مؤسس المكتبة

عند البحث في المصادر التي كتبت عن النجف الأشرف والعتبة العلوية المقدسة، نجد عدة أسماء يُذكر بأ نّها قامت بتأسيس المكتبة ـ وإن لم نتمكن من تحديد وضبط المؤسس الأوّل يقيناً ـ والاهتمام بها، نذكرهم كمايلي:

 

1 ـ عضد الدولة البويهي فناخسرو (ت 372 هـ ):

لم نعثر على مصدر متقدم ينصّ على انّ عضد الدولة هو المؤسس الأوّل للمكتبة أو انّه كان من المعنيين بها رغم تصريح المتأخرين بذلك(1)، ولعلّهم اعتمدوا على مكانة عضد الدولة العلمية وحبّه للعلم والعلماء والكتب.

قال عنه الثعالبي (ت 429 هـ ) في يتيمة الدهر: «كان يتقرب للأدب ويتشاغل بالكتب، ويؤثر مجالسة الاُدباء على منادمة الاُمراء»(2). وقال عنه الذهبي: «كان بطلا شجاعاً مهيباً أديباً عالماً»(3) وكانت له خزانة كتب كبيرة وصفها معاصره البشاري المقدسي بقوله: «لم يبق كتاب صنّف إلى وقته من أنواع العلوم كلّها إلاّ وحصله فيها»(4).

وقد ورد في فرحة الغري نص يمكن أن يُستأنس منه وجود المكتبة في عهد عضد الدولة حيث روى السيّد عبدالكريم ابن طاووس وقال: «ونقلت من خط السيّد عليّ بن عزام الحسيني... ما صورته: حدّثنا يحيى بن عليان الخازن بمشهد مولانا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) انّه وجد بخط الشيخ أبي عبدالله بن محمّد بن السري المعروف بابن البرسي بمشهد الغري (سلام الله على صاحبه) على ظهر كتاب بخطه...»(5) ثمّ ذكر حادثة زيارة عضد الدولة البويهي للمشهدين الغروي والحائري وما فعل فيهما من صلات وخيرات ومبرات. فمن المحتمل أنّ ابن البرسي أرّخ هذا الحدث وأثبته في ظهر كتاب من كتب المشهد الغروي وبقي هذا الكتاب إلى أن رآه يحيى بن عليان ونقل عنه. ويبقى هذا مجرد احتمال واستيناس لا أكثر.

وعلى كلّ حال فبالاستناد إلى هذه القرائن وغيرها يمكن الاستفادة بكون عضد الدولة كان من المهتمين بشأن هذه المكتبة، إذ من غير المعقول أن يهتم بجانب إعمار العتبة ويصرف عليها الأموال الطائلة، ويترك شأن العلم والثقافة والكتاب وهو الذي تشاغل بالكتب وآثر مجالسة الاُدباء على منادمة الاُمراء، وهو الذي اهتم بشأن فقهاء النجف وبذل عليهم الأموال(6).

 

2 ـ السيّد صدرالدين بن شرف الدين بن محمود الكفي الآوي (ق 8 ):

قال الشيخ عليّ الشرقي: «وأوّل من أسس المكتبة العلوية الصدر الكفي المعروف بالآوي الذي أوصى ابن أخيه بشراء الكتب وجعلها وقفاً على طلاب النجف»(7).

وهذا لا يصحّ فانّ المكتبة العلوية أو الخزانة كانت موجودة قبل هذا التاريخ وكانت عامرة ومورداً لاستفادة العلماء والباحثين، وعلى سبيل المثال فانّ السيّد ابن طاووس (ت 664 هـ ) كان يتردد عليها واستفاد منها، يشهد بذلك ما أورده في كتاب الطرائف حيث قال: «رأيت كتاباً كبيراً مجلداً في مناقب أهل البيت(عليهم السلام)تأليف أحمد بن حنبل فيه أحاديث جليلة قد صرح فيها نبيّهم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بالنص على عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بالخلافة على الناس، ليس فيها شبهة عند ذوي الانصاف وهي حجة عليهم، وفي خزانة مشهد عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بالغري من هذا الكتاب نسخة موقوفة، من أراد الوقوف عليها فليطلبها من خزانته المعروفة»(8).

وقال في موضع آخر: «ومن ذلك ما ذكره الاصفهاني أسعد بن عبدالقادر بن شفروه في كتاب الفائق، فانّه تضمن نصوصاً صريحة من نبيّهم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) على عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بالخلافة أيضاً ومناقب جليلة، وقد رأيت نسخة بخزانة مشهد عليّ بن أبي طالب بالغري»(9).

وهذا يدلّ على انّها كانت عامرة ومورداً للاستفادة، سيّما قول السيّد ابن طاووس: «فليطلبها من خزانته المعروفة» حيث يدلّ على شهرتها وقدمها وإلاّ لما وُصفت بالمعروفية.

وكذلك ما رواه السيّد عبدالكريم ابن طاووس (ت 693 هـ ) في فرحة الغري ـ كما مرّ ـ حيث قال: «ونقلت من خط السيّد عليّ بن عزام الحسيني(رحمه الله)... ما صورته: حدّثنا يحيى بن عليان(10) الخازن بمشهد مولانا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) انّه وجد بخط الشيخ أبي عبدالله بن محمّد بن السري المعروف بابن البرسي(رحمه الله)بمشهد الغري (سلام الله على صاحبه) على ظهر كتاب بخطه...»(11).

وهذا النص يمكن أن يستفاد منه على وجود المكتبة في القرن السابع ـ إذ انّ يحيى بن عليان من أعلام القرن السابع ـ وكذلك على وجود خازن لها.

هذا، بالاضافة إلى وجود الوقفيات على ظهر ما تبقى من كتب الخزانة يرجع تاريخها إلى القرن السابع الهجري، منها كتب ابن كمونة.

فتلخص ممّا مضى انّ السيّد صدر الدين الآوي لم يكن أوّل من أسّس المكتبة، نعم يظهر ممّا قاله الخليلي في موسوعة العتبات المقدسة انّه قام بتأسيسها بعدما شب حريق في العتبة العلوية المقدسة وأُحرق معظمها، قال: «ومن هنا تأسست المكتبة العلوية من جديد، وقد قام بتأسيسها السيّد صدر الدين بن شرف الدين بن محمود بن الحسن بن خليفة الكفي المعروف بالآوي، مستعيناً بفخر المحققين أبي طالب محمّد بن الحسن الحلي المتوفى سنة (771 هـ ) وسميت بالخزانة العلوية وذلك سنة (760 هـ ) »(12).

وقد أشار إلى هذا الحريق ابن عنبة (ت 828 هـ ) في كتابه عمدة الطالب(13)، حيث قال: «وقد كان بالمشهد الشريف الغروي مصحف في ثلاث مجلدات بخطّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) احترق حين احترق المشهد سنة خمس وخمسين وسبعمائة(14)، يقال انّه كان في آخره: وكتب عليّ بن أبي طالب».

وهكذا تكاملت المكتبة شيئاً فشيئاً إلى أن بلغت ذروتها، ولكن شاءت الأقدار أن تهمل وتتلاشى شيئاً فشيئاً لعلل وأسباب مختلفة حتى لم يبق منها إلاّ القليل، إلى أن أُعيد تأسيسها من جديد بعد سقوط النظام البائد على يد المرجعية العليا في النجف الأشرف، كما سيوافيك بيانه.

 

3 ـ المرجعية العليا في النجف الأشرف:

بعد سقوط طاغية العراق، وما خلّفه من أزمات ثقافية ومعرفية للشعب العراقي، تبنّى مكتب المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد السيستاني حفظه الله تعالى إحياء وتأسيس مكتبات عامة في العتبات المقدسة، لتتبنى النهوض الثقافي وتكون مشروعاً دينياً يشعّ نورها لروّاد العلم والفضيلة.

وقد أخذ على عاتقه النهوض بهذه المهمة سماحة المرحوم حجة الإسلام والمسلمين الشيخ فارس الحسون رحمه الله تعالى (ت1426هـ) مدير مركز الأبحاث العقائدية في قم المقدسة، وكان باكورة هذا العمل الشروع وإعادة تأسيس (مكتبة الروضة الحيدرية) في العتبة العلوية المقدسة في النجف الأشرف، حيث افتتحت هذه المكتبة في 20 جمادى الثانية عام 1426هـ ق، ولاقت إقبالاً واسعاً من قبل رواد العلم وهي في طريقها نحو النمو والازدهار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ راجع: كوركيس عواد ـ خزائن الكتب القديمة في العراق: 131، جعفر الخليلي ـ موسوعة العتبات المقدسة 7: 224.

2 ـ الثعالبي ـ يتيمة الدهر 2: 257.

3 ـ الذهبي ـ سير أعلام النبلاء 16: 350.

4 ـ كوركيس عواد ـ خزائن الكتب القديمة في العراق 1: 126، عن أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم: 449.

5 ـ السيد عبدالكريم ابن طاووس ـ فرحة الغري: 154.

6 ـ المصدر نفسه: 155 ح95.

7 ـ عليّ الشرقي ـ الأحلام: 58، جعفر الدجيلي ـ موسوعة النجف ا لأشرف 3: 157 بقلم الشيخ محمد هادي الأميني.

8 ـ السيد ابن طاووس ـ الطرائف: 137.

9 ـ المصدر نفسه: 139.

10 ـ وهو من رواة الرسالة الذهبية للإمام الرضا (عليه السلام)، ولكن ورد باسم يحيى بن محمد بن علبان ـ بالباء ـ .

11 ـ عبدالكريم ابن طاووس ـ فرحة الغري: 154.

12 ـ جعفر الخليلي ـ موسوعة العتبات المقدسة 7: 226.

13 ـ ابن عنبة ـ عمدة الطالب: 22.

14 ـ ولكن قال ابن عنبة في صفحة: 59 بأنّ الحريق كان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة حيث قال: (ولم تزل عمارته [أي عضد الدولة] باقية إلى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة... فاحترقت تلك العمارة) حيث يبدو أنها احترقت في ذلك التاريخ.