قال شريح: كنت أقضي لعمر بن الخطاب، فأتاني
يوماً رجل فقال لي: يا أبا أمية إنّ رجلاً أودعني امرأتين، إحداهما حرة
مهيرة، والاخرى سرية، فجعلتهما في دار، وأصبحت اليوم قد ولدتا غلاماً
وجارية، وكلتاهما تدعي الغلام وتنتفي من الجارية، فاقض بينهما بقضائك، فلم
يحضرني شيء فيهما، فأتيت عمر فقصصت عليه القصة فقال: فما قضيت بينهما؟ قلت:
لو كان عندي قضائهما ما أتيتك.
فجمع عمر جميع من حضر من أصحاب النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم)وأمرني فقصصت عليهم ما حدثته به، وشاورهم وكلهم ردوا
الرأي إليَّ وإليه.
فقال عمر: ولكني أعرف حيث مفزعها وأين
منتزعها.
قالوا: كأنّك أردت ابن أبي طالب؟
قال: نعم، وأين المذهب عنه.
قالوا: فابعث إليه يأتيك.
فقال: لا، له شمخة من هاشم، وأثرة من علم،
يؤتى لها ولا يأتي، وفي بيته يؤتى الحكم، فقوموا بنا إليه.
فأتينا أمير المؤمنين (عليه السلام)
فوجدناه في حائط له يركل فيه على مسحاته ويقرأ: (أيحسبُ الانسانُ أن يُتركَ
سُدى) ويبكي، فأمهلوه حتى سكن، ثم استأذنوا عليه، فخرج إليهم وعليه قميص قد
نصّف أردانه، فتوجه علي إلى عمر، وقال: «ما الذي جاءك؟».
فقال: عرض، وأمرني فقصصت عليه القصة.
قال: «فبم حكمت فيها»؟
قلت: لم يحضرني حكم فيها.
فأخذ (عليه السلام) بيده من الارض شيئاً ثم
قال: «الحكم فيها أهون من هذا».
ثم أحضر المرأتين وأحضر قدحاً، ثم دفعه إلى
إحداهما فقال: «احلبي فيه»، فحلبت فيه ثم وزن القدح ، ودفعه إلى الاخرى
فقال: «احلبي فيه»، فحلبت فيه، ثم وزنه، فقال لصاحبة اللبن الخفيف: «خذي
ابنتك»، ولصاحبة اللبن الثقيل: «خذي ابنك»، ثم التفت إلى عمر فقال: «أما
علمت أنّ الله تعالى حط المرأة عن الرجل فجعل عقلها وميراثها دون عقله
وميراثه، وكذلك لبنها دون لبنه».
فقال عمر: «لقد أرادك الحق يا أبا الحسن
ولكن قومك أبوا.
فقال (عليه السلام): «هوّن عليك أبا حفص،
إن يوم الفصل كان ميقاتاً»!.