التعامل الإنساني في سيرة الإمام علي (ع)

الشيخ حسن الصفار

 

تميزت حياة أمير المؤمنين بخصال عديدة كان من أوضحها تعامله الانساني المجرد مع الآخرين والمبني على احترام الانسان كإنسان بغض النظر عن أي شيء آخر والمحافظة على حقوقه وشخصيته المادية والمعنوية في أي موقع ومكان ومهما كان حجمه ومستواه..
وأهمية التوجه الى هذا الجانب في حياة أمير المؤمنين تنبع من دوره في التأثير على مجمل حياة الانسان الشخصية والاجتماعية، وفي كونه طريقاً الى رضا الرب سبحانه وتعالى.
فأنا وانت نتعامل مع بشر سواء كانوا موافقين لنا في الدين والاتجاه أو مغايرين، ومن الأهمية بمكان أن نعرف كيف نتعامل معهم التعامل الانساني السليم الذي يعكس صفاء الإسلام وتكريمه للإنسان كانسان قبل أن يكتسب أية صفة أخرى تضيف اليه اعتباراً آخر.
ولقد كانت حياة أمير المؤمنين زاخرة بأمثلة عديدة من التعامل الانساني مع الآخر في مختلف الاوضاع والظروف، فهي بحق - بعد رسول الله - أفضل مثال وقدوة تحتدى، خصوصاً ونحن نستعيد هذه الأيام ذكرى ولادته الشريفة.
وان حضور هذا البعد في حياته، هو الذي جعل من شخصيته، شخصية انسانية خالدة على مستوى البشرية كلها، وليس في تاريخ المسلمين وحدهم.
وقبل ايام صدر ديوان شعر جديد في بيروت لمسيحي ماروني هو (جوزيف الهاشم) حول الامام علي وتحت عنوان (علويات) اما كتاب (الامام علي صوت العدالة الانسانية) للاديب المسيحي جورج جرداق، فهو موسوعة رائعة اخذت موقعها في مكتبة الثقافة والادب العربي وايضا ملحمة (عيد الغدير) لبولس سلامة المسيحي، وغير ذلك من الاعمال الادبية والتاريخية والفكرية التي تنبئ عن مكانة الامام على المستوى الانساني.
فمن شواهد التعامل الانساني عند علي ماجرى في معركة صفين، حين سبق جيش معاوية جيش الامام في الوصول الى منطقة القتال، واستولى على مشرعة الفرات ومنعوا جيش الامام من الوصول اليه، فضج أصحاب الامام من ذلك، فقام فيهم خاطباً وقال كلمته الشهيرة : «الموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين، رووا سيوفكم من الدماء ترووا من الماء».
فاستنهض الامام بذلك جيشه للوصول الى المشرعة، وهذا ماحصل فعلاً، حيث استطاعوا أن يجلوا جيش معاوية عنها وان تكون لهم السيطرة عليها، فلما كان ذلك تصايحوا يقولون له: ( نمنعهم من الماء كما منعونا وتقتلهم بسيف العطش ولكنه رفض ذلك وقال: «خذوا حاجتكم من الماء وارجعوا الى معسكركم وخلوا بينهم وبين الماء فاني لا افعل مافعله الجاهلون».
وهكذا يضرب لنا مثلاً يحتذى في رفض استخدام الحصار والتضييق ومنع ضرورات الحياة عن العدو الذي يخوض معه معركة حاسمة، حتى وإن لجأ العدو الى هذا الاسلوب.
ان هذه حقاً هي أخلاق الإسلام في بعدها الإنساني الكبير.
وحينما تبحث عن هذه الرؤية في الواقع العالمي الدولي تجد انها غائبه عن قاموس السياسة الدولية اليوم، فها أنت ترى الدول الكبيرة والمتحكمة تمارس الحصار والمقاطعة للشعوب الضعيفة، بحجة تصفية خلافاتها مع بعض الانظمة والحكام، رغم أنهم يعلمون أن ضحية هذا الحصار هو الشعب نفسه.
فحينما تفرض اميركا والدول الغربية الحصار على الشعب العراقي فهم يعلمون يقيناً ان الحصار لن يغير من واقع تسلط الحكومة العراقية شيئاً ولن يؤدي ذلك الى تغيير سياسي فيه، بل على العكس من ذلك سوف يزداد الموقف الشعبي تجاه النظام ضعفاً، لان الناس سوف يكون همهم الوحيد الحصول على لقمة العيش والكفاف، أما النظام فإنه سيستفيد من هذه الحالة في سن قوانين تحكم قبضته وتوسع من صلاحياته، لان هذه الحكومة تجد في الحصار المفروض مادة دعائية في إختلاق عدو خارجي، وفي الابقاء على حالة طوارئ غير معلنه وبالتالي قمع كل إعتراض.
فهل يتضرر الحاكم العراقي من الحصار، وهل أن الاطفال الذين يموتون بسبب نقص الدواء والغذاء هم من أبناء الرئيس أو الوزراء أو الضباط الكبار؟
إن الغرب يعلم أن الاطفال الذين يموتون نتيجة للحصار انما هم أطفال الناس الفقراء والمعدمين، أما اطفال أولئك فلا يولدون الا وفي أفواههم ملعقة من ذهب كما يقال.
وقد فرض الغرب الحصار على ليبيا عدة سنوات لمشكلة له مع النظام، ورأيناه يمارس ماهو اكثر من ذلك مع السودان، حتى يصل الأمر الى حد قصف وتدمير مصانع الدواء في بلد فقير، يعاني –أصلاً- من نقص كبير في هذا المورد، ويموت بعض مواطنيه بسبب النقص الحاد في الدواء وسوء التغدية.
فأين الانسانية من كل هذا.. أو ليس ذلك دليلاً على غياب البعد الانساني من فكر الحضارة الغربية ورؤيتها للحياة.. وعلى العكس من ذلك نجد الحضارة الاسلامية ورموزها.
ومن الشواهد في حياة علي في هذا المجال هذه القصة الهامة:
رجل من اصحاب الامام اسمه (عبيد الله بن الحر الجعفي) خان الامام والتحق بجيش معاوية في جوف الليل.. ذلك حين كانت نيران حرب صفين مشتعلة وفي قوانين الحروب يعاقب مثل هذا الخائن بالاعدام.. واستطاع ان يقدم عبيد الله خدمات كبيرة لمعاوية .. اما زوجته فكانت في الكوفة وتناهى الى سماعها خبر هلاك عبيد الله في المعركة.. فاعتدت عدة الوفاة وبعد ذلك تزوجت برجل من اهل الكوفة في الوقت الذي كان عبيد الله حياً في الشام.. وحين اخبر بزواج زوجته .. خرج من الشام ليلاً.. وقطع المسافات الشاسعة ووصل الى الكوفة ودخلها ليلاً.. وتوجه فوراً الى بيت زوجته اما زوجته خرجت اليه وهي محجبة.. وبعد حوار قصير اخبرته بزواجها من رجل غيره..
رأى عبيد الله ان أبواب العودة الى زوجته مغلقة في وجهه.. ورأى ان افضل حل ان يتشرف بلقاء مولانا امير المؤمنين ويخبره بقصته.. وامير المؤمنين رجل العدالة والحق.. ولا يعدل عن الحق وان كان المحق خائناً..
التقى عبيد الله بامير المؤمنين منكساً رأسه خجولاً لكونه يعلم انه خائن..سلّم على الامام .. اجابه الامام وتساءل مستنكراً: «أعبيد الله انت؟» أي انت المنافق الذي خنت امامك ودينك والتحقت بصفوف الكفر والنفاق وذلك في ظروف الحرب.. هل أنت ذلك الرجل؟؟
عبيد الله يعلم ان علياً رجل الحق والعدل .. فانتهز الفرصة وقال: هل ان خيانتي تمنعك من العدل يا أمير المؤمنين؟ أجابه الامام: «كيف.. ؟» وطلب منه ان يسرد قصته وطلب من الامام ان يغيثه في امره .. والامام امر باحضار زوجته وزوجها الثاني وقال: على المرأة ان تنفصل من زوجها الثاني وتبدأ بالعدة من الآن .. وبعد انتهاء عدتها تعود الى زوجها الاول ان لم تكن حاملاً.. ولو كانت حاملاً لا يعود اليها الزوج الاول حتى تضع ما في بطنها .. وولدها حلال طاهر وتابع لابيه: الزوج الثاني .. وبعد ذلك تعود المرأة الى زوجها الاول.
والجدير بالذكر ان الزوجة الغائب عنها زوجها لو راجعت المحكمة الاسلامية الشرعية وطلقها الحاكم الشرعي.. ثم عاد الزوج الاول.. لا يستطيع العودة لها.. ولا ينفسخ العقد الثاني وهو صحيح .. اما زوجة عبيد الله فلم تراجع المحكمة الاسلامية.. بل بادرت من نفسها إلى الاعتداد والزواج لذلك انفسخ الزواج الثاني بعد حضور الزوج الاول طبيعياً ودون طلاق  ..
ان العدل شرعة ثابتة لا تنتقض حتى في التعامل مع العدو ويقول تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ .
وسيرة الامام علي غنية بالشواهد والقصص التي تؤكد احترامه لانسانية الانسان، وحفاظه على كرامته وقد اتت للامام امرأة فقالت: ان زوجي وقع على جاريتي بغير امري -أي اعتدى خلقياً عليها-.
فقال للرجل : «ماتقول؟ »قال: ما وقعت عليها الا بأمرها.
قال متوجهاً للمرأة : ان كنت صادقة رجمته وان كنت كاذبة ضربناك حداً.
وأقيمت الصلاة وقام علي ليصلي. ففكرت المرأة في نفسها فلم تر لها فرجاً في رجم زوجها ولا في ضربها الحد، فخرجت ولم تعد. ولم يسأل عنها علي .
في الوقت الذي كان الامام يستطيع ان يأمر بالقاء القبض عليها واحضار زوجها ويحد احدهما.. لكنه كان يتنفر من اجراء العقوبات مع المحافظة على الحقوق والنظام.. ولم يكن يحمل في قرارة نفسه عقدة تعذيب الناس.. وكان يعفو قدر استطاعته.
أما أروع صور الحالة الانسانية في حياة علي فقد تجلت في الساعات الاخيرة من حياته الشريفه، مع الرجل الذي ضربه بالسيف وهو في محراب صلاته.
فقد هرب عبد الرحمن ابن ملجم من المسجد يريد الفرار، غيران الصيحات التي تعالت في سماء الكوفة أخرجت الكثيرين من بيوتهم بحثاً عن قاتل أمير المؤمنين، فانسدت طرقات الكوفة وسككها في وجه ابن ملجم، حتى قبض عليه بعض اصحاب علي فجاءوا به اليه، وهو بعد متأثراً بضربة السيف المسموم والدماء تنـزف من مفرق رأسه، وأصحابه يتصايحون، ها هو عدو الله قد أتيناك به يا امير المؤمنين فنظر اليه الامام نظرة مشفق عليه، لا نظرة انتقام وتشفي وقال له: «يابن ملجم أبئس الامام كنت لك» واذا ابن ملجم يبكي ويقول : لا.. ولكن هل انت تنقذ من في النار.
واستمر تعامله الانساني الرائع معه حتى آخر لحظة من حياته، فحينما وصف الاطباء اللبن دواءً وغذاء للامام فبادر الناس حتى الفقراء والمعدمون في الكوفة بجلب ما يتمكنون من اللبن الى بيت الامام، حمل الامام الحسن واحداً من أقداح اللبن الى الامام علي، فلما شرب منه قليلاً ناول ولده بقية القدح وقال: «خذوه لأسيركم أطعموه مما تأكلون واسقوه مما تشربون الله الله في أسيركم».
وليس غريباً –نتيجة لذلك- ما يعتقده بعض من ان الامام لو عاش لعفى عن ابن ملجم.
وهذا ما يتناسب مع عفو الامام دائماً..
ان هذا المستوى الانساني الرفيع الذي احتوته شخصية علي ، هو الذي ارتفع بعلي الى درجات من السمو والخلود قل ان تجد لها نظيراً الا شخصية استاذه ومعلمه رسول الله .
فقد روي انه كان جالساً في اصحابه، فمرت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بابصارهم، فقال : «إن ابصار هذه الفحول طوامح، وان ذلك سبب هبابها –أي هلاكها- فاذا نظر احدكم الى امرأة تعجبه، فليلامس اهله، فانما هي امرأة كامراته».
فقال رجل من الخوارج: قاتله الله كافراً ما افقهه. فوثب القوم ليقتلوه.
فقال : «رويداً ـ أي على مهلكم - انما هو سبًّ بسبّ او عفو عن ذنب».
وفي ذكرى ميلاد علي (عليه السلام) يمكننا أن نتعلم الكثير وأن نتقمص الكثير من ملامح العظمة والخلود في شخصيته، غير أن استيعاب البعد الانساني في حياته يبقى هو البعد الاكثر الحاحاً واهمية، في وقت يحرز الانسان فيه تقدماً مذهلاً في الكثير من نواحي حياته، وقد يغفل أن سعادته بتقدمه لن تكتمل ان خلت من حضور هذا البعد.
هكذا نقرأ عليا في هذه الذكرى المباركة، والله نسأل أن يعيننا على الاقتداء بسيرة على الذي اقتدى بسيرة الرسول اتباع الفصيل أثر امه، وان يعيدنا على هذه الذكرى، وقد ازدهرت فيه اوضاعنا، وفقنا الله واياكم لكل خير وصلاح، انه ولي التوفيق.

***