مسجد الفضيخ وحديث رد الشمس

علي صاحب الهاشمي

 

الفضيخ : عصير العنب وهو شراب يتخذ من البسر وحده من غير أن تمسه النار .

والفضخ : كسر الشئ الأجوف ، مصدر من باب نفع ومنه: ( فضخت رأسه بالحجارة ) .

وهو اسم مسجد من مساجد المدينة , روي أن فيه ردت الشمس لأمير المؤمنين (عليه السلام)(1).

ويعرف بمسجد الشمس اليوم، وهو شرقي مسجد قبا على شفير الوادي مرصوم بحجارة سود، وهو مسجد صغير(2).

 

حديث رد الشمس :

عن عمر بن سعيد ، عن الحسن بن صدقة ، عن عمار بن موسى قال ، دخلت أنا وأبو عبد الله (عليه السلام) مسجد الفضيخ فقال : (( يا عمار ترى هذه الوهدة ؟ ))(3)  قلت : نعم ، قال :(( كانت امرأة جعفر التي خلف(4) عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) قاعدة في هذا الموضع ومعها ابناها من جعفر فبكت فقال لها ابناها : ما يبكيك يا أمه ؟ قالت : بكيت لأمير المؤمنين (عليه السلام) , فقالا لها : تبكين لأمير المؤمنين ولا تبكين لأبينا ؟ قالت : ليس هذا هكذا ولكن ذكرت حديثا حدثني به أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الموضع فأبكاني ، قالا : وما هو ؟ قالت : كنت أنا وأمير المؤمنين في هذا المسجد فقال لي : ترين هذه الوهدة ؟ قلت : نعم , قال : كنت أنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعدين فيها إذ وضع رأسه في حجري ثم خفق  حتى غط (5) وحضرت صلاة العصر فكرهت أن أحرك رأسه عن فخذي فأكون قد آذيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ذهب الوقت وفاتت فانتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : يا علي صليت ؟ قلت : لا ، قال : ولم ذلك ؟ قلت : كرهت أن أوذيك , قال : فقام واستقبل القبلة ومد يديه كلتيهما وقال : اللهم رد الشمس إلى وقتها حتى يصلي علي فرجعت الشمس إلى وقت الصلاة حتى صليت العصر ثم انقضت (6) انقضاض الكوكب ))(7).

 

رد الشمس في بني إسرائيل:

روي عن الصادق عليه السلام أنه قال : (( إن سليمان بن داود (عليهما السلام) عرض عليه ذات يوم بالعشي الخيل فاشتغل بالنظر إليها حتى توارت الشمس بالحجاب فقال للملائكة : ردوا الشمس عليّ حتى أصلي صلاتي في وقتها فردوها ، فقام فمسح ساقيه وعنقه ، وأمر أصحابه الذين فاتتهم الصلاة معه بمثل ذلك ، وكان ذلك وضوءهم للصلاة ، ثم قام فصلى فلما فرغ غابت الشمس وطلعت النجوم ، ذلك قول الله عز وجل: ( وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ الصّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدّوهَا عَلَيّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ))) سورة ص / 30 ـ33. وقد أخرجت هذا الحديث مسندا في كتاب الفوائد .

وقد روي (( أن الله تبارك وتعالى رد الشمس على يوشع بن نون وصي موسى (عليه السلام) حتى صلى الصلاة التي فاتته في وقتها )) .

 

ردت الشمس لعلي (عليه السلام) مرتين:

 قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : (( يكون في هذه الأمة كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل وحذو القذة بالقذة )) .

 وقال عز وجل : ( سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً )  وقال عز وجل : ( وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً ) .

 فجرت هذه السنة في رد الشمس على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في هذه الأمة ، رد الله عليه الشمس مرتين ، مرة في أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومرة بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) .

 أما في أيامه (صلى الله عليه وآله وسلم) :

 فروي عن أسماء بنت عميس أنها قالت :  بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نائم ذات يوم ورأسه في حجر علي (عليه السلام) ففاتته العصر حتى غابت الشمس فقال : (( اللهم إنّ عليا كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس )) قالت أسماء : فرأيتها والله غربت ثم طلعت بعد ما غربت ولم يبق جبل ولا أرض طلعت عليه حتى قام علي (عليه السلام) فتوضأ وصلى ثم غربت.

وأما بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

فانه روي عن جويرية بن مسهر أنه قال : أقبلنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من قتل الخوارج حتى إذا قطعنا في أرض

 بابل (8) حضرت صلاة العصر فنزل أمير المؤمنين (عليه السلام) ونزل الناس ، فقال علي (عليه السلام) : (( أيها الناس إن هذه أرض ملعونة قد عذبت في الدهر ثلاث مرات ـ وفي خبر آخر مرتين وهي تتوقع الثالثة ـ وهي إحدى المؤتفكات (9) وهي أول أرض عبد فيها وثن ، وإنه لا يحل لنبي ولا لوصي نبي أن يصلي فيها ، فمن أراد منكم أن يصلي فليصل )) ، فمال الناس عن جنبي الطريق يصلون وركب هو (عليه السلام) بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومضى ، قال جويرية فقلت : والله لأتبعن أمير المؤمنين (عليه السلام) ولأقلدنه صلاتي اليوم ، فمضيت خلفه فوالله ما جزنا جسر سوراء (10) حتى غابت الشمس فشككت ، فالتفت إليَّ وقال : (( يا جويرية أشككت ؟ )) فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، فنزل (عليه السلام) عن ناحية فتوضأ ثم قام فنطق بكلام لا أحسنه إلا كأنه بالعبراني ، ثم نادى الصلاة فنظرت الله إلى الشمس قد خرجت من بين جبلين لها صرير (11) فصلى العصر وصليت معه ، فلما فرغنا من صلاتنا عاد الليل كما كان فالتفت إليّ وقال : (( يا جويرية بن مسهر الله عز وجل يقول : ( فَسَبّحْ بِاسْمِ رَبّكَ الْعَظِيمِ ) وإني سألت الله عز وجل باسمه العظيم فرد عليَّ الشمس )) . وروي أن جويرية لما رأى ذلك قال : ( أنت وصي نبي ورب الكعبة )(12).

 

حديث رد الشمس عند الخاصة:

وروى الكليني في الكافي إنها رجعت بمسجد الفضيخ من المدينة ، وأما المعروف مرتان في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكراع الغميم وبعد وفاته ببابل فأما في حال حياته (عليه السلام) ما روت أم سلمة وأسماء بنت عميس وجابر الأنصاري وأبو ذر وابن عباس والخدري وأبو هريرة والصادق (عليه السلام) إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):(( صلى بكراع الغميم فلما سلم نزل عليه الوحي وجاء علي (عليه السلام) وهو على ذلك الحال فأسنده إلى ظهره فلم يزل على تلك الحال حتى غابت الشمس والقرآن ينزل على النبي فلما تم الوحي قال يا علي صليت ؟ قال : لا ، وقص عليه فقال : ادع ليرد الله عليك الشمس فسال الله فردت عليه بيضاء نقية )) .

 

حديث رد الشمس عند العامة:

وفي رواية أبي جعفر الطحاوي إن النبي قال : (( اللهم إنَّ عليا كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس )) ، فردت فقام علي وصلى فلما فرغ من صلاته وقعت الشمس وبدر الكواكب ، وفي رواية أبي بكر مهرويه قالت أسماء : أما والله لقد سمعنا لها عند غروبها صريرا كصرير المنشار في الخشب قال : وذلك بالصهباء في غزاة خيبر ، وروي انه صلى إيماء فلما ردت الشمس أعاد الصلاة بأمر رسول الله .

وروى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره , وأبو عبد الله النطنزي في الخصايص ، والخطيب في الأربعين ، وأبو احمد الجرجاني في تاريخ جرجان رد الشمس لعلي (عليه السلام) ، ولأبي بكر الوراق كتاب طرق من روى رد الشمس ، ولأبي عبد الله الجعل مصنف في جواز رد الشمس ولأبي الحسن الشاذان كتاب بيان رد الشمس على أمير المؤمنين .

 وذكر أبو بكر الشيرازي في كتابه بالإسناد عن شعبة عن قتادة عن الحسن البصري عن أم هاني هذا الحديث مستوفى(13) .

وحديث رد الشمس أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار من حديث أسماء بنت عميس من طريقين وسقط ما بعده إلى آخر الكتاب من الطبع فلم نظفر على كلام الطحاوي في كتابه , وذكر في المعتصر من المختصر من مشكل الآثار معرضة الحديث بحديث أبي هريرة مرفوعا لم ترد الشمس مذ ردت على يوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس ودفع بان معناه مذ ردت إلى يومئذ وليس في ذلك ما يدفع أن يكون ردت على علي (رضي الله عنه) بعد ذلك بدعائه (صلى الله عليه وسلم) وهذا من اجل علامات النبوة وذكر فوائد أخرى إلى أن قال هذا منقطع وحديث أسماء متصل .

وقال القاضي عياض في الشفا وخرج الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين انه (صلى الله عليه وسلم) كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :(( أصليت يا علي فقال لا فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اللهم انه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس )) قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رايتها طلعت ووقفت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء قال وهذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات وحكى الطحاوي عن أحمد بن صالح كان يقول لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة انتهى كلام القاضي .

وقال الخفاجي المصري في شرح الشفا واعترض عليه بعض الشراح وقال إنه موضوع ورجاله مطعون فيهم كذابون ووضاعون ولم يدر ان الحق خلافه والذي غره كلام ابن الجوزي ولم يقف على أن كتابه أكثره مردود وقد قال خاتمة الحفاظ السيوطي وكذا السخاوي ان ابن الجوزي في موضوعاته تحامل تحاملا كثيرا حتى أدرج فيه كثيرا من الأحاديث الصحيحة كما أشار إليه ابن الصلاح وهذا الحديث صححه المصنف (رحمه الله تعالى) وأشار إلى أن تعدد طرقه شاهد صدق على صحته وقد صححه قبله كثير من الأئمة كالطحاوي وأخرجه ابن شاهين وابن مندة وابن مردويه والطبراني في معجمه وقال إنه حسن وصنف السيوطي في هذا الحديث رسالة مستقلة سماها كشف اللبس عن حديث رد الشمس وقال إنه سبق بمثله لأبي الحسن الفضلي أورد طرقه بأسانيد كثيرة وصححه (14).

 

حديث رد الشمس في الشعر:

قال المفجع البصري :

وعلي إذ نال رأس رسول  * * *  الله من حجره وسادا وطيا

إذ يخال النبي لما أتاه  * * *  الوحي مغمى عليه أو مغشيا

فتراخت عنه الصلاة ولم يوقظه  * * *  إلى أن كان شخصه منحيا

فدعا ربه فأنجزه الميعاد  * * *  من كان وعده مأتيا

قال هذا أخي بحاجة ربي  * * *  لم يزل شطر يومه مغشيا

فاردد الشمس كي يصلي في الوقت  * * *  فعاد العشي بعد مضيا

 

 

وقال الحميري :

 

ردت عليه الشمس لما فاته  * * *  وقت الصلاة وقد دنت للمغرب

حتى تبلج نورها في أفقها  * * *  للعصر ثم هوت هوي الكوكب

وعليه قد ردت ببابل مرة  * * *  أخرى وما ردت لخلق معرب

إلا ليوشع أو له من بعده  * * *  ولردها تأويل أمر معجب

 

وله أيضا :

 

فلما قضى وحي النبي دعا له  * * *  ولم يك صلى العصر والشمس تنزع

فردت عليه الشمس بعد غروبها  * * *  فصار لها في أول الليل مطلع

 

وله أيضا : علي عليه ردت الشمس مرة  * * *  بطيبة يوم الوحي بعد مغيب

وردت له أخرى ببابل بعد  * * *  ما افت وتدلت عينها لغروب

 

 

وقال ابن حماد :

 

قرن الاله ولائه بولائه  * * *  لما تزكى وهو حان يركع

سماه رب العرش نفس محمد  * * *  يوم البهال وذاك مالا يدفع

فالشمس قد ردت عليه بخيبر  * * *  وقد ابتدت زهر الكواكب تطلع

وببابل ردت عليه ولم يكن  * * *  والله خير من علي يوشع

 

 

وقال علي بن أحمد :

 

وغدير خم ليس ينكر فضله  * * *  إلا زنيم فاجر كفار

من ذا عليه الشمس بعد مغيبها  * * *  ردت ببابل نبئن يا حار

وعليه قد ردت ليوم المصطفى  * * *  يوما وفي هذا جرت أخبار

حاز الفضايل والمناقب كلها  * * *  أنى يحيط بمدحه الأشعار(15)

 

مسألة رد الشمس لا إشكال فيها بعد ثبوت إعجاز الأنبياء ، وقد ورد ردها لغيره (عليه السلام) كيوشع بن نون (16).

فرد الشمس تعد منقبة تختص بعلي (عليه السلام) وحده , وفضيلة تبعث على الدهشة , وتدعوا إلى العجب.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع البحرين / الشيخ الطريحي / ج 3 / ص 407.

(2) الحدائق الناضرة / المحقق البحراني / ج 17 - ص 419.

(3) الوهدة : الأرض المنخفضة والهوة من الأرض.

(4) امرأة جعفر هي : أسماء بنت عميس (رضي الله عنها) وقوله : (( خلف عليها )) كان قائما في الزوجية مقامه .

(5) خفق : أي نام وغط يغط بكسر عين المضارع غطيطا النائم : نخر في نومه .

(6) انقض الحائط أو الجدار أي سقط ويقال : انقض الطائر من طيرانه أي هوى ومنه انقضاض الكوكب .

(7) الكافي / الشيخ الكليني / ج 4 / ص 561 – 563.

(8) اسم موضع بالعراق قرب الحلة.

(9) مدائن قوم لوط أهلكها الله بالخسف.

(10) سورى وسوراء بلدة بأرض بابل وبها نهر يقال له : نهر سوراء .

(11) صرا وصريرا : صوت وصاح شديدا .

(12) من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / ج 1 / ص 202 - 204.

(13) مناقب آل أبي طالب / ابن شهر آشوب / ج 2 / ص 204.

(14) شرح معاني الآثار / أحمد بن محمد بن سلمة / ج 1 / المقدمة 46

(15) مناقب آل أبي طالب / ج 2 / ص 204.

(16) تفسير الميزان / السيد الطباطبائي / ج 17 / ص 206.