مولد عليّ (ع) من حديث الإمام أبي عبدالله الصادق

جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)

والعباس بن عبدالمطلب، ويزيد بن قعنب، وعائشة

بسم الله الرحمن الرحيم

روى الشيخ الطوسي في 'أماليه' هذا الجزء كلّه، بسنده إلى ابن شاذان مسنداً عن الصادق عليه السلام وعن الصحابة.

وهي أحاديث موزّعة في مصادر عديدة كمناقب ابن شهر آشوب، وكتب 'معاني الأخبار' و 'علل الشرائع' و 'الأمالي' للصدوق، و 'روضة الواعظين' للفتال النيسابوري، و 'بشارة المصطفى' لشيعة المرتضى، للطبري.

والنصّ المعتمد هنا بكامله، هو ما أورده الشيخ الطوسي في أماليه، في المجلس "42":

بسم الله الرحمن الرحيم

ابن شاذان بالأسانيد:

عن الزهري، عن عائشة.

وعن أنس بن مالك، عن العباس بن عبد المطلب.

وعن أبي عبد اللَّه جعفر بن محمد عليهماالسلام، عن آبائه عليهم السلام.

كان العبّاس بن عبد المطلب، ويزيد بن قعنب جالسين ما بين فريق بني هاشم إلى فريق عبد العزّى بإزاء بيت اللَّه الحرام، إذ أتتْ فاطمة بنت أسد بن هاشم اُمّ أمير المؤمنين عليه السلام، وكانت حاملةً بأمير المؤمنين عليه السلام لتسعة أشهر، وكان يوم التمام.

قال: فوقفت بإزاء البيت الحرام، وقد أخذها الطلق، فرمت بطرفها نحو السماء، وقالت: أي ربّ إنّي مؤمنةٌ بك، وبما جاء به من عندك الرسل، وبكلّ نبيّ من أنبيائك، وبكلّ كتاب أنزلت، وانّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل، وأ نّه بنى بيتك العتيق، فأسألك بحقّ هذا البيت ومَن بناه، وبهذا المولود الذي في أحشائي الّذي يكلّمني ويؤنسني بحديثه، وأنا موقنة أ نّه إحدى آياتك ودلائلك لمّا يسّرت عليّ ولادتي.

قال العبّاس بن عبد المطلب ويزيد بن قعنب: لمّا تكلّمت فاطمة بنت أسد، ودعت بهذا الدعاء، رأينا البيت قد انفتح من ظهره، ودخلت فاطمة فيه، وغابت من أبصارنا، ثمّ عادت الفتحة، والتزقت بإذن اللَّه تعالى.

فرمنا أن نفتح الباب ليصل إليها بعض نسائنا، فلم ينفتح الباب، فعلمنا أنّ ذلك من أمر اللَّه تعالى.

وبقيت فاطمةٌ في البيت ثلاثة أيام به.

قال: وأهل مكّة يتحدّثون بذلك في أفواه السكك، وتتحدّث المخدرات في خدورهنّ.

قال: فلمّا كان بعد ثلاثة أيام انفتح البيت من الموضع الذي كانت دخلت فيه، فخرجت فاطمةٌ وعليّ على يديها، ثمّ قالت: معاشر الناس إنّ اللَّه عزّ وجل اختارني من خلقه، وفضّلني على المختارات ممّن مضى قبلي.

وقد اختار اللَّه آسية بنت مزاحم، فإنّها عبدت اللَّه سرّاً في موضعٍ لا يحبّ أن يعبد اللَّه فيه إلّا اضطراراً.

ومريم بنت عمران حيث اختارها اللَّه، ويسّرت عليها ولادة عيسى، فهزّت الجذع اليابس من النخلة في فلاةٍ من الأرض حتّى تساقط عليها رطبّاً جنياً.

وإن اللَّه تعالى اختارني وفضّلني عليهما، وعلى كلّ مَن مضى قبلي من نساء العالمين، لأ نّي ولدتُ في بيته العتيق، وبقيتُ فيه ثلاثة أيام، آكل من ثمار الجنة وأوراقها.

فلما أردتُ أن أخرجَ وولدي على يدي هتف بي هاتفٌ وقال:

يا فاطمة، سمّيهِ عليّاً، فأنا العليُّ الأعلى، وإنّي خلقته من قدرتي، وعزّ جلالي، وقسط عدلي، واشتققتُ اسمه من اسمي، وأدّبته بأدبي، وفوّضت إليه أمري، ووقّفته على غامض علمي، ووُلِدَ في بيتي، وهو أول مَن يؤذّن فوق بيتي، ويكسر الأصنام، ويرميها على وجهها، ويعظّمني، ويمجّدني، ويهلّلني، وهو الإمام بعد حبيبي ونبيّي، وخيرتي من خلقتي محمّد رسولي، ووصيّه، فطوبى لمن أحبّه ونصره، والويل لمن عصاه وخذله، وجحد حقّه.

قال: فلمّا رآه أبو طالب سرّه، وقال علي: السلام عليك يا أبه، ورحمة اللَّه وبركاته.

قال: ثم دخل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فلمّا دخل اهتزّ له أمير المؤمنين، وضحك في وجهه، وقال: السلام عليك يا رسول اللَّه، ورحمة اللَّه وبركاته.

قال: ثمّ تنحنحَ بإذن اللَّه تعالى وقال: 'بسم اللَّه الرحمن الرحيم، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ'(1) - إلى آخر الآيات-.

فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: قد أفلحوا بك، وقرأ تمام الآيات إلى قوله: 'أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ'.

فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: 'أنت واللَّه أميرهم، تميرهم من علومك فيمتارون، وأنت واللَّه دليلهم وبك يهتدون'.

ثمّ قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لفاطمة: 'اذهبي إلى عمّه حمزة، فبشّريه به'.

فقالت: فإذا خرجتُ أنا فمن يروّيه؟

قال: 'أنا اُروّيه'.

فقالت فاطمة: أنتَ تروّيه؟

قال: نعم.

فوضع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لسانه في فيه، فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عيناً.

قال: فسمّي ذلك اليوم 'يوم التروية'.

فلمّا أن رجعتْ فاطمة بنت أسد رأتْ نوراً قد ارتفع من عليٍّ إلى عنان السماء.

قال: ثمّ شدّتْه وقمّطتْه بقماطٍ، فبتر القماط.

قال: فأخذت فاطمة قماطاً جيّداً، فشدّته به، فبتر القماط، ثمّ جعلته قماطين، فبترهما، فجعلته ثلاثة فبترها، فجعلت أربعة أقمطة من رِقّ مصر لصلابته، فبترها، فجعلته خمسة أقمط ديباج لصلابته، فبترها كلّها، فجعلته ستّةً من ديباج وواحداً من الأدم، فتمطّى فيها، فقطعها كلّها بإذن اللَّه.

ثمّ قال بعد ذلك: يا اُمّه، لا تشدّي يدي، فإنّي أحتاج إلى أن اُبصبص لربي بإصبعي.

قال: فقال أبو طالب عند ذلك: إنه سيكون له شأن ونبأ.

فلمّا كان من غدٍ دخل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على فاطمة، فلما بصر عليّ عليه السلام برسول اللَّه صلى الله عليه و آله ضحك في وجهه، وأشار إليه أن خُذني إليك، واسقني ممّا سقيتني بالأمس.

قال: فأخذه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فقالت فاطمة: عرفه وربّ الكعبة.

قال: فلكلام فاطمة سمّي ذلك اليوم يوم عرفة "تعني أن أمير المؤمنين عليه السلام عرف رسول اللَّه صلى الله عليه و آله".

فلمّا كان اليوم الثالث، وكان العاشر من ذي الحجة، أذّن أبو طالب في الناس أذاناً جامعاً، وقال: هَلمّوا إلى وليمة ابني علي.

قال: ونحر ثلاثمائة من الإبل، وألف رأس من البقر والغنم، واتخذ وليمةً عظيمةً.

وقال: معاشر الناس ألا مَن أراد من طعام عليٍّ ولدي فهلُمّوا، وطوفوا بالبيت سبعاً، وادخلوا وسلّموا على ولدي عليٍّ، فإنّ اللَّه شرّفه. ولفعل أبي طالب شرّف يوم النحر.

 

هوامش:

1 ـ سورة المؤمنون: 2- 1.