تاريخ مكتبة الروضة الحيدرية

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ من أهم أسباب النهوض بالواقع الثقافي الذي يعيشه الشعب العراقي في هذه الفترة العصيبة، هو النهوض العلمي والمعرفي، وبث روح التفكّر والتأمّل، وإيجاد ثقافة القراءة عند الناس، ولا يخفى أنّ العلم لا يُحفظ ولا يُنشر بنحو أفضل وأكمل إلاّ بالكتاب، والكتاب لا يُحفظ ولا يمكن تعميم الاستفادة منه مدّة مديدة إلاّ بالمكتبات. ومن هنا تظهر أهمية المكتبات ودورها في النهوض الثقافي والمعرفي، وفي تطوير واقع النشاط العلمي والارتقاء بالمشهد الثقافي الذي من خلاله نستطيع أن نبني ثقافة متكاملة متحضرة، وهذا يتطلب النهوض الأمثل بالمكتبات العامة وتجهيزها بالمعدات اللازمة المتطورة، والسعي لإيصال الكتاب والوعاء المكتبي بصورة عامة إلى أبعد نقطة ممكنة في البلد.

«ولقد تبلورت وظائف المكتبات ومؤسسات المعلومات الحديثة في ثلاث وظائف أساسية هي:

1 ـ جمع مصادر المعلومات من مظانها المختلفة.

2 ـ تنظيم وإعداد هذه المصادر وتحليل ما بها من معلومات.

3 ـ تيسير الإفادة من تلك المصادر بأسرع وقت وأقل جهد.

ومن هذه الوظائف تكون المكتبات ومؤسسات المعلومات أداة للتقدم الإنساني في شتى مجالات العلم، حيث لا يمكن الآن إتخاذ أيّ قرار لا على المستوى الرسمي، ولا على المستوى الشخصي، ولا على مستوى البحث العلمي إلاّ بالاستناد إلى المعلومات الدقيقة في الوقت المحدد».

من هذا المنطلق نشأت المكتبات في العصر الإسلامي، وأُنشِئَتْ بيوت خاصة لجمع الكتب وحفظها في العواصم العلمية، ويحدثنا التاريخ بأنّ بعض العلماء والوزراء كانت لهم مكتبات ضخمة ببغداد، فقد ورد بأنّ خزانة كتب السيّد المرتضى(رحمه الله) كانت ثمانين ألف مجلد، وفي الري كانت كتب الصاحب ابن عبّاد تحتاج إلى سبعمائة بعير لحملها، إلى غيرها من المكتبات التي كانت ببغداد وغيرها من العواصم الإسلامية.

ولا يخفى بأنّ أهمية المكتبة والمكتبات تضاعفت في زماننا هذا، ولا سيّما بعد انتشار أزمة فقدان الهوية في الجوامع البشرية، وما نراه من تزايد المعلومات وكثرة تشعبها، وصعوبة حصرها في مكان واحد من دون الاستعانة بالمكتبات.

فالمكتبة إذاً مؤسسة علمية ثقافية تهدف إلى جمع مصادر المعلومات ووضعها في متناول القرّاء والباحثين من أجل استخدامها في الأغراض الثقافية والعلمية.

ومن جملة تلك المكتبات التي كانت لها الريادة العلمية هي «مكتبة الروضة الحيدرية» مع ما لها من تاريخ قديم وكنوز ثمينة، وفيما يلي محاولة متواضعة تسلط الضوء على تاريخ هذه المكتبة وما جرى عليها طيلة عدة قرون وإلى يومنا هذا.

***

كانت النجف منذ زمن بعيد مهداً للعلم والمعرفة إذ حوت بين جنبيها باب علم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وكانت ولا تزال محوراً للحركات الثقافية والاجتماعية والسياسية، يشهد بذلك كثرة المكتبات والمدارس فيها والكتب الصادرة منها بالاضافة إلى الاجازات الروائية الكثيرة التي تحمّلها أرباب العلم والفضيلة من مشايخهم في هذه المدينة الكريمة الدالة على الحركة العلمية والنشاط الثقافي.

ومن أقدم وأهم مكتبات النجف الأشرف هي مكتبة الروضة الحيدرية لِما فيها من كتب ونفائس كثيرة كان أغلبها بخط مؤلّفيها أو عليها خطوطهم(1)، وقد زارها الشيخ عليّ الحزين الگيلاني المولود سنة 1103 هـ عند مجيئه للنجف وقال عنها في كتابه السوانح الذي ألّفه عام (1154 هـ ): انّ فيها من كتب الأوائل والأواخر من كل فن ما لا يمكن عدّه وحصره، وكذلك وصفها السيّد عبداللطيف الشوشتري في كتابه تحفة العالم عندما زارها عام (1200 هـ ) وقال: انّ فيها من نفائس العلوم المختلفة التي لم توجد في خزائن السلاطين(2).

ويمكن أن نوجز أهمّ الأسباب التي أدّت إلى اشتهار هذه المكتبة في النقاط التالية:

1 ـ اهتمام السلاطين والاُمراء والوزراء، حيث كانوا يهدون إليها أنفس ما بحوزتهم من مخطوطات ونفائس تقرباً إلى الله تعالى وتكرماً لصاحب الروضة.

2 ـ اهتمام العلماء والمؤلّفين، وذلك من خلال:

ألف: شراء الكتب والمكتبات الخاصة، وعلى سبيل المثال فانّ صدر الدين الكفي الآوي (ق 8) لمّا قام بتأسيس المكتبة من جديد بعد احتراقها بدأ بشراء الكتب والمكتبات الخاصة من بغداد حيث أُصيبت بغلاء وقحط فبيعت خزائن الكتب للغلة(3).

ب: وقف الكتب والمكتبات، حيث أوقف ابن العتائقي الحلي وكذلك جلال الدين بن شرفشاه الحسيني كتبهم وتأليفاتهم على مكتبة الروضة الحيدرية وكذلك غيرهما من العلماء والمؤلّفين، وسيوافيك شرحه.

3 ـ وجود الحوزة العلمية طيلة عدة قرون.

4 ـ وجود المدرسة العلوية داخل العتبة المقدسة، وفي ذلك يقول الاُستاذ الشيخ عليّ الشرقي:

«انّ الجاليات والرواد الهابطين على المدرسة النجفية من بلاد ايران والهند وآذربيجان وما وراء النهر والقوقاز وعاملة والخليج وبعض نواحي اليمن، كانوا يفدون على النجف بثرواتهم المادية والأدبية وأهمها اُمهات الكتب المخطوطة من كتب الفلسفة والرياضيات والأدب والفلك والتاريخ والمسالك والممالك، وقد كان رواد العلم وطلابه يسكنون على الأغلب المدرسة العلوية الكبرى (الصحن) ومنهم المقيم في غيرها من المدارس والدور الخاصة، وكانت في المدرسة العلوية خزانة كتب نفيسة تجمعت ممّا يحمله المهاجرون، وكانوا بعدما يتزودون بزاد العلم ويعتزمون العودة إلى أوطانهم يتركون ما حملوه من نفائس الكتب، وما ألفوه من رسائل واطروحات في خزانة المدرسة العلوية محبسة على طلابها»(4).

وهذه المدرسة هي التي زارها ابن بطوطة في رحلته عام (727 هـ) ووصفها بقوله: «ويدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة ولكلّ وارد عليها ضيافة ثلاثة أيّام من الخبز واللحم والتمر، ومن تلك المدرسة يدخل إلى باب القبّة...»(5).

فهذه الأُمور وغيرها أدّت إلى توسّع المكتبة واشتهارها شيئاً فشيئاً.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الشيخ جعفر محبوبة ـ ماضي النجف وحاضرها 1: 148.

2 ـ المصدر نفسه 1: 150.

3 ـ عليّ الشرقي ـ الأحلام: 58، جعفر الدجيلي ـ موسوعة العتبات المقدسة 7: 226.

4 ـ عليّ الشرقي ـ الأحلام: 58.

5 ـ راجع السيد محسن الأمين ـ أعيان الشيعة: 1: 330.