسرقات والرشوات والتطفیف فی مختلف أشكاله وكذلك السعی الحثیث والحریص لأكثر الناس، لرأینا للعنصرین المذكورین أعمق الأثر فی هذه الحوادث. فالبعض بامتلاكه لكل شی یمارس كل مخالفة خشیة الفقر (إنتبه، خشیة الفقر لاالفقر الواقعی) أو حسب قولهم: ضمان المستقبل. والبعض الآخر یضحی یهدوء حیاته وروحه لنیل بعض المفاخر الموهومة، والحال لو تخلّوا عن هاتین الصفتین القبیحتین لعاشوا حیاة وادعة آمنة(1).

والعبارة «أهلك الناس» ربّما إشارة إلى الهلكة المعنویة والبعد عن الله والانغماس فی الذنوب، كما یمكن أن تكون إشارة إلى الهلكة الظاهریة والجسمیة أو ما یصطلح علیها بالفیزیائیة، ذلك لأنّ خوف الفقر وطلب الفخر الموهوم یضطر الإنسان لأعمال خطیرة بحیث یحمل أحیاناً نفسه على راحته. أضف إلى ذلك فإنّ خوف الفقر وطلب الفخر عنصران یشلاّن الأعصاب یضغطان علیها دائماً ویسلبانه أمنه كالحسد الذی یأكله من الداخل ویسلمه للموت المبكر. ولا یبعد الجمع بین التفسیرین المذكورین.

_______________________

1. مائة وخمسون درساً من الحیاة، ص 94 .

 

 

 51 المبعدون عن الرحمة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «من وجد ماءً وتراباً ثم افتقر فأبعده الله».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 100، ص 60 .

 

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

تستفاد هذه الحقیقة بجلاء من الروایات الإسلامیة فی أن یستغل المسلمون فی العالم جمیع المصادر كالتدجین والزراعة والصناعة والمعادن الجوفیة والتجارة لمواجهة الفقر. وعلى الأمّة أن تسدّ نقصها الاقتصادی وإن تمتعت بإحدى هذه المصادر، فضلاً عن إمتلاكها لجمیع المصادر. وإن لم تفعل فهی أمة ملعونة وبعیدة عن رحمة الله وروح الإسلام ومحتاجة للآخرین وبالتالی فهی قبیحة ومذمومة من جانب الإسلام(1).

ونكتفی بذكر خبر واحد ونترك للقارئ العزیز إصدار الحكم لنعلم مدى عمل بلدنا الإسلامی إیران بهذه الروایة:

جاء فی تقریر منظمة الاُمم المتحدة بشأن ایران «ستحتاج ایران هذا العام إلى سبعة ملایین طن من القمح». ذكر بعض المطلعین: لقد تحولت إیران إلى أكبر مستورد للقمح بینما لدیها ستة ملایین هكتار من الأراضی القابلة للزراعة. طبعاً لابدّ أن ینبری كل الأفراد من ذوی القوّة ویرفعوا هذه الحاجة التی علقت بهذا البلد الإسلامی الكبیر.

_______________________

1 . المصدر السابق.

 

 52 العین وتأثیرها على القلب

 

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «العین رائد القلب».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 10، ص 70، الباب 3879، ح 19939.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

یمكن أن یكون هذا الحدیث القصیر والعمیق المعنى إشارة إلى الجوانب الإیجابیة أو السلبیة للعین. مثلا ربما تكون للشخص ـ نعوذ بالله ـ عین شیطانیة وینتقل هذا المرض من عینه إلى قلبه فیصبح قلبه مسخراً للشیطان. فنظرة مریبة ربّما تؤدی إلى ما لا تُحمدُ عُقباه. جاء فی الروایة بشأن خطر هذا الذنب الكبیر «أول نظرة لك والثانیة علیك ولا لك والثالثة فیها الهلاك»(1).

كما یمكن أن یكون إشارة إلى جوانب العین الإیجابیة. كأن تهدی نظرة الإنسان من الكفر إلى الإیمان ومن الشك إلى الیقین وقد ورد الحث على التفكیر فی الخلقة وخلق السموات والأرض ولا یحصل ذلك إلاّ عن طریق العین لرؤیة هذه المناظر التی أكدها القرآن. على كل حال تشیر الروایة المذكورة إلى الأبعاد الإیجابیة والسلبیة لآثار العین وتأثیرها البالغ على  قلب الإنسان وسعادته وشقائه.

ورسالة الروایة أن یفتح الإنسان عینه ویستفید مما یرى لمصلحة معرفة ذاته وعالمه الذی من حوله ثم ینقل للآخرین ما رآه.

_______________________

1 . وسائل الشیعة، ج 14، ابواب مقدمات النكاح، الباب 104، ح 8، كما توجد فی هذا الباب روایات أخرى فی النظر.

 

 

 53 التقوى واللسان

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ولیخزن الرجل لسانه فإنّ هذا اللسان جَموح بصاحبه، والله ما أرى عبداً یتق تقوى تنفعه حتى یخزن لسانه».(1)

_______________________

 1 . نهج البلاغة، الخطبة 176 .

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

الكلام فی اللسان كثیر، لكن موضوع بحث هذه الروایة علاقة السیطرة على اللسان والتقوى. فعلاقتهما وطیدة بحیث تتعذر التقوى دون لحم اللسان! فدین الأفراد وقیمتهم الوجودیة والوعی الفكری والسمّو الروحی لهم وبالتالی إنسانیة بنی آدم إنّما تُقیّم باللسان. نعم، فاللسان معیار التقییم، ومن هنا فإنّ الخطوة الأولى فی تهذیب الأخلاق حفظ وتهذیب اللسان والسیطرة علیه. فاللسان وجود خطر وفی نفس الوقت مهم جدّاً وخطره بسبب أهمیّته. وخطر اللسان أنّه لدى الإنسان دائماً وتحصل الذنوب التی تتم بواسطته بسهولة وحیث اعتدنا علیه، فللأسف زالت قباحة وشناعة معاصی اللسان. أضف إلى هذین المطلبین ـ اللذین یوضحان خطر اللسان ـ فإنّ الأخطر أنّ الذنوب التی تحصل باللسان عادة من حقوق الناس: ومن ذلك الغیبة والتهمة وبث الشائعات والمزاح اللامشروع  وإشاعة الفحشاء والكذب وإیذاء المؤمن والفحش والقذف وما شابه ذلك والتی تتمّ باللسان، لمن الذنوب التی تخصّ حق الناس. ویتضح ممّا سبق عدم حصول التقوى دون لحم اللسان. وعلیه فالخطوة الأولى فی طریق السعادة، المراقبة التامة للكلام.

 

 

 54 الشخصیة والتقوى

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «مَنْ أحبَّ المكارِمَ اجتنبَ المحارِمَ».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 419 .

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

هنالك العدید من التعبیرات فی الروایات التی تصرح بعزة وعظمة المتقین فی الدنیا. قال تعالى: (للهِِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِینَ)(1). من جانب آخر جاء فی بعض الروایات أنّ الذنب الفلانی یذهب بحیثیة الإنسان ویحط من قدره. ویستفاد من مجموع هذه المطالب وجود العلاقة بین التقوى وقیمة الإنسان فی الدنیا. وتتحدث الروایة المذكورة عن هذا المطلب وترى أنّ الظفر بالشخصیة الاجتماعیة المرموقة فی ظلّ الابتعاد عن المعصیة وطاعة الله تعالى، أی أنّ الثواب والعقاب لیس جزاء المحسن والمسیء فقط، بل للطاعة والمعصیة آثار فی هذه الدنیا. وبعبارة أخرى أنّ الدین لیس فقط لعالم الآخرة، بل مفید للدنیا أیضاً. مثلا إن الإنسان الذی یكذب ربّما یخفى كذبه على الناس أیّاماً، لكنّه یفتضح فی النهایة وبعد فضیحته یفقد ثقة الناس به.

وعلیه فالتقوى شجرة یستفاد من ثمارها فی الدنیا والآخرة. ولا ینبغی ضمناً أن ننسى أن نبته التقوى تحتاج الى الری والمراقبة كل یوم وإلاّ تذبل لابدّ من الاستغفار والتوبة لیل نهار. ولابدّ للإنسان أن یستودع الله نفسه ویراقب جوارحه حین یغادر بیته.

_______________________

1 . سورة المنافقون، الآیة 8 .

 

 55 طریق العودة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ولو فكروا فی عظیم القدرة وجسیم النعمة، لرجعوا إلى الطریق وخافوا عذاب الحریق، ولكن القلوب علیلة والبصائر مدخولة».(1)

_______________________

 1 . نهج البلاغة، الخطبة 185 .

 

 

 

 الشرح والتفسیر: أهل الدنیا ثلاثة:

 

1. فئة على الصراط المستقیم لا تسلك سبیل الافراط ولا التفریط.

2. فئة تنطلق أحیاناً على الصراط المستقیم وأخرى تضل الطریق.

3. فئة ضالة فهی جزء من «المغضوب علیهم» أو «الضالین».

وقد بیّن الإمام(علیه السلام) بهذه الروایة سبیل الرجوع لجمیع الأفراد الذین انحرفوا عن الصراط المستقیم. إنّ الرجوع إلى الصراط یقتصر على التفكیر والتأمل. فلا ینبغی تلبیة كل صوت وشعار دون تأمل، لأنّ ذلك مدعاة للخروج عن الصراط.

سؤال: ماالتفكیر الذی یعید الإنسان إلى جادة الصواب؟

الجواب: جاء الجواب فی هذه الروایة، حیث قال(علیه السلام) التفكیر فی أمرین:

1. فی عظیم القدرة الإلهیّة والإیمان بها. فاعلموا أنّ كل شیء بیده المقتدرة، فبیده العزّة والذلّة والسعادة والشقاء والنصر والهزیمة والصعود والسقوط، والخلاصة كل شیء، والواقع لیس لدینا من إرادة إزاء إرادته.

2. جسیم النعمة، لابدّ من التفكیر فی عظیم النعم الإلهیّة التی لا نهایة لها! كیف ضللنا ونحن نغرق فی نعم الله منذ ولادتنا وحتى قبلها الى آخر الحیاة، النعم الجمّة التی لا نقدر على إحصائها(1). فلو فكر الناكبون عن الصراط بهذین الأمرین لعادوا إلیه، ولكن حیث لهم قلوب علیلة وبصائر عمیة لا یسعهم بهذه العین رؤیة نعم الله ولا یدركون بقلوبهم العلیلة قدرة الله، ومن هنا لا یعودون إلى الصراط المستقیم. ومثل هؤلاء الأفراد لابدّ أن یصلحوا بادئ الأمر وسائل معرفتهم، ثم یفكرون بقلب وفكر سلیم بقدرة الله المطلقة ویروا بعیون سلیمة نعم الرحمن الوفیرة التی یصعب عدها لیفیئوا إلى الصراط.

_______________________

1 . أشار القرآن لهذا المطلب فی الآیة 34 من سورة ابراهیم والآیة 18 من سورة النحل «وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها».

 

 56 سبیل السلامة والعافیة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «العافیة عشرة أجزاء تسعة منها فی الصمت إلاّ بذكر الله وواحد فی ترك مجالسة السفهاء».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 237.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

إن سُئلَ: ما السبیل للقضاء على الذنب ومعصیة الأشخاص والأسر والبلدان وبالتالی جمیع أبناء العالم؟ لقلنا فی الجواب: لابدّ من عنصرین مهمّین لبلوغ هذا الهدف السامی:

الأول: أن تتهذب المجالات الذهنیة والروحیة والأخلاقیة لبلوغ حالة التقوى لدى الإنسان والتی تعدّ سدّاً إزاء هجوم الشهوات وكلما كانت هذه الملكة أقوى ازدادت حصانة الإنسان.

والثانی: زوال المقدمات الخارجیة للذنب، لا أن تتسع وتكثر كل یوم مقدمات المعصیة بذریعة الحریة، سیما الشبّان الذین یتعرضون للمعصیة وطغیان الشهوة أكثر من غیرهم لابدّ أن یولون أهمیة فائقة لهذین العنصرین، فلا یحضرون مجالس المعصیة ولا یطالعون القصص المثیرة للجنس وروایات الغرام الإباحیة ولا یعاشروا أصحاب السوء الذین یشجعون على  الرذیلة، ویجتنبون سائر ممهدات ومقدمات الآثام. ولو تمعنا فی المعارف والأحكام الإسلامیة لوجدنا التعالیم بهذین الشأنین. فالله تعالى لم یأذن بارتكاب الذنب ویعاقب المذنب، بل ضاعف العذاب لمن یجاهر بالذنب; ولم یحرم القمار فحسب، بل حكم بحرمة شراء وبیع وحفظ آلات القمار. ولم یحظر شرب الخمر وكل مسكر فحسب، بل لعن صاحب بستان العنب الذی یصنع منه الخمر ومصنع الخمر والوسیلة النقلیة التی تحمله ومخزن الخمر وبائعه وشاربه وساقیه(1).

وتتضح بهذه المقدمة القصیرة الإجابة عن المغالطة التی یردّدها البعض «أنّ المرأة لابدّ أن تكون حرّة فی مسألة الحجاب سواءً رغبت فیه أم لم ترغب! والناس أحرار فی الإتیان أو ترك سائر الواجبات والمحرمات، لكلٍّ أن یفعل ما یشاء!». وبطلان هذا الكلام واضح. فالعقلاء كافّة یقولون لا ینبغی إلقاء الناس فی الهاویة وتركهم أحراراً، فجمیع العقلاء یضعون سوراً حول الهاویة، ویضعون أسواراً حول النوافذ ولا یعرضون حسب الاستدلال المذكور أرواح أولادهم للخطر، ویرى الامام علی(علیه السلام)فی هذه الروایة أنّ العافیة المعنویة، أی السلامة من الذنب لها عشرة أجزاء تسعة منها فی السكوت، إلاّ أن یلهج الإنسان بذكر الله. لأنّ الجانب الأعظم من الذنوب یتمّ باللسان، ولهذا تسعة أجزاء العافیة فی السكوت. فهنالك ثلاثون كبیرة تحصل باللسان ولهذا لابدّ أن نسعى للتكلّم قلیلاً فإن قلّ كلامنا قلّت أخطاؤنا، وعلیه فالصمت مهم للغایة بحیث یمكن معرفة الأشخاص من اللسان. الجزء العاشر للعافیة والذی یعدّ إحدى مقدمات الذنب، ترك مجالس السوء والمعصیة; أی أن حضور مجالس الذنب حرام وإن أذنب الآخرون ولم تذنبوا، بل تنظرون إلیهم فقط. فالأشخاص والأُسر والمجتمع یستطیعون ردع أنفسهم عن اقتراف الذنوب والمعاصی من خلال العمل بهذه الروایات.

_______________________

1 . هناك روایة تقول: «لعن الله عشرة من الأفراد الذین یعدون ویحفظون ویتناولون المشروبات الكحولیة». راجع هذه الروایات فی وسائل الشیعة، ج 12، ابواب مایكتسب به، الباب 55، ح 5-3 .

 

 

 57 طریق نفوذ الشیطان

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یا كمیل وهو قول الله عزوجل (إِنَّ عِبَادِى لَیْسَ لَك عَلَیْهِمْ سُلْطَانٌ)(1) وقوله عزّوجلّ (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِینَ یَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِینَ هُمْ بِهِ مُشْرِكونَ)،(2).(3)

_______________________

1 . سورة الحجر، الآیة 42 وسورة الاسراء: الآیة 65.

2 . النحل، الآیة 100.

3 . بحار الأنوار، ج 74، ص 272.

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

أشار أمیرالمؤمنین(علیه السلام) فی هذه الروایة إلى آیتین; الأولى التی تنفی سلطة الشیطان على خاصة أولیاء الله. والأخرى التی تثبت سلطة الشیطان بالنسبة لطائفتین; الطائفة التی علقت فی عنقها ولایة الشیطان وخضعت لها، والأخرى التی جعلت الشیطان شریك الله، فتارة تقر بولایة الله وأخرى ولایة الشیطان. وللشیطان حسب منطق القرآن سلطة على هاتین الطائفتین. ولدى الناس تصورات خاطئة عن الشیطان. یظنون أنّهم ربّما ینصاعون للشیطان دون إرادة، والحال هذا الظن باطل. فمالم یمنح الشیطان جواز سفر لا یسع هذا الكائن التافة المطرود من رحمة الله أن یلج بلد روح الإنسان. نعم مالم یمنح الإنسان  للشیطان الضوء الأخضر ویوقع جوازه لیس له قدرة النفوذ إلیه.

سؤال: ما الأمور التی تمهد لنفوذ الشیطان وتعتبر بمثابة ضوء أخضر؟

الجواب: هنالك عدّة أمور تمهد السبیل لنفوذ الشیطان منها:

1. أصحاب السوء إحدى المقدمات المهمّة لسلطة الشیطان.

2. حضور مجالس المعصیة عنصر آخر لنفوذ الشیطان.

3. الأفلام الفاسدة والمفسدة وكتب الضلال والمشاهد المثیرة فی الفضائیات والانترنت وما شابه ذلك تمهد السبیل لتسلط الشیطان.

4. الإختلاء بالأجنبیة أیضاً من مقدمات نفوذ الشیطان. ومن هنا لا تصح الصلاة والعبادة فی مثل هذا الموضع المختلی... وأمثال ذلك. لابدّ أن نسعى من خلال القضاء على ممهدات نفوذ الشیطان لحفظ أنفسنا من وساوسه ونخرج من نطاق ولایته فنكون من زمرة أولئك العباد الذین لاسلطة للشیطان علیهم.

إلهی اجعلنا من خلّص عبادك الذین لا تؤثر فیهم وساوس الشیاطین.

 

 

 58 أهنأ مركب وأفضل الزاد

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «جعل الصبر مطیة نجاته والتقوى عدّة وفاته».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 76.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

شبّه أمیر المؤمنین(علیه السلام) الإنسان فی الدنیا بالمسافر العازم السفر إلى مكان بعید. فكل مسافر بحاجة إلى ثلاث: 1. وسیلة نقلیة مناسبة. 2. زاد ومتاع كاف، 3. جادة آمنة من الخطر. إن توفرت هذه الوسائل للمسافر فإنّه یصل لمقصده بسهولة. ونحن الناس مسافرون نحو الدار الخالدة وكسائر المسافرین بحاجة لواسطة نقل مناسبة وزاد ومتاع كاف وجادة آمنة ـ أشار الامام(علیه السلام) فی هذا الحدیث إلى هذا الموضوع على أنّ «الصبر» واسطة مناسبة لهذا السفر الطویل والخطیر; لأنّ الإنسان مالم یستقل مركب الصبر یبقى فی العقبة الأولى والثانیة. والدنیا التی وصفها(علیه السلام) بأنّها محفوفة بالبلاء(1). لا تطوى دون الصبر. وعلیه فأفضل واسطة لهذا السفر، الصبر. ثم وصف(علیه السلام) التقوى كزاد ومتاع فی هذا السفر، فالتقوى والشعور بالمسؤولیة دافع للحركة، ولا دافع للإنسان العدیم التقوى والشعور بالمسؤولیة للحركة، كما أنّ المجتمع العدیم التقوى لا دافع لدیه للحركة. ویعانی الیوم المجتمع العالمی من اللاتقوى. والأمّة إن أرادت الراحة فی حیاتها الدنیا علیها أن تتحلى بالتقوى فضلاً عن الوصول إلى الجنة وقرب الله فلابدّ أن تراعى التقوى فی جمیع مجالاتها، فهی لا تضمّن وصول القافلة إلى القرب الإلهی والمقصد المطلوب فحسب، بل یمكن لطلاب الدنیا أن یبلغوا أهدافهم بهذا الزاد والمتاع.

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 226.

 

 59 روح العبادة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «كم من صائم لیس له من صیامه إلاّ الجوع والظمأ، وكم من قائم لیس له من قیامه إلاّ السهروالعناء،حبذا صوم الأكیاس وإفطارهم».(1)

_______________________

 1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 145. كما وردت الروایة المذكورة اكثر خلاصة عن النبی الأكرم(صلى الله علیه وآله)أنّه قال: «ربّ صائم حظه من صیامه الجوع والعطش وربّ قائم حظه من قیامه السهر». میزان الحكمة، الباب 2356، ح 10639.

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

فیض الله مطلق ولطفه تعالى لا متناه، والعبادات تنبع من فیض الله. وعلیه فبركات العبادة لامحدودة. نعم، بركات الصلاة والصوم وتلاوة القرآن وحج بیت الله وزیارة المعصومین(علیه السلام)وسائر العبادات خارجة عن الحدود; لأنّ مصدرها لا محدود. إلاّ أنّ العباد لیسوا متساویین فی الاستفادة من هذه البركات، بل استفادة كل شخص تتناسب مع استعداده وتقواه وإیمانه. فالمطر ینزل بصورة لا محدودة، إلاّ أنّ حصة كل بقعة ومزرعة بقدر سعتها. واستفادة كل إنسان تتوقف على الظرف الموضوع تحت المطر. وإننا لنتجه حین العبادة صوب ینبوع الرحمة الإلهیّة المتدفق والمطلق اللامتناهی، إلاّ أنّ كل شخص یستطیع التزود من ذلك الینبوع بما یحمل من ظرف. تصور بستاناً ملیئاً بالفاكهة والكثیر من الأزهار  ویرده عدّة أفراد، فإن دخله راع لم یلتفت سوى إلى العلف الذی تتغذى علیه الأغنام، ویرده شخص آخر ویتناول من ثماره! وإن دخله الفیلسوف یتأمل قدرة الله ویقول فی نفسه یاله من صانع قدیر ابتدع كل هذا اللطف والجمال. نعم، كلّ یتزود حسب استعداده، بینما البستان واحد للجمیع. واستناداً لهذه المقدمة نعود الآن لشرح هذه الروایة. فقد أشار(علیه السلام)فی هذه الروایة. لهذا المطلب وبیّن أن حظ بعض المسلمین من الصلاة والصوم مجرد العطش والجوع والسهر، لكن بالمقابل هنالك البعض الآخر الذی یغسل جمیع ذنوبه فی شهر رمضان. فهذا یأخذ درس الاستقامة من شهر رمضان ویحبس الهوى والهوس والشیطان، وذاك یبلغ مقام التقوى، والبعض یتشرف حقّاً بضیافة الله ویتغذى على تلك السفرة الغناء بالأطعمة المعنویة المباركة.

سؤال: ماذا نفعل لننتهل أكثر من العیون الجیاشة للفیض الإلهی؟

الجواب: علینا أن نرفع مستوى معرفتنا ونزید من استعداداتنا. ومن هنا كان شهر شعبان شهر التهذیب وشهر رمضان شهر الاستفادة والانتهال; ذلك لأنّ الإنسان ینبغی أن یهیىء نفسه قبل دخول الضیافة ویرتدی ملابسه النظیفة ولیس أثناء الضیافة! نحن أیضاً لابدّ أن نعد أنفسنا فی شهر شعبان للحضور فی هذه الضیافة الكبرى ونستغفر لذنوبنا ونسیطر على أعیننا وآذاننا وألسنتنا لتكون قلوبنا مركز نور الله وآیات القرآن وننفتح على بركات شهر رمضان المبارك.

 

 

 60 الصوم الواقعی

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «صوم الجسد الإمساك عن الأغذیة بإرادة واختیار خوفاً من العقاب ورغبة فی الأجر والثواب. وصوم النفس إمساك الحواس الخمس عن سائر المآثم وخلو القلب من جمیع أسباب الشر».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 5، ص 471، الباب 2358، ح 10651.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

إنّ أحد أعظم نعم الله شهر رمضان المبارك; الشهر المفعم بأنواع البركات. فأعظم نِعم الله القرآن الكریم نزل فی هذا الشهر; نعمة هی أسمى مائدة سماویة. فأبواب الرحمة فی هذا الشهر مفتحة وأبواب جهنم مغلقة والشیاطین مغلولة وأهواء النفس مكبوتة. ولكل نعمة شكر، وشكر هذه النعمة أن نقف على فلسفة وأسرار هذا الشهر ونظفر بحقیقة الصوم. وهذه الروایة تبیّن حقیقة الصوم. فالصوم لیس مجرّد الامتناع عن الأكل والشرب، بل الصوم أن یبتعد الإنسان عن جمیع الذنوب. فإن فارق الإنسان الذنوب لشهر وتمرن على هذا العمل طیلة الشهر المبارك تبدلت هذه المسألة (الابتعاد عن الذنب) إلى «حالة» ثم «عادة» وبالتالی «ملكة» وهی مؤثرة ومفیدة طیلة السنة. وعلیه فالإنسان الذی یمتنع عن الأكل والشرب ویقارف أنواع المعاصی حتى بلسان الصوم لم یدرك حقیقة الصوم. وقد صوّر علی(علیه السلام) الصوم بصیغة أروع فی روایة أخرى فقال: «صیام القلب عن الفكر فی الآثام أفضل من صیام البطن من الطعام»(1) أی أنّ الصائم لابدّ أن یبلغ مرتبة بحیث لا یكتفی بالامتناع عن المفطرات وارتكاب الذنوب، بل لا یفكر أصلاً بارتكاب الذنب.

وإلى هذا أشار تقسیم بعض الأعلام الصوم إلى: 1. صوم العوام 2. صوم الخواص 3. صوم خاص الخاص.

فصوم العوام اجتناب الأكل والشرب وسائر الأمور التی تبطل الصوم. وصوم الخواص اجتناب جمیع الذنوب والمعاصی والمحرمات بالإضافة لما ذكر سابقاً. وصوم خواصّ الخواصّ عبارة عن اجتناب مفطرات الصوم وجمیع الذنوب والمعاصى وعدم التفكیر بالمعصیة; أی فی القسم الثالث لا تصوم البطن واللسان والید والرجل والعین، بل یصوم القلب والفؤاد ولا یفكر فی الذنب، وهذا مقام فی غایة السمو والرفعة.

إلهی وفقنا للعمل بهذه الروایات.

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 5، ص 471، الباب 2358، ح 10648.

 

 

 61 جذور الفتن

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تُتبع، وأحكام تُبتدع، یخالَف فیها كتاب الله ویتولّى علیها رجال رجالاً على غیر دین الله».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغه، الخطبة 50.

 

 

 الشرح والتفیسر

 

الفتنة: لغویاً بمعنى الإمتحان والإختیار تارة والعقاب والعذاب تارة أخرى، كما جاء فی القرآن الكریم: (یَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ یُفْتَنُونَ)(1) ولكن المراد من الفتنة فی هذا الحدیث الأحداث الاجتماعیة الساخنة التی تؤذى روحیة الأفراد وتعذبهم. طبعاً جاءت هذه المفردة ـ كما ذكرنا ـ بمعنى الإمتحان، لأنّ الإمتحان مقرون غالباً بالصعاب. بیّن(علیه السلام) فی هذه الخطبة بشأن الفتن الاجتماعیة أنّها تنطلق من شیئین:

1. اتباع هوى النفس.

2. ابتداع الأحكام المخالفة لكتاب الله والمطابقة لهوى النفس. ویستفاد من هذه الروایات أنّ اختلاف الأذواق لا یخلق الفتنة، لأنّه أمر لا یمكن اجتنابه كاختلاف الأشكال، كما لا تنبعث من أخطاء الأفراد والجماعات، مصدر جمیع الفتن هوى النفس الذی یتجلى  بصور متعددة، تارة باسم حقوق الإنسان وأخرى بعنوان الحریة وأحیاناً الدفاع عن المظلومین وأخرى أداء الوظیفة وحتى بصیغة العبادة.

وإلى هذه الموارد أشارت الآیات 103 و 104 من سورة الكهف: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكمْ بِالاَْخْسَرِینَ أَعْمَالا * الَّذِینَ ضَلَّ سَعْیُهُمْ فِى الْحَیَاةِ الدُّنْیَا وَهُمْ یَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ یُحْسِنُونَ صُنْعاً) وهذه بعض صور هوى النفس. أو ماورد فی الروایة عن النبى(صلى الله علیه وآله)حین یكون المعروف منكراً والمنكر معروفاً(2) وهذا مانشاهده الآن للأسف فی بعض الأمور. على سبیل المثال یرون من یعمل بالأمانة والصدق ویقنع بالحلال متخلفاً والآخر الذی یصبح خلال مدة قصیرة صاحب بیت وسیارة عن طریق الخیانة والسرقة لأموال الآخرین شخصاً كفوءاً وذكیاً، أترى كیف أصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً.

_______________________

1 . سورة الذاریات، الآیة 13 .

2 . وسائل الشیعة، ج 11، أبواب الأمر والنهی، الباب 1، ح 12.

 

 62 من الزاهد

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «الزاهد فی الدنیا من لم یغلب الحرام صبره ولم یشغل الحلال شكره».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 87، ص 37 (نقلا عن میزان الحكمة، الباب 613، ح 7713) .

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

أحد مفاخر علی(علیه السلام) زهده، وقلیل كلما قیل فی زهده(علیه السلام)، فقد كان القدوة الكاملة فی الزهد فی الدنیا ولابدّ للزهاد من إقتفاء أثره، ولكن حیث للزهد مفهوم معقد فقد أخطأ الكثیر حقیقته.(1) ولهذا خاضت الروایات الإسلامیة فی بیان حقیقته. والروایة المذكورة من الروایات التی خاضت فی المعنى الصحیح للزهد. وطبق هذه الروایات فالزاهد من اتصف بصفتین:

1. أن یتحلى بالصبر فی تعامله مع الحرمات فیحفظ نفسه حین یتمهد السبیل أمام الحرام، فهذا الإنسان زاهد. ولیس بزاهد من یُغریه المال الحرام والشهوات غیر المشروعه والمقام الحرام وأمثال ذلك وإن لبس المسوح وساح عبادة فی الصحارى، أما من صمد إزاء المحرمات فهو زاهد وإن انتفع بمتع الدنیا.

2. الخاصیة الأخرى للزاهد الحقیقی أنّ المال الحلال لا یغفله قط عن الله الرازق ویشكره على الدوام. ومثل هذا الفرد یدرك أن الآخرین شركاؤه حتى فی أمواله الحلال ولا تتعلق به دون غیره، كما ورد فی الآیة: (وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ).(2) وللتعبیر بالحق هنا نقطتان: الأولى أنّ الأموال أمانة لدى الإنسان. والأخرى للفقراء والمساكین والمحتاجین حق فی هذه الأموال، وعلى صاحب المال أن یفكر بمساعدة الآخرین. على كل حال فالزاهد من لا یغفله المال الحلال عن الله وهو دائم الشكر للنعم الإلهیّة. كما وردت روایة أخرى عن الإمام علی(علیه السلام) فی تفسیر الزهد وهی: «الزهد كلّه فی كلمتین من القرآن، قال الله تعالى (لِّكیْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتـاكم)(3).

فمن لم یتأسّ على الماضی ولم یفرح بالآتی فهو الزاهد»(4). هذه الروایة فی الواقع تكرار لمضمون الروایة الأولى لأنّ من یغتم على فقدان نعمة ویأسف علیها یسعى للحصول على ما فقده بكل طریقة وهنا تهزم مقاومته إزاء الحرام. كالغافل عن نعمة الله ولا یؤدی شكر النعم الإلهیّة.

_______________________

1 . مثلا یتصور البعض ان الزاهد یلبس الثوب الخشن ویعتزل الناس ویمارس العبادات فی الصحارى والكهوف. وعلیه فمن عاش وسط المجتمع أو تزعم الحكومة فلیس بزاهد.

2 . سورة الذاریات، الآیة 19.

3 . سورة الحدید، الآیة 23.

4 . میزان الحكمة، ج 4، ص 251، الباب 1612، ح 7695.

 

 63 الزهد ومعرفة الدنیا

 

قال الإمام علی(علیه السلام):«الزاهد فی الدنیا كلّما ازدادت له تجلیاً ازداد عنها تولیاً».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 419.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

إنّ منشأ أغلب المشاكل الأخلاقیة التی تصیب الإنسان، مشكلة المعرفة، وحین تحل هذه المشكلة وتتكامل معرفة الإنسان تحل مشاكله الخلقیة. لِمَ أصبح البعض عبدة للدنیا؟ لأنّهم لم یعرفوا هذه الدنیا الغرارة المزخرفة. طبعاً من الواضح أننا لا نرى الأخلاق مساویة للعلم والمعرفة بحیث لیس هنالك من تدخل للغرائز فیها، ولكن یقیناً أنّ أحد مصادر الأخلاق العلم والمعرفة. وعلیه لو صدّق عبدة الدنیا أنّها سریعة الزوال وتافهة ومتقلبة ومشوبة بأنواع المحن لما عبدوها قط. دخل شخص على ملك وقال: أحبّ أن أجلس على عرشك لیوم واحد ویكون الأمر لی فی كل شیء! وافق الملك وجلس ذلك الشخص على العرش. فأمر الملك أن یلفّ خنجر بشعرة ویعلّق فوق رأس ذلك الشخص. فلمّا رأى الخنجر اضطرب وقلِق. سأل: ما هذا الخنجر؟ قیل: هذه مصائب ومصاعب الحكومة ولابدّ أن تتحمل. فانتظر غروب الشمس فلمّا غربت نزل من العرش وتنفس الصعداء وقال: الحمد لله لم أصبح ملكاً. وكان المرحوم آیة الله العظمى البروجردی(رحمه الله) أحد مراجع التقلید الأفذاذ فی عصره یقول: «لو درس طالب العلوم الدینیة وأجهد نفسه لینال هذا المقام (المرجعیة) فما من شك فی حماقته».

والخلاصة لابدّ أن نبتعد أكثر عن الدنیا. طبعاً الزهد لا یعنی ترك الدنیا، بل عدم التعلق بها وإن انتفع بها من خلال الطریق الصحیح.

 

 64 الزمان أحد الشهداء یوم القیامة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ما من یوم یمر على ابن آدم إلاّ قال له ذلك الیوم: یا ابن آدم! أنا یوم جدید وأنا علیك شهید. فقل فیَّ خیراً، واعمل فیَّ خیراً، أشهد لك به یوم القیامة; فإنّك لن ترانی بعده أبداً».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 379.

 

 

الشرح والتفسیر

جعل الله شهداء على أعمال الإنسان:

1. أعضاء بدن الإنسان أحد الشهود: (وَتُكلِّمُنَا أَیْدِیهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ)(1) وقالت الآیة 20 من سورة فصّلت: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَیْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كانُوا یَعْمَلُونَ).

2. الشاهد الآخر على أعمال الإنسان، الملائكة، جاء فی الآیة الشریفة 18 من سورة ق: (مَّا یَلْفِظُ مِنْ قَوْل إِلاَّ لَدَیْهِ رَقِیبٌ عَتِیدٌ).

3. الشاهد الثالث هی الأماكن، وهذا ما صرحت به الآیة 4 من سورة الزلزال: (یَوْمَئِذ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا). نعم سیشهد علینا یوم القیامة كل شبر فی الأرض مشینا علیه.

4. الزمان أیضاً أحد شهود یوم القیامة وكما فی الروایة المذكورة; حیث یستفاد من هذه الروایة أنّ كل یوم شاهد مستقل. وعلیه فسیشهد فی كل سنة 365 شاهد زمانی!!

والعجیب أنّ هذا الشاهد یحذر الإنسان كل یوم ولكن هل هنالك من یسمع؟!

5. الشاهد الأخیر على أعمال الإنسان، الأنبیاء لكل أمة، جاء فی الآیة 41 من سورة النساء بهذا الخصوص: (فَكیْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كلِّ أُمَّة بِشَهِید وَجِئْنَا بِك عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِیداً)، فالویل لمن یعتقد بعدم وجود الحساب، فما أن تطرح الحجب لیرى العدید من الشهداء یشهدون علیه. كیف هذه الغفلة مع كل هذه الشهادات؟! لو راقب الإنسان مأموراً لانتبه لنفسه. فكیف یتمهل أمام مأمور یخطىء ولا یتریث ویعیش حالة من الغفلة أمام هؤلاء الشهود الذین لا یخطئون قط.

_______________________

1 . سورة یس، الآیة 65.

 

 

 

 65 الكلام والسكوت

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «لا خیر فی الصمت عن الحكم كما أنّه لا خیر فی القول بالجهل».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 182 و 471.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

أخذ الله عهد أولئك الذین یعلمون، عدم الصمت إزاء الانحراف والاعوجاج والظلم وهضم الحق وسموم الأعداء لیضیئوا القلوب ویفیضوا علیها نورالهدى بمنطقهم وبیانهم المستدل المتین (فكل إنسان مسؤول بقدر مالدیه من علم وإن قلّ) كما لا ینبغی أن ینبری من لا یعلم لیقود الناس إلى الضلال. فذلك الصمت وهذا الكلام كلا هما یؤدّی إلى البؤس والشقاء(1). ویستفاد من هذه الروایة أنّه لا الصمت لكل شخص وحیثما كان یعد قیمة وإلاّ الكلام للجمیع وأینما كان. بل التحدث والتكلم من الأمور النسبیة تقیّم من خلال الأفراد والأزمنة والأمكنة.

فربما كان كلام شخص من أهم الواجبات وكلام آخر من أسوأ المحرمات! ولعل صمت إنسان فی موضع، عبادة وكلام نفس هذا الإنسان فی موضع آخر، عبادة.

وفعلى المؤمن العاقل والفطن أولاً: أن یلم بقدر من المعلومات بشأن كل موضوع یهمّ بالتحدث فیه. وثانیاً: أن یشخص الموقع والمكان وإلاّ لابدّ أن یصمت(2).

_______________________

1 . مائة وخمسون درساً من الحیاة، ص 40 .

2 . راجع مختلف الأبحاث المتعلقة بالصمت والكلام ومنها: الصمت واستقامة اللسان والصمت فی آیات القرآن والصمت فی الروایات الإسلامیة وأخطار اللسان والأصول الكلیة لرفع أخطار اللسان وسائر المباحث فی كتاب الأخلاق فی القرآن، ج 1، ص 298.

 

 66 نهایة الحیاة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «استعدوا للموت فقد أظلّكم، وكونوا قوماً صیح بهم فانتبهوا، وعلموا أنّ الدنیا لیست لهم بدار فاستبدلوا».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 64.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

رسم الإمام(علیه السلام) بهذه العبارات الثلاث العمیقة المعنى ختام حیاة الأنسان، كما حذر من حقیقة الدنیا وماهیتها والخطر الكامن فیها المحفوف بالموت بغیة یقظة الإنسان وهدایته. والعبارة: «فقد أظلكم» تقال حین وقوع حادثة فی غایة القرب ولیست هنالك من مسافة تبعد عنها. فإن قیل: أظلتك الشجرة وإنّك مستریح فی ظلها، معنى ذلك أنك قریب جدّاً من تلك الشجرة. وترد بشأن هذه العبارة ثلاثة أسئلة».

السؤال الأول: هذا الظل كنایة عماذا؟

الجواب: یمكن الاشارة إلى عدّة أمور ومنها الحوادث التی تعتری حیاة الإنسان ومختلف الأمراض وموت الفجأة والسكتة والزلازل والأحداث وما شابه ذلك.

السؤال الثانی: إن كان الأمر كذلك والموت قریب ولابدّ من التأهب له فكیف یحصل هذا التأهب؟

الجواب: لابدّ أن نستعد للموت من خلال التوبة وتهذیب النفس وأداء الدیون وحقوق الناس والإتیان بالصالحات ومساعدة الناس وذكر الله على كل حال وما شابه ذلك من أمور.

السؤال الثالث: مَن خوطب بكلام الإمام(علیه السلام) ؟

الجواب: مایستفاد من العبارة «فقد أظلكم» أنّ مخاطب الامام(علیه السلام) جمیع الناس وقد ألقى الموت بظلاله على الجمیع.

ولعل موت الفجأة فی هذا العصر طبق وجهة نظر، من ألطاف الله! بمعنى حیث ازدادت أسباب الهوى بالنسبة للماضی وأغفلت الإنسان عن الموت فإن موت الفجأة یفیقهم من الغفلة. «وكونوا قوماً صیح بهم فانتبهوا» إشارة الى الجماعة والقافلة التی نامت لیلاً ودقّ مرشد القافلة جرس الخطر فجأة وأمر بالرحیل، فنهض أهل القافلة من النعم ونظروا حولهم لیظفروا هناك بموضع السفرلا البقاء! فالإنسان والدنیا كأهل هذه القافلة وموضع السفر. من الذی یصرخ بأهل القافلة؟ قال(علیه السلام): «كفى بالموت واعظاً»(1) فما الذی یقوله الموت بلسان لا لغة فیه؟ الموت إنطفاء، لكنه ملیىء بالضجیج. وعلیه فالموت والوفاة والمقابر والأمراض ومختلف الحوادث وكل هذه الأمور ناقوس خطر ویصدح بالحركة ولكن لا أذن تسمع للأسف. «وعلموا أنّ الدنیا لیست لهم بدار فاستبدلوا» فإن أفقتم من نوم الغفلة وفهمتم أنّ الدنیا كمكان نوم المسافر ولا مجال للبقاء فیه فاستبدلوا دنیاكم بالآخرة ولا تتوقفوا وواصلوا حركتكم مع القافلة بإعداد الزاد والمتاع. فمّما لا شبهة وشك فیه أننا جمیعاً نُحمل مع هذه القافلة وهی سائرة لا محالة للموت. فما أحرانا أن نفیق من سبات الغفلة ونعدّ الزاد اللازم لهذا السفر.

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 6، ص 132. كما وردت هذه الروایة فی بحار الأنوار، ج 64، ص 29 و ج 71،

ص 264 و ج 73، ص 322 و ج 77، ص 137 و 388.

 

 67 عاقبة المتقین والآثمین

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ألا وأنّ الخطایا خیلٌ شُمس، حمل علیها أهلها، وخُلعت لجمعها، فتقحمت بهم فی النار. ألا وأنّ التقوى مطایا ذلك، حُمل علیها أهلها، وأُعطوا أزمتها، فاوردتهم الجنّة».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 16.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

التشبیه المذكور أروع تشبیه یمكن بیانه لعاقبة التقوى وعدمها. حقاً إنّ عدم التقوى كالحصان الجامح یصعب على فارسه التحكم به; لأنّها تفرز أحیاناً العدید من المعاصی ولا تزال به حتى لا یبقى له من موضع سوى جهنم. وأفضل شاهد على ذلك قصة الشاب الذی رأى الشیطان فی المنام فطلب القیام بأحد ثلاثة أعمال: یقتل أباه أو یضرب أخته أو یشرب الخمر. فاختار الشاب شرب الخمر لیتجنب قتل أبیه وإیذاء أخته، لكنّه فقد عقله حین الشرب وخرج من طوره فقتل أباه وضرب أخته(1). حقاً إنّ المعاصی كذلك، فالمعصیة كالمستنقع تبتلع العاصی بالتدریج حتى یرى نفسه غرق فجأة ولا یسعه فعل شیء، إلاّ أن یتلطف علیه الله. فالمعصیة لا تخرب آخرة الإنسان فحسب، بل تخرب دنیاه. وعلیه  فالذنب لیس بمركب مناسب للآخرة ولا للدنیا. ومن هنا أمرنا أن نحاسب أنفسنا كل یوم لكی ننقذ أنفسنا إن ركبنا لا سامح الله هذا المركب الجامح قبل أن یجد فی السرعة ویخرج عن سیطرتنا.

إلهى إننا ضعفاء والطریق شاق وطویل لاطاقة لنا به دون لطفك ورحمتك فأخذ اللّهم بأیدینا.

_______________________

1 .  الشیطان عدو الإنسان العریق، ص 190.

 

 

 

 69 سیف العقل وغطاء الحلم

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «الحلم غطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فاستر خلقك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 424.

 

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

إقترنت قوتان مع بعضهما فی جمیع عالم الوجود; قوة دافعة وأخرى طاردة. وتوازن هاتین القوتین یؤدّی إلى النظام فی عالم الوجود. فهنالك قوة دافعة فی السماوات توجب حركة سیارات المنظومة الشمسیة (قوة الهروب من المركز) وأخرى توجد حالة التوازن هی قوة الجاذبیة. وهاتان القوتان موجودتان لدى الإنسان. فبعض الأعصاب قوّة محركة وبعضها الآخر جاذبة وتدعوان إلى توازن جمیع أعضاء الإنسان. فالأعصاب السمیثاویة والبارا سمیثاویة عنصران محرك وجذب داخل بدن الإنسان ویستفید الأنبیاء فی دعوتهم من هاتین الوسیلتین، وبتعبیر القرآن كانوا مبشرین ومنذرین، یعدون بالجنّة ویحذرون الناس من عذاب نار جهنم. وهكذا قوانین الشریعة المقدسة والتشجیع الإسلامی كذلك القسم من الزكاة المخصص للمؤلفة قلوبهم(1) قوة محركة. وقوانین العقوبات الإسلامیة من  قبیل القصاص والدیات والحدود قوى جاذبة. على كل حال مجموع العالم توازن هاتین القوتین. والروایة المذكورة تصرح بهذا الموضوع على أنّ للإنسان قوتین العقل والحلم، قوّة العقل المحركة كالسیف القاطع تسوق إلى الحركة وقوّة الحلم الجاذبة التی تسیطر على أعمال الإنسان فاقمع الهوى والهوس بسیف العقل القاطع واستر نقص الخلق بقوة الحلم. ولو مزج الناس هاتین القوتین لكان المجتمع سلیماً معافى.

_______________________

1 . المراد من المؤلفة قلوبهم الواردة فی الآیة 60 من سورة التوبة: الأفراد ضعاف الإیمان ویرجى تقویته بالزكاة ویرغبون بالإسلام.

 

 

 70 ضرورة انتخاب القدوة

 

قال علی(علیه السلام):«ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً، یقتدى به ویستضیىء بنور علمه».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الرسالة 45.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

طبیعة كل إنسان التأسی بالقدوة، ومن هنا فإنّ الإنسان الذی لا یظفر بالأسوة الواقیة یعیش التبعیة للقدوة السیئة. ولذلك من الله على المؤمنین أنّه بعث رسولاً من جنسهم لا من الملائكة كما صرحت الآیة 164 من سورة آل عمران. وسرّ هذا المطلب التأسی بالقدوة، لأنّ كل جنس یمكنه الإقتداء بمن شاكله. وهذا ما أشارت إلیه الروایة المذكورة. فهناك مطلبان فی هذه الروایة: الأول: تشبه الناس فی أعمالهم بإمامهم. والثانی: الاستفادة من نور معرفته وهداه فی المسائل العلمیة. وعلیه وردت الوصیة بالتأسی فی العمل وكذلك العلم، وأساس أحد أسرار لزوم أن یكون للناس إمام وإن الأرض لا تخلو من حجة الله قط(1). ضرورة اقتداء الناس بالأسوة. وهنا یفتح أحد میادین وساوس الشیطان وتطرح النماذج الشریرة كأسوة.

وبالنظر لضرورة وجود الأسوة الحسنة والمیل الطبیعی للناس نحو التأسی وعرض النماذج السیئة من قبل الشیاطین تتأتى ضرورة الأسوة الصالحة وإحیائها وبثها فی صفوف المجتمع. وتتضح هذه النقطة فی أنّ التعریف بالأسوة وبثها فی المجتمع حاجة ضروریة للمجتمع، لا أنّ الأسوة بحاجة لهذا التعریف(2).

_______________________

 1 . قال علی(علیه السلام) بهذا المجال: «اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبیناته»، نهج البلاغه، قصار الكلمات، 147.

2 . راجع شرح الأبحاث المتعلقة بالأسوة والقدوة فی كتاب الأخلاق فی القرآن، ج 1، ص 365.

 

 

 71 طعم الإیمان

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «لا یذوق المرء من حقیقة الإیمان، حتى یكون فیه ثلاث خصال: الفقه فی الدین،والصبر على المصائب،وحسن التقدیر فی المعاش».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 1، ص 20 و ج 68، ص 85 و 346.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

هل للإیمان طعم خاص یمكن تذوقه؟

الجواب عن هذا السؤال واضح، فحین یراد بیان الإحساس التام بالشیىء عادة ما یعبّر عنه بالطعم. والمراد من تذوق طعم الإیمان إدراكه بجمیع الوجود والشعور باستقرار الروح والاطمئنان فی ظل الإیمان، وذلك الاستقرار والنور والمعنویة والحالة الخالصة التی یعجز عن وصفها كل لسان هی تلك اللذة الروحیة وحالة إنشراح القلب والصفاء والنور الذی یتعذر وصفه، مهما عبّر عنه كان علیلاً وهو حقاً لا یوصف ولا یدرك. وهنا لابدّ أن نرى ماالعلاقة بین هذه الخصال الثلاث وطعم الإیمان.

أ) الفقه فی الدین، أنى للإنسان بالاعتقاد المحكم والالتزام العملی بالنسبة لأحكام الدین مالم یمتلك المعرفة التامة بمختلف المسائل الدینیة، ومالم یحصل الإیمان والعمل المناسب فلا یمكن تذوق طعم الإیمان.

ب) الخصلة الثانیة التی لا یتذوق دونها طعم الإیمان هی الصبر عند المصائب. فما أكثر الأفراد الذین ینحنون مقابل المصائب والأحداث المریرة ویتشاءمون من جمیع الكائنات ویعترضون على الله قلباً أولساناً! فكیف لهؤلاء الأفراد أن یذوقوا طعم الإیمان؟ والحال للمصائب والصعاب فلسفة واضحة یدركها المؤمن الحقیقی. فربّما تكون المصائب تحذیراً للإنسان حین الغفلة، وربّما تكون كفارة لذنوبه ومعاصیه، وفلسفة أخرى لا مجال لبحثها،(1)وكل ما ینبغی أن تعلمه أنّه لیست هنالك من حادثة اعتباطیة دون علة فی هذا العالم.

ج) وحسن التقدیر فی المعاش، ورابطة طعم الإیمان بحسن التقدیر فی المعاش فی أنّ الشخص إذا لم یكن له مشروع اقتصادی صحیح فی حیاته ومعاشه ونفقاته الیومیة ویعانی من المشاكل والذنوب والإسراف والإفراط فهو لا یتمكن قط من تذوق طعم الإیمان.

والنتیجة أنّ طعم الإیمان فی ظل المعرفة الدینیة والصبر على المصائب وتحمل المشاكل والمنهج الصحیح فی مجال المعاش.

_______________________

1 . راجع هذه المباحث فی كتاب أصول العقائد، ص 93.

 

 

 72 الغرام مانع المعرفة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «من عشق شیئاً أعشى بصره، وأمرض قلبه، فهو ینظر بعین غیر صحیحة ویسمع بأذن غیر سمیعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنیا قلبه».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 109.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

تشیر هذه العبارات إلى مسألة مهمّة بالنسبة لجمیع الناس، وهی أنّ الإنسان یمكنه سلوك الطریق القویم فی حیاته حین تكون لدیه معرفة صائبة للحق والباطل والصحیح والفاسد ولحسن الحظ قد زود الله الجمیع بوسائل المعرفة: (وَجَعَلَ لَكمُ السَّمْعَ وَالاَْبْصَارَ وَالاَْفْئِدَةَ)(1). إلاّ أنّ هذه الوسائل تتبدل أحیاناً إلى موانع وحجب عن المعرفة فتعطی فی هذه الحالة نتیجة معكوسة. وموانع المعرفة كثیرة شرحناها فی نفحات القرآن فی الجزء الأول(2). وأحد هذه الموانع الغرام بالوسائل غیر الواقعیة التی أشیر إلیها فی هذا الحدیث. وقد جرب هذا الأمر كل شخص فی حیاته الشخصیة. فقد رأینا البعض أحیاناً ممّن ابتلى بالغرام یمارس الذنب تحت غطاء العبادة! وهذه المسألة واضحة بینة سیما فی التیارات الحزبیة والسیاسیة.

وعلیه یجب علینا أن نراعی الإتزان فی جمیع المسائل بما فیها الحب والغرام بالإستلهام من وصایا الإمام(علیه السلام) النورانیة لكی لانصاب بعوارضه السیئة ولا یكون الغرام كالحجاب الضخم المانع لمعرفة الحقائق.

_______________________

1 . سورة النحل، الآیة 78.

2 . نفحات القران، ج 1، ص 296، المباحث المتعلقة بموانع وآفات المعرفة.

 

 73 العقول الأسیرة للشهوة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «وكم من عقل أسیر تحت هوى أمیر».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 211.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

هنالك قوتان لدى كل إنسان:

1. قوة العقل التی ینبغی أن تكون أمیرة على جمیع الأعضاء والقوى والمشاعر.

2. المیول والشهوات النفسیة التی ینبغی أن تكون أدوات العقل التنفیذیة وتحت أمره.

ولو استعمل كل من هاتین القوتین بموضعها لحصل كلما ینتظره الله من الإنسان ویصبح بحق خلیفة الله. أمّا إن حصل العكس وتأمر الهوى وخضع العقل له كوسیلة وأصبح أسیر المیول والشهوات فمثل هذا الإنسان ینحرف من مسار الحق وربما یزداد هذا الإنحراف فیبتعد هذا الإنسان عن الصراط لیصبح كالأنعام بل أسوأ(1).

نعم إن كان العقل بمنزلة الأب العظیم التجربة فی أسرة، أسیر میولات ومراهقة الشبّان السذج وعدیمی التجربة والملیئین بالشهوات فسوف لن تسلم هذه الأسرة من أیة أخطار! وعلیه إن أردنا الفوز بعنایة الله فلابدّ أن نحكم ونؤمِّر العقل فی الأسرة والمجتمع، بل فی جمیع  أنحاء العالم ونحرّره من قیود الأهواء. فلا شك فی هذه الحالة سیتبدل العالم الذی یمثل فی الظروف القائمة جهنّم إلى بستان رائع. وسیكون لجمیع الناس حیاة وادعة آمنة خالیة من القلق وانتهاك حقوق البعض الآخر.

 

_______________________

1 . اشیر لهذا المطلب فی سورة الأعراف، الآیة 179 وسورة الفرقان، الآیة 44.

 

 74 العقول النیرة والأبصار الحادة

 

قال الإمام علی(علیه السلام):«أین العقول المستصبحة بمصابیح الهدى،والأبصاراللامحة إلى منار التقوى! أین القلوب التی وهبت لله، وعوقدت على طاعة الله».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 144.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

هنالك محوران مهمّان فی وجود الإنسان; الأول: محور العقل والعلم الذی یدرك الإنسان بواسطته الحقائق. الثانی: محور العواطف والمشاعر. والمراد من العواطف، الدوافع غیر المستندة للدلیل الأساس للحركة والمدعاة للنشاط وإن هدیت أعطت نتائج مطلوبة. ومایدركه الإنسان من أنّ اثنین زائد اثنین یساوی أربعة، فهذا علم; إلاّ أنّ حبّه لولده لیس بعلم، بل عاطفة. وإن صلح الإثنان (العلم والعاطفة) أی العلم المستند للمبدأ الإلهی وضبطت العواطف حسب الموازین كمل الإنسان. وقد عیّن(علیه السلام)ضابطة فی هذه الروایة لتكامل المحورین. طبق وصیة الإمام(علیه السلام) فی العبارة الأولى إن اهتدى العقل وكان الله هادیه وصوّب الإنسان بصره للتقوى وسیطر بهذه التقوى على مشاعره وغرائزه حصل الشرط الأول.

وفی العبارة الثانیة بیّن أنّ معیار العواطف والدوافع هو الإخلاص وطاعة الله; أی أن نجعل القلب له ولا نعاهد سواه ولا نعبد غیره. طبعاً الشرط الثانی أعقد. كما قال المثل المعروف «من السهل أن تصبح عالماً لكن من الصعب أن تكون إنساناً».

اللّهم إننا استودعناك أنفسنا فوفقنا لما فیه رضاك.

 

 

 75 العلم والیقین

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «لا تجعلوا علمكم جهلاً، ویقینكم شكاً، إذا علمتم فاعملوا وإذا تیقنتم فأقدموا».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصارالكلمات، 274.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

توجد فی روح الإنسان أمور مختلفة; أحدها الإدراك المسمى بالعلم، والآخر الیقین.

سؤال: ماالفرق بین العلم والیقین؟

الجواب: العلم هو الإدراك سواء أقره القلب والروح الإنسانیة أم لا.

ولكن إن علم الإنسان بشیء وصدق القلب ذلك العلم وسلّم له سمی یقیناً. وقد صرحت الآیة 14 من سورة النمل بذلك: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَیْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً). فقد علم فرعون بالله سیما بعد مشاهدته لمعجزات موسى(علیه السلام) وكان یعلم أنّه خالق عالم الوجود وجمیع الكائنات، لكنّه لم یوقن بهذا الموضوع ولم یسلّم له. وقد قیّم الإمام(علیه السلام)فی هذه الروایة العلم والیقین على أساس آثارهما. ومن هنا فالعلم الذی لا یعمل به هو جهل، والیقین على الذی لا یدعو إلى الإقدام هو شك وتردید; لأنّ من یدّعی مثلاً الیقین بالقیامة ولكن لا أثر فی أعماله، لم یوقن فی الواقع بالقیامة. وعلیه ففی الثقافة الإسلامیة لكل شیء قیمة حین یتحقق فی العمل ویفعّل ولاقیمة فی الإسلام للشیء الذی لا عینیة له ولیس له سوى بعد نظری وذهنی.

سؤال: لم لا یعمل بالعلم والیقین؟

الجواب: یمكن الإشارة فی الإجابة عن هذا السؤال إلى عاملین:

1. ضعف العلم والیقین بأمر ما من عوامل عدم العمل بذلك الأمر الذی لدینا علم به. فإن علمنا حقاً أنّ أكل مال الیتیم كأكل النار(1) لما اكلنا مال الیتیم قط. إذن فاهتزاز عرى الإیمان وضعف المبانی العقائدیة والعلمیة یوجب عدم تجلی الإیمان فی العمل.

2. أحیاناً یحول الهوى والهوس الجامح دون العمل بالعلم والیقین، فقد یكون الهوى قویاً أحیاناً كالسیل الجارف الذی یحطم سد العلم والیقین، وللحیلولة دون هذه الخسائر لابدّ من ترسیخ وإحكام عرى الإیمان والیقین حتى تبلغ مرحلة لا یسع أی سیل تحطیم سدّ الإیمان والیقین.

_______________________

1 . قال النبی(صلى الله علیه وآله): «رأیت فی المعراج جماعة تدخل النار فی أفواههم وتخرج من أدبارهم. فسألت جبرئیل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذین یأكلون أموال الیتامى ظلماً». میزان الحكمة، الباب 4238، ح 22590.

 

 

 76 علی(علیه السلام) على لسان علی(علیه السلام)

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «الله قد أعطانی من العقل مالو قسم على جمیع حمقاء الدنیا ومجانینها لصاروا به عقلاء، ومن القوّة مالو قسم على جمیع ضعفاء الدنیا لصاروا به أقویاء، ومن الشجاعة مالو قسم على جمیع جبناء الدنیا لصاروا به شجعاناً».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 19، ص 83.

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

حین هجم خصوم الدعوة الإسلامیة فی «لیلة المبیت»(1) على دار النبى(صلى الله علیه وآله) ورأوا علیاً(علیه السلام)نائماً مكانه قال البعض: اقتلوا علیاً! فقال أبوجهل: دعوا هذا المسكین فقد خدعه محمّد. فذكر الإمام علی(علیه السلام)هذه العبارات لیعلموا من یقاتلوا وكلامهم خطأ. وبالنظر إلى أنّ علیاً(علیه السلام) لا یمدح نفسه ولیس مبالغا، نفهم أن وجوده كتلة من العلم والعقل والشجاعة بقدر العالم; أی أنّ الله جمع العالم فی إنسان. الموضوع الآخر أنّ علیاً(علیه السلام)لم یتخلّ عن النبى(صلى الله علیه وآله)فی أحلك الظروف، والمیادین المریرة على عهد النبی(صلى الله علیه وآله) لم تكن قلیلة، لكن كانت له ثلاثة مواقف فی ثلاثة مواطن بلغت ذروة الخطر: 1. لیلة المبیت 2. غزوة أحد 3. غزوة الخندق.

فلما رجع علی(علیه السلام)من أحد وجسمه مثخن بالجراح أخبر النبی الأكرم(صلى الله علیه وآله) أنّه تلقى عدّة ضربات كانت أقواها ست عشرة ضربة حتى وقع على الأرض أربع مرات فكان شخص عظیم یرفعه ویقول له: دافع عن النبی! فمن ذاك یا رسول الله؟ قال(صلى الله علیه وآله): أبشر یاعلی فهذا جبرئیل الأمین(2). ومشهورة قصة مبارزة علی(علیه السلام) لعمرو بن عبدود یوم الخندق، فاعتبر رسول الله(صلى الله علیه وآله) ضربة علی(علیه السلام) أفضل من عبادة الثقلین، حیث لم یكن أحد مستعداً لمواجهة عمرو بن عبدود، فهزمه الإمام علی(علیه السلام)وأدخل الرعب فی قلوب خصوم الدعوة(3).

نعم، لم یترك علی(علیه السلام) النبی(صلى الله علیه وآله) فی أحلك الظروف فكان إلى جانبه یبذل له نصرته. وإننا لنفخر بعلی(علیه السلام)الإمام الأول للشیعة، لكن هل یكفی الفخر بفضائل علی(علیه السلام) ولیست لدینا من وظیفة إزاء ذلك؟ الحق أنّ فضائله(علیه السلام)تقلّدنا مسؤولیة، وعلینا أن نحاكیه فی صفاته ونطبق بعضاً منها على الأقل فی أنفسنا.

_______________________

1 . ذكرنا شرح قصة لیلة المبیت فی كتاب آیات الولایة فی القرآن.

2 . راجع شرح الوقائع المتعلقة بموقعة أحد فی كتاب بینات خالدة، ج 2، ص 27.

3 . راجع تفاصیل موقعة الخندق واسمها الآخر الأحزاب فی بینات خالدة، ج 2، ص 121.

 

 77 علی(علیه السلام) یصف نفسه بالسراج

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «إنّما مثلی بینكم كمثل السراج فی الظلمة، یستضیء به من ولجها».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 187.

 

 الشرح والتفسیر:

 

تطالعنا بعض العبارات فی كلمات النبی الأكرم(صلى الله علیه وآله) والأئمّة الطاهرین(علیهم السلام) بحیث یتصور بعض الجهال أحیاناً أنّها كلمات مدیح للذات. والحال هنالك فارق واضح بیّن مدح الذات والتعریف بها. فإنّك أحیاناً تعرّف شخصاً، لكنه یندفع لمدح نفسه على أساس الأنانیة والغرور، فهذا العمل مذموم وقبیح. ولكن ربّما لا تعرف ذلك الشخص وهو یعرف بنفسه ویبیّن مهارته فی تخصصه لیتسنى للآخرین الاستفادة منه، فهذا لیس مدح الذات ولا مذموم. وما ورد بشأن المعصومین(علیهم السلام) من قبیل القسم الثانی، لا الأول. وقد خاض علی(علیه السلام)فی روایات أخرى بالتعریف بنفسه(1). مثلاً جاء فی الروایة أنّه قال لكمیل وأشار إلى صدره «إنّ هاهنا لعلماً جمّاً لو أصبت له حملة»(2) وقال(علیه السلام): «أیّها الناس سلونی قبل أن  تفقدونی فلأنا بطرق السماء أعلم منّی بطرق الأرض».(3) وأخیراً صرّح فی هذه الروایة إننی فیكم بمنزلة السراج الذی یضیىء فی الظلمه والذی یرد فضاء هذا السراج یمكنه الاستفادة من نوره. فالروایة تشیر إلى نقطة مهمّة، وردت الإشارة إلیها فی روایات أخرى وبعض الآیات القرآنیة: وهی أنّ الرقی والسمو یستند إلى دعامتین: 1. فاعلیة الفاعل 2. قابلیة القابل. فلو كانت هناك أحدث الوسائل المتطورة بینما لا یستغلها الإنسان حیث لا قابیلة له فلا فائدة فیها. فلیس هنالك أعظم نوراً من الشمس، إلاّ أنّ الأعمى لا یسعه الاستفادة منها، ذلك لأنّه لا قابلیة له. ولو سقینا أرضاً مالحة بأفضل المیاه وطرحنا فیها أحسن البذور وكان القائم علیها أمهر المزارعین لما حصلنا منها على شیء; لأنّها أرض مالحة ولا قابلیة فیها للاستفادة.فقد كان هنالك العدید من الأفراد إلى جانب الأنبیاء حتى آخر عمرهم لكنهم ماتوا على الكفر; لأنّهم لم یمتلكوا قابلیة تلقی نور الهدى كما جاء فی أول سورة البقرة أنّ القرآن الكریم هدى للمتقین، لا لجمیع الناس; أی هاد للأفراد الذین لدیهم قابلیة الهدى. والقابلیات متفاوتة بالطبع وكل ینهل من الفیض الإلهی حسب قابلیته. قال تعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِیَةٌ بِقَدَرِهَا)(4).

سؤال: كیف نضاعف القابلیة؟

الجواب: القابلیات نوعان: بعضها ذاتی والآخر اكتسابی. والنوع الأول لا یمكن مضاعفته. أمّا النوع الثانی فیمكن مضاعفته من خلال التوبة والورع والتقوى والمداومة على ذكر الله وطرح الحجب وحضور حلقات العلم والمعرفة والمطالعات المفیدة واختیار الصدیق الصالح والوسط النظیف وماشاكل ذلك.

_______________________

1 . ألفت كتب بهذا الخصوص ومنها كتاب «علی من وجهة نظر علی».

2 . نهج البلاغه، قصار الكلمات، 147.

3 . نهج البلاغة، الخطبة 189.

4 . سورة الرعد، الآیة 17.

 

 

 78 یوم العید

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «كل یوم لا یعصى الله فیه فهو عید».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 428.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

العید قسمان: عید «تشریعی» وعید «تكوینی».

العید التشریعى هو العید الذی أقره الله ویقترن حتماً بانتصار. وربّما یكون هذا الإنتصار على هوى النفس كعید الفطر السعید إثر غلبة الإنسان لهوى نفسه فی شهر رمضان المبارك. وربّما التوفیق فی أداء مناسك الحج، مثل عید الأضحى المبارك، وربما نصر بنصب الإمام الحق وتحقق الولایة التی تبلورت فی عید الغدیر. أمّا الأعیاد التكوینیة فنوع من العودة إلى عالم الطبیعة مثل عید النیروز فهو عید طبیعی تماماً.

وبالنظر لما تقدم یرى الإمام علی(علیه السلام) أنّ كلّ یوم یوفق فیه الإنسان لغلبة هوى النفس والتمرد على طاعة الشیطان ومعاداة عدوه اللدود وبالتالی لا یعصی الله فیه فهو عید. واستناداً لهذه الروایة وما فیها من توضیح یمكن أن یكون عید النیروز عیداً، لكن لیس بعید تشریعی. والروایات الواردة بهذا الخصوص لیست معتبرة.(1) ولعید النیروز عدة أبعاد سلبیة وإیجابیة; وأبعاده الإیجابیة: النظافة وصلة الرحم ومساعدة الطبقات المحرومة والضعیفة. وأبعاده السلبیة: مراسم یوم الأربعاء الخرافیة ومایسمى بیوم الثالث عشر والتشریفات المفرطة والأسفار الملوثة وانتهاك حدود الحرمات وأمثال ذلك. فإن استغرق فی أبعاده الإیجابیة واجتنب أبعاده السلبیة فإنّ عید النیروز الطبیعی حسب الروایة المذكورة عید تشریعی، وإن عكس الأمر لا سمح الله فإنّ مثل هذا الیوم حسب علی(علیه السلام)لیس بعید. والطریف أنّ الإسلام سعى بتعامله مع هذه الآداب والسنن أن یهذبها ویسوقها إلى الجوانب الإیجابیة أو یقضی على أبعادها السلبیة من خلال تفسیرها بصورة حدیثة; فمثلاً للإسلام تفسیر خاص بشأن مایقال «للمرأة الفلانیة قدم سیىء» حیث ورد فی الروایة «من بركة المرأة قلة مهرها ومن شؤمها كثرة مهرها»(2) وهذه نقطة رائعة فی التعامل مع سنن وعادات وتقالید الآخرین.

_______________________

 1 . راجع بعض هذه الروایات فی میزان الحكمة، ج 7، ص 132، الباب 3006.

2 . وسائل الشیعة، ج 15، أبواب المهر، الباب 5، ح 8.

 

 79 الغفلة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «كم من غافل ینسج ثوباً لیلبسه وإنّما هو كفنه ویبنی بیته لیسكنه وإنّما هو موضع قبره».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 382.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

السؤال: الغفلة نعمة أم بلاء؟

الجواب: الغفلة من جانب تُعدّ من النعم الإلهیّة; لأنّ الحیاة متعذرة دون الغفلة. فتصور الأسرة التی تفقد ولدها العزیز، فلو تواصل حزنها وألمها زمناً طویلاً على فقد ولدها لتكدّرت حیاتها وأصبحت جحیماً، ولكن سرعان ماتطرح على هذه المصیبة حجب الغفلة بصفتها نعمة إلهیة لینسوها شیئاً فشیئاً. وهكذا فی سائر المشاكل، كالغدر والخیانة والضرر والخسارة والهزیمة وما شابه ذلك فإنّ الغفلة تساعد الإنسان فی ذلك. وهذا ما أشار إلیه الإمام الصادق(علیه السلام) فی توحید المفضل(1).

طبعاًإن خرجت هذه النعمة الإلهیّة من حالة الإعتدال لتحولت إلى بلاء; فالنسیم نعمة; لأنّه یغیّر وضع الهواء من مكان لآخر ویقضی على السموم ویلقح الأزهار ویثمر ویورق الأشجار، لكنّه إن خرج من الإعتدال وتحول إلى عاصفة لأصبح مصیبة كبرى. وعلیه فالنسیم بصورته المعتدلة نعمة وإن خرج من حده فهو بلاء. والغفلة كذلك. فإن غفل الإنسان عن خاتمة الحیاة والموت والله والمعاد كان شقیاً وقد یقود إلى أضرار لا یمكن تلافیها; كأن یغفل الإنسان حتى أواخر حیاته ولا یفیق من هذه الغفلة سوى بالموت حیث لا مجال لتدارك ما مضى.

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 3، ص 57، فصاعدا.

 

 

 سبل مكافحة الغفلة

 

أوصى أولیاء الله الناس بضرورة القضاء على الغفلة، وذكر الموت یعد أحد سبل مكافحة الغفلة، وما جاء فی الخبر: «إجعل وصیتك تحت رأسك كل لیلة»(1) لتحقیق هذا الهدف. وقد ركز الإمام(علیه السلام) على هذا المطلب فی هذه الروایة فأراد إیقاظ الغفلة بواسطة ذكر الموت. فقال(علیه السلام) طبق هذه الروایة: «كم من غافل ینسج ثوباً لیلبسه وإنّما هو كفنه» سیما فی زماننا وعصرنا الذی راج وتفاقم فیه الموت. ویبنی الشخص الغافل بیتاً ویغطی نفقاته من أی طریق لیسكنها ویعیش فیها، وقد غفل عن أنّ ذلك البیت مقبرته وموضع دفنه. وتشهد بعض المقابر الكبرى العدید من القبور التی أعدت من قبل حفاری القبور، وربّما كانت تلك القبور قبورهم التی یدفنون فیها دون غیرهم. والنتیجة أنّ الغفلة بحدها الطبیعى نعمة وإن خرجت من الإعتدال تحولت إلى بلاء.

_______________________

1 . وسائل الشیعة، ج 13، ص 352، ح 5 و 7.

 

 

 80 الغیبة عجز

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «الغیبة جهد العاجز».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 461.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

قلّما كان من الكبائر كالغیبة علامة الوضاعة والضعف والذلة والعجز. وأولئك الذین یخوضون فی ذم الآخرین وعیوبهم من خلفهم ویزیلون ماء وجوه الآخرین بإفشاء عیوبهم المستورة، وعادة مایبتلى الناس بأحد هذه العیوب ویطفئون بهذه الطریقة نیران حسدهم وعداوتهم فهم عجزة ولا شخصیة لهم. جاء فی الحدیث(1) أن من یغتاب ویتوب آخر من یدخل الجنة وإن لم یتب فأول من یرد جهنم(2). وشبهت الغیبة فی الآیة 12 من سورة الحجرات بأكل لحم الأخ المسلم المیّت(3). وجاء فی حدیث آخر أنّ ثواب أعمال المغتاب یوم القیامة تنتقل إلى صحیفة أعمال من اغتابه فإن لم یكن له ثواب انتقلت ذنوبه إلى من اغتابه(4). وبالنظر لما تقدم فالعاقل لا یغتاب قط; لأنّ من یغتابه إمّا صدیقه أو عدوه. فإن كان صدیقه فالعاقل لیس مستعداً مهما كانت الظروف لأنّ یأكل لحم صدیقة المیت، وإن كان عدوه فلا یرضى قط أن تنقل إلیه حسناته یوم القیامة أو أن یتحمل عذاب ذنوبه.

وعلیه فالعقل السلیم یحكم بضرورة تطهیر الحیاة من هذه الكبیرة بالتعاون على البِرّ والتقوى وإنقاذ المجتمع من سوء عواقب هذه الكبیرة.

 

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 72، ص 222.

2 . مائة وخمسون درساً من الحیاة، ص 60.

3 . راجع المباحث المتعلقة بالآیة المذكورة وبعض المطالب المرتبطة بالغیبة فی كتاب الأمثال القرآنیة، الجزء الثانی.

4 . المحجة البیضاء، ج 5، ص 273.

 

 81 الفارق بین العاقل والجاهل

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «العاقل عدو لذته والجاهل عبد شهوته».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 2، ص 420، الباب 2805، ح 13173.

 

 الشرح والتفسیر:

 

فرق الإنسان عن سائر الكائنات الحیة عقله،(1) وإلاّ فمن الناحیة البدنیة ضعیف جدّاً وعرضة للضرر ومحتاج بحیث أخذ من الحیوانات جانباً من علم الطب! فبعض الحیوانات تتغذى حین المرض على النباتات وتتعالج، وقد تعلم الإنسان من الحیوانات سبل علاج بعض الأمراض! وتحمل الإنسان لبعض الآفات الطبیعیة والصعاب أقل بكثیر من الحیوانات. على كل حال إمتیاز الإنسان بعقله، والعقل هو الذی جعله حاكما مطلقاً على العالم. لكن السؤال الذی یطرح نفسه: ماالعقل؟ یرى المادیون أنّ العقل مایوصل الإنسان لأعظم المنافع بأقل جهد! أمّا الموحدون فیرون العقل مایوجب رضى الله ویعد الإنسان(2).

وقد بیّن الإمام علی(علیه السلام) فی تفسیر العقل أنّ العاقل من خالف وعادى هواه والجاهل أسیر رغباته وشهواته.

والمراد من اللذة هنا عبادة الهوى، وإلاّ فالإسلام لا یعارض اللذة(3) فحسب، بل حث الإنسان على ملء وقته كل یوم باللذائذ المشروعة لیتمكن بقیة یومه من القدرة على الإتیان بأعماله. وعلیه فالمراد من اللذة هنا الرغبات غیر المشروعة. والشاهد على ذلك كلمة الشهوة الواردة فی العبارة التالیة من الروایة. وطبق هذه الروایة فإنّ الدنیا المعاصرة الغارقة فی الشهوة الجنسیة والمخدرات والفحشاء والفساد والتمییز والإجحاف وما شابه ذلك لیست دنیا عقلائیة. اللهم انقذنا من أسرالشهوة وعبودیة الهوى.

_______________________

1 . راجع مختلف الأحادیث بشأن العقل فی میزان الحكمة، ج 6، ص 394، الفصل 365. حیث ذكر فی هذا الكتاب أكثر من ثلاثمائة حدیث.

2 . سئل الإمام الصادق(علیه السلام) عن العقل فقال «ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان». بحار الأنوار، ج 33، ص 170.

3 . كما قال تعالى فی الآیة 32 من سورة الأعراف (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِینَةَ اللهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّیِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ).

 

 82 فلسفة الحج

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «وفرض علیكم حج بیته الحرام، الذی جعله قبلة للأنام، یردونه ورود الأنعام، ویألهون إلیه ولوه الحمام... وتشبهوا بملائكته المطیفین بعرشه».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة الأولى .

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

الحج من أهم العبادات وله أبعاد مختلفة، كل منها أهم من الآخر. والبعد الأخلاقی الذی خاض فیه الإمام(علیه السلام) فی هذه الروایة أحدها. ولیست هنالك من عبارات أروع من هذه العبارات بشأن الحج; فالكعبة ینبوع الفیض الإلهی، والكعبة كهف المسلمین الآمن إزاء المصائب والمصاعب، وبالتالی الكعبة كعرش الله موضوع طواف ملائكته المقربین. وعلیه لابدّ أن یكون الحج مركز وكهف المسلمین تجاه العواصف والمحن والبلایا، والحج لابدّ أن یروى العطشى. لكن نشعر الیوم بخطرین یهددان بزوال روح الحج، من الضروری الإلتفات إلیهما:

1. التركیز المفرط على الجانب المادی لرحلة الحج وجعل مكة والمدینة كسوق لعرض  السلع المطلوبة أو شرائها والسفر هناك لهذا الغرض هو أحد المخاطر التی تهدد فلسفة الحج. للأسف أن هدف بعض الحجیج منذ القدوم حتى الرحیل جلب البضائع. والحال فلسفة الحج أن یفارق الإنسان لمدّة قصیرة الحیاة المادیة والدخول فی أبعاده المعنویة. أمّا التوجه الاقتصادی الكاذب والتركیز المتزاید على جلب البضائع تؤدّی إلى الإستغراق فی المادیات.

2. وینظر إلیه البعض الآخر كسفر ترفیهی. ومن هنا یفكرون دائماً فی أحسن الأماكن المسكنیة وأطیب الأطعمة وأرفه الوسائل النقلیة وسائر الإمكانات والخلاصة یركزون على الجوانب المادیة للحج. وهذا خطر آخر یهدد الحج. والثورة الإسلامیة حفظت فی ظل الدین. ولذلك یسعى أعداء الثورة للحد من قوّة البعد الدینی أو إفراغه من محتواه. وعلیه فالمسلمون موظفون للإتیان بقوة بدعاء كمیل والندبة وزیارة عاشوراء وماشابه ذلك ومراسم الإعتكاف وصلوات الجمعة والجماعة والعبادات الاجتماعیة كالحج والعمرة لیردوا كید الأعداء فی هذه المؤامرة إلى نحورهم وتطیش سهامهم.

 

 

 83 القرآن ربیع القلوب

قال الإمام علی (علیه السلام): «وفیه ربیع القلب، وینابیع العلم، وما للقلب جلاء غیره»(1).

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 176.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

العبارات الثلاث غایة الرفعة والمضمون سیما إن إلتفتنا إلى أنّ من ساق هذه العبارات الرائعة فی وصف القرآن مَن تربى فی أحضانه، ووقف إلى جانب النبی الأكرم(صلى الله علیه وآله) منذ نزول الوحی حتى انقطاعه وكان من كتّاب الوحی. والخلاصة قائل هذه الكلمات من ینبغی أن نتعلم منه القرآن; لأنّ تلامذته ابن عباس وكبار مفسری القرآن فضلاً عنه(علیه السلام). واستناداً لهذه المقدمة القصیرة نسلط الضوء على هذه العبارات الثلاث.

1. «وفیه ربیع القلب»(1) ففی فصل الربیع تتفتح جمیع الأزهار وتورق الأشجار وتخضر الغابات والصحارى وتنضج الثمار، وبالتالی فإنّ الطبیعة برمتها حیة وجمیلة ورائعة وطریة. وإن هب نسیم القرآن على القلوب ینطلق ربیعها. فتتفتح براعم الأخلاق والصفات الحمیدة، وتنضبح ثمار التواضع والصبر والإستقامة وتذوب ثلوج وجود الإنسان التی ظهرت إثر ذنوبه وتزول بالتدریج ما بقی من آثار الشتاء من رائحة الموت. ومن الواضح أنّ ربیع القلوب یكون أثمر وأینع كلّما انفتحنا أكثر على القرآن.

2. «وینابیع العلم» ینابیع جمع ینبوع بمعنى العین، لیست عین واحدة بل فی القرآن عیون جمّة من العلم والمعرفة. ومن هنا نعتقد كلما زید التعامل مع القرآن وكثر فیه التفكیر والتدبر أمكن استخراج المفاهیم الجدیدة والمطالب الحدیثة، والدلیل على ذلك وجود الإشارات الحدیثة والمفاهیم الجدیدة فی كتب التفسیر الجدیدة بالنسبة للتفاسیر القدیمة. قال العلامة البلخی أحد علماء أفغانستان الذی قضى أربع عشرة سنة من عمره فی سجون الحكومات الأفغانیة: «وفقت طیلة هذه المدّة لختم القرآن أكثر من ألف مرّة، وكلما ختمته ظفرت بمطالب جدیدة لم أبلغها فی المرة السابقة». وقطعاً لو تكررت تلاوته لكشفت مطالب جدیدة. وقد كتبنا التفسیر الأمثل طیلة خمس عشرة سنة بصورة متواصلة دون توقف واستغرقت مدّة كتابة الدورة الأولى من نفحات القرآن سبع سنوات، بالتالی عملنا على القرآن ما یقارب اثنتین وعشرین سنة بحیث استمر هذا العمل فی السفر والحضر والنفی والبیت ولم یتوقف تحت أیة ظروف. لكن الآن حین أطالع القرآن أظفر بمطالب جدیدة فأدونها لأنشرها إن شاء الله فی المستقبل. نعم، فینابیع العلم فی القرآن الكریم لا تنضب أبداً.

3. «وما للقلب جلاء غیره» كلما شعرت بصدأ قلبك بفعل الذنب أو الغفلة عن ذكرالله أو الإبتعاد عن الحق وماشابه ذلك فافتح القرآن واتل آیاته وتدبرها لتجلی بها صدأ قلبك. علی(علیه السلام) لا یعرف المبالغة والإستغراق وما أورده فی هذه العبارات حقائق ناصعة لا تنكر، ولهذا جاء فی روایة أخرى: «لیس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى»(2). وبالنظر لما تقدم فلا ینبغی أن نتردد ونضعف لحظة فی العمل بالقرآن حذراً من أن یسبقنا الآخرون فی العمل به فیتحقق قلق على(علیه السلام) فی لحظاته الأخیرة «إیّاكم أن یسبقكم الآخرون للعمل بالقرآن»(3).

_______________________

1 . وردت مثل هذه العبارات فی نهج البلاغة، الخطبة 110 و 198.

2 . نهج البلاغة، الخطبة 176.

3 . نهج البلاغة، الرسالة 47.

 

 

 84 القرآن والغنى

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «واعلموا أنّه لیس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 176.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

بیّن علی(علیه السلام) فی نهج البلاغة عدة مطالب ومختلف الأبحاث حول القرآن. والعبارة المذكورة إحدى تلك الروائع. ومعنى الروایة المذكورة أنّ فی القرآن جمیع متطلبات الإنسان; المتطلبات الاجتماعیة والفردیة والأخلاقیة والاقتصادیة والعسكریة وماشابه ذلك. وعلیه إن كان معك القرآن وعملت به فسوف لن تحتاج وإن تركت القرآن فلن تستغنی وإن كان لدیك كل شیء. لیس كل القرآن یغنی الإنسان فحسب، بل أحیاناً تكفی الإنسان آیة طیلة عمره لتكون قدوة ونموذجاً صالحاً لحیاته برمتها، كالآیة الأخیرة من سورة الزلزلة التی كفت الاعرابی حیاته. توضیح ذلك أنّ إعرابیاً(1) دخل على رسول الله(صلى الله علیه وآله) وقال: یا رسول الله علمنی القرآن. فدعى(صلى الله علیه وآله) أحد أصحابه وأمره بتعلیمه القرآن. فعلّمه الصحابی سورة الزلزلة. فلما تعلمها نهض لیودع رسول الله(صلى الله علیه وآله)وینصرف. فتعجب منه المسلمون. قال(صلى الله علیه وآله): أین تذهب؟ قال الأعرابی: یا رسول الله كفتنی هذه الآیة: (فَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَیْراً یَرَه * وَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرّاً یَرَهُ).(2) فقال(صلى الله علیه وآله): «دعوه، لقد فقه الأعرابی»(3). أجل فمن آمن بأنّ جمیع أعماله صغیرها وكبیرها ستتجسد أمامه یوم القیامة ولابدّ من تحمل مسؤولیتها فإنّ هذا الإیمان سیحفظه من الزلل والإنحراف طیلة حیاته ویدعوه إلى العمل الصالح. نعم، لیس هنالك من وجود لحاجة بعد القرآن والعمل به والإنسان محتاج إلیه وإن كانت لدیه جمیع الإمكانات. ویعتقد البعض أنّ الغربیین البعیدین عن المعارف الإلهیّة ویتمتعون بجمیع الإمكانات المادیة أناس سعداء. والحال یفتقر مهد حضارة الغرب، أی أمریكا لأبسط حاجات البشریة المتمثل بالأمن! بحیث من الخطر التردد لیلاً على بعض المناطق. كما لا یسلم من الخطر من تردد نهاراً حاملاً مبلغاً كبیراً من المال. لأنّ جمیع قیم أمریكا تُلخّص فی الدولار حسب أحد المفكرین الفرنسیین ویضحّون من أجله بكل شیء، فالدولار معبودهم! وأطفالهم یشهرون أسلحتهم على معلمیهم فی المدارس وما أكثر ما قتلوا من زملائهم، ومراكز الفحشاء والمخدرات عامرة لدیهم وإن ملأوا العالم بصناعاتهم. على كل حال فعلینا نحن المسلمین أن نعرف قدر هذه الهبة والعطیة الإلهیّة ونحفظها ونجهد لفهم وإدراك مضامین آیات القرآن النورانیة ونعقد العزم على العمل بهذه الوصفة الشافیة ونشجع الآخرین على العمل بها.

_______________________

1 . ذهب كاتب قبسات من القرآن فی القسم الثانی من الجزء الثلاثین للكتاب المذكور، ص 224 إلى أنّه صعصعة بن ناجیة جد الفرزدق.

2. عدّهما النبی(صلى الله علیه وآله) الجامعتین وعبدالله بن مسعود أحد صحابة النبی(صلى الله علیه وآله) عدّهما المحكمتین (مجمع البیان، ج5، ص 527).

3 . التفسیر الأمثل، ج 27، ص 231 .

 

 85 قلعة التقوى الوثیقة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «فاعتصموا بتقوى الله فإنّ لها حبلاً وثیقة عروته ومعقلاً منیعاً ذروته».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 190.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

بیّن أمیرالمؤمنین(علیه السلام) فی هذا الجانب من خطبته تشبیهین للتقوى: فقد شبهها فی العبارة الأولى بحبل عروته وثیقه وورد مثل هذا التشبیه للقرآن الكریم(1).

ولعل هذا التشبیه یشیر إلى أحد أمرین:

1. الدنیا كبئر والناس فی أعماقه، ولابدّ هنامن حبل متین لینجی التمسك به الناس من البئر. وقد وصف(علیه السلام) التقوى بمنزلة الحبل الذی یستطیع الإنسان أن ینقذ نفسه بواسطته من بئر الهوى وعالم المادة.

2. عادة مایصطحب متسلقو الجبال معهم حبلاً طویلاً للصعود إلى قمة الجبل الخطیرة فیلفونه حولهم فإن زل أحدهم حفظه الآخرون واحتمال زلة الجمیع لیست واردة. وعلیه لو زل أحد لا یسقط لأنّه متصل بهذا الحبل. وربّما أشارت إلى ذلك الآیة الشریفة: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِیعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا)(2) فإن تمسك السالكون لقمة السعادة بحبل الله واتصلوا به وزلّ البعض حال الآخرین دون سقوطه. وشبّه التقوى فی الثانیة بذروة خارجة عن متناول العدو والمتقی یتربع على سفح هذه الذروة المنیعة. نعم، بالتمسك بحبل تقوى الله یمكن الخروج من بئر هوى النفس المرعب والصعود إلى قمة الكمال والسعادة واللواذ بكهف آمن بعیداً عن العدو.

_______________________

1 . وصف القرآن فی روایة الامام الرضا(علیه السلام) بحبل الله المتین. راجع میزان الحكمة، ج 8، ص 70، الباب 3294، ح 17136.

2 . سورة آل عمران، الآیة 103.

 

 86 القلعة المحكمة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «إعلموا عبادالله أنّ التقوى دار حصن عزیز والفجور دار حصن ذلیل،... ألا وبالتقوى تقطع حمّة الخطایا، وبالیقین تدرك الغایة القصوى».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 157.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

الإنسان عرضة فی هذه الدنیا لهجوم أنواع البلایا والآفات من الناحیة البدنیة وكذلك الناحیة الروحیة. وقد زود الله الإنسان بوسیلة دفاعیة فی جسمه لدفع المكروبات ولولا هذه الوسیلة لما عمر من شیء. ومرض الایدز هدیة عصرنا الراهن للأسف تقضی على قوّة الجسم الدفاعیة وتقتل كریات الدم البیض كما خلق قوّة دفاعیة على صعید المسائل الروحیة والأخلاقیة للحیلولة دون الأمراض والتی تتمثل بالتقوى; والإنسان عدیم التقوى كالمصاب بالایدز! وتتضح من الروایة المذكورة نقطتان بالإضافة إلى التشبیه الجمیل الذی مرّ معنى شرحه الأول یتضح أنّ التقوى هی القوّة الدفاعیة الباطنیة، والتقوى هی العدالة والعدالة هی التقوى، وإن بلغت التقوى مراحلها الرفیعة فهی العصمة. النقطة

الثانیة أنّ التقوى أفضل سبیل لمواجهة الغزو الثقافی لأعداء الإسلام. فإننا لا نستطیع أن نطهر المجتمع من جمیع المكروبات لحفظ صحتنا، لكننا نقدر أن نقوی قوّة بدننا الدفاعیة. والأمر كذلك بالنسبة للروح وإن تعذر تطهیر المجتمع من جمیع الصفات الرذیلة وهجوم الأعداء على القیم، إلاّ أنّه یمكن تقویة التقوى فی الباطن ومواجهتها بهذه الوسیلة.

 

 87 الجود والكرم

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «غایة الجود أن تعطی من نفسك المجهود».(1)

_______________________

1 . إرشاد المفید، ص 158 (نقلا عن میزان الحكمة، الباب 633، ح 2977).

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

جمیع موجودات عالم الوجود واهبة طبیعیاً وتضع ما تملك تحت تصرف الآخرین، ویمكن الاشارة إلى الشمس من هذه الموجودات، فالشمس تفیض على الدوام الضوء والحرارة والطاقة على عالم الوجود. وتفقد الشمس إثر هذا الفیض ثلاثمائة ألف ملیون طن من وزنها یومیاً. إلاّ أنّ هذا الكائن العظیم البركة كالشمع یشتعل لیضیىء محفل كائنات المنظومة الشمسیة. وقد خلقت للإنسان زهرة وجود العالم والذی سخر لأجله جمیع الكون وله مقام یفوق الملائكة فهو خلیفة الله فی الأرض والذی ینبغی أن ینسجم مع هذا القانون الكلی فلا یحرم الآخرین ممّا لدیه من إمكانات ولا یكون قطعة شاذة ضمن كائنات العالم الفیاضة. فهل یجدر بهذا الإنسان الذی یطلب من الله كل شیء ویرجو أن یقضی جمیع حوائجه ویهبه كل مایسأله بینما یبخل هو ولا یلبی حاجة الآخرین؟ الروایة المذكورة توصی الجمیع بالانسجام مع نظام الوجود وعدم التقتیر على الآخرین بكل ما یملكون من قوة. وللجود والكرم آثار مهمّة فی الدنیا والآخرة وآثاره المعنویة كثیرة یمكنه حتى إنقاذ الإنسان الكریم العدیم الإیمان من النار! روی عن رسول الله(صلى الله علیه وآله) أنّه قال لعدی بن حاتم الطائی: «دفع عن أبیك العذاب الشدید لسخاء نفسه»(1) والمباحث المتعلقة بالجود واسعة(2)نكتفی هنا بهذا المقدار على أمل أن ننسجم مع سائر كائنات عالم الوجود فنشرك الآخرین فی إمكاناتنا.

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 68، ص 354.

2 . راجع شرح هذه المباحث فی الأخلاق فی القرآن، ج 2، ص 385.

 

 

 88 كمال العفة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «تمام العفاف الرضا بالكفاف».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 419.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

یعتقد علماء علم الأخلاق أنّ صفات الفضائل الخلقیة هی الحد الوسط بین الإفراط والتفریط حیث كلاهما رذیلة أخلاقیة. ویرون للإنسان أربع صفات أخلاقیة أصیلة: الشجاعة والعفة والحكمة والعدالة. والعفة حد اعتدال القوة الشهویة فإن فاقت حدها أصبحت شهوة; الانغماس فی عبادة الشهوة، طبعاً الشهوة بالمعنى العام للكلمة; أی الإستسلام لرغبات النفس وإن هبطت عن حد الإعتدال عدت كسلاً وإن كانت معتدلة فهی عفة. مثلاً حب المال والعمل لتحصیله إن زاد عن الحد فهو عبادة للدنیا وهو مذموم، وإن لم یتجه نحوه أبداً فهو الكسل ومذموم أیضاً، أمّا إن كان فی حد الاعتدال وبمقدار الحاجة فهی عفة وأمر بغایة الجودة. واستناداً لهذه المقدمة نخوض فی شرح الروایة.فقد بیّن(علیه السلام): كمال العفة أن یقنع الإنسان بالكفاف. یرى المحققون أن ثروات الدنیا تنفق فی ثلاث:

1. ضروریات الحیاة; بمعنى القناعة بالحد الأقل من حاجات الحیاة.

2. المسائل الرفاهیة التی تفوق ضروریات الحیاة لكنها لیست بحد الإسراف.

3. الشهوات والأهواء، وللأسف فإنّ الاحصاءات تشیر إلى أنّ الجانب الأعظم من ثروات الدنیا تنفق فی هذا المجال ولا حصرلها، حیث یمكن ذكر عدة نماذج لذلك وأبرزها قصور الملوك وأصحاب رؤوس الأموال وزخارف المتهافتین على الدنیا. وبالطبع فإنّ الروایة المذكورة تشمل الجانب الأول وتنفی قطعاً الطریق الثالث، لكن ربما تشمل الطریق الثانی، لأنّ ما یفوق ضروریات الحیاة ولا یبلغ الإسراف یعتبر من متطلبات الإنسان.

 

 

 

 89 الذنوب الخفیة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «اللّهم اغفر لی همزات الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وشَهَوات الجَنان، وهَفَوات اللسان».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 78.

 

 الشرح والتفسیر:

 

یستفاد من أحادیث وروایات المعصومین(علیهم السلام) أنّ نوعین من الذنوب فی غایة الخطورة:

1. الذنوب الصغیرة سیما بالنسبة للأفراد المتدینین المبتعدین عادة عن الذنوب الكبیرة وحیث یولونها أهمیة فلا یقارفونها، لكن لیس لدیهم مثل هذا التعامل مع الصغائر ومن هنا یحصل التلوث بها.

2. الذنوب الخفیة الثانیة التی لا یعلمها إلاّ الإنسان وربّه. والروایة المذكورة تتناول هذا النوع من الذنوب. وهذه الروایة وإن كانت بصیغة الدعاء وطلب المغفرة لهذا النوع من الذنوب، إلاّ أنّها درس للمخاطبین لیجتنبوا هذه الذنوب. الذنوب الخفیة كالإستهزاء واستحقار الشخص المحترم بنظرة عین أو إشارة مشبوهة تؤدّی إلى ذهاب ماء وجه الإنسان الشریف، أو الذنب الذی یأتی من خلال المزاح فی غیر محله والألفاظ السوقیة غیر المناسبة، والمزاح الذی قد یكون أحیاناً أجد من الجد! والبعض ربّما ینتقم عن هذا الطریق! والذنوب مثل الریاء والعجب الذى یعتبر سداً قویاً أمام قبول الطاعات والعبادات. والخلاصة لابدّ من الاستعاذة بالله الكریم من هذا النوع من الذنوب التی لا مجال لمنعها سوى الإیمان والورع والتقوى. ونسأل الله أن یغفر لنا هذه الذنوب.

 

 

 

 90 لباس التقوى

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصّة أولیائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصینة».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 27.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

شبّهت التقوى فی هذا الحدیث العمیق المعنى، باللباس. فقد أشار أمیرالمؤمنین(علیه السلام)بهذه العبارة إلى الآیة 26 من سورة الأعراف، حیث قال تعالى: (یَا بَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَیْكمْ لِبَاساً یُوَارِی سَوْآتِكمْ وَرِیشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِك خَیْرٌ ذَلِك مِنْ آیَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ یَذَّكرُونَ)فقد مَنّ الله تعالى فی هذه الآیة على عباده باللباس، والتعبیر «أنزلنا» بشأن اللباس رائع، وسر ذلك أن الله ینزل الماء من السماء فتشربه الحیوانات وتنمو به النباتات وتتغذى علیه. ثم ینبت على أجسامها الصوف والشعر لیعد الإنسان من الصوف والشعر لباسه. طبعاً یمكن القول لا یلزم فی التعبیرات مثل «أنزلنا» أن یكون هنالك علو مكانی مثل علو السماء بالنسبة للأرض، بل یكفی العلو المقامی فلیس لله مكان خاص وعلیه حیث أفاض الله تعالى على الإنسان اللباس عبّر بأنزلنا، وإن أعدّ هذا اللباس على الأرض.

أهمیة اللباس:

للباس ثلاثة أمور مهمة:

1. الحفظ حیث یمنع الأضرار الخارجیة.

2. ساتر العیوب ویحول دون ظهور عیوب الإنسان.

3. مدعاة للزینة وحرمة الإنسان; فالإنسان العاری أشبه بالحیوان ولهذا یمكن اعتبار اللباس علامة شخصیة الإنسان، ویمكن من خلال هذه العلامة قراءة أغلب الصفات الأخلاقیة للإنسان. فیعلم هل هذا الإنسان یتحمل أم لا یتحمل؟ منظم أم غیر منظم؟ حاد أم معتدل؟ له مشكلة مع أسرته أم لا؟

والخلاصة فإنّ اللباس یتابع ثلاثة أهداف، ولو ألقینا نظرة على الألبسة التی تلبس الآن سیما ما یلبسه بعض الشبّان والنساء لعلمنا أن بعضهم للأسف نسى الأهداف الأصلیة للباسه. على كل حال التقوى أیضاً لباس تنشد هذه الأهداف الثلاثة:

أولاً: التقوى تحفظ روح الإنسان وتصونه من الزلات الأخلاقیة; الزلات الأخلاقیة التی لا تجرح روحه فحسب، بل تقضی على كرامته الإنسانیة.

ثانیا: التقوى تستر عیوب الإنسان الأخلاقیة وتحول دون بروزها.

ثالثا: التقوى زینة الشخصیة وعلامتها، فالمتقى محترم حتى لدى عدیمی التقوى. فالتقوى لیست مجرّد لباس عادی، بل یمكنه أن یكون لباس الحرب. ولما كان الجهاد حادث دائمی لحیاة الإنسان سیما بعد الجهاد الأصغر ومجاهدة النفس، فهناك حاجة دائمیة لهذا اللباس.

وعلیه لابدّ من استغلال هذا اللباس القتالی دائماً لیحفظ الإنسان من الآفات والأخطار ویستر عیوبه ویكون له زینة.

 

 

 91 المؤمن مرآة المؤمن

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یاكمیل المؤمن مرآة المؤمن، لأنّه یتأمله فیسدّ فاقته ویجمّل حالته».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 414.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

أشار الإمام أمیرالمؤمنین(علیه السلام) فی الروایة المذكورة إلى خدمتین مهمتین من الخدمات المتعددة التی تسدیها المرآة، إلاّ أنّ لهاتین الخدمتین خصائص، ونشیر هنا إلى خمس من مواردهما:

1. تعكس المرآة للأفراد العیب والحسن ونقاط الضعف والقوة والجید والسیىء دون ضجیج وضو ضاء. ودون أن یلتفت الآخرون ومنهم القریب منها فلا تذهب بماء الوجه.

2. المرآة الصافیة تعكس الحسن والقبح كما هو دون زیادة أو نقصان. كما لا تعمل بصیغه جناحیة بحیث تبدی عیوب الأصدقاء صغیرة وتكبر محاسنهم أو العكس بالنسبة للأعداء.

3. المرآة تبین عیب الإنسان، لكنّها لا تلومه ولا توبخه، ولا تحقره وتحط من شأنه لدى الآخرین.

4. بیان الحسن والقبیح لمن یقف أمامها على الدوام ولا تكل من هذا الفعل، لا مثل بعض الأفراد إن لم یكن تعباً ویعانی من مشاكل وكان مرتاحاً تابع محاسن ومساوىء صدیقه، وإلا كأنه أطبق جفنیه ولا یرى شیئاً.

5. إنّ الإنسان كلّما اقترب من المرآة التفت بصورة أفضل لمعایبه ومحاسنه، طبعاً شریطة أن تكون للمرآة أربع صفات:

أ) یجب أن یسقط علیها الضوء وإلاّ لا تظهر فیها الصورة.

ب) أن تكون خالیة من التراب والغبار، بل لابدّ أن تكون صافیة ونظیفة.

ج) أن لا تكون معوجة، بل شفافة وصافیة.

د) أن یكون الناظر للمرآة مبصراً، فلا یمكن الاستفادة من المرآة إلاّ حین یكون الناظر مبصرا.

واستناداً لهذه الخصائص الخمس للمرآة وأنّ المؤمن شبیه بالمرآة، فلابدّ أن یتحلّى المؤمن بهذه الصفات. لكن للأسف البعض لا یرى فی الآخرین سوى عیوبهم، وعیونهم مغلقة عن المحاسن. ومن هنا لا یقر الطرف الآخر بما یقولونه. لابدّ أن تذكر المحاسن قبل المساوىء حین الإرشاد والأمر بالمعروف لیقبل صاحب العیب ویهمّ برفع عیوبه. والبعض الآخر یطرح عیوب الناس أمام الآخرین فیحقرهم ویوبخهم. وهنالك من یقتصر على بعض العیوب إن اقترب أكثر من صدیقه. والكلمة الأخیرة إنّ المؤمن وإن كان مرآة لكل مؤمن، لا بد أن یكون مرآة للمجتمع كلّه بالشروط الأربعة المذكورة. كما یمكن لوسائل الإعلام والصحافة والكتب وأمثال ذلك أن تكون مرآة عامة لطیفة، شریطة أن تعكس ما موجود لا ما تحب.

 

 92 المؤمن الحق

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «المؤمن وقور عند الهزائز، ثبوت عند المكاره، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بمارزقه الله، لا یظلم الأعداء، ولا یتحامل للأصدقاء، الناس منه فی راحة، ونفسه منه فی تعب...».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 1، ص 332، الباب 291، ح 1408.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

وردت عدة أحادیث بشأن خصائص المؤمنین تبیّن كل منها من زاویة شخصیة المؤمن. والروایة المذكورة تضمنت تسع صفات من صفات المؤمن الحق، تشیر بعضها إلى أخلاق المؤمن الفردیة وبعضها الآخر تتعلق بالأخلاق الجماعیة وكیفیة تعامله مع المجتمع. وتشیر فی البدایة إلى الصفات الفردیة.

1 و 2. «المؤمن وقور عند الهزائز، ثبوت عند المكاره» هزائز من مادة هزّة بمعنى الحوادث الصعبة ولهذه الكلمة مفهوم واسع. وهذه الحوادث ربّما تكون مصائب أو هجمات الأعداء وربّما الأمراض المستعصیة وكذلك الزلازل والعواصف الكاسحة. والمؤمن كالجبل الشامخ إزاء كل هذه الحوادث. والمؤمن بمعونة إیمانه لا یفقد توازنه إزاء العواصف، بل یتغلب علیها بوقار ودون اضطراب.

3. «صبور عند البلاء» فهو لا یجزع ویختل توازنه حین البلاء والحوادث الألیمة التی تصیب كل إنسان، بل یعتمد الصبر لیوفق فی الإمتحان الإلهی.

4. «شكور عند الرخاء» كما لا یختل صبر المؤمن عند المصیبة والبلاء، فإنّ زیادة النعمة لا تنسیه ذكر الله المنعم علیه بهذه النعم، بل یذكرالله أیّام الرخاء ویشكره على نعمه. والمؤمن لا یقتصر شكره على اللسان بل یتعداه إلى العمل، فهو لا یستغل هذه النعم سوى فی مسار رضى الله.

5. «قانع بما رزقه الله» المؤمن قانع بما عنده وثمرة القناعة الإستقرار. ولهذا فهو یعیش حیاة مستقرة بمعیشة بسیطة، بینما لیس هناك من استقرار لبعض الأفراد الذین یمتلكون القصور والثروات. ثم أشار فی ذیل الروایة إلى أربع خصائص اجتماعیة هی: أنّه لا یظلم أحد حتى الأعداء، ولا یتحامل على الأصدقاء ولا یتعمّد إثارة المشاكل، ولذلك فالناس جمیعاً فی راحة منه، وإن عانى هو من بعض المشاكل.

اللهم أعنا لأن نكون مصداقاً بارزاً لهذه الصفات.

 

 

 93 عقاب ستة بستة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «إن الله یعذب ستة بستة: العرب بالعصبیة، والدهاقین بالكبر، والأمراء بالجور، والفقهاء بالحسد، والتجار بالخیانة، وأهل الرستاق بالجهل».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 75، ص 59.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

إلیك توضیح مختصر لكل من الطوائف الست المذكورة

1. «العرب بالعصبیة» یعذب العرب المتعصبون بسبب تعصبهم إزاء الحق وهی العصبیة التی تحول دون قبول الحق والحقیقة حیث تمثل كحجاب على العین وتمنع من مشاهدة الحقائق.

2. «والدهاقین بالكبر» دهقان مفرد دهاقین معربة فی الواقع من مفردة فارسیة تعنی صاحب القریة(1). على كل حال إنّ الله یعذب هؤلاء لغرورهم وتكبرهم. فبعضهم على درجة من الكبر والغرور بحیث ینظرون إلى الرعیة وكأنّهم حیوانات ولا یرون لهم أدنى قیمة.

3. «والأمراء بالجور» الطائفة الثالثة التی أشارت لها هذه الروایة، القادة والحكام على الناس. وسبب عذابهم ظلمهم وجورهم على الناس الخاضعین لسلطتهم وحكومتهم.

4. «والفقهاء بالحسد» الحسد أیضاً أحد عوامل عذاب الله وهذه الصفة والرذیلة الأخلاقیة عامل عذاب العلماء والفقهاء الحسودین. فالفقهاء الحاسدون یریدون إزالة مقام الآخرین وموقعهم.

5. «والتجار بالخیانة» حیث یعذب الله التجار لخیانتهم فی أموال الناس. فالتطفیف والغش فی المعاملة وعدم تسدید دیون الدائنین والإحتكار وماشابه ذلك نوع من الخیانة.

6. «وأهل الرستاق بالجهل» یعاقب القرویون بسبب جهلهم وعدم إلمامهم بالمعارف الدینیة. ومن كانت له القدرة على التحقیق والسؤال فلا یتجه نحوها ویبقى فی جهله فلا عذر لجهله، بل هذا الجهل عامل عذابه.

_______________________

1 . قاموس عمید، ص 602.

 

 نقاط ثلاث

 

1. لا شك یشمل بعذاب الله كل من أصیب بهذه الصفات والأفعال; وإن لم یكن فی زمرة إحدى الطوائف المذكورة. أی أنّ الإنسان الحسود یعاقب وإن لم یكن من الفقهاء، كما أنّ الشخص المتكبر سیتجرع مرارة عذاب الله وإن لم یكن دهقاناً، وهكذا بالنسبة لسائر الصفات وعلى ضوء هذا المطلب یرد هذا السؤال: لم نسبت كل صفة لطائفة معینة، والحال یمكن أن تصیب كل صفة من هذه الصفات أی إنسان وجماعة؟ لابدّ من الإلتفات إلى هذه النقطة فی الإجابة عن هذا السؤال أن لكل نقطة ضعف تزل قدمه فیها. والواقع الروایة المذكورة تبین نقطة الضعف لكل من الطوائف الست المذكورة. بعبارة أخرى البعض محصن من بعض الذنوب كأن لا یمارس القمار أو لا یشرب الخمر، بینما یجری وراء بعض الذنوب الأخرى، فهذه الروایة تتناول النوع الثانی من الذنوب.

2. جذور شقاء الإنسان هذه الصفات الست التی أشیر إلیها فی الروایة المذكورة. ولو غیبت هذه الصفات عن المجتمع البشری واجتث یوماً التعصب والتكبر والظلم والحسد والخیانة والجهل لكانت الدنیا جنّة قطعاً. تأمل ذلك الیوم!

 

 

 94 الثوابت القیمة فی المجتمع

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ولا تضعوا مَن رفعته التقوى، ولا ترفعوا مَن رفعته الدنیا، ولا تشیموا بارقها، ولا تسمعوا ناطقها، ولا تجیبوا ناعقها».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 191.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

محور كل مجتمع قیمه والتی تحدد شكله ومساره. فإن كان محور القیم فی المجتمع، المصالح المادیة كانت كل أفعال المجتمع تدور حول هذا المحور. فالتربیة والتعلیم والدوائر والمؤسسات والمنظمات والكتب والصحافة والإعلام والسینما والمراكز الفنیة والمیادین الریاضیة ستتجه نحو المصالح المادیة. والعكس صحیح إن كانت التقوى محور المجتمع فإنّ جمیع مرافق المجتمع ومراكزه ستكتسب صبغة التقوى، وهنا یرد الكلام بصورة جدیة عن الكرامة الإنسانیة. كان النشاط المهم لأنبیاء الله ـ صلوات الله علیهم ـ استبدال المحاور، والنشاط الرئیسی للشیاطین والمستكبرین تخریب المحاور القیمة. ومن هنافهم یسعون لتلقین الآخرین أنّ المحور الأساسی الاقتصاد والمنافع المادیة لا المعنویة وعالم الآخرة. لما بعث النبی(صلى الله علیه وآله)وغیر محاور المجتمع تغیرت نتاجات المجتمع. فالمجتمع الذی كان یفخر قبل الإسلام ببعض الوضیعین من الأفراد الذین لاقیمة لهم كأبی سفیان وأبی جهل، تغیرت رؤیته فأخذ یفخر بالأفراد الأفذاذ كعلی(علیه السلام) والمقداد وأبی ذر. والروایة المذكورة بالإشارة إلى محوریة الإسلام تقول: لا تهبطوا بمنزلة مَن بلغ مرتبة رفیعة فی المجتمع على أساس القیم السماویة والورع والتقوى لبعض الذرائع الجوفاء والمادیة الرخیصة، وأولئك الذین بلغوا باطلاً موقعاً على أساس محوریة عبادة الدنیا فلا تغتروا ترغبوا بزخرف مقامهم وموقعهم ولا تنبروا لتأییدهم ومساعدتهم.

والخلاصة علیكم بحفظ محاوركم القیمة بقاطعیة وجزم.

 

 

 95 الناس ثلاث طوائف

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یا كمیل إنّ هذه القلوب أوعیة فخیرها أوعاها، فاحفظ عنّی ما أقول لك، الناس ثلاثة: فعالم ربّانی ومتعلّم على سبیل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، یمیلون مع كل ریح، لم یستضیئوا بنور العلم، ولم یلجأوا إلى ركن وثیق».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 147.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

مضمون هذه الروایة مهم; لأنّ فهم وإدراك المخاطب كلما كان أرفع بین القائل الحكیم والعالم كأمیر المؤمنین(علیه السلام) مطالب أعمق. ولما كان المخاطب فی هذا الحدیث كمیل بن زیاد من خواص أصحاب الإمام(علیه السلام) وحافظ أسراره تكتسب هذه الروایة أهمیّة فائقة. «یا كمیل إنّ هذه القلوب أوعیة فخیرها أوعاها» فقد شبّه(علیه السلام)قلوب الناس بالأوعیة، ومن الواضح أنّ أفضلها ما كان استیعابه أكثر وقدرة حفظه أفضل. وعلیه فالقلب الأفضل ما كان أعظم استیعاباً للعلم والمعرفة. وتتضح نقطة مهمّة من مستهل الحدیث وهى: إنّ فیض الله كجمیع صفاته مطلق ولا متناه، فلم كانت استفاضة الناس مختلفة؟

وتتضح الإجابة عن هذا السؤال من خلال التمعن فی العبارة الأولى للحدیث فی أنّ القابلیات متفاوتة. والأوعیة التی أتى بها الناس لجمع المعرفة والإستفادة من الفیض الإلهی متفاوتة، ومن هنا كانت استفادتهم متفاوتة، فأمطار الرحمة الإلهیّة تنزل من السماء على جمیع أهل الأرض، لكنّها لیست متساویة جمیعاً فی الإستفاضة! بل تنتفع كل بقعة من المطر بقدر سعتها وقابلیتها. إذن كما إنّ المشكلة هنا لا تكمن فی المطر، بل فی الأرض، كذلك المشكلة لیست فی الفیض الإلهی، بل المشكلة فی سعتنا نحن الأفراد. وبعد أن لفت الإمام(علیه السلام)إنتباه كمیل لهذه النقطة المهمّة قال: «الناس ثلاثة» أی جمیع الناس ضمن إحدى هذه الطوائف الثلاث ولیست هنالك من رابعة، وعلینا أن نتأمل فی أیة طائفة نحن.

1. «فعالم ربانی» الطائفة الأولى العلماء الربانیون الذین یتولون تربیة الناس ویهذبون النفوس بنور علمهم كالشمس المشرقة، لا العلماء الساكتون القابعون فی زاویة; نعم العالم الذی یتصدى فی وسط المجتمع لإرشاد الخلق وهداهم. فیاله من فخر أن یستند الإنسان إلى منزلة الأنبیاء إن كنامن هذه الطائفة!

2. «ومتعلم على سبیل نجاة» طلبة العلوم الذین ینحنون للعلماء لیظفروا بالنجاة بالإستفادة من نور علمهم. والفارق بین الطائفة الاولى والثانیة كالفارق بین الشمس والقمر! فالشمس مصدر إنتاج النور، أمّا القمر فلا ینتج النور لكنه یستفید من نور الشمس ویعكسه لیستفید منه الآخرون. أفراد هذه الطائفة سعداء أیضاً ویسعهم بالجد والإجتهاد أن یكونوا فی زمرة الطائفة الأولى ویخوضوا فی تهذیب المستعدین من الأفراد.

3. «وهمج رعاع» الطائفة الثالثة من الناس ـ وتعدادهم لیس بالقلیل للأسف ـ الأفراد الحمقى والجهال فاقدوا الهدف والتخطیط الذین لانور لهم من أنفسهم ولا یستفیدون من نور هداة المجتمع. ولم یكتف الامام(علیه السلام) بعبارات قصیرة كما فعل بشأن الطائفتین الأولى والثانیة فخاض فی بیان تفاصیل هذه الطائفة، فذكر أربع خصائص لها هی:

أ) «إتباع كل ناعق» لیس لهؤلاء استقلال فكری وینطلقون خلف كل شعار، یتبعون البعض الیوم وغدا حین یرون ذلك البعض فی موضع سیىء یتظاهرون علیهم بالشعارات! 

ومن السذاجة الإستظهار بدعم هؤلاء الأفراد، فلا هتافاتهم «عاش، عاش» مدعاة للقوة ولاصراخهم «الموت، الموت» مدعاة لضعف.

ب) «یمیلون مع كل ریح» لیس لأفراد الطائفة الثالثة ضعیفى الإرادة من وزن من أنفسهم. ومن هنا لا یقدرون على حفظ أنفسهم إزاء العواصف الإجتماعیة، بل یتحركون باتجاه كل ریح، بل یحركهم حتى النسیم ویحملهم حیث شاء.

ج) «لم یستضیئوا بنور العلم» لم تستفد هذه الطائفة من نور علم هداة الأمّة وعاشت فی الظلمة. والعبارة فی الواقع علة بؤس وشقاء هذه الطائفة. وحیث لم یستفد هؤلاء الأفراد من نور هدى مربی المجتمع فهم أناس ضعاف الإرادة ولا وزن لهم ولم یعیشوا الحیرة والضلال فحسب، بل یعدون خطراً وتهدیداً لسائر الناس.

د) «ولم یلجأوا إلى ركن وثیق» هذه العبارة دلیل آخر على انعدام وزن الطائفة الثالثة، وحیث لیس لهذه الطائفة سند فی المجتمع، أی لیست هی بسند ولم تلذ بسند راسخ ومحكم، فأدنى نسیم یحركها ویتغیر مسارها وتختلف ألوانها كل حین.

آلاف التحیة والثناء على قائل هذه الكلمات القیمة! وهنا لابدّ أن نختلی بأنفسنا لحظة ونستغرق فی التفكیرلنرى فی أیّة طائفة نحن. فإن كنّا فی الطائفة الأولى أو الثانیة شكرنا الله على هذه النعمة الفضیلة، وإن كنّا لا سمح الله فی زمرة الطائفة الثالثة فعلینا المسارعة لإصلاح أنفسنا، فالعذر متأخر.

 

 96 مشاكل النعمة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «من حسنت به الظنون، رمقه الرجال بالعیون».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 419.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

لابدّ من الإلتفات إلى بعض الأمور بشأن هذا الحدیث:

1. «رمق»: بمعنى النظر ویقال الرامق للناظر. ومایقال: مازال لفلان رمق. یعنی مازال ینظر. لكن هنا كنایة عن الحسد أو الإطلاع. ومعنى الروایة أنّ الشخص الذی یجلب انتباه الآخرین وتنهال علیه نعم الله ویصبح شخصیة مرموقة فی المجتمع یتعرض لحسد الحاسدین ولابدّ أن یعد نفسه لذلك، أی یتحمل عراقیل الحساد. وهذا المطلب فی الواقع إشارة لكلمة أخرى لأمیر المؤمنین(علیه السلام) حیث قال: «لا تنالون منها نعمة إلاّ بفراق أخرى»(1). لأنّ نعم الدنیا لا یمكن جمعها. كما أنّ الشمول بنعم الله لا یمكن جمعه مع النجاة من مخاطر الحساد، اذن لابدّ من الإستعداد لتحمل هذا المطلب; لأنّ توقعات الناس تزداد بالنسبة لمثل هذا الفرد ولا ینبغی الإنزعاج من هذا الأمر.

2. إن الشخص الذی یحسن الناس به الظنّ وتتّجه نحوه الأنظار تضبط جمیع أعماله ویدقق الناس فی أصغر أفعاله وسلوكیاته وهذا ما یُثقل وظیفته ویضاعف مسؤولیته. وعلیه لابدّ أن یراقب كلامه وعمله حتى لا یمنح الحساد والمخالفین ذریعة.

 

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 145.

 

 

 97 مفاسد البطالة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «إن یكن الشغل مجهدة، فاتصال الفراغ مفسدة».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 419.

 

 الشرح والتفسیر:

 

أشار أمیرالمؤمنین(علیه السلام) فی هذه الروایة القصیرة الرائعة والعمیقة المعنى إلى مسألة فی غایة الأهمیة وهی: أنّ العمل لیس مجرد مسألة اقتصادیة، بل مسألة أخلاقیة مهمّة; ومن هنا بیّن(علیه السلام) أنّ البطالة أحد عوامل الفساد والعمل یحول دونه. قال الشاعر:

إن الشباب والفراغ والجدة *** مفسدة للمرء أی مفسدة(1)

وتؤید الإحصاءات ما ورد فی هذه الروایة. جدیر ذكره أنّ المراد من العمل والشغل فی هذه الروایة لیس الشغل والكسب العالق فی أذهاننا، بل المراد كل عمل مفید ومشروع یشغل الإنسان. وما ورد فی الخبر أنّ الشیطان یحشد جنوده بین صلاتی المغرب والعشاء(2)حیث إنّ الناس بلا عمل فی هذه الساعة عادة. ولذلك تسمى هذه اللحظات «ساعة الغفلة».(3) وصلاة الغفیلة بین صلاة المغرب والعشاء سمیت بهذا الإسم لأنها تحد من آثار  الغفلة المدمرة. أضف الى ذلك من الواضح أنّ أحداً لا یبلغ شیئاً دون عمل وشغل أینما كان فی هذه الدنیا. ومن هنا كان الأعلام أنشط أفراد عصرهم ولا یفرق لدیهم التعطیل من عدمه والسفر والحضر، بل العطلة والسفر یغیر نوع عملهم ونشاطهم، بینما لا یعطلون قط مطالعاتهم وأنشطتهم العلمیة وهذه نقطة مهمّة فی أن یستفید جمیع الطلاب الجامعیین والمراكز العلمیة والطلبة والحوزات العلمیة بنحو أحسن من تعطیلاتهم وأوقات فراغهم.

_______________________

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبی حدید، ج 3، ص 340.

2 . وسائل الشیعة، ج 4، أبواب التعقیب، الباب 36، ح 5.

3 . بحار الأنوار، ج 74، ص 95.

 

 98 مقام طالب العلم

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «قال رسول الله(صلى الله علیه وآله) من سلك طریقاً یطلب فیه علماً سلك الله به طریقاً إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، وإنّه لیستغفر لطالب العلم مَن فی السماء، ومَن فی الأرض حتى الحوت فی البحر».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 1، ص 164.

 

 الشرح والتفسیر:

 

بیّن الإمام على(علیه السلام) فی هذه العبارات الثلاث، الأهمیّة والقیمة الاستثنائیة لطالب العلم وطوبى لمن شمل بهذه الروایة.

 

العلم طریق الجنة:

عقد فی العبارة الأولى علاقة بین الجنّة والعلم واعتبر سبیل الوصول إلى الجنّة یمرّ من طریق العلم والمعرفة. ومفهوم هذا الكلام أنّ طریق جهنم یمرّ من منعطفات الجهل والحمق، كما صرحت بذلك الآیة الشریفة 179 من سورة الأعراف: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كثِیراً مِّنَ الْجِنِّ وَالاِْنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ یَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْیُنٌ لاَّ یُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ یَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِك كالاَْنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِك هُمُ الْغَافِلُونَ) لم كانوا أسوأ من الأنعام؟ لأنّهم ضالّون مع امتلاكهم لجمیع وسائل الهدى; نعم، فهذه الآیة ترى الجهل علة ورود البعض نار جهنم، وإننا لنفخر بالإسلام الذى یرى طریق الجنّة العلم وطریق جهنم الجهل. خلافاً لبعض المذاهب المصطنعة التی ترى دیمومتها فی جهل الناس ولذلك یقاومون العلم! والعجیب أنّ الفصول الأولى للتوراة المعاصرة التی یقرّها الیهود والنصارى ترى علة إخراج آدم(علیه السلام)من الجنّة بلوغه العلم والمعرفة! حیث جاء فیها أنّ آدم أكل من شجرة العلم والمعرفة فطرد من الجنّة بجرم العلم! یاله من فارق بین مدرسة ترى العلم سبیل دخول الجنّة وأخرى تراه سبب الخروج من الجنّة!

 

الملائكة تظلل طالب العلم بأجنحتها:

أخبر الإمام(علیه السلام) فی العبارة الثانیة من الروایة أنّ الملائكة تظلل بأجنحتها طلبة العلم ـ لیس بالإجبار والإكراه، بل بالرغبة والإختیار. أی أنّ الطلاب الجامعیین وطلبة العلوم الدینیة یصنعون أقدامهم على أجنحة الملائكة حین یتوجهون إلى حلقات الدرس.ترى لِمَ یفعل الملائكة ذلك مع مالهم من مقام؟ الجواب واضح: أنّ الملائكة تدرك قدر العلم، فلما خلق آدم استفسرت عن سبب خلقه. فأشار تعالى فی قصة خلق آدم إلى علمه ومعرفته وقد فاز آدم فی السباق العلمی بینه وبین الملائكة، هنالك أدركوا ما كان یعنی السجود لآدم. فقد وقفوا من هذا الطریق على القیمة الحقیقیة للعلم ولذلك یظللون بأجنحتهم طلبة العلوم، وعلى من یسیر على طریق العلم أن یقف على عظمة مقامه ویشكر الله دائماً على ذلك ولا یحرم الآخرین من علمه.

 

استغفار جمیع الكائنات لطلبة العلم:

تطرق الإمام(علیه السلام) فی العبارة الثالثة إلى استغفار جمیع موجودات الأرض والسماء حتى أسماك البحار لطلبة العلم. فجمیع الأنبیاء والأولیاء والأوصیاء والملائكة وجمیع الناس وكل الأحیاء یسألون الله المغفرة والرحمة لطلبة العلم ولا شك فی استجابة دعاء تمام عالم الوجود.

أیها الطلبة الأعزاء! الطلبة الجامعیون المحترمون! وجمیع الأعزة السائرین على طریق العلم! فكروا قلیلاً فی هذه النعمة الإلهیّة العظیمة التی خصصتم بها واشكروه دائماً واعرفوا قدركم بعد شمولكم بهذه النعمة. فما أكثر الذین یتمنون سلوك سبیل العلم، لكن لم یكتب لهم النجاح والتوفیق. ولیس من العبث إنكم وفقتم له، فعلل هذا التوفیق الإلهی تحتاج إلى بحث مستقل، والمسلّم به أن الله الحكیم یفیض وفق حسابات، هذه النعمة على البعض ویحظرها على البعض الآخر. حقاً لمن دواعى الفرح السرور أن یسلك الإنسان سبیلاً ینتهی به إلى الجنّة وینطلق فی هذا السبیل تحت أجنحة الملائكة ویشمل بدعاء جمیع وجودات عالم الوجود، فهل من فخر أعظم من ذلك!

 

 

 99 المواد الإمتحانیة الشخصیات

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ثلاث یمتحن بها عقول الرجال هن: المال والولایة والمصیبة».(1)

_______________________

1 . غررالحكم، ج 3، ص 337، ح 4664.

 

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

بیّن تعالى أنّ فلسفة وأساس خلقة الإنسان، الإمتحان. ولذلك فالدنیا بمنزلة جلسة إمتحانیة كبرى والقیامة زمان إعطاء النتائج! وعلیه فلا ینبغی الدعاء اللهم لا تبتلنا وتمتحنّا، لأنّ هذا الدعاء یتنافی مع هدف الخلقة وبعید عن الإجابة، بل لابدّ من دعائه بعدم التشدد بالامتحان، اللهم لا تمتحنّا بالأمور التی لا ننجح فیها. وامتحانات الله وسیلة السمّو والتكامل، إلاّ أنّ هنالك ثلاثة أمور أهم ممّا سواها وردت فی هذا الحدیث هی:

الأمر الأول: المال والثروة، فالثروة الضخمة إحدى العناصر الإمتحانیة التی وردت الإشارة إلیها فی هذه الروایة. وجنی الثروة التی تفوق الحد وعدم إنفاقها كحمل المواد الغذائیة الكثیرة من قبل متسلق جبل لا ینوی البقاء لأكثر من یوم واحد على الجبل ثم یضطر لترك مابقى لدیه هناك ویعود! وینجح فی هذا الإمتحان من لا یفقد عقله ویضحی  بفطنته بامتلاكه للمال والثروة.

الأمر الثانی: مصائب الحیاة ومشاكلها والتی یتطلب النجاح فی امتحانها قدراً من الصبر والتحمل وسیكون مأجوراً فی هذه الحالة. فإن جزع ولم یصبر فسوف یفشل فی الإمتحان وهو مأزور ثقیل ذنبه.

الأمر الثالث: المنصب والمقام، وكثیرون هم الأفراد الذین ما إن ینالوا مقاما حتى ینسوا كل ماضیهم ویتلوثوا بكل شیء. والعاقل من لا یرى أی شیء یصده عن رؤیة الحقائق أونسیانها. وهنالك العدید من الأحرار وفی أوساط العلماء وأعلام الدین الذین حفل بهم التأریخ البشری.

 

 

 100 ثمار الهدى

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «من غرس أشجار التقى جنى ثمار الهدى».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 75، ص 90.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

ورد فی العدید من الآیات والروایات مضمون ومحتوى الروایة المذكورة بخصوص ثمرة التقوى ومعطیاتها فی هذه الدنیا. فثمرة التقوى فی الآیة الشریفة 282 من سورة البقرة التعلیم والعلم الإلهی وفی الآیة الشریفة 29 من سورة الأنفال الظفر بقدرة التمییز (الفرقان) بین الحق والباطل وثمرة التقوى الهدى كما صرحت بذلك الآیة الثانیة من سورة البقرة. والذی ورد فی هذه الروایة مجرد العلاقة. بین الهدى والتقوى حیث كلما ازدادت التقوى زید فی هدى الإنسان; لأنّ القلب كالمرآة، حین یخالط المرآة غبار لا تعكس الحقائق، أما إن طهرنا مرآة القلب من غبار الذنب بجعلها فی مسار نسیم التقوى لعكست الوجه الحقیقی بدقة. وعلیه فنور الهدى مشع على الدوام ولا یعرف من معنى للانقطاع.

ویستفاد ضمنا من الروایة وجود مسار آخر بالإضافة إلى سلوك طریق المعرفة بواسطة الإستدلال والفلسفة. وهو مسار العرفان الإسلامى الذی یحصل عن طریق الشهود، ماوردت الإشارة إلیه فی الآیة 29 من سورة الأنفال، حیث تحصل للإنسان بالورع  والتقوى ووضع القدم على جادة العرفان الواسعة قدرة یشخص بها بسهولة الحق من الباطل والحقیقة من السراب. النقطة الأخرى أن تأثیر التقوى والهدى ثنائیة الجانب; أی كما یزداد الهدى بازدیاد التقوى، كلما زید الهدى بلغ الإنسان مراتب عالیة من التقوى. وعلیه لابدّ أن نسعى لتفعیل التقوى فی حیاتنا الفردیة والإجتماعیة فی المسائل الدینیة والسیاسیة والاقتصادیة والاداریة وبالتالی جمیع مجالات الحیاة، لتقطف الأمة الإسلامیة ثمار الهدى من هذه الشجرة الضخمة وتستفید منها بأحسن نحو.

 

 101 نتیجة المعرفة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یسیر المعرفة یوجب الزهد فی الدنیا».(1)

_______________________

1 . غررالحكم، ج 6، ص 456، ح 10984.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

ماالمراد بالمعرفة الواردة فی الروایة التی توجب الزهد فی الدنیا وعدم التعلق بها؟ للإجابة عن هذا السؤال لابدّ من الإلتفات إلى ثلاثة أمور:

1. المراد من هذه المعرفة معرفة الله، أی لو كان اللإنسان قبس من معرفة الله وصفات جلاله وجماله لزهد فی الدنیا ولما خضع قط للدنیا. فمن عرف الله أدرك أنّه بحر الكمال وعالم الوجود برمته ورغم كبره فهو أصغر من الندى فی مقابل أعظم المحیطات! مما لاشك فیه أن هذا الإنسان لا تأسره الدنیا ومثل هذا الإنسان الذی وصفه على(علیه السلام) «عظم الخالق فی أنفسهم فصغر ما دونه فی أعینهم»(1) لا یغتر بالدنیا. وعلى ضوء هذه النظرة یرى(علیه السلام) الدنیا أهون من ماء أنف حیوان.(2)

2. المراد معرفة نفس الدنیا، أی أنّ الإنسان لو عرف الدنیا المتقلبة الغادرة، الدنیا التی یمكن أن تنكب الإنسان لیلة فتقذفه من أوج الثروة والقدرة فی منتهى الفقر والفاقة، الدنیا التی تسلب الإنسان صحته وعافیته فی لحظة، الدنیا التی تبتلع فی حادثة خلال لحظة كل أصحابه وقرابته وأهله، فهل یمكن التعلق بمثل هذه الدنیا؟ إذن فأصحاب الدنیا المتهافتین علیها لم یعرفوها، ذلك لأنّهم لا یخضعون لها لو كانت لدیهم أدنى معرفة بطبیعتها وماهیتها.

3. معرفة المقام وقیمة الإنسان مدعاة لعدم التعلق بالدنیا. فلو علم الإنسان قدره وعرف وزنه وقیمته لما باع نفسه بمقام زائل ولا حطام من المال. فهذا المتاع القیم الذی یمكنه أن یكون أفضل من الملائكة لا ینبغی بیعه رخیصاً، لا ینبغی بیعه بأقل من الجنّة ورضوان الله. أما من لا یعلم أنّ الإنسان خلیفة الله وسجد له جمیع الملائكة یبیع نفسه بالتافة، على غرار الجاهل الذی یبیع الجواهر الثمینة بالتافه! ولیس هنالك مایمنع من الجمع بین التفاسیر الثلاثة; أی أنّ معرفة الله والدنیا وذات الإنسان توجب عدم تعلق الإنسان بالدنیا بل زهده فیها.

_______________________

1. نهج البلاغة، الخطبة 193.

2 . نهج البلاغة، الخطبة 3.

 

 102 علامة التدین

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ملاك الدین مخالفة الهوى».(1)

_______________________

1 . میزان الحكمة، الباب 4041، ص 21135(ج 10، ص 382).

 

 الشرح والتفسیر:

 

لكل شیء ملاك یقیم به. فما ملاك التدین وعدمه؟ هل الصلاة بمفردها ملاك التدین؟ هل للحجاب بمفرده أن یكون معیارا؟ كما یرى بعض الناس أنّ الصلاة أو الحجاب، الحد الفاصل بین المتدینیین والملحدین. وهل حفظ اللسان والسیطرة علیه یسعه أن یكون میزان معیار التدین؟ لقد بیّن أمیرالمؤمنین(علیه السلام) المعیار والملاك الجامع والكلی لهذه المسألة فی هذه الروایة القصیرة والعمیقة المعنى ، وإن كانت الأمور المذكورة ملاكاً; إلاّ أنّ الملاك الكامل والتام شیئاً آخر حتى لربّما كانت أحیاناً العبادة والحجاب وحفظ اللسان إثر رغبة القلب. وخیر شاهد على ذلك هذه القصة المعروفة: أنّ شخصاً كان یصلی لسنین جماعة فی الصف الأول وذات یوم تأخر عن المسجد فكان فی آخر صف فساءه ذلك وقال فی نفسه: ماذا یقول الناس! یصلی فلان فی الصف الأول كل یوم فلم الیوم آخر الصف؟ وهنا التفت، یاویلی لقد أبطلت صلاتی طیلة هذه السنوات وعلی أن أقضیها جمیعاً؟ فلم تكن خالصة لله. ومن هنا جاء فی الخبر لا تغرك كثرة الصوم والصلاة وسائر العبادات! فقد یؤتى بها للعادة، بل امتحنوهم بالصدق وأداء الأمانة(1). وعلیه فالمتدین من تبع أوامر الله والعقل، والملحد من تبع هواه. وقد طرح هذا السؤال فی تفسیر الآیة الشریفة (نُؤْمِنُ بِبَعْض وَنَكفُرُ بِبَعْض)(2) لما ذمّ الله ینی إسرائیل على ذلك والحال «نؤمن ببعض» فعل حسن وإن استحقوا الذم بسبب «ونكفر ببعض» فقال بعض المفسرین: «لا قیمة لذلك الإیمان ببعض لأنّهم یؤمنون بما یوافق هوى أنفسهم، وعلیه كان إیماناً بهوى النفس لا إیماناً بالله»(3).

والخلاصة فالروایة التی نحن بصددها تعتبر ملاك ومعیار المتدین من الملحد مخالفة هوى النفس وعلى ضوء هذا المعیار الدقیق نستطیع الوقوف على مدى تدیننا.

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 1، ص 324، الباب 300، ح 1490.

2 . سورة النساء، الآیة 150.

3 . التفسیر الأمثل، ج 4، ص 189.

 

 103 علامات الجهل

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «إنّ قلوب الجهّال تستفزّها الأطماع، وترتهنها المنى، وتستعلقها الخدائع»(1)

_______________________

1 . اصول الكافی، ج 1، كتاب العقل والجهل، ح 16.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

بیّن الإمام(علیه السلام) فی هذه الروایة ثلاث علامات لروح وقلب الفرد الجاهل:

1. الأولى أنّ الطمع یهزّ قلوبهم من مواضعها، والطمع انتظار المزید عبثاً، كأن یقوم فرد بعمل یستحق علیه دیناراً، لكنه یتوقع أن یعطى عشرة دنانیر.

2. الثانیة طول الأمل الذی یعد أحد عوامل قسوة القلب،(1) فیرتهن قلب الجاهل. ومن الطبیعى أنّ المرتهن لا یقدر على القیام بوظائفه، وبالنتیجة لا یسعه إبداء ردود الأفعال المطلوبة، ومن هنا لیست مناسبة ردود أفعال الإنسان الجاهل إزاء مختلف الأفعال.

3. العلامة الثالثة توجه قلب الجاهل للظواهر والغفلة عن الحقائق. فالعالم لا تغرّه زخارف الدنیا المادیة ویرى الحقائق، أمّا الجاهل فهو أسیر الأوهام والخیالات دائماً ومغرور بفخ زینة الدنیا. ومن هنا فإنّ مسار العالم هو الذی حدد على ضوء الحقائق والصراط المستقیم غیر أنّ المتاهة والضلال هی مسار الجاهل.

سؤال: لِمَ العالم واقعی والجاهل خیالى ظاهری ؟

الجواب: أولاً: «العلم» نور و«الجهل» ظلمة(2) ومن الطبیعی أن یدرك الحقائق من زود بالنور، أمّا من مشى فی الظلمة فهو أسیر الوهم والخیال.

ثانیا: الجاهل مصاب بالهوى والطیش والهوى یعمی عین البصیر عن رؤیة الحق. ومن هنا كان العالم واقعی بینما یعانی الجاهل من الخیالات والأوهام.

 

_______________________

1 . ورد هذا المطلب فی عدة روایات عن المعصومین(علیهم السلام). راجع میزان الحكمة، ج 8، ص 238،

الباب 3402.

2 . میزان الحكمة، ج 6، ص 452، الباب 2833، ح 13379.

 

 104 دور انتظار الفرج فی حیاتنا

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه فی سبیل الله».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 10، ص 104 .

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

یمكن بیان تفسیرین لهذه الروایة لا یتنافیان مع بعضهما.

1. منتظرو الظهور یأتون بأعمال نتیجتها واحدة مع الجهاد فی سبیل الله; كما قال الإمام علی(علیه السلام): «فرض الله الجهاد عزّاً للإسلام»(1).

ونتیجة انتظار المنتظرین الواقعیین هی هذه الأمور; الإنتظار الذی یتحقق فی ظلّه التهذیب وإجراء الأحكام الإسلامیة وإیصال صوت الدین بالإستعانة بالقلم والبیان وجمیع الوسائل الحدیثة إلى أقصى مناطق العالم.

سؤال: ما نوع انتظارنا؟

الجواب: یرى البعض أنّه منتظر بمجرد تكراره لهذه العبارة «سیدی عجل بظهورك»! والبعض الآخر اختصر انتظاره فی قراءة دعاء «الندبة» وزیارة آل یاسین وما شابه ذلك. وبعض بالإضافة إلى ذلك یتشرّف بزیارة مسجد جمكران المقدس ویكتفى بذلك!

وهذا النوع من التفسیر للإنتظار یجعلنا نتعجب حین تطالعنا مثل هذه الروایات ونسأل أنفسنا: كیف یكون ثواب الدعاء مساویاً لثواب من یتشحط بدمه جهاداً فی سبیل الله؟ أما إن فسرنا الإنتظار بإعداد البشریة برمتها لظهور الإمام(علیه السلام) فإنّ هذا الإنتظار یعادل الجهاد، بل أحیاناً یفوقه أبعاداً!

2. كان البعد الخارجی للإنتظار هو التفسیر الأول، أمّا البعد الباطنی للإنتظار هو جهاد النفس وعلینا أن نهذب ونعد أنفسنا. لأنّه باسط العدالة، فأنى لی انتظار ظهوره إن كنت ظالما.

هو طیب وطاهر فكیف أزعم انتظاره إن كنت ملوثاً و... وعلیه إنّما یتحقق الإنتظار الواقعی حین نجاهد أنفسنا ونتأهب بما یجعلنا مؤهلین أن نكون من جنوده. ومن الواضح أن جهاد النفس أصعب بكثیر من جهاد العدو. ومن هنا خاطب رسول الله(صلى الله علیه وآله)المسلمین الذین عادوا من معركة عنیفة قائلا: «مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقى علیهم الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال الجهاد مع النفس».(2) والنتیجة لابدّ من تفسیر الإنتظار للناس فی بعدیه الخارجی والباطنی كی لا یفرغ من محتواه ولا یختصر فی الدعاء. ترى لو كنّا ننتظر ضیفاً عزیزاً ماذا نفعل؟ لا شك ننظف أنفسنا ونطهّر البیت. أفلا ینبغی أن یطهر منتظرو إمام العصر والزمان ـ عجل الله فرجه ـ أنفسهم وبیوتهم؟!

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات 252 .

2 . میزان الحكمة، ج 2، ص 140، الباب 586، ح 2741.

 

 105 الهدف الغائى للبعثة

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «فبعث الله تعالى محمداً(صلى الله علیه وآله) بالحق، لیخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته، ومن طاعة الشیطان إلى طاعته».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، الخطبة 147 .

 

 الشرح والتفسیر:

 

هنالك عدة آیات وروایات تعرضت للأهداف المهمة لبعثة الأنبیاء(1). وأشارت هذه الروایة إلى هدفین مهمین منها واللذان أشیر إلیهما فی الآیات القرآنیة:

1. إنقاذ العباد من عبادة الأصنام وإرشادهم وهدایتهم لعبادة الله.

2. إنقاذ الناس من تبعیة الشیطان ودعوتهم لتبعیة الرحمن. ولابدّ من الإلتفات فی الهدف الأول أن الأوثان جمع وثن یعنی الصنم وله معنى واسع; وعلیه رغم انتهاء الوثنیة ظاهر یا بانبثاق الدعوة الإسلامیة وجهود النبی الأكرم(صلى الله علیه وآله) ولكن بالنظر إلى أنّ الرؤیة الحقیقیة ترى الوثن كل ما یبعد الإنسان عن الله ویجذبه لنفسه فإنّ عصرنا یشهد أنواعاً أخرى من الوثنیة التی ینبغی أن یهجرها العباد ویدعوا لعبادة الله الواحد. جاء فی الحدیث النبوی الشریف: «یأتی على الناس زمان بطونهم آلهتهم، ونساؤهم قبلتهم، ودنانیرهم دینهم، وشرفهم متاعهم، ولا یبقى من الإیمان إلاّ إسمه». (فلما سمع المسلمون ذلك تعجبوا بعد أن تحطمت الوثنیة على عهد النبی) قالوا: یارسول الله أیعبدون الله؟ قال: نعم كل درهم عندهم صنم»(2).

وجاء فی الخبر: «أنّ أول درهم ودینار ضرباً فی الأرض نظر إلیهما إبلیس فلما عاینهما أخذهما فوضعهما على عینیه، ثم ضمهما إلى صدره وقال: أنتما قرّة عینی! ما أبالی من بنی آدم إذا أحبّوكما أن لا یعبدوا وثناً».

ما قیل نوع من الوثنیة الشائعة فی عصرنا، وللوثنیة أشكال أخرى ورد تعریفها فی هذه العبارة «كلما شغلك عن الله فهو صنم» ولو شققنا بعض القلوب لرأیناها معبداً وثنیاً كبیراً! والحال، القلب حرم الله لا ینبغی أن یكون فیه غیرالله وإن كان لابدّ أن یكون فی رضى الله. أمّا بشأن الهدف الثانی فلابدّ من الإلتفات إلى أن للشیطان مفهوماً واسعاً ویعنی الطاغی على الله. وعلیه فاتباع كل طاغ على الله اتباع للشیطان حتى الإصغاء إلى كل كلام یعد طاعة لقائله، فان كان فی رضى الله عدّ عبادة، وإن كان فی معصیته فهو عبادة الشیطان(3).

_______________________

1 . راجع شرح هذه الآیات فی نفحات القرآن، ج 7، ص 13.

2 . بحار الأنوار، ج 22، ص 453.

3 . میزان الحكمة، ج 6، ص 19، الباب 2494، ح 11352.

 

 106 فی مصاف الشهداء

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ما المجاهد الشهید فی سبیل الله بأعظم أجراً ممن قدر فعف».(1)

_______________________

1 . نهج البلاغة، قصار الكلمات، 474.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

إنّ أعظم جهاد من وجهة نظر الإسلام جهاد الأهواء الجامحة سیما فی الأوساط الملیئة بالإغراءات الدنیویة الفاسدة. حتى جهاد العدو سیكون مجدیاً فی ظل الإخلاص والوحدة والنیة الطاهرة والإبتعاد عن الأنانیة والأغراض الشخصیة ولا یتیسّر ذلك دون السمو الأخلاقی الكافی وجهاد النفس. ومن هنا بیّن(علیه السلام) أنّ أولئك الذین یجاهدون أنفسهم وینتصرون علیها ویصونون أنفسهم فی الأوساط الفاسدة ولا یقارفون الدنس لیسوا بأقل من المجاهدین الشهداء فی سبیل الله، بل ورد فی تتمة الحدیث فی نهج البلاغة أنّ هؤلاء الأفراد فی مصاف ملائكة السماء(1). وسر هذه الأهمیة الفائقة والتأكیدات الكثیرة لزعماء الدین على جهاد النفس حتى اصطلح علیه بالجهاد الأكبر أنّ منشأ أغلب الذنوب أو جمیعها الأهواء النفسیة والشیطانیة، ولما كان خطر عدو الإنسانیة هذا كبیر ونطاق عملیاته واسع ولا حدود له من حیث الزمان والمكان كانت لمقاومته قیمة خاصة وجهاده فی مصاف الشهداء وطوبى للفریقین!

_______________________

1 . مائة وخمسون درساً من الحیاة، ص 43.

 

 107 كل شیء بمقدار

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «جعل الله لكل عمل ثواباً ولكل شیء حساباً».(1)

_______________________

1 . غررالحكم، ح 4779.

 

 الشرح والتفسیر:

 

مسألة الحساب یوم القیامة من ضروریات دیننا ومن هنا كان أحد أسماء یوم القیامة یوم الحساب.(1) ولا یقتصر الحساب على یوم القیامة، بل ما یستفاد من آیات القرآن وروایات المعصومین(علیهم السلام) أنّ هنالك حساباً فی هذه الدنیا أیضاً، كما كان هنالك حسابٌ دقیقٌ فی عالم الخلق والتكوین، كما هو حاكم هذا الحساب والنظم فی العالم الكبیر (عالم الخلق) والعالم الصغیر (بدن الإنسان). ولو تمعن الإنسان خلقه لأدرك مدى دقة الحساب. فقد ركب وجود الإنسان من بضعة وعشرین عنصراً، وفیه أنواع الفلزات وشبه الفلزات من قبیل: الحدید والكالسیوم والأوكسجین والهیدروجین وأمثالها لمن مركبات بدن الإنسان، وهذه العناصر خاضعة جمیعاً لحساب بحیث یمرض الإنسان إن قلّت أو كثرت، وعلیه فالمرض یفرز من اختلال الحساب، ولیس هنالك من حساب لمركبات بدن الإنسان الكیمیائیة، بل حركاته الفیزیائیة كذلك; أی مثلاً معلوم عدد نبض القلب السلیم فی كل عمر حین النوم وحین الیقظة وعند المشی وعند الركض. ونبضات القلب على قدر من الحساب والدقّة بحیث كان قدماء الأطباء یشخصون من خلالها مختلف الأمراض. والأهم من ذلك ما كان یقوله أحد الأطباء: «یمكننی معرفة جمیع الأمراض من النظر إلى عین المریض، فعین الإنسان مرآة لجمیع أمراض الإنسان!». وكل هذه علامات على الحساب الدقیق الذی یسود العالم برمته. فإن صدقنا ذلك سنوقن بأنّ فی الشریعة حساباً خاصاً على غرار الطبیعة.

وقد أشار علی(علیه السلام) فی هذه الروایة إلى هذا الموضوع أنّ لكل عمل خیر ثواباً وعمل سیىء حساباً. ولابدّ أن نعلم بأنّ جمیع الحوادث الصغیرة والكبیرة معلولة لعلل وإن لم نقف على أغلبها، والإنسان الموفق من یظفر بعلة كل حادثة ویعتبربها. نقل المرحوم العلاّمة المجلسی فی بحار الأنوار: «دخل على أمیرالمؤمنین(علیه السلام) رجلٌ من أصحابه وطأ على حیّة فلدغته وهو یتضرع ویبكی. قال(علیه السلام) سیحمل إلى منزله، لم یحن حینه. فتعافى بعد شهرین. فدخل على الإمام(علیه السلام)فقال له(علیه السلام): حیث أقبل قنبر خادمی وأنت بحضرة فلان العاتی فقمت إجلالاً له. فقال لك: أوَ تقوم لهذا بحضرتی؟ فقلت له: وما بالی لا أقوم والملائكة تضع له أجنحتها فی طریقه، فعلیها یمشى. فقام إلى قنبر وضربه وشتمه وآذاه فلهذا سقطت علیك هذه الحیّة».(2) فإن كان الحساب بهذه الدقة لابدّ من المزید فی مراقبة أعمالنا، ونبحث عن العلل، فی سلب التوفیق وزوال نشاط العبادات والتعرض للصعاب وسائر الأمور.

_______________________

1 . ورد أكثر من سبعین إسماً لیوم القیامة فی كتاب نفحات القرآن، ج 5، ص 49.

02 . بحار الأنوار، ج 26، ص 237.

 

 

 108 كل شیء فی ظل الكفر

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «ألا لا خیر فی علم لیس فیه تفهم، ألا لا خیر فی قراءة لیس فیها تدبّر، ألا لا خیر فی عبادة لا فقه فیها»(1)

_______________________

1 . اصول الكافی، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، ح 3.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

سؤال: ورد فی العبارة الأولى: «ألا لا خیر فی علم لیس فیه تفهّم» فهل هنالك علم دون تفهّم؟

الجواب: بلى، كثیر العلم الذی لا حاصل له سوى خزین من المعلومات والقواعد والصیغ الجافة التی لا یفكر فیها صاحبها ولا یتأمل نتائجها. فالعالم الذی یخترع الذرة ویطلق هذه الطاقة العظیمة، ترى لم فعل ذلك؟ هل كان هدفه القضاء على جمیع الكائنات الحیّة وإزالة جمیع آثار الحیاة فی «ناكازاكی» و«هیروشیما» فی الیابان، والتی مازالت آثارها المشؤومة للأسف قائمة لحد الآن بعد عشرات السنین؟! أم كان هدفه صنع محطة كهربائیة لیضیىء بواسطتها العالم ویحرك عجلات المعامل والمصانع وتستغل فی سائر الفوائد؟ للأسف لیس لأغلب العلماء المادیین تفهم فی علومهم، ومن هنا تحولت الدنیا إلى بؤرة مظلمة فالدنیا التی لیس لعلمائها من هدف سوى اللذة المادیة ولا یفرق لهم أن تنشط  باختراعاتهم واكتشافاتهم مصانع الأدویة أو مصانع القنابل، بل یرجحون ما كان دخله أكثر ویجلب لجیوبهم أكبر عدد ممكن من الدولارات فإن مثل هذه الدنیا بؤرة ظلام وهذا العلم مضر حقاً!

وجاء فی العبارة الثانیة: «ألا لا خیر فی قراءة لیس فیها تدبّر» نعم كثیرون من یتلون القرآن والقرآن یلعنهم(1). ذلك لأنّهم لا یعملون بهذه الوصفة المشفیة وما فیها من وصایا، فهؤلاء حین یقرأون الآیات المتعلقة بالغیبة وهم یغتابون الآخرین فتلعنهم هذه الآیات حین یقرأ آیات الربا وهو ملوث بهذا الذنب الكبیر تلعنه آیات الربا، وهكذا سائر الآیات التی لا یعمل بها.

«تدبّر»: من مادة «دبّر» على وزن قصر التفكیر بالعاقبة. وتالی القرآن حین یتلو الآیات الشریفة لابدّ أن یفكر بعاقبة الأفراد الذین تتحدث عنهم الآیات المتلوّة، فقراءة آیة بتدبّر أفضل من ختمة دون تدبّر.

وقال فی العبارة الثالثة: «ألا لا خیر فی عبادة لا فقه فیها». فهل فكرنا فی معانی سورة الحمد حین تلاوتها فی الصلاة عندما نقف بین یدی الله؟ فإن بلغنا قوله تعالى «إیّاك نعبد وإیّاك نستعین» نظرنا إلى قلوبنا هل حقاً نعبد الله فقط به نستعین؟ أم أنّ عبادة الهوى والمال والمقام لم تدع فی قلوبنا من موضع لعبادة الله؟! حین نصل إلى التشهد ونشهد بوحدانیة الله ونطل على قلوبنا ونلاحظ هل هنالك من أوثان فی هذه القلوب أم أنّ هذه القلوب لیس فیها سوى الله، نعم لابدّ من اقتران العبادة بالتفكر، ذلك لأنّ العبادة المقرونة بالتفكر یمكنها أن تغیر مصیرنا.

_______________________

1 . میزان الحكمة، ج 8، ص 90، الباب 2311، ح 1625.

 

 109 التفكیر الدائم بالضعف

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یا كمیل إنّ ذنوبك أكثر من حسناتك، وغفلتك أكثر من ذكرك، ونعم الله أكثر من عملك».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 415.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

لابدّ من الإلتفات إلى الأمور التالیة فی تفسیر العبارات الثلاث:

1. إنّ نعم الله أكثر من قدرة الشكر لدى الناس مطلب واضح وبدیهى. على سبیل المثال لو سلبت من الإنسان النعمة الفضیلة للعین فأیة مصیبة ستحل! فهل سیكون الإنسان قادراً لو أدى شكر هذه النعمة فقط إلى آخر عمره؟ هنالك عین فیاضة فی عین الإنسان تجعل سطح العین رطباً على الدوام ولولاها لآذت الأجفان العین وتذهب ببصره خلال مدّة قصیرة، وهناك مادة فی العین تمتصّ دمع العین ولولاها لكان الإنسان باكیاً دائماً! أو لیست هذه نعم إلهیّة عظیمة؟ترى ماذا سیحدث لولاهما (العین الفیاضة ومادة امتصاص دمع العین)؟ أحیاناً لدینا النعم التی لا نتوجه إلیها طیلة الحیاة، حقاً إنّ نعم الله أكثر من قدرة شكرنا نحن البشر.

2. أمّا العبارة الثانیة: «وغفلتك أكثر من ذكرك» فیمكننا تصدیقها بحساب بسیط. كم نذكرالله كل یوم ولیلة؟ كم تستغرق جمیع صلواتنا الیومیة؟ ما مدى ذكرنا لله خلال المدة التی نقف فیها للصلاة؟ نعم، أولیاء الله یذكرون الله حتى فی المنام، إلاّ أنّ هؤلاء لا یجاوز عددهم أصابع الید، والنتیجة فإنّ مدّة الغفلة عن ذكر الله أكثر من مدّة حضور القلب.

3. أما العبارة الثالثة: «إنّ ذنوبك أكثر من حسناتك» تتضح أیضاً بقلیل من التفكیر. للأسف إننا لا نرى أغلب ذنوبنا ذنوباً! فالكذب والتهمة والغیبة والجحود وبث الشائعات وخلقها والسخریة من الآخرین وما شابه ذلك، أو بعض الأعمال التی لا تتناسب مع شأن الإنسان لكننا نأتی بها! ككثرة الكلام والصلاة دون حضور القلب والصلاة التی نشك فی الثالثة والرابعة والخامسة وهدر الوقت وأمثال ذلك. وأحیاناً نفعل بعض الحسنات التی تبدو حسنة، ولكن حین نتمعنها نراها لیست عبادة. وعلیه فذنوبنا أكثر من حسناتنا.

سؤال: ما هدف أمیر المؤمنین(علیه السلام) من هذه العبارات؟

الجواب: الهدف هو أن لا نمنّ على الله بعبادتنا وطاعتنا، بل لابدّ أن نرى أنفسنا مدینین لله دائماً ونفكر فی التعویض. وأحد أسرار التكامل أن یرى الإنسان نفسه ناقصاً. فذلك الذی یرى نفسه كاملاً فهذه بدایة بؤسه وتوقفه.

 

 

 110 ذكرالله

 

قال الإمام علی(علیه السلام): «یاكمیل سمّ كل یوم باسم الله، وقل لا حول ولا قوة إلاّ بالله، وتوكل على الله، واذكرنا وسمّنا بأسمائنا وصلّ علینا، وأدر بذلك على نفسك وما تحوطه عنایتك، تكف شرّ ذلك الیوم إن شاء الله».(1)

_______________________

1 . بحار الأنوار، ج 74، ص 482.

 

 

 

 الشرح والتفسیر:

 

إنّ اختیار هذه العبارات الأربع وترتیبها مع بعضها كما أشرنا كراراً لیس عبثاً واعتباطاً، بل للعلاقة القائمة بینها. أمّا «بسم الله الرحمن الرحیم» فلأنّ كل عمل ینبغی أن یشرع فی الثقافة الإسلامیة باسم الله، وكل فعل حسن لا یبلغ هدفه مالم یبدأ باسم الله»(1)وأمّا تكرار «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله» فی كل یوم لنؤمن بأنّ القوى والقدرات كافة منه، والحائل بیننا وبین المكان هو ذلك القادر المطلق، وإننا لا نقوى على الإتیان بعمل ولا نقوى على دفع الموانع دون أن نستند إلیه تعالى. وأمّا إسناد جمیع الأمور لله العالم بالسر والعلن والتوكل على تلك القدرة المطلقة فذلك إننا نعرض له بكل كیاننا قائلین: اللّهم إننا لا نملك لأنفسنا شیئاً ولسنا قادرین على شیء دون الركون للطفك والتوكل على قدرتك وعلمك، وكل ما هنالك فمنك وبیدك.

وأخیراً نتوسل فی الختام بالأربعة عشر معصوماً(علیهم السلام) كأن یقال «اللّهم صل على محمّد وآله وأمیرالمؤمنین والأئمّة المعصومین». والإنسان بإتیانه بهذه الأعمال الأربعة والإیمان بمضامینها یأمن شر ذلك الیوم، من جمیع الشرور; شر النفس وشر الشیاطین والجن والإنس والآفات والبلایا والحوادث وبالتالی الأمان من كل شرّ.

 

التخلق بصفات الله:

المسألة المهمّة فی أذكار الله، التخلق بالأذكار; أی أنّ الذكر لا ینبغی أن یكون مجرد لقلقة لسان، بل لابدّ أن یخترق روح الإنسان وقلبه ویترك أثره علیه ویصبغ الإنسان بصبغته. فإن قذفت قطعة حدید باردة فی نار مستعرة تصبح بلون النار وتتخلق بأخلاق النار.

وعلیه نحن أیضاً حین نكرر هذه الأذكار لابدّ أن نمد بالتدریج جسراً من ألسنتنا إلى قلوبنا ونؤمن بمضامینها.

الختام

_______________________

1 . مر شرح هذا المطلب فی الحدیث الأول.